وهذا معنى قول (١) عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب (٢) أي (٣) عليك بما فطرهم الله عليه، فإن الله فطر عباده على الحق، والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها، وأما أعداء الرسل كالجهمية، و (٤) الفرعونية ونحوهم فيريدون أن يغيروا فطرة الله (ودين الله) (٥) ويوردون على الناس شبهات (٦) بكلمات متشابهات لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها ولا يحسن أن يجيبهم (عنها) (٧)(٨).
стр. 12812
وقد بسط الكلام (في الرد عليهم) (١) في غير هذا الموضع.
стр. 12813
وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا قالها أحد من أئمة المسلمين كلفظ التحيز (١) والجسم والجهة (٢) ونحو ذلك فمن كان عارفا بحل (٣) شبهاتهم بينها ومن لم يكن عارفا بذلك فليعرض ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٤).
ومن تكلم في الله وأسمائه وصفاته بما يخالف به الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله بالباطل وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين (٥) ما لم يقولوه فينسبون للشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه، ويقولون تبعهم: هذا الذي نقوله (٦) اعتقاد الإمام
стр. 12814
الفلاني فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم في ذلك كما تبين كذبهم فيما ينقلونه (١) عن النبي ﷺ ويضيفونه إلى سنته من البدع والأقوال الباطلة، ومنهم من إذا طولب بتحقيق نقله، يقول هذا القول قاله العقلاء والإمام القرني لا يخالف العقلاء، ويكون أولئك العقلاء طائفة من أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة، فقد قال الشافعي ﵁ (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل علي الكلام (٢) فإذا كان (٣) هذا حكمه فيمن أعرض عنهما فكيف حكمه فيمن عارضهما بغيرهما، وكذلك قال أبو يوسف القاضي: من طلب الدين بالكلام تزندق (٤)، وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل ما ارتدى أحد بالكلام
стр. 12815
فأفلح، (١) وقال علماء (٢) الكلام زنادقة (٣) وكثير من هؤلاء قرءوا كتبا من كتب أهل (٤) الكلام فيها شبهات أضلتهم ولم يهتدوا لجوابهم فإنهم يجدون في تلك الكتب أن الله لو كان فوق الخلق للزم التجسم (٥) والتحيز والجهة وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ وما أراد بها أصحابها فإن ذكر الجسم في أسماء الله وصفاتها بدعة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا قالها أحد من سلف (٦) الأمة ولا أئمتها (٧) لم يقل أحد منهم (٨) أن الله جسم ولا أن الله ليس بجسم ولا أن الله جوهر ولا أن الله ليس بجوهر (٩) ولفظ الجسم مجمل ومعناه (١٠) في اللغة (هو) (١١) البدن ومن قال أن الله مثل بدن الإنسان فهو مفتر علي الله بل من قال إن الله يماثل شيئا من المخلوقات فهو
стр. 12816
مفتر علي الله ومن (١) قال: إن الله ليس بجسم وأراد بذلك أن الله لا يماثل شيئا من المخلوقات فالمعني صحيح وإن كان اللفظ بدعة، (وأما) (٢) من قال إن الله ليس بجسم وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة وأنه لم يتكلم بالقرآن (٣) العربي بل القرآن العربي مخلوق أو تصنيف جبريل، أو نحو (٤) ذلك فهو مفتر علي الله في ما نفاه عنه وهذا أصل ضلال الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم علي مذهبهم فإنهم يظهرون للناس التنزيه وحقيقة كلامهم التعطيل فيقولون: نحن (٥) لا نجسم بل نقول (٦) إن الله ليس بجسم
стр. 12817
ومرادهم بذلك نفي حقيقة أسماء الله (١) وصفاته فيقولون ليس لله علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام ولا سمع ولا بصر ولا يرى في الآخرة ولا عرج بالنبي ﷺ إليه ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يتجلى لشيء ولا يقرب إلى شيء ولا يقرب منه شيء (٢)، وأنه لم يتكلم بالقرآن (٣)، بل القرآن مخلوق أو كلام (٤) جبريل، وأمثال ذلك من كلام (٥) المعطلة الفرعونية الجهمية والله تعالى يقول في كتابه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٦) أي لا تحيط به فكما أنه يعلم ولا يحاط به علما، فكذلك (٧) يرى ولا يحاط به رؤية فهو نفى الإدراك ولم ينف الرؤية (٨)، ونفي الإدراك يدل على عظمته وأنه (٩) من عظمته لا يحاط به، وأما نفي الرؤية فلا مدح فيه، فإن المعدومات لا
стр. 12818
ترى ولا مدح لشيء (١) من المعدومات بل المدح إنما (٢) يكون في (٣) الأمور الثبوتية لا بالأمور العدمية، وإنما يحصل المدح بالعدم (٤) إذا تضمن ثبوتا كقوله تعالى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٥) فنزه نفسه عن السنة والنوم لأن ذلك يتضمن كمال حياته وقيوميته، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٦) فهو سبحانه حي لا يموت قيوم لا ينام وكذلك قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٧) فنزه نفسه المقدسة عن مس اللغوب وهو الإعياء والتعب ليتبين (٨) كمال قدرته فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن (كل) (٩) نقص وعيب موصوف بالحياة (١٠) والعلم (١١) والقدرة والسمع والبصر والكلام منزه عن الموت والجهل والعجز والصمم والعمى (١٢)
стр. 12819
والبكم، وهو سبحانه لا مثل له في شيء من صفات الكمال فهو (١) منزه عن كل نقص وعيب قدوس سلام تمتنع عليه النقائص والعيوب بوجه من الوجوه وهو سبحانه لا مثل له في شيء من صفات كماله بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله. ﷺ . من غير تحريف (٢) ولا تعطيل ومن غير (٣) تكييف ولا تمثيل فيثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وينزهونه عما نزه عنه (٤) نفسه من (٥) مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦) (وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٧) رد على الممثلة. وقوله تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٨) ردا على المعطلة. قال (٩) بعض العلماء: المعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما.
стр. 12820
الممثل: أعشى، والمعطل: أعمى (١)، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.
وقد (٢) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣).
والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل، فأهل (٤) السنة وسط (٥) في الصفات بين أهل التعطيل والتمثيل (٦).
وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين (٧) والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
فنسأل الله العظيم (٨) أن يجعلنا وسائر إخواننا منهم بفضله ورحمته إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، والله سبحانه أعلم ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٩) ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٠) ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١١)(١٢) تم الجواب الفاصل بين الحق والباطل.
стр. 12821
- عواد بن عبد الله بن محمد المعتق.
من مواليد مدينة الزلفى عام ١٣٧٣ هـ.
حصل على الشهادة الجامعية في الشريعة عام ٩٦ - ٩٧ هـ.
حصل على درجة الماجستير في العقيدة عام ١٤٠١هـ.
حصل على درجة الدكتوراه في العقيدة عام ١٤٠٧ هـ.
عمل مدرسا في وزارة المعارف عام ١٣٩٧هـ، ثم معيدا في الكلية المتوسطة لإعداد المعلمين بالرياض عام ١٣٩٩ هـ. ثم محاضرا في الكلية المذكورة عام ١٤٠٢هـ. ثم أستاذا مساعدا في نفس الكلية عام ١٤٠٨هـ وما زال يعمل فيها حتى تاريخه.
له من المؤلفات:
المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها.
(رسالة ماجستير).
اجتماع الجيوش الإسلامية غزو المعطلة والجهمية مع بيان موقف ابن القيم مع بعض الفرق.
(رسالة دكتوراه: تحقيق ودراسة).
стр. 12822
نحو مجتمع أفضل:
من هنا يجب أن نبدأ
بقلم محمد المجذوب
لو شاء الله أن تتكرر أعجوبة الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى في المرحلة الراهنة من حياة المجتمع الإسلامي لكانت المفاجأة أكبر من سابقتها في أعين الفتية ومشاهديهم، ذلك لأن التطور الذي لابس حياة السابقين خلال تلك المئات من السنين لم يكد يتجاوز سطوح الأشياء والعادات، بخلاف التغيرات الهائلة التي أحدثتها الحقب المماثلة في حياة الأجيال المعاصرة. . . إذ الفرق بين حركة الماضي البعيد وتبدلات الحاضر العتيد هو الفرق نفسه بين عصر المطايا الحية والقوارب البدائية، وبين عصر الكهرباء والذرة والفيديو والتلفاز والماخرات الفضائية، التي يريد بها الإنسان استكشاف ما وراء الأفلاك. .
وهكذا تتعقد مشكلات الجيل على الباحث الذي يستشعر مسئوليته نحو أمته فلا يكاد يدري من أين يبدأ في علاجها ولا يستبين الطريق للوصول إلى حلولها الصحيحة.
على أن المفكر المسلم يظل أقرب إلى السداد في رؤيته للأحداث ما التزم
стр. 12823
سبيل المؤمنين في تصوره للواقع الكائن والذي يجب أن يكون. . . وحسبه بعد ذلك أن يكون قد أدى ما عليه من الواجب كفاء ما يملك من الجهد، وعملا بالتوجيه النبوي الذي لم يعف أحدا من المسئولية حين أوجب تغيير المنكر باليد، وهو من اختصاص ذوي السلطان، ثم باللسان، ومن أدواته هذا القلم، ثم بالقلب، وهو شأن الضعيف الذي لا يملك القدرة على البيان بالقلم أو اللسان.
وفي ضوء هذا المنهج الإسلامي سأضع بين يدي القارئ طائفة من الأفكار التي فاءت بها علي شيخوخة أوغلت في الثمانين، وتقضى نصفها في التعليم على اختلاف مراحله، وفي ممارسة الحياة بكل حلباتها، فكانت لهذا القلم الزاد الذي يمده بكل ما يتصور أن فيه خيرا للناس. . . إن شاء الله.
ومن خلال هذه الرؤية البعيدة أنظر إلى قضية هذا المجتمع المرجوج فلا أتردد في القطع بأن محنته الكبرى إنما تتركز في انصرافه عن المنهج الأصيل، الذي منح أسلافه الضوابط التي أهلتهم لمركز القيادة العالمية، فكانوا الدم الجديد في كيان الإنسانية، يعاملون الشعوب الأخرى معاملة الطبيب الشفيق، الذي يحيط خبرا بأمراض مريضه المعدية، فهو يمده بالعلاج الصالح دون أن يسمح لميكروباته القاتلة بالتسلل إليه. . .، وهكذا كانت انتصاراتهم، وهم القلة الفقيرة، على الكثرة الكاثرة، المدججة بكل وسائل الغلب والترف، انتصار الفكر الصحيح على الفاسد، واليقين المتصل بالسماء على الضياع المدمر. . . ولكن هذه المسيرة الواعية لم تلبث أن اضطربت بها الخطى، حين جاء دور الأجيال التي لم تستطع التماسك أمام بهارج الأمم المنحلة، فإذا هي تشغل بها عن رسالة ربها، ومن هنا بدأت مرحلة الهبوط في حياة المجتمعات المسلمة، إذ اتبعت سننها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلت تلك الأمم جحور الضباب لدخلتها وراءها، متناسية منهج نبيها المعصوم الذي لم يدع خيرا إلا أرشدها إليه ولا شرا إلا حذرها منه.
стр. 12824
تربية الطفل قبل ولادته:
وأوجز تصوراتي عن الموضوع الذي أريده في كلمة صغيرة ستكون منطلقي لعرض ما وراءها من التفصيلات وخلاصتها أن التصحيح الحق لمسيرة المجتمع الإسلامي يجب أن يبدأ من تكوين الفرد المزود بالوعي التام لحقائق الإسلام الكبرى؛ لأن المجتمع بناء مؤلف من الأفراد، وبمقدار ما يتوافر من التماسك بين أفراده تكون قوته. . . وإنما يتم تماسكهم إذا اتحدت منطلقاتهم الفكرية، فكانوا كالطاقة الكهربائية التي انتظمت مجاريها في تناسق يجعل كل جزء من الأجهزة عونا للآخر، وكل وتخلخل في هذا التعاون مؤد إلى الخلل العام.
وهذا يعني أن على المصلحين أن يحددوا المنطلق الذي منه يبدأ بناء الفرد ولعل الإمام الغزالي ﵀ كان أقرب المفكرين الإسلاميين إلى السداد حين يقرر أن تربية الطفل تبدأ قبل ولادته وبذلك يقطع أن أولى الخطى في هذه السبيل هي التركيز على حسن اختيار الزوجة، التي تصلح لأن تكون أم ولدك. . وهو المبدأ الذي سبق إلى تقريره نبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه وآله حين يوجه المسلم إلى إيثار ذات الدين على ذوات المال والجمال. . . لأنها تملك من المؤهلات للأمومة الصالحة ما لا يقوم به أي شيء آخر. .
ومعلوم أن الصورة الأولى التي تنطبع في ذات الطفل هي صورة أمه، وهي التي تصحبه حتى اللحظات الأخيرة من حياته، والويل لهذا المسكين إذا كانت أمه من النوع الذي لا يهمه من الحياة غير التوافه وأسعد به إذا قدر الله له الأم التي عرفت طريقها إلى الله، وأدركت مسئوليتها نحو نفسها وبعلها وولدها ومجتمعها، فكانت بذلك ينبوعا من الحكمة التي تروي وتهدي، وتقدم العطاء الذي لا ينفد. . فبالزوجة الصالحة، التي هي خير متاع الدنيا بشهادة الصادق الأمين ﵌، يتم تأسيس البيت المسلم، وفي هذا البيت الكريم يبدأ تكوين الفرد الذي نتطلع إليه، إذ يحمل
стр. 12825
في كيانه أولى البذور التي تمنحه المؤشر السليم إلى الاتجاه الأقوم، وقد رأينا ملامح ذلك الاتجاه في وصايا لقمان لابنه في صدر السورة التي تحمل اسمه من القرآن العظيم، وطبيعي أن الله لم يعرض لنا هذه الوصايا إلا لنعمل بها على أنها النموذج الأمثل للتربية التي يحبها الله. وقد رأينا مجمل هذه الملامح في دعاء امرأة عمران ربها في سورة آل عمران إذ قالت ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ (١) وهو عهد ترفعه هذه الأم الفاضلة إلي خالق السماوات والأرض بأنها ستتولى تنشئة مولودها القادم على النهج الذي يرضاه، حتى تكون حياته كلها خالصة له وحده. . . وفي هذا النهج المجمل كل ما فصله لقمان لابنه من أصول الخير والسلوك المفضل. . .
والولد غرس والديه، فإذا أحسنا رعايته وأحاطاه من صالح عملهما بالنماذج المختارة وفق التوجيه الإلهي، أخذ سبيله إلى التسامي حتى يكون هو النماذج الأمثل للإنسان الذي نكاد نفقد مثاله الحي في هذه الأيام. . . ذلك الإنسان الذي سلمت فطرته من الشوائب، وطهرت عقيدته من الزيغ، فاستقام سلوكه في الطريق المضاء بنور الله، لا يعرف انتماء إلا للإسلام، ولا ولاء إلا لله ولرسوله ولكتابه وجماعة المؤمنين. . .
стр. 12826
تصنيف الطلاب شرط أساسي للنجاح:
ولكن هذا الفرد الرباني لن يعيش في كنف المجهول بعيدا عن المجتمع البشري فسيخالط الناس عن طريق الحي والمدرسة والشارع، ولكل من هؤلاء أثره في الإنسان، وقد يعزل هذا الإنسان إلى حد ما عن مؤثرات الحي والشارع، وتبقى المدرسة التي لا غنى له عنها، وهي المجتمع الثاني الذي يجمع أخلاط الناس على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم، ومعهم المدرسون الذين لن يكونوا على مستوى واحد من الفكر والمنطلق والسلوك، فمن يحمي هذا البريء من سلبيات هذا المجتمع الغريب؟
стр. 12827
في المجتمعات الإسلامية المثالية تتقارب سلوكيات الأفراد ويقل بينهم التباين، فلا غرو أن يكون الطابع العام للمدرسة أقرب إلى الانسجام والتسامي، لوحدة التصور المهيمن على المدرسة كلها.
فإذا انتقلنا مع الزمن إلى واقع المدرسة اليوم نجد أنفسنا تلقاء شتيت من النفوس يقل فيه الانسجام الخلقي والنفسي، أشبه بسجن حشدت فيه أصناف النزلاء. . وضروب المستويات، من البرآء والصالحين، إلي الآخرين الذين ساقهم الإهمال والتخلف إلي أسوأ التصرفات. . . وليس من صلة بينهم سوى النظام الذي يفرض عليهم الاجتماع لسماع البلاغات وللقيام ببعض التمرينات.
إنها المساواة التي تفرضها " ديمقراطية التعليم " فلا مجال فيها للاختيار، والقيمة العليا فيها للموهبة المتفوقة والاجتهاد دون غيرهما، وهو وضع جميل لو خلا من التفاوت الكبير بين المستويات التربوية، أما والواقع على خلاف ذلك، فإن له سلبياته الخطيرة، إذ لا مندوحة عن تبادل المؤثرات بين التلاميذ، وقلما يكون الأفضل هو الغالب في مثل هذا الوسط، بل العكس هو الملموس في كل مكان، حتى في الحياة النباتية، حيث تكون التفاحة الفاسدة سببا لخراب صندوق من التفاح، ولم ير الناس قط تفاحة سليمة أصلحت أخرى مريضة.
ومن الأخبار التي نقلها الدكتور محمد أمين المصري ﵀ عن أيام دراسته في أوروبا، ذلك التنظيم المنطقي الذي تقوم به المؤسسة التعليمية في بريطانيا، حيث تتولى هيئة علمية دراسة أحوال التلاميذ، فتختار منهم بعد تحقيق دقيق ذوي المواهب الفائقة، فتصنفهم حسب ميولهم الفطرية، ثم تتولى التدرج في سلم الدراسة، ومن هؤلاء تتخرج الفئة الحاكمة، وأصحاب الملامح العبقرية. . .
ولا جرم أن مثل هذا التنظيم المعقول جدير بأن يؤمن للأمة تقدمها العلمي واستقرارها السياسي، فلا تتعرض للانقلابات العسكرية، التي
стр. 12828
أحرقت الأخضر واليابس في الأمم المحرومة منها. . ولعل الشعوب المسلمة على إطلاقها أكثر الأمم شعورا بهذا الحرمان، وأكثرها معاناة تحت كابوس الاستبداد، الذي يوشك أن يحيل جماهيرها مجموعات من الهتافين والمصفقين والمحرومين.
وفي يقيني أن تصنيف الطلاب ذكورا وإناثا حسب مواهبهم، ووفق مستوياتهم التربوية، شرط أساسي للحصول على الثمرات المنشودة من التربية والتعليم، إذ المفروض أن يصحب هذا التصنيف تصنيف لا مندوحة عنه في خطط الدراسة والتوجيه، فيكون لكل مستوى مدرسوه ومشرفوه المتخصصون، وبذلك يتم الارتفاع بسوية الجميع، بدلا من تعريض الجميع للفوضى التي تضيع معها الجهود، وتقل بها فرص النجاح الصحيح. .
وإني إذ أعرض هذه الأفكار المباينة لواقعنا التعليمي في مختلف أرجاء الوطن الإسلامي لواثق أنها لاقية القبول عند ذوي الفكر الأصيل من رجال التربية والتعليم، وإن قوبلت بالسخرية من الآخرين الذين لا يستطيعون التخلي عن طريقة أسلافهم القائلين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١).
ولكن مجرد قبول الفكرة نظريا لا يكفي للإفادة منها، بل لا بد من التحرك في محاولة صادقة لترجمة الفكر إلي واقع عملي، وليس ذلك على ذوي العزائم والمعرفة والإخلاص بعزيز إن شاء الله.
стр. 12829
الابتعاث وأثره في وجودنا:
والحديث في موضوع التعليم يقود إلي الكلام عن شئون الابتعاث والمبتعثين، وتأثرهم بالمجتمعات الدخيلة، ثم تأثيرهم في مجتمعاتهم الأصيلة.
стр. 12830
وأول ما يذكر في هذا الصدد هو أن المبتعث مهاجر يفارق قوما ألفهم وألف مشاربهم على تنوعها، إلي أقوام لا عهد له بهم إلا من خلال ما يقرؤه عنهم وما يشاهده من ألوان حياتهم، عن طريق المنشورات ووسائل الإعلام المنظورة والمسموعة. . . ومهما يكن فللإقامة بين ظهراني هؤلاء الأقوام طوال سني الدراسة أثره الخاص الذي يختلف عن كل ما عرفه عنهم من قبل. . وقد أكدت تجاربنا في هذا المضمار أن تغيرا كبيرا سيعتري شخصية المبتعث فيفقد الكثير من خصائصها الأولى، ليخلي مكانها للكثير من خصائص البيئة الجديدة، حتى إذا عاد إلى أهله عاد شيئا جديدا حائرا بين الماضي والحاضر، لا يجد سبيلا للتخلص من موحيات البيئة الغربية، ولا قدرة على الانسلاخ التام من هويته الموروثة.
ولقد كتبت في أحد الفصول من مذكراتي خبر ذلك الطالب الذي كنت أحسن الظن بتصوراته الإسلامية أثناء دراسته الثانوية بطرطوس، ثم تخرج وغاب عن عيني مدة دراسته العسكرية في فرنسا، فلما عاد من رحلته تلك عجلت لزيارته، وكان مما ألقيته عليه من الاستفسارات قولي له: كيف كانت انطباعاتك وأنت تطأ أرض وطنك بعد أربع سنوات من الغربة؟ فكان جوابه العفوي (كانت انطباعاتي حزينة؛ لأني وجدت المرأة المسلمة لا تزال حبيسة التقاليد التي تحول بينها وبين السباحة المختلطة).
وأنا لا أذكر هذا المشهد لاتهام مبتعثينا كلهم بالانحدار إلي هذا الحضيض. . . معاذ الله، فأنا أعرف بينهم شبابا عادوا خيرا منهم يوم ذهابهم، ولكنهم قلة لا يكادون يظهرون بجانب الكثرة الغالبة، وقد أسلفت مثل التفاحة الفاسدة وآثارها في إفساد الكثير، فعلى هذا المثل أعرض لذكر هؤلاء الأحبة الضائعين المضيعين.
ومن العجائب، وما أكثر العجائب في حياتنا. . . أن المؤتمرات التي تعقد في ديار المسلمين تكاد تفوت الإحصاء، وهي تكاد تتناول كل شيء، وليس بينها واحد - فيما أذكر - خصص لتقييم نتائج هذا الابتعاث في وجودنا
стр. 12831
ومدى انفعالنا به وأثره في مقوماتنا الشخصية والإسلامية.
стр. 12832
وإذا ضاقت المناسبة عن الاستقصاء فلا أقل من الإشارة إلي بعض هذه النتائج في المصير الراهن للعالم الإسلامي.
من أوائل دفعات الابتعاث وأجدرها بالتذكر والاعتبار وفود الطلاب الأتراك على باريس للدراسة في مطالع القرن العشرين، وكانت فرنسا آنذاك في ذروة التفاعل مع ثورتها التي أطاحت بالملكية، وفي هذا الحمام اللاهب من دماء ضحايا الثورة الفرنسية غسلت أدمغة أولئك الفتيان الأتراك من كل إيمان بالإسلام، وحشيت بالحقد على الخلافة الإسلامية وكل ما يمت إليها بسبب من حمية الجهاد في سبيل الله والارتباط الأخوي مع كل الأجناس التي أظلتها راية الخلافة.
وما أن وطئت أقدام هذه الناشئة المضللة شواطئ مرمرة والدردنيل، وفتحت لها أبواب الجيش بزعم تحديثه وفقا للأساليب الغربية الجديدة، حتى بدءوا في بث ألغام التدمير في أساس الجيش الذي صمد طوال خمسة قرون في معركة الدفاع عن دين الله، وعن كلمة التوحيد التي انجابت أنوارها عن الأرض، ولم يبق لها من وجود إلا في الرسالة الخاتمة التي بعث الله بها رسوله محمدا بشيرا ونذيرا ورحمة للعالمين.
وعلى يد هذه الطغمة حققت الماسونية اليهودية وحليفتها الصليبية المستشرقة ما عجزت عنه الحملات الصليبية التسع طوال قرنين من تحطيم وحدة المسلمين، وتفتيتهم إلي قوميات متناحرة تقوم بمهمة الإجهاز على بقبة الأمل في إحياء ماضي الإسلام. . ثم توالت النكبات بعضها إثر بعض حتى لم يبق جزء من الكيان الإسلامي إلا اكتسحته الراجفة تتبعها الرادفة .
ومن هنا يتبين لكل ذي بصيرة أن التعليم هو المرتكز الذي عليه المعول في عملية الهدم والبناء فبالتعليم الصحيح المنبثق من الوحي الإلهي خرج العرب
стр. 12833
في الصدر الأول من الظلمات إلى النور، فكانوا خير أمة أخرجت للناس وبالتعليم المستمد من فلسفات الأمم المنحلة في العصر العباسي، انحرفت مسيرة الأمة ففقدت الحصانة التي أودعت قبضتها أزمة العالم وبالتعليم الماركسي الشيطاني تدفقت سموم الشيوعية وجيوشها الهمجية على أفغانستان المسلمة، فتكاد تلتهمها كما التهمت أخوات لها من قبل، في بخارى وسمرقند والقوقاس وقازخستان وبقية الأرض المسلمة، لولا فضل من الله ثم روح العزة التي صمدت بوجه الوباء الزاحف بأحدث وسائل الدمار، فردت للعالم الإسلامي النائم يقظته، وذكرته ما نسي من معاني البطولة والجهاد الذي ما تركه قوم إلا ذلوا. .
стр. 12834
عبرة من القافقاس:
وفي مأساة الإسلام التي لقيتها قبائل القازاخستان من قبل، بقيادة الإمام محمد شامل على يد القياصرة الروس، دروس أخرى تزيد من معرفتنا لأخطار التعليم حين تتولاه الأيدي الشيطانية فلقد صمدت كتائب هؤلاء المجاهدين لأضعافها من فيالق الصليبية الروسية طوال عشرات السنين، حتى يئست هذه من أي مطمع بالانتصار العسكري على هذا الجيل من أبطال الإسلام، فقرر الروس توجيه اهتمامهم نحو جيل المستقبل فلجئوا إلى المهادنة وتبادل الفريقان الرهائن فكان المسلمون يختارونهم من كبار القادة الروس على حين يأخذ هؤلاء أبناء القادة المسلمين من حدثاء الأسنان فيرسلونهم إلى عاصمتهم / سان بطرسبرغ / حيث يلحقون بمدارس أبناء النبلاء، وما هي سوى سنوات محدودة حتى ظهر تفوق الفكر الصليبي بما لم يخطر في بال قادة الجهاد الإسلامي إذ تمكن عدوهم بالدهاء والمكر وغسل الأدمغة من اكتساب أبنائهم إلى صفهم وإذا هم في نهاية الخط ضباط في الجيش الروسي وفي مقدمتهم / جمال الدين / نجل الإمام محمد شامل، ومعه ابن نائب الإمام / حجي مراد / يقودون كتائب الكفرة لمحاربة آبائهم (١) فيحققون لأوليائهم الجدد ما عجزت عنه موجات جيوشهم على
стр. 12835
مدى القرون. . . وهو التخطيط نفسه الذي ينفذه اليوم غزاة الروس في أفغانستان كما أسلفنا، حيث يأخذون الألوف من أطفال المسلمين لتربيتهم في محاضن الشيوعية، وليعيدوهم فيما بعد قادة للأجيال القادمة من أمتهم التي كفروا بكل مقوماتها. . . ولا نغالي إذا قلنا أيضا: إنه المخطط نفسه الذي تواجهه الشعوب المسلمة في سائر أنحاء العالم الإسلامي عن طريق بعثاتهم التي يدفعون بها إلى مصايد الغرب والشرق، فلا تلبث أن تعود إلى أوطانها إذا عادت؛ لتحتل فيها مراكز التوجيه، ولتقوم بمهمة التدمير لمقومات هذه الشعوب وفق الخطة التي رسمها شياطين الصليبية المتهودة في دهاليز الغرب والشرق.
ومما لا يسع مفكرا تجاهله هو أن حاجة المسلمين إلى علوم الأمم الأخرى هي التي تفرض عليهم الاتجاه إلى الابتعاث للحصول على ما ينقصهم منها وهو واقع لا يقبل المراء، ولكن الذي يريده المخلصون هو الوقوف بهذا الأمر عند أضيق الحدود فلا يتجاوز نطاق الضرورات. . فعلى المسئولين عن مصير شعوبهم أن يحلوا استقدام الخبراء بقدر الحاجة وفي أضيق الحدود من تلك الأمم محل الابتعاث إليها ما أمكنهم ذلك، وعندما تقتضي الحاجة إرسال الطلبة إلى الخارج يجب اختيارهم وتنظيم شئونهم واختيار البعثات من أفاضل الطلاب وتوفير الوسط المأمون لهم في السكن والدراسة وأن يبعث معهم فقيه يساعدهم على الانضباط في حياة إسلامية سليمة لتكون عاقبة هذا التدبير الحكيم عودة البعثات في منجاة من أوبئة الغرب، حيث يحقق كل منهم النجاح المنشود في عمله بعد عودته ثم يكون كل من هؤلاء الناجحين ركنا حيا في بناء النهضة الصحيحة. .
وعلى ضوء هذا النهج الحكيم يحسن بنا أن نتساءل: هل حققنا لمبتعثينا
стр. 12836
شيئا من هذه الرعاية الأبوية؟. . . وهل نحن مقتنعون بصلاحيتها ومستعدون لتحقيقها؟
стр. 12837
الوافدون وما أدراك ما الوافدون:
ولقد تكاثرت الظباء على خراش - حسب المثل العربي - فانضم إلى عناصر الفتنة أمواج الوافدين على بعض مجتمعاتنا المهزوزة من العمال والخدم والمربين وذوي الخبرات المتعددة، وكلهم يحمل مؤثراته المتميزة في الأخلاق والعقائد وأنواع السلوك مما زاد في مشكلاتها، وأخل بتركيبها النفسي والاجتماعي، إلى حد بتنا نلمس طلائعه جلية في واقعنا اليومي فضلا عما وراءها من تعقيدات لا ضابط لها إذا استمرت المسيرة في غفلتها الراهنة. . . ولو كان للعبرة مكانها في تفكيرنا لرأينا عواقبها فيما سبقنا إليه آباؤنا المغفلون في الشام والعراق والأندلس وغيرها من أنحاء العالم الإسلامي، عندما فتحوا أبوابهم لمواريث الأمم المنحلة، فأغرقتهم في مستنقعات الترف واللهو والمجون والفنون الشيطانية، حتى وافاهم اليوم الذي فقدوا به كل قدرة على حماية أنفسهم وأوطانهم وأعراضهم من هجمات الذئاب التي ما برحت تتربص بهم الدوائر. .
بيد أن من فضل الله أن ثغرة الوافدين هؤلاء قد بدأت تضيق تحت ضغط الظروف الاقتصادية الطارئة، ولكن بقي على المسئولين أن يعيروا ما تحتاج إليه البلاد منهم اهتماما خاصا، فلا يسمح باستقدام أحد من غير المسلمين إلا عند الضرورة القصوى، وإلا من النوعية التي يطمئن إليها، وهو أقل ما يجب من الحذر ومن العناية بمصلحة البلاد والعباد. . .
стр. 12838
الإعلام بين الهدم والبناء:
ولن يكون الإصلاح مستوفى العناصر إذا نحن أغفلنا جانب الإعلام، الذي أصبح من أكبر الفاعليات في حياة الإنسانية وقد كثرت المؤتمرات التي عقدت لموضوع الإعلام، وكثرت البحوث التي قدمت إليها، وبينها بحثان
стр. 12839
قدمتهما إلى مؤتمر (الدعوة والدعاة) الذي دعت إليه الجامعة الإسلامية في ٢٤/ ٢ / ١٣٩٧ هـ فكل حديث في هذا الجانب سيكون إذن ضربا من التكرار، ولذلك سأكتفي منه بنقطة واحدة هي الاستفسار عن نتائج هذه المؤتمرات في مسيرة الإعلام على مستوى العالم الإسلامي.
لقد كلفت تلك الاجتماعات ملايين الدولارات وأسفرت عن العديد من التوصيات، التي استوعبت العميق من الخبرات فما الذي تحقق منها، وما الذي تأخر؟
ولست هنا في مقام التقويم لهذه النتائج لأقول فيها الكلمة الواجبة، ولكن الشيء الذي لا يصح تجاهله هو أن الإعلام الرسمي في بلاد المسلمين لا يزال حيث كان من الترويج للهو واللغو، إلى جانب مزيد من العناية بالجانب الإسلامي وكان المفروض أن يشمل التصحيح نتائج الإعلام كله، فلا يعرض فيه منظورا أو مسموعا ولا مقروءا إلا ما يتفق مع مقاصد الإسلام من الكلمة الجميلة، والموضوع الرفيع والحقائق الناصعة، ووسائل الترفيه البريء الهادف إلى ترسيخ معاني الخير في قلوب السامعين على اختلاف أسنانهم ومستوياتهم، ومقتضى ذلك أن تنقى المعروضات من كل دخيل على التصور الإسلامي، وأن تنشط حركة التأليف والإخراج التي تؤلف البديل الإسلامي الذي يتفوق بمضمونه وأشكاله على كل الأعمال الدخيلة ويحسن هنا أن نتذكر موقف المؤسسات التنصرية من الاعتماد على الفيديو في عرض المناظر والأفكار المؤثرة في المشاهدين عن طريق العرض الفني الموضوعي الذي يريدون إحلاله محل الموعظة، التي فقدت تأثيرها في الجيل المعاصر. ولا جرم أن في المعاني الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، ومن تاريخ الجهاد الإسلامي وفتوحاته المحررة للعقل والروح، وأهدافه الصاعدة أبدا إلى الأعلى، ما يوفر للمبدعين من المؤمنين المدد الصالح لكتابة القصة، والمسلسل، والخواطر، والطرائف الأقدر على اجتذاب الأبصار واستقطاب الأفكار، إذا أحسن أولو المواهب عرضها وإخراجها. .
стр. 12840
مع غواة الغناء والموسيقى:
ولو فسح لهؤلاء مجال التصحيح الحق لقدموا من الروائع ما يغني عن ذلك الإقبال المجنون على فنون الموسيقى، التي تشغل هذه الأيام معظم ساعات العرض الإذاعي، تقليدا للغرب الذي أقفرت نفوس أهليه من النشوات الروحية فراح يتطلبها في الآلات النحاسية والوترية وما إليها. . . . وليس أعلم بحقيقة هذا الجنون من صاحب الروك أندرول الذي استولى بأغانيه وموسيقاه على قلوب الملايين من أولئك الضائعين، ونال من وراء ذلك ملايينهم التي يشترون بها مسجلاته. . . . إنه يوسف إسلام الذي شاء الله أن يهديه للإسلام، فما إن لمست أشعة القرآن عقله وقلبه حتى نفض يده من ماضيه التافه؛ ليتحول إلى داعية متوهج الروح يسهم مع إخوانه من دعاة الإسلام بنشر أنواره في ظلمات الغرب نفسه وها هو ذا يصف تجاربه مع تفاهات الأمس بهذا القول السديد: (لقد نسيت الموسيقى إذ رأيتها تشغل عن ذكر الله وهذا خطر عظيم لقد رأيت شبابا يهجرون أهلهم ويعيشون في جو الأغاني والموسيقى وهذا لا يرضاه الإسلام الذي يحث على بناء الرجال ونحن معشر المسلمين في محنة وبحاجة إلى أن نبني أسرنا وأولادنا وأزواجنا كما يريد الله تعالى لا أن نهدم الأسر والأولاد والبنات بالموسيقى والغناء، الذي يلجئون إليه عندما تعجز المعتقدات الباطلة عن توفير الطمأنينة والسعادة في نفوسهم (١) وإن في ذلك لذكر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 12841
في صيدلية الإسلام علاج كل داء:
ولعلي لا أبعد عن أصل الموضوع حين أختم بحثي بلمحة موجزة عن الزواج الذي أسميته صمام الأمان، وهو الذي بلغ من التعقيد والتعسير غاية لم تكن لتتصور قبل هذه الأيام.
стр. 12842
إن الذي قدر بحكمته مراحل الوجود الإنساني وفق أطوار محكمة لها مواعيدها ولها وقائعها وآثارها في سيرورة الحياة، قد حدد لتفتح الحاجة الجنسية زمنها الخاص، فما إن تبلغه حتى تدفع بصاحبها إلى البحث عن الرفيق المتمم. . . وطبيعي أن كل عقبة توضع في وجه هذا الاتجاه المشروع تعتبر عدوانا على حق الإنسان، الذي هيأته الحكمة الإلهية للإسهام في عملية البناء الإنساني. .
ولقد أدرك أسلافنا الصالحون هذه الحقيقة فيسروا لراغب الزواج سبيله بكل الممكنات حتى كان بين أوقافهم الخيرية مؤسسات خاصة لهذه الغاية، إلا أن التعقيدات الطارئة على حياة المسلمين جعلت من الزواج أخيرا إحدى المشكلات التي تستعصي على الحل. . .
وفي مثل هذه الأوضاع الشاذة لا مندوحة للمفكر المسلم من العودة إلي الأصول الإسلامية للبحث عن حلها الصحيح، ثقة منه بأن في صيدلية الإسلام علاج كل داء صغر أو كبر. .
ولقد كان من رحمة الله بالشباب أن جعل أمر الزواج في غاية اليسر حتى ليسقط المهر المالي عن المعسر مقابل أن يعلم زوجه آيات من القرآن الكريم، ويعير الموظف في دولة الإسلام عناية خاصة تتيح له فرصة التفرغ لواجباته، وذلك بما قرره له رسول الله من الحق لتأمين الزوجة والسكن والمطية. . بقوله في الحديث الشريف الذي أخرجه أحمد وأبو داود «من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا وليست له زوجة فليتزوج أو ليس له دابة فليتخذ دابة (١)».
ومفهوم الحديث أن من واجب الموظف أن يؤمن لنفسه هذه المطالب الضرورية، فإذا أعجزه الفقر عن ذلك كان على الدولة أن توفرها له، حفاظا على الكرامة التي هي حق كل مسلم بل كل إنسان، وتحقيقا للأمن النفسي الذي لا سبيل للاطمئنان بدونه. . واعتبار الدابة إحدى الضروريات الأساسية لهذا الإنسان، عاملا أو موظفا يشمل السيارة والدراجة، وما إليهما من
стр. 12843
وسائل الانتقال الضرورية، سواء منها ما كان خاصا أو داخلا في نطاق النقل الجماعي.
هذا إلي ما سنه ثاني الخلفاء الراشدين من إعطاء كل مولود في الإسلام حقه في بيت المال وحقه في التعليم وحقه في الرعاية، التي تشق له الطريق إلي أقصى ما يؤهله له طموحه ومؤهلاته ومقوماته. . .
ولا يستقيم في منطق العقل أن ترى امرأ وفرت له الدولة كل هذه الفرص ثم يقدم على قبول الرشوة أو يمد عينيه إلي أعراض الناس فيغامر بحياته لتحقيق بعض نزواته إلا إذا غلبته الخسة على الكرامة، وهيهات أن تجد مثل هذا المخلوق الملوث بين ظهراني المجتمع الإسلامي القائم على النظافة والطهر في كل جزئية من كيانه العام.
وإنما تجد ذلك الانحدار الخلقي في ظلال الأنظمة القائمة على الإلحاد والأخرى القائمة على (حرية) الشهوات. . . . وما لف لفها من الأنظمة التي انسلخت من فضائل الإسلام ورضيت أن تكون ذيلا لهذا أو ذلك من الأنظمة الطاغية الباغية المضللة.
وأخيرا. . ليت شعري هل وفيت البحث حقه؟. . . . وهل قدمت في هذه العصارة المركزة من خبراتي الطويلة أي خير من شأنه أن ينفع الناس؟
ذلك ما أرجو والله وحده المسئول أن يقدر لما كتبته الرضى والقبول.
стр. 12844
من قرارات المجامع
الفقهية
القرار السادس من قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في الفترة من ٧ إلى ١٧ من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١ هـ في دورته الرابعة.
حول رسالة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود
الموجهة إلى العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. . . أما بعد:
فقد اطلع مجلس المجمع الفقهي الإسلامي على الرسالة الموجهة إلي العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال والتي كتبها رئيس المحاكم بدولة قطر الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود وبعد الاطلاع عليها تبين أنها قد اشتملت على أغلاط عظيمة وأخطاء واضحة:
стр. 12845
أولا قوله: إن عيد الفطر من هذه السنة يعني سنة ١٤٠٠ هـ قد وقع في غير موقعه الصحيح بناء على الشهادة الكاذبة برؤية الهلال ليلة الاثنين حيث لم يره أحد من الناس الرؤية الصحيحة لا في ليلة الاثنين ولا في ليلة الثلاثاء. . . إلخ.
فهذا الكلام الذي قاله مؤلف الرسالة تخرصا منه، جانب فيه الصواب وخالف فيه الحق، وكيف يحكم على جميع الناس أنهم لم يروه وهو لم يحط علما بذلك؟ ! والقاعدة الشرعية أن من علم حجة على من لم يعلم، ومن أثبت شيئا حجة على من نفاه. وكيف وقد ثبتت رؤيته ليلة الاثنين بشهادة الثقات المعدلين والمثبتة شهاداتهم لدى القضاة المعتمدين في بلدان مختلفة في المملكة وغيرها؛ وبذلك يعلم أن دخول شوال عام ١٤٠٠ هـ ثبت ثبوتا شرعيا ليلة الاثنين مبنيا على أساس تعاليم الشرع المطهر المبلغ عن سيد البشر، فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهرضي الله عنهما قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام (١)». قال الحافظ في التلخيص: وأخرجه الدارمي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ابن حزم.
وروى أهل السنن عن ابن عباس ﵄ «أن أعرابيا قال: يا رسول الله إني رأيت الهلال، فقال له النبي ﷺ : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا (٢)». وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وروى الإمام أحمد والنسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم وإنهم حدثوني أن النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فان غم عليكم فأتموا ثلاثين فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا (٣)».
وعن الحارث بن حاطب الجمحي أمير مكة قال «عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نر
стр. 12846
وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما (١)». رواه أبو داود والدارقطني وقال: إسناده متصل صحيح.
وعن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: «غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوه بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد (٢)». رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، قال الحافظ في التلخيص: صححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم.
وعن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «اختلف الناس في آخر يوم من شهر رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله أنهما أهلا الهلال أمس عشية فأمر النبي ﷺ أن يفطروا (٣)».
رواه أحمد وأبو داود وزاد أبو داود في رواية وأن يفدوا إلي مصلاهم وهذه الأحاديث تدل على وجوب الأخذ بشهادة الشهود الثقات والاعتماد عليها وأنه يكفي الشاهدان العدلان في الصوم والإفطار ويكفي العدل الواحد في إثبات دخول شهر رمضان كما دل على ذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس ﵄ كما تدل على أنه لا يلزم من ذلك أن يراه الناس كلهم أو يراه الجم منهم، كما تدل أيضا على أنه ليس من شرط صحة شهادة الشاهدين العدلين أو شهادة العدل الواحد في الدخول أن يراه الناس في الليلة الثانية؛ لأن منازله تختلف وهكذا أبصار الناس ليست على حد سواء ولأنه قد يوجد في الأفق ما يمنع الرؤية في الليلة الثانية ولو كانت رؤيته في الليلة الثانية شرطا في صحة شهادة لبينه النبي ﷺ لأنه المبلغ عن الله والموضح لأحكامه ﵊ وحكى الترمذي إجماع العلماء على قبول شهادة العدلين في إثبات الرؤية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى ج ٢٥ ص ١٨٦ بعد ما ذكر اختلاف أبصار الناس في الرؤية وأسباب ذلك ما نصه: لأنه لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهما بالإجماع وإن كان الجمهور لم يروه. اهـ. ولعل مراده بحكاية الإجماع وقت الغيم لأن خلاف أبي حنيفة ﵀ في عدم إثبات دخول الشهر في وقت الصحو بأقل من الاستفاضة أمر معلوم لا
стр. 12847
يحفى على مثله ﵀، وهذا كله إذا لم يحكم بذلك فإنه يرتفع الخلاف ويلزم العمل بشهادة المذكورة إجماعا كما ذكر ذلك العلامة أبو زكريا يحيى النووي في شرح المهذب ج / ٦ص٣١٣ بعدما ذكر أسباب اختلاف أبصار الناس في الرؤية وهذا نص كلامه: ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد وحكم به حاكم لم ينقض بالإجماع ووجب الصوم بالإجماع ولو كان مستحيلا لم ينفذ حكمه ووجب نقضه. ثم قال ابن محمود بعد كلام سبق ما نصه: يا معشر العلماء الكرام ويا معشر قضاة شرع الإسلام لقد وقعنا في صومنا وفطرنا في الخطأ المنكر كل عام اهـ. ولا يخفى ما في هذا الكلام من الخطأ العظيم والجرأة على القول بخلاف الحق فأين له تكرر الخطأ في كل عام في الصوم والإفطار والقضاة يحكمون في ذلك بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأجمع عليه أهل العلم كما سبق بيانه.
ثم قال ابن محمود بعد كلام سبق: فمتى طلع يعني الهلال قبل طلوع الشمس من جهة المشرق فإنه يغيب قبلها فلا يراه أحد أو طلع مع الشمس فإنه يغيب معها ولا يراه أحد لشدة ضوء الشمس. اهـ. وهذا خطأ بين فقد ثبت بشهادة العدول أنه قد يرى قبل الشمس في صبيحة يوم التاسع والعشرين من المشرق ثم يرى بعد غروبها من المغرب ذلك اليوم لأن سير القمر غير سير الشمس فكل واحد يسبح في فلكه الخاص به كما يشاء الله . وأما الآية التي استدل بها على ما ذكره من عدم إمكان رؤيته بعد الغروب إذا كان قد رئي صباح ذلك اليوم قبل طلوع الشمس وهي قوله تعالى في الآية (٤٠) من سورة يس: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١) فلا حجة له في ذلك؛ لأن علماء التفسير أوضحوا معنى الإدراك المذكور وأنه لا سلطان للشمس في وقت سلطان القمر ولا سلطان للقمر في وقت سلطان الشمس.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية ما نصه: قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء هذا إلى أن قال: وقال الثوري عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا
стр. 12848
ضوء هذا وقال عكرمة في قوله ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ (١) يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. اهـ المقصود.
ثم قال ابن محمود بعد ما ذكر كلام فقهاء الأحناف في اشتراط الاستفاضة في الرؤية وقت الصحو وأنه لا يكتفي في رؤيته بشخص أو شخصين دون بقية الناس لاحتمال التوهم منهما إلى أن قال وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسائله المتعلقة بالهلال فقال: إنه يعتد برؤية الواحد والاثنين للهلال والناس لم يروه لاحتمال التوهم منهما في الرؤية ولو كانت الرؤية صحيحة لرآه أكثر الناس. اهـ. وهذا الكلام الذي نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن عدم الاكتفاء بشهادة الواحد والاثنين بالهلال إذا لم يره غيرهم لا أساس له من الصحة وقد سبق كلامه ﵀ الذي نقله عنه العارفون بكلامه وهو الموجود في الفتاوى ج ٢٥ ص ١٨٦ ونقل الإجماع على تعلق حكم الشرع بشهادة الاثنين وفيه نقل الإجماع على تعلق حكم الشرع بشهادة الاثنين.
ثم قال: «تراءى الناس هلال رمضان فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام رسول الله ﷺ وأمر الناس بصيامه (٢)» رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان ومثله حديث ابن عباس «أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا (٣)». رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان وصحح النسائي إرساله. فالجواب أنه ليس في الحديثين ما يدل على حصر الرؤية على هذين الشخصين؛ إذ من المحتمل أن يكونا أول من رأيا الهلال ثم رآه غيرهما. اهـ المقصود.
стр. 12849
ولا يخفى بطلان هذا الجواب وتعسفه لعدم الدليل عليه والأصل عدم وجود غيرهما إذ لو شهد غيرهما لنقل فلما لم ينقل ذلك علم عدم وقوعه لهذا احتج العلماء بهذين الحديثين على قبول شهادة الواحد في دخول شهر رمضان ووجوب العمل بها وهو أصح قولي العلماء كما تقدم بيان ذلك وقد تقدم أيضا أنه متى حكم بها حاكم شرعي وجب العمل بها إجماعا كما سبق نقل ذلك عن النووي ﵀ في شرح المهذب فنعوذ بالله من القول عليهم بغير علم.
ثم قال ابن محمود في ختام رسالته ما نصه: ولقد تقدم مني القول برسالتي لاجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام فدعوت فيها الحكومة حرسها الله إلى تعيين لجنة عدلية استهلالية من العدول الذين لهم حظ من قوة البصر فيراقبون الهلال وقت التحري بطلوعه لخاصة شعبان وحتى إذا حصل غيم أو قتر حسبوا له ثلاثين ثم صاموا رمضان ثم يراقبون عند مستهل ذي الحجة لمعرفة ميقات الحج وهذه اللجنة لا ينبغي أن تقل عن عشرة أشخاص من العدول الثقات ولهم رئيس يرجعون إليه في لم شملهم. اهـ المقصود ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف والتشريع الجديد الذي لم ينزل الله به من سلطان بل هو اقتراح في غاية الفساد لا يجوز التعويل عليه والالتفات إليه لأن الله سبحانه قد يسر وسهل وأجاز الحكم بشهادة عدلين اثنين في جميع الشهور وعدل واحد في شهر رمضان فلا يجوز لأحد أن يحدث في شرع الله ما لم يأذن به سبحانه ولم تأت به سنة نبيه ﷺ . وقد قال الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١)(٢١) من سورة الشورى. وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)» أخرجه
стр. 12850
البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂. وفي رواية مسلم عنها أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)». وهذا ما أردنا التنبيه عليه من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في رسالة الشيخ عبد الله بن محمود ونسأل الله أن يهدينا وإياه سواء السبيل وأن يعيذنا وإياه وسائر المسلمين من القول على الله وعلى رسوله بغير علم ومن الإحداث في دين الله ما لم يأذن به الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
[توقيع] ... ** ... [توقيع]
رئيس مجلس المجمع الفقهي ... ** ... نائب الرئيس
عبد الله بن حميد ... ** ... محمد علي الحركان
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
محمد محمود الصواف ... مصطفى الزرقاء ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
مبروك العوادي ... محمد بن عبد الله السبيل ... صالح بن عثيمين
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
محمد رشيدي ... عبد القدوس الهاشمي ... محمد الشاذلي النيفر
[توقيع] ... [توقيع] ... غائب عن التوقيع
حسنين محمد مخلوف ... أبو بكر محمود جومي ... أبو الحسن علي الحسني الندوي
[غائب] ... [غائب] ... [توقيع]
محمد سالم عدود ... محمود شيت خطاب ... محمد رشيد قباني