← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

عاشرا: مما سبق ذكره نلاحظ أن الشريعة الإسلامية حددت قانونا عاما لمكافأة مصادر الإنتاج يحقق عدالة التوزيع في مختلف الجوانب (١). أ - بالنسبة للعمل فإن عائده يكون بإحدى صورتين: الأولى: الأجرة على العمل بحسب ما يتفق عليه العامل ورب العمل. الثانية: أن يشترك العامل بنسبة من الأرباح مقابل ما يقدمه من جهد كما في عقد المضاربة والمزارعة والمساقاة. والفرق بين الصورتين أن العامل يستحق أجرا ثابتا في الأولى ربح رب العمل أم خسر، أما في الثانية فالعامل يأخذ نسبة من الربح بحسب الاتفاق، وإذا خسر المشروع تتبع الخسارة رأس المال ويخسر العامل جهده ولا يستحق أجرا عليه. وفي كل االصورتين لا يتحمل العامل شيئا من الخسارة كما ترى. ب - بالنسبة لأدوات الإنتاج كالآلات والأرض فإن عائدها يكون بإحدى صورتين: الأولى: تأجيرها بمبلغ معين من المال لمن يحتاجها. الثانية: دفعها لمن يعمل بها بنسبة من الربح يتفق عليها ويدخل في ذلك تأجير الأرض بذهب أو فضة أو ما يقوم مقامهما من الأوراق المالية. جـ - بالنسبة لرأس المال - الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية. فلها أسلوب واحد في الكسب وهو أن يدفعها صاحبها لمن يتاجر فيها مضاربة بنسبة من الربح.

стр. 13162

ولا يجوز تأجير الذهب والفضة لأن هذا ربا، والفرق بين الذهب والفضة وبين أدوات الإنتاج كالآلات مثلا في أن أدوات الإنتاج يجوز تأخيرها بخلاف الذهب والفضة أن أدوات الإنتاج تستهلك بالاستعمال فيستحق صاحبها الأجرة عليها مقابل ما يستهلك منها بخلاف الذهب والفضة فلا يستهلك بالاستعمال.

стр. 13163

وختاما: فإن هذا البحث أحسب يبين الحل السليم للمشكلة الاقتصادية بعد تحديدها من وجهة النظر الإسلامية الصحيحة. وهذا الحل الذي استعرضته في هذا البحث بما فيه تكامل وتناسق وانسجام دليل يضاف إلى مئات الأدلة على صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في كل زمان ومكان وبأنها التشريع الوحيد الذي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة. وصدق الله القائل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (١)، والقائل: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (٢). والحمد لله رب العالمين

стр. 13164

مصادر ومراجع البحث - الأصبحي، مالك بن أنس توفي سنة ١٧٩ هـ: المدونة الكبرى، (القاهرة، مطابع السعادة، سنة ١٣٢٣هـ، الناشر: الحاج محمد أفندي ساسي المغربي التونسي). الموطأ، رواية يحيى بن يحيى الليثي، شرح وتعليق: أحمد راتب عرموش، (بيروت، دار النفائس، ط ١، سنة ١٩٧١م). الألباني، محمد ناصر الدين: صحيح الجامع الصغير وزيادته المسمى الفتح الكبير. الجامع الصغير من حديث البشير النذير للسيوطي، الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير للشيخ يوسف النبهان - (دمشق، المكتب الإسلامي، ط ١، سنة١٩٦٩ م). الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف: المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، (القاهرة، مطبعة السعادة، ط١، سنة ١٣٣٢هـ). البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، توفي سنة ٢٥٦ هـ: الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، (استانبول، المكتب الإسلامي، سنة ١٩٧٩ م). البرايري، الدكتور إبراهيم محمد: الإسلام وتوزيع الثروات، (القاهرة، بيروت، دار الشروق، د. ت). البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس، توفي سنة١٠٥١ هـ: كشاف القناع عن متن الإقناع، (الرياض، مكتبة النصر الحديث، د. ت). الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة، توفي سنة ٢٧٩هـ: سنن الترمذي تحقيق: أحمد شاكر، محمد فؤاد عبد الباقي، إبراهيم عطوه، (القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، ط١، سنة ١٩٥٦م). ابن تيمية: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، توفي سنة ٧٢٨هـ.

стр. 13165

الحسبة في الإسلام، تحقيق: سيد بن محمد أبو سعدة، (الكويت، مكتبة دار الأرقم ط١ سنة ١٩٨٣م). نظرية العقد، تحقيق محمد حامد الفقي، (القاهرة، مطبعة السنة المحمدية: سنة ١٩٤٩م). ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد. توفي سنة٤٥٦هـ: المحلي، بتصحيح، محمد خليل الهراس، (القاهرة، مطبعة الإمام، د. ت). الحطاب، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، توفي سنة ٩٥٤هـ: مواهب الجليل بشرح مختصر خليل، - وبهامشه التاج والإكليل لمختصر خليل محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق، توفي ٨٩٧ هـ (القاهرة، مطبعة السعادة، ط١ سنة ١٣٢٩هـ). الحصكفي، محمد علاء الدين. توفي سنة١٠٨٨ هـ: الدر المختار شرح تنوير الأبصار معه حاشية رد المحتار لابن عابدين - (القاهرة، شركة مكتبة مصطفى الحلبي، ط٢ سنة ١٩٦٦ م). حيدر علي: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، تعريب: فهمي الحسيني، (بيروت، بغداد، مكتبة النهضة، د. ت). ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، توفي سنة ٥٢٠ هـ: المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعية والتحصيلات المحكمات الشرعية لأمهات مسائل المشكلات، (القاهرة، مطبعة السعادة، بغداد، مطبعة المثنى، سنة ١٩٧٠). الرملي، محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة، الشهير بالشافعي الصغير، توفي سنة ١٠٠٤هـ: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت). رول، أريك: تاريخ للفكر الاقتصادي، ترجمة: الدكتور راشد البراوي، (القاهرة دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، سنة ١٩٦٨م). الزرقا، مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، (دمشق، مطابع ألف باء الأديب ط ٩ سنة ١٩٦٧م). ابن زنجويه، حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي، توفي سنة ٢٥١ هـ: الأموال تحقيق الدكتور شاكر ذيب فياض، (الرياض، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات

стр. 13166

الإسلامية ط١، سنة ١٤٠٦هـ). - السجستاني، أبو سليمان بن الأشعث الأزدي، توفي سنة ٢٧٥ هـ: سنن أبي داود، حققه: محيي الدين عبد الحميد، (القاهرة المكتبة التجارية الكبري، ط٢، سنة ١٩٥٠ م) - سلام أبو عبيد القاسم بن سلام بن مسكين بن زيد، توفي سنة ٢٢٤هـ: الأموال، تحقيق: محمد خليل الهراس، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، دار الفكر، ط ٢، سنة ١٩٧٥ م). - الشافعي، محمد بن إدريس بن العباس القرشي المطلبي، توفي سنة ٢٠٤ هـ: الأم بومباي، أبناء مولولي محمد بن غلام، د. ت). - الشبل، الدكتور فؤاد محمد: الدستور السوفييتي دراسة تحليلية انتقادية، القاهرة، مطبعة مصطفي الحلبي، الناشر: هاشم محمد الشريف، ط١ سنة ١٩٤٨ م). - الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، توفي سنة ١٢٥٥هـ: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، (القاهرة، شركة مصطفي الحلبي، الطبعة الأخيرة). الشيباني، أحمد بن حنبل، توفي سنة ٢٤١ هـ المسند، شرحه ووضع فهارسه: أحمد شاكر، (القاهرة، دار المعارف، سنة ١٣٦٨ هـ). الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، توفي سنة ٤٧٦هـ: المهذب في فقه الإمام الشافعي، (بيروت، دار المعرفة، ط ٢، سنة ١٩٥٩ م). الصدر، محمد باقر: اقتصادنا، (بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط ١٣، سنة ١٤٠١هـ). عابدين، أحمد بن عبد الغني بن عمر، توفي سنة ١٣٠٧هـ: حاشية رد المحتار علي الدر المختار شرح تنوير الأبصار، (القاهرة، مطبعة مصطفي الحلبي، ط٢، سنة ١٣٨٦ هـ). العالم، الدكتور سعيد، الشيوعية بعد خمسين عاما من التجربة أقوال وتصريحات لخروتشوف وكوسيجن وبريجنيف مستخرجة من تقارير رسمية، (بيروت، دار الكتاب الجديد ط١ سنة ١٩٧١م). العبادي، الدكتور عبد السلام داود: الملكية في الشريعة الإسلامية طبيعتها ووظيفتها

стр. 13167

وقيودها دراسة مقارنة (عمان، مكتبة الأقصي، ط ١ سنة ١٩٧٤ م) عبده، الدكتور عيسى الاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهاج، (القاهرة، دار الاعتصام، د. ت). العسال، الدكتور أحمد محمد، والدكتور فتحي عبد الكريم: النظام الاقتصادي في الإسلام مبادئه وأهدافه، (القاهرة مكتبة وهبة، ط٣ سنة ١٤٠٠ هـ). العيني محمود بن أحمد توفي سنة ٨٥٥ هـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، (بيروت، دار إحياء التراث العربي. د. ت). فايد، الدكتور مصطفي كمال: أصول المذاهب الاقتصادية بين التجاريين والتوجيه، (القاهرة، دار الفكر العربي، د. ت). ابن قدامة، عبد الله بن محمد بن أحمد المقدسي، توفي سنة ٦٢٠ هـ: المغني، (الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، د. ت). القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس، توفي سنة ٦٨٤ هـ: الفروق، وضع فهارسه: الدكتور محمد راوس قلعه جي، مطبوع معه إدرار الشروق وتهذيب الفروق، (بيروت، دار المعرفة، د. ت). القرشي، يحيى بن آدم، توفي سنة ٢٠٣ هـ: الخراج، صححه وشرحه ووضع فهارسه أحمد شاكر، (القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، سنة ١٣٤٧ هـ). القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، توفي سنة ٦٧١ هـ: الجامع لأحكام القرآن، (القاهرة، دار الكتاب العربي، سنة ١٣٨٧هـ). القزويني، أبو عبد الله محمد بن يزيد، توفي سنة ٢٧٥ هـ: سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، سنة ١٣٧٢ هـ). ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر: زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط١، سنة ١٣٩٩ هـ). الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق: محمد حامد الفقي، (القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، سنة ١٩٥٣ م). الكاساني، أبو بكر بن مسعود بن أحمد، توفي سنة ٥٨٧ هـ: بدائع الصنائع في

стр. 13168

ترتيب الشرائع، (القاهرة، مطبعة العاصمة، الناشر زكريا علي يوسف، د. ت). الكاندهلوي، محمد يوسف: حياة الصحابة، تحقيق: نايف العباس ومحمد علي دولة، دمشق، بيروت، دار القلم، ط١ سنة ١٩٦٨ م). ماكس، كارل: رأس المال، ترجمة، الدكتور راشد البراوي، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، سنة ١٩٤٧ م). النبهاني، الدكتور محمد فاروق: الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي: (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٢ سنة ١٤٠٤هـ). ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم: الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، (بيروت، دار ومكتبة الهلال، سنة ١٩٨٠ م). النووي، محيي الدين يحيى بن شرف بن حزام، توفي سنة ٦٧٧ هـ: المجموع شرح المهذب، (القاهرة، مطبعة العاصمة، الناشر زكريا علي يوسف، د. ت). النيسابوري، مسلم بن الحجاج القرشي، توفي سنة ٢٦٢ هـ: صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت، دار إحياء التراث العربي ط١، سنة ١٩٥٥ م). ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، توفي سنة ٢١٨ هـ: السيرة النبوية، تحقيق مصطفي السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، (بيروت دار إحياء التراث العربي، ط١، سنة ١٩٧٠ م). الهيتمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي: الزواجر عن اقتراف الكبائر، (بيروت دار المعرفة، سنة ١٤٠٢ هـ). يوسف، الدكتور يوسف إبراهيم: المنهج الإسلامي في التنمية، (القاهرة، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، سنة ١٤٠١هـ). . .

стр. 13169

الآيات والبراهين على صدق نبوة خاتم المرسلين بقلم: د. ناجي محمد داود سلامة الأستاذ المساعد بقسم الثقافة الإسلامية كلية التربية / جامعة الملك سعود المقدمة: شاء الله أن يختم الأنبياء بمحمد ﷺ وأن يختم الرسالات برسالته. لذا كان من أبرز سمات هذه الرسالة أنها عامة للخلق جميعا، وصاحبها رسول للثقلين من إنس وجن. وهذا يعني أن الله تعالى أقام الحجة بهذه الرسالة على كل من سمع ويسمع بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لذا يرى المتأمل أن هذه الرسالة قد أيدت بمؤيدات وبراهين تجعل الناظر في هذه الآيات والبراهين - كلها أو بعضها - يذعن ويقر بأن صاحب هذه الرسالة رسول من عند الله حقا وصدقا وأن دوره فيها دور النذير المبلغ عن ربه.

стр. 13170

ولما كانت هذه الآيات والبراهين قد فصل القول فيها بعض علمائنا السابقين - رحمهم الله تعالى - في مصنفات لهم أفردوها لهذا الشأن؛ رأيت أن أكتب بحثا أعرض فيه هذه الآيات والبراهين باختصار - غير مخل ودونما إسهاب - حتى لا تفتر همة القارئ وهو يطالع موضوعا من أهم موضوعات العقيدة الإسلامية، محيلا من أراد المزيد والتفصيل إلي أمهات الكتب التي بحثت تلك الآيات والبراهين بتوسع وإسهاب. وإليك أهم الآيات والبراهين الدالة على صدقه - علية الصلاة والسلام: أولا: القرآن الكريم وبعض وجوه الإعجاز فيه. ثانيا: خلقته وخلقه وجميل سيرته ﷺ تؤكد صدق نبوته. ثالثا: استجابة دعائه ﷺ . رابعا: المعجزات الحسية التي ظهرت علي يديه ﷺ ونقلها أصحابه ﵃. خامسا: إخباره ﷺ بمغيبات كثيرة ثم تحققت كما أخبر. سادسا: الكرامات الكثيرة التي ظهرت على يد بعض أصحابه - رضوان الله عليهم - وعلي يد غيرهم ممن صدق السير على نهجه وطريقه ﷺ . سابعا: بشارات الكتب السماوية به وبرسالته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 13171

أولا: القرآن الكريم وبعض وجوه الإعجاز فيه يعتبر القرآن الكريم البرهان الأول علي صدق نبوته ﷺ ، حيث إنه المعجزة الباقية إلي يوم الدين. فقد تحدى النبي ﷺ العرب - وهم أهل الفصاحة والبلاغة - أن يأتوا بمثله ويستعينوا بمن أرادوا، وإظهارا لعجزهم أخبرهم بأنهم لن يستطيعوا ذلك. ثم تحداهم بعشر سور منه، ثم بسورة واحدة. وقد سبحانه هذا التحدي في كتابة الكريم حيث قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١)

стр. 13172

وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللََّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٣). فلم يستطع العرب معارضة القرآن رغم هذا التحدي الذي قرع آذانهم ليل نهار بعبارات تستفز العزيمة، وتثير الحمية، وقد كانوا حريصين علي إبطال دعوى رسول الله ﷺ بأن هذا القرآن من عند الله، لتضمنه دينا يبطل دينهم، ولما فيه من تسفيه لعقولهم، وسخرية منهم ومما يعبدون. فكانوا في أمس الحاجة إلي الإتيان بمثل هذا القرآن كله أو بعضه ليدافعوا عن دينهم ودين آبائهم. لكنهم لم يفعلوا مع أن القرآن نزل بلغتهم، وألفاظه من ألفاظهم، وهم أهل البيان وفيهم ملوك الفصاحة وقادة البلاغة، أضف إلي ذلك أنهم كانوا أصحاب عقول ناضجة مجربة يشهد لذلك شعرهم ونثرهم. ومع ذلك كله لم يؤثر عنهم أنهم استجابوا للتحدي وعارضوا القرآن مع أنه نزل في ثلاث وعشرين سنة وكان معهم من الوقت ما يكفي للمعارضة لو كان ذلك في إمكانهم. لذا تراهم لما عجزوا عن المعارضة اتهموا من أتي به بالسحر وقول الشعر والجنون، وآثروا بذل المهج والأرواح والأموال في الحروب على أن يأتوا بمثل هذا القرآن كله أو بعضه مما يثبت عجزهم وعدم مقدرتهم. وعجز العرب عن المعارضة ما هو إلا عجز للعربية في عنفوان شبابها، وريعان

стр. 13173

قوتها، فعجزهم - وهم الفصحاء البلغاء - فيه دلالة واضحة علي عجز من يأتي من بعدهم (١).

стр. 13174

وجوه إعجاز القرآن الكريم وما من شك أن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم كثيرة ومتنوعة. وما من شك أيضا أن العقول لم تصل حتى الآن إلى حصر وجوه الإعجاز كلها، فكلما زاد التدبر في آيات القرآن، وتقدم الإنسان بعلومه وكان ذلك مدعاة لأن تظهر وجوه للإعجاز لم تكن معروفة من قبل، وظهور الإعجاز العلمي خير دليل على هذا إذ لم تعرف البشرية هذا الوجه من الإعجاز إلا في عصور متأخرة. وإليك بعض وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: ١ - فصاحته وبلاغته وقوة تأثيره. ٢ - إعجاز تشريعاته. ٣ - انطباق آياته على ما جاء به العلم الحديث. ٤ - تضمنه أخبارا غيبية لا يعرفها إلا علام الغيوب.

стр. 13175

الوجه الأول: فصاحته وبلاغته وقوة تأثيره . تعرض القرآن الكريم لموضوعات كثيرة متباينة، وعبر عنها بتعبيرات متنوعة، ومع هذا تجد تناسقا بديعا بين العبارات والألفاظ، فليس أسلوب هذه الآية بليغا والأخرى غير بليغ، وليس هذا اللفظ فصيحا والآخر غير فصيح. كما أنه ليس فيه لفظ ينبو عن السمع أو يتنافر مع ما قبله أو ما بعده. ولا تجد عبارة أرقى في مستوى بلاغتها من عبارة بل كل عبارة مطابقة لمقتضى الحال الذي وردت من أجله حتى إنك لو رمت نزع نقطة من مكانها لتستبدل بها أحسن منها لا تستطيع، فعجيب نظم القرآن وبديع

стр. 13176

تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين مع تعرضه لأمور كثيرة من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وأعذار وإنذار، وتبشير وتخويف، ووعد ووعيد، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة. فلو كان من عند البشر لوجدته مختلفا متفاوتا. ألا ترى أن كلام البليغ الكامل، والشاعر المبدع والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين. . بل إذا تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها والمواضيع التي يطرقها بخلاف القرآن الكريم فإنه على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه. وأما روعة هذا القرآن وهيبته وقوة تأثيره فقد اعترف بها جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وهلة وآمن به، ومنهم من كفر: فعن جبير بن مطعم «أنه سمع الرسول ﷺ يقرأ في المغرب: فلما بلغ الآية: إلى قوله. . . . قال كاد قلبي يطير (٥)»، وفي رواية: وذلك أول ما دخل الإيمان قلبي. وعن عتبة بن ربيعة «أنه كلم النبي ﷺ فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليه: حم فصلت. . إلى قوله: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٦) فأمسك عتبة بيده على في النبي ﷺ وناشده الرحم أن يكف». وفي رواية: «فجعل النبي ﷺ يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمدا عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد ﷺ وقام عتبة لا يدري بما يراجعه ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم، وقال: لقد كلمني بكلام والله ما سمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له».

стр. 13177

وقد حكي عن غير واحد (١) ممن رام معارضة القرآن أنه اعترته روعة وهيبة كف بها عن ذلك. ومما يدلك على قوة تأثيره أيضا: أنه لا يمل سماعه، ولا تبلى جدته، فلا تزيد تلاوته إلا حلاوة، ولا ترديده إلا محبة، ولا يزال غضا طريا كأنما الساعة نزل، مع أن غيره من الكلام - ولو كان بليغا فصيحا - تمجه الآذان مع الترديد. ويزداد النفور منه إذا أعيد. وقد تأثر بجماله وروعته الوليد بن المغيرة غاية التأثر حتى وصفه بقوله " إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر ".

стр. 13178

الوجه الثاني: إعجاز تشريعاته: عرفت البشرية في عصور التاريخ المختلفة تشريعات كثيرة كان الغرض منها الأخذ بيد الناس نحو السعادة التي يصبو إليها بنو البشر. وبالإمكان القول - دون مبالغة - إن تشريعات الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة هي الوحيدة التي حققت السعادة لذلك المجتمع الإسلامي الذي ضم بين دفتيه أفرادا من أجناس شتى عاشوا في أصقاع متباعدة الأطراف عندما التزم ذلك المجتمع وحرص على تطبيقها وهي مازالت كفيلة بإضفاء السعادة على أفراد أي مجتمع ينشد تطبيقها والعمل على الالتزام بها.

стр. 13179

وإعجاز القرآن التشريعي يستطيع أي متأمل أن يدركه فهو ليس بالإعجاز اللغوي الذي لا يعرفه إلا من عرف العربية وتعلمها وتذوقها، ذلك أن هذا التشريع تناول جوانب الحياة كلها (١). فنظم علاقة الفرد بخالقه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بغيره من أفراد مجتمعه - الذي يضم المسلمين وغيرهم - كما نظم أيضا علاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى في حالتي السلم والحرب. ثم إن المتأمل يجد أن هذه التشريعات قد امتازت بخصائص لم تتوافر في غيرها من شمول وكمال وتوازن، وعدم تعارض واضطرب، فلا تجد في القرآن الكريم حكما يناقض آخر ولا معنى يعارض معنى مع أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة وآيات الأحكام فيه كثيرة، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢). كما أن التشريعات امتازت باليسر ورفع الحرج، واتسمت أيضا بالعدل بين الناس، وساوت بينهم فنبذت التفرقة بين واحد وآخر أمام الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣). كما أنها عملت على حفظ الضرورات الخمس في حياة الناس فحفظت الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل. فكانت بذلك كله موافقة لفطرة الإنسان تسير معها جنبا إلى جنب فجنبت الإنسان الوقوع في الشقاء والتخبط. ولعل من أبرز ما امتازت به هذه التشريعات صلاحيتها لكل زمان ومكان فما من حادثة تجد إلا ولها حكم شرعي يستنبطه العلماء العارفون بالكتاب والسنة.

стр. 13180

ومما تجدر الإشارة إليه أن تشريعات الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة قد اعترف بعظمتها رجال القانون حتى من غير المسلمين. فقد أعلن المؤتمر الدولي المنعقد في لاهاي عام ١٩٣٧ م اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام كما أعلن أن الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها مستقلة عن غيرها. وفي أسبوع الفقه الإسلامي المنعقد في باريس عام ١٩٥٢م وقف نقيب المحامين الفرنسيين ليقول: " لا أدري كيف أوفق بين ما كان يصور لنا من جمود الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وعدم صلاحيتها كأساس لتشريعات متطورة، وبين ما سمعته مما يثبت - من غير شك - فاعلية الشريعة الإسلامية من عمق وأصالة ودقة وكثرة تفريع وصلاحية لمقابلة جميع الأحداث ". وها هي جمعية القانون الدولي العام تعتبر محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة الرائد الأول للقانون الدولي العام (١) ومعلوم أن الفقه الإسلامي - الذي اعترف بعظمته المنصفون من غير المسلمين - يستمد بشكل أساسي من الكتاب والسنة. بقي أن نقول: إن هذا التشريع القرآني لا غرابة أبدا في كونه متميزا ومتفردا ومتفوقا على جميع التشريعات الأخرى ذلك أنه من عند خالق النفس البشرية العالم بما يصلحها ويسعدها، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).

стр. 13181

الوجه الثالث: انطباق آيات على ما جاء به العلم الحديث: أنزل الله تعالى كتابه ليكون دستورا للناس ونبراسا يهتدون به، ويحكمونه فيما بينهم، وأقام الحجة به عليهم.

стр. 13182

وهذا الكتاب الكريم لم يكن من مقاصده تقرير حقائق علمية تتعلق بالإنسان والكون، لكنه سبحانه أثناء سوقه الأدلة على وجوده ووحدانيته، وتذكير الناس بنعمه وآلائه التي لا تحصى، ولفت الأنظار إلى قدرته الباهرة - أثناء ذلك كله - ذكر سبحانه آيات لفتت النظر إلى حقائق علمية لم تعرف إلا بعد عصر التنزيل بقرون كثيرة. فكلما كشف البحث العلمي سنة كونية أو حقيقة علمية وظهر أن آية في القرآن الكريم أشارت إلى تلك السنة أو الحقيقة قام برهان جديد على أن القرآن من عند الله. ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الناس لا يرون أن تفسر بعض آيات القرآن الكريم وفق ما جاء به العلم الحديث محتجين بأن آيات القرآن لها مدلولات ثابتة مستقرة لا تبدل ولا تتغير، بينما معطيات العلم قد تتغير وتتبدل من حين لآخر نتيجة البحث الدائم المستمر، فكم من نظرية علمية دافع عنها أصحابها ثم تراجعوا عنها بعد أن ظهر خطؤها وبطلانها (١). لكن هذا الرأي لا يسلم من النقد، إذ أن تفسير آية قرآنية بما كشف العلم الحديث من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم، وليس معنى هذا إن الآية لا تفهم إلا بهذا الوجه من الوجوه، فإذا ظهر خطأ ما اكتشفه العلم ظهر خطأ فهم الآية على هذا الوجه لا خطأ الآية نفسها. وهذا ينطبق تماما على غير ما اكتشفه العلم، ألا ترى أن عالما قد يفهم حكما شرعيا من آية قرآنية ثم يعدل عن هذا الفهم إذا تبين له خطأ فهمه بظهور دليل جديد أبطل فهمه الأول (٢). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يجب على من يتصدى لتفسير آيات القرآن الكريم وفقا لما جاء به العلم الحديث أن يتحرى حقائق العلم التي أثبت العلماء أنها حقائق لا مجال للرجوع عنها تاركا الفرضيات والنظريات التي لم تصبح حقائق بعد. كما عليه أيضا أن يتجنب النصوص القرآنية ما لا تحتمل.

стр. 13183

ومما تجدر الإشارة (١) إليه أيضا أنه لا يمكن أبدا أن يأتي يوم يصل فيه العلم إلى حقيقة تتعارض مع آية قرآنية قطعية الدلالة لأن القرآن كلام الله والكون صنع الله وكلام الله وصنعه لا يتناقضان أبدا بل يصدق أحدهما الآخر لأن مصدرهما واحد. لذا فقد جاءت الحقائق العلمية مؤيدة لما في كتاب الله تعالى ومصدقة له. والنصوص القرآنية التي أشارت إلى حقائق علمية كثيرة بينها العلماء في كتبهم وندواتهم ومؤتمراتهم ومحاضراتهم ونكتفي هنا بذكر أمثلة يسيرة: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢). أشارت هذه الآية الكريمة إلى ما يصيب الإنسان من ضيق وعوارض الاختناق عند صعوده إلى طبقات الجو العليا بسبب ما يصاحب هذا الصعود من قلة الضغط الجوي وقلة الأكسجين. وهذه حقيقة لم يكن يعلم بها أحد لا من العلماء ولا من غيرهم في زمن محمد ﷺ إلا بعد صعود الإنسان في العصر الحديث إلى طبقات الجو العليا. ٢ - قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). تقرر هذه الآية أن السماوات والأرض كانتا متصلتين ثم وقع الانفصال بينهما بمشيئة الله وقدرته وقد أثبت العلم الحديث ما قالت به الآية قبل أربعة عشر قرنا.

стр. 13184

أما الحقيقة الأخرى التي قررتها الآية القرآنية فهي أن الماء أصل كل شيء حي، وهذا ما أثبته العلم الحديث من أن الماء هو العنصر الأول المكون لكل خلية حية، فلا حياة ممكنة بدون وجوده. ٣ - قال جل وعلا: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال:. . . ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (٣). وقال:. . . . ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٥). وقال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٦) ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ (٧). من خلال هذه الآيات الكريمة يتبين أن كل شيء قائم على نظام الزوجية، وأنها منتشرة في كل شيء، وهذا ما أثبته العلم الحديث فهي ليست مقصورة على الإنسان أو الحيوان بل في النباتات والجماد كذلك، وقد أخبر الله في كتابه بهذا قبل أربعة عشر قرنا (٨).

стр. 13185

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١). أثبت العلم الحديث أن شكل الأرض مستدير كروي إلا أنه غير تام الاستدارة فبعد أن تمكن العلماء قبيل ثلاثة قرون تقريبا من قياس أبعاد الأرض بدقة متناهية وجدوا أن نصف القطر الاستوائي على نصف القطر القطبي مقدار ٢١. ٥ كيلو متر تقريبا. أي أن الأرض أنقصت من أطرافها، وهذا ما بينه القرآن الكريم من قبل (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (٤). يقول وحيد الدين خان: وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الإنسان في الماضي فإنه كان يشاهد عالما كبيرا قائما بذاته في الفضاء مكونا من الشمس والقمر والنجوم ولكنه لم ير أية ساريات أو أعمدة. والإنسان اليوم يجد في هذه الآية تفسيرا لمشاهدته التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء الرحب بيد أن هناك عمدا غير مرئية تتمثل في قانون الجاذبية وهي التي تساعد كل هذه الأجرام على البقاء في أمكنتها المحددة. وأخيرا: هذه النماذج التي ذكرناها ما هي إلا غيض من فيض وقليل من كثير، وإنها تدل على أن هذا القرآن من لدن حكيم خبير وأنه ليس محمد ﷺ أي دور فيه سوى التبليغ عن ربه .

стр. 13186

الوجه الرابع: تضمنه أخبارا غيبية لا يعرفها إلا علام الغيوب: أخبرنا الله تعالى في كتابه بمغيبات كثيرة كان فيها أوضح الدلالة على صدق نبوته ﷺ فمن هذه المغيبات:

стр. 13187

١ - غيب مضى يتعلق بأحوال القرون السالفة والأمم البائدة كقصة آدم ﵇. وابتداء خلقه وما صار أمره إليه من الخروج من الجنة. . وكقصص الأنبياء مع أقوامهم، وكقصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، ويأجوج ومأجوج. . . وغير ذلك من القصص مع أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، فكانت هذه الأخبار من أوضح الأدلة على نبوته ﷺ إذ جاء بها على وجهها أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكن ملازما لأهل الآثار وحملة الأخبار ولا مترددا إلى التعلم منهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) فلا ريب إذن - والحال هذه - أن مثل هذه الأخبار لا يمكن أن تكون إلا من عند من يعلم الماضي والحاضر والمستقبل مصداقا لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). ٢ - ومنها أيضا مغيبات لم تكن واقعة حين الإخبار بها ثم وقعت وهي كثيرة جدا نكتفي بإيراد بعضها: أ - ما وعد الله تعالى نبيه ﵊ من أنه سيظهر دينه على الأديان جميعا. قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣). وقد تحقق ذلك بانتشار الإسلام وحكمه الكثير من بقاعه المعمورة.

стр. 13188

ب - قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (١). وحصل ذلك بأن دخلوا المسجد الحرام آمنين مطمئين (٢) ج - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). وحصل كما أخبر سبحانه، فمكن لهم دينهم واستخلفهم في الأرض وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب. د - قال تعالى: ﴿الم﴾ (٤) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٥) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٦) ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٧) ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٨). تضمنت هذه الآيات الكريمة غيوبا ثلاثة: الإخبار بنصر الروم بعد الهزيمة ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٩) وهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. أن النصر سيتم في بضع سنين (١٠). وهذا التحديد أيضا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

стр. 13189

وثالث هذه الغيوب تضمنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (٢) فأخبر تعالى بأنهم سيفرحون في ذلك الوقت. وهذا من الغيب؛ لأنه خبر عن بقاء المؤمنين إلى ذلك الوقت مع قلتهم وضعفهم وطمع أعدائهم بهم إذ أن هذه الآيات نزلت قبل الهجرة بمكة. ثم إن ظفر المسلمين ببدر وقع في الوقت الذي ظفر فيه الروم على الفرس وعندها فرح المؤمنون بنصر الله. هـ - ومن الغيب أيضا: إخباره سبحانه بأن أبا لهب وزوجه في النار وكانا آنذاك حيين، وبالفعل ماتا على الكفر ولم يؤمنا - ولو نفاقا ". ووقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣). فحفظ سبحانه كتابه من تحريف المحرفين ولا يزال محفوظا وسيبقى كذلك أيضا (٤). ز - قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥) فعصم سبحانه نبيه على كثرة من أراد ضره وقصد قتله (٦). فهذه بعض المغيبات التي ذكرها الله في كتابه وكانت غيبا حين الإخبار بها ثم حصلت كما أخبر مما يدل بوضوح على أن الذي أخبر بها قبل وقوعها هو عالم الغيب والشهادة، فكانت هذه الأخبار وغيرها تحمل في طياتها براهين دامغة على نبوة محمد ﷺ الذي اختاره الله تعالى لإنزال كتابه عليه. وبعد هذا الحديث عن كتاب اله تعالى ووجوه الإعجاز فيه، وأنه معجزة الرسول محمد ﷺ الباقية الخالدة على مدى الدهر والزمان أسجل - في هذا المقام - كلمة جامعة نافعة إن شاء الله للشيخ السيد سابق حول معجزة رسولنا الخالدة حيث قال:

стр. 13190

إنه لم يعرف لكتاب من الكتب مثل ما لهذا القرآن، من سمو الموضوع وسحر البيان، وقوة التأثير، مما وجه عناية العلماء إلى الاهتمام بدراسته من حيث ألفاظه ومعانيه وعقائده، وآدابه وأحكامه، وتشريعاته. فخلفوا بهذه الدراسة ثروة ضخمة من العلم والأدب، لا تزال ولن تزال المادة الصالحة لقيام حضارة إنسانية ينعم فيها البشر بحياة أفضل وعيش أرغد ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (١). هذه هي المعجزة التي أيد الله بها نبيه الأمي، والتي غير بها نفوسا، وأحيا قلوبا وأنار بصائر وربى أمة، وكون دولة في سنى تعد على الأصابع. إذا كان قلب العصا حية معجزة، فإن تغيير العقول والقلوب أبلغ في الإعجاز، وإذا كان إحياء الميت من الخوارق التي أيد الله بها بعض أنبيائه فإن إحياء أمة أمية من الجهل والرذيلة، وجعلها مصدر إشعاع وهداية، هو الخارق الذي تتضاءل في جوانبه جميع المعجزات " اهـ (٢) وتمثل ببيتين من الشعر: الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا لا تذكر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئ القنديلا

стр. 13191

ثانيا: خلقته وخلقه وجميل سيرته تؤكد صدق نبوته: مما لا شك فيه أن الله تعالى من على رسوله بأن حباه خلقه. وصورة تجعل من يراه يعرف أن وجهه ﷺ لا يأتي إلا بالصدق، فقد كانت صورته ﷺ محببة إلى كل من شرح الله صدره للإيمان، وقد ذكر أصحابه - رضوان الله عليهم - من أوصافه الكثير الكثير حيث تجعل من يتأملها يؤمن بأن صاحبها رسول من عند الله اجتباه وحباه وصوره فأحسن صورته. عن البراء ﵁ قال: «كان رسول الله أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (١)».

стр. 13192

وعن أبي جحيفة ﵁ «أنه رأى النبي ﷺ يصلي بالبطحاء وبين يديه عنزة فجعل الناس يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك (٢)». وعن أنس ﵁ قال: «ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي ﷺ ولا شممت ريحا قط أو عرفا قط أطيب من ريح أو عرف النبي ﷺ (٤)». أما عن خلقه وجميل سيرته فحدث ولا حرج: فقد كان أحسن الناس خلقا حتى قال ربه فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥) وعن أنس ﵁ قال: «والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا (٦)». وكان كريما سخيا جوادا فعن ابن عباس ﵄ قال: «كان ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان (٧)». . . وعن جابر بن عبد الله قال: «ما سئل رسول ﷺ شيئا قط فقال: لا (٨)». وكان أكثر الناس رحمة بالمؤمنين حتى قال الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٩). وكان قمة في التواضع، فكان إذا مر على الصبيان سلم عليهم.

стр. 13193

وكان يقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت (٢)» وهذا تواضع منه ﷺ . وكان زاهدا قانعا باليسير فعن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: «يا ابن أختي إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء (٣)». . . وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة (٤)». وكان كثير الحياء حتى وصفه أبو سعيد الخدري بقوله: «كان أشد حياء من العذراء في خدرها (٥)». وكان عابدا لله تعالى مستغفرا له باستمرار حتى قال فيه المغيرة بن شعبة: «إن كان ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا (٦)». وقال ﵊:. . . . «وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة (٧)». وكان شجاعا مجاهدا في سبيله سبحانه فإذا حمي الوطيس في المعركة وشمرت الحرب عن ساقيها رأيت فيه مثال الشجاعة والثبات كما حدث في أحد وحنين حين قال فيه البراء: «كنا والله إذا احمر البأس نتقي به. وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﵊ (٨)».

стр. 13194

وكان حليما صفوحا لا يغضب إلا لله تعالى حتى قالت فيه زوجته عائشة: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهم ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه. وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله (١)». أما صدقه وأمانته فاعترف بها العدو والصديق، فما أثر عنه الكذب ولا الخيانة لا قبل النبوة ولا بعدها حتى لقبه قومه بالأمين. وهذه الأخلاق الإنسانية الكاملة والسيرة العطرة هي التي جعلت بعض من تأملها يقر بأنه رسول من عند الله كما حدث مع السيدة خديجة ﵂ عندما أخبرها بما حصل معه في حراء وأنه خشي على نفسه، فكان جوابها له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل (٣)». . . وهذا عينه هو الذي حدا بهرقل ملك الروم إلى الإقرار بنبوة محمد ﷺ بعد أن سأل أبا سفيان أسئلة عديدة عن هذا النبي وصفاته فكان مما سأل أبا سفيان عنه: كيف نسبه فيكم؟ وهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ وبماذا يأمركم؟ وهل يغدر؟. . . إلى غير ذلك من الأسئلة، وبعد أن أجابه أبو سفيان رد عليه هرقل بقوله: «إني سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. . . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. . . وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان كما ما تقول حقا، فسيملك موضع قدمي هاتين (٤)». . .

стр. 13195

وهذه الأخلاق التي تحلى بها الرسول ﷺ ظلت ملازمة له طوال حياته ومن أول عمره إلى آخره إذ كانت سجية من سجاياه وطبعا من طباعه لم يحمل نفسه على التكلف بها إذ المتكلف لا يمكنه الثبات على ذلك طوال عمره، وهذا ما أشار إليه سبحانه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١). وخلاصة القول: إن مثل هذه الصفات الخلقية والخلقية وهذه السيرة المرضية لا يتأتى بعض منها إلا لنبي من الله عليه بنعمة الرسالة فهداه واجتباه وحباه فكيف بها مجتمعة في شخصه الكريم؟ لا شك أن اجتماعها فيه من أعظم الأدلة على نبوته ﷺ .

стр. 13196

ثالثا: استجابة دعائه ﷺ : فمن ذلك دعاؤه على سراقة بن مالك واستجابة الله له في ذلك. فعن البراء بن عازب أن أبا بكر أخبره كيف هاجر مع النبي ﵊ وماذا حصل معهما أثناء ذلك فكان مما أخبره به: «أن سراقة اتبعهم فقلت (والكلام لأبي بكر) أتينا يا رسول الله فقال: لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه النبي ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها. فقال: (سراقة) إني أراكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما أن أرد عنكما الطلب. فدعا له ﷺ فنجا. فجعل لا يلقى أحدا إلا قال كفيتكم ما هنا. فلا يلقى أحدا إلا رده (٢)». ومن ذلك ما رواه أنس «أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة.

стр. 13197

فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع بيده فقال: اللهم حوالينا ولا علينا فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود (٣)». ومن ذلك دعاؤه على نفر من قريش لإيذائهم إياه ﷺ : عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «استقبل رسول الله ﷺ البيت فدعا على ستة نفر من قريش فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيرتهم الشمس، وكان يوما حارا (٤)». ومن ذلك أيضا «أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله. فقال: كل بيمينك قال: (لا أستطيع) قال: لا استطعت فما رفعها إلى فيه (٥)». وسبب دعاء الرسول ﷺ عليه علمه بأنه يستطيع الأكل بيمينه لكن الكبر منعه من الاستجابة لطلب الرسول ﵊ (٦). ومن ذلك ما صح عن جرير بن عبد الله أنه قال: ". . . «ولقد شكوت إليه (يعني الرسول ﵊ أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال: اللهم ثبته. واجعله هاديا مهتديا فأصبح جرير بهذه الدعوة فارسا (٧)».

стр. 13198

* وبفضل دعائه ﷺ هدى الله أم أبي هريرة ﵁، فقد كانت تقول في رسول الله ﷺ عندما يدعوها ولدها إلى الإسلام ما يحزن ولدها ويبكيه، فأتى مرة إلى رسول الله ﷺ باكيا طالبا منه أن يدعو لأمه بالهداية فقال ﵊: «اللهم اهد أم أبي هريرة (١)» فخرج مستبشرا بدعوة رسول الله ﵊ فما إن وصل البيت حتى أمرته أمه بعدم الدخول فعرف أنها تغتسل، فلما انتهت فتحت الباب وشهدت شهادة الحق، فعاد هذه المرة إلى رسول الله ﷺ باكيا من شدة الفرح يبشره بهداية أمه (٢).

стр. 13199

رابعا: المعجزات الحسية التي ظهرت على يديه ﷺ ونقلها عنه أصحابه: إذا كان الأنبياء والرسل السابقون قد أكرمهم الله تعالى بأن جعل على أيديهم بعض المعجزات الحسية المشاهدة وكانت بمثابة دليل على صدق نبوتهم، فإن الله تعالى قد أكرم نبينا بمعجزات حسية كثيرة تفوق من سبقه من الأنبياء، ونقلت إلينا بسند لا يرقى إليه أي شك، فمعجزاته ﷺ قد أفردت فيها مصنفات مستقلة لكثرتها، والمقام هنا لا يتسع إلا لذكر بعضها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر فمن ذلك: (١) انشقاق القمر: فقد «سأل أهل مكة رسول الله ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر مرتين (١)». وعن ابن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال ﷺ : اللهم اشهد (٢)». وقد سجل الله تعالى هذه الآية العجيبة في كتابه الكريم فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٣) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٤).

стр. 13200

(٢) تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة وقد حصل هذا أكثر من مرة وفي أماكن متعددة، وانتفع خلق كثير بهذا الماء. عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من أصابعه فحزرت من توضأ منه ما بين السبعين إلى الثمانين (١)». وعنه ﵁ أنه قال: «كان نبي الله ﷺ وأصحابه بالزوراء فدعا بقدح فيه ماء. فوضع كفه فيه. فجعل ينبع من بين أصابعه فتوضأ جميع أصحابه. فقيل له: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة (٣)». وحصل مثل هذا في الحديبية، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ فجهش الناس نحوه. فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك. فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا. فقيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا. كنا خمس عشرة مائة (٦)». وهذا تكرر أيضا في غزوة تبوك، حيث «كانت عين تبوك قليلة الماء جدا وغرف بعض الصحابة من العين قليلا من الماء حتى جمعوه في شيء، فغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها. قال معاذ راوي الحديث: فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس (٧)».
следующие страницы →