٦ - علمه:
كان زيد بن ثابت ﵁ متعدد جوانب المعرفة، فهو لم يحصر نفسه في جانب من جوانبها، بل تناول العلوم المعروفة في عصره، فتعلمها وبرع فيها، ساعده على ذلك ذكاؤه الوقاد، ورغبته الصادقة، ومما برع فيه من العلوم ما يلي:
(أ) الكتابة والخط:
تذهب بعض الروايات إلى أن زيد بن ثابت ﵁ كان قد تعلم الكتابة قبل قدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة - وكان عمره عند قدوم رسول الله إحدى عشرة سنة - وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ (١). ولكن ابن سعد يروي في الطبقات عن محمد بن الصباح قال: أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال: كان فداء أهل بدر أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده، علم عشرة من المسلمين الكتابة، فكان زيد بن ثابت ممن علم (٢). .
ونرى أنه لا تناقض بين الروايتين، فزيد بن ثابت كان مع نفر قليل من المسلمين يعرفون الكتابة، ولكن كثيرا منهم لا يتقنونها، وإن من يباشر مهمة عظيمة ككتابة الوحي لا بد وأن يكون على درجة عظيمة من إجادة الكتابة، ولذلك نجد الرسول ﷺ يدفع زيد بن ثابت ﵁ كاتب الوحي - إلى من يجيد الكتابة من هؤلاء الأسرى ليزداد إتقانه للكتابة، وتصقل موهبته فيها، وهكذا كان، والله أعلم.
стр. 13582
(ب) لغة العرب وشعرها:
كان زيد بن ثابت ﵁ عالما بشعر العرب حافظا له، وقد ذكر سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، أن جده زيد بن ثابت روى من شعر
стр. 13583
كعب بن مالك تسعين قصيدة (١).، وإن من يروي تسعين قصيدة لشاعر واحد، لا بد وأن يحفظ ويروي الكثير لغيره من الشعراء.
وقد كان لزيد بن ثابت مجالس مع حافظي الشعر ورواته يتناشدون فيها الأشعار، وقد بقي ﵁ محافظا على هذه المجالس حتى أواخر أيامه، قال محمد بن كثير بن أفلح: إن آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت مجلس تناشدنا فيه الشعر (٢). .
стр. 13584
(جـ) اللغات الأجنبية:
كان زيد بن ثابت ﵁ يحسن لغتين - على الأقل - إلى جانب لغته العربية، أما اللغة الأولى فهي السريانية، وهي اللغة التي يتحدث بها اليهود آنذاك، وقد تضافرت الأخبار على أنه كان يجيد هذه اللغة قراءة وكتابة، وأنه تعلمها بتوجيه من الرسول ﷺ ، وأنه كان يقرأ لرسول الله الكتب التي ترده بهذه اللغة، وأنه يكتب له بها حين يريد أن يكتب بها. وإن كنا لا نعرف أن رسول الله ﷺ قد وجه كتابا معينا بهذه اللغة لأحد، ولا تحفظ لنا الآثار النبوية شيئا من هذا فيما نعلم.
وقد اختلف في الزمن الذي أمر فيه الرسول ﷺ بتعلم السريانية، فقد ذكر الطبري في تاريخه في حوادث السنة الرابعة للهجرة فقال: وفي هذه السنة أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وقال لا آمن أن يبدلوا كتابي (١). .
ولكن روى الإمام أحمد في المسند وابن حجر في الإصابة ما يفيد أن
стр. 13585
الرسول ﷺ أمر زيد بن ثابت بتعلم السريانية قبل هذا التاريخ، وأعادت هذه الرواية أن تعلمه يعود إلى مقدم الرسول من مكة إلى المدينة، فقد روى خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد بن ثابت، قال: أتي بي النبي مقدمه المدينة - وفي رواية الإمام أحمد: «لما قدم الرسول المدينة - فقيل: هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: هل تحسن السريانية؟ قلت: لا، فقال: تعلم لغة يهود، فإني ما آمنهم على كتابي - ففعلت فما مضى لي نصف شهر - وفي رواية: سبعة عشر يوما - حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له (١)». .
فقوله في هذه الرواية: «أتي النبي مقدمه المدينة» تفيد فور مقدمه المدينة أو بعيد مقدمه إليها بقليل، وهذا هو الأرجح، والله أعلم.
وأما اللغة الثانية: فهي اللغة الفارسية، وقد عرفنا ذلك من رواية ساقها الطبري في تاريخه في سياق حديثه عن إسلام القائد الفارس الهرمزان، وخلاصة ذلك: أنه أتي عمر بن الخطاب بالهرمزان بعد أسره، فجعل عمر يحاوره، فطلب الهرمزان الأمان من عمر بن الخطاب حتى يشرب كأس ماء طلبها، فأعطاه عمر الأمان حتى يشربها، فألقاها الهرمزان فلم يشربها، وحصل على الأمان من عمر بالحيلة والمكر، وكان الترجمان بين عمر بن الخطاب والهرمزان - الذي يتكلم الفارسية - هو المغيرة بن شعبة إلى أن جاء الترجمان، وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسية، فقال عمر للمغيرة: قل له من أي أرض أنت؟ فقال المغيرة - مترجما: أز كدام أرضي، فقال: مهرجاني، فقال عمر: تكلم بحجتك يا هرمزان، فقال الهرمزان: كلام حي أو ميت؟ قال عمر: بل كلام حي، قال الهرمزان: قد أمنتني، قال عمر: خدعتني، إن للمخدوع في الحرب حكمه، لا الله لا أؤمنك حتى تسلم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له عمر على ألفين، وأنزله المدينة، وقال للمغيرة: ما أراك حاذقا - أي
стр. 13586
بالفارسية - ما أحسن منكم أحد إلا خب، وما خب إلا دق، وإياكم وإياها، فإنها تنقض الإعراب. وأقبل زيد - هو زيد بن ثابت وكان هو الترجمان - فكلمه، وأخبر عمر بقول الهرمزان، والهرمزان بقول عمر (١). .
من هذا النص الذي ساقه الطبري نرى أن زيد بن ثابت كان يتقن الفارسية أيضا، وأنه كان الترجمان الرسمي بين عمر بن الخطاب وبين من يتكلم هذه اللغة، ولعله لهذا السبب ولغيره من الأسباب الأخرى كان عمر بن الخطاب يحتفظ بزيد بن ثابت بجانبه في المدينة المنورة ولا يبعده عنه - والله أعلم.
стр. 13587
(د) القرآن الكريم:
لا جدال في أن زيد بن ثابت ﵁ كان من كتاب الوحي، وأنه أحد الذين جمعوا القرآن كله - دون أن يفوتهم منه شيء - في عهد رسول الله ﷺ ، يقول أنس بن مالك: جمع القرآن على عهد رسول الله أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١). .
وقال الشعبي: جمع القرآن على عهد رسول الله ستة نفر: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وسعد بن عبد، وأبو زيد، وكان مجمع بن جارية قد جمع القرآن إلا سورتن أو ثلاثا، وكان ابن مسعود أخذ بضعا وتسعين سورة، وتعلم بقية القرآن من مجمع (٢). وكان زيد قد جمع إلى جمع القرآن الكريم حفظه، ففاق بذلك الأقران، وعرف بينهم بذلك حتى كان الخليفتان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان يقدمانه في القرآن على غيره، قال سليمان بن يسار: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد أحدا لا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة (٣).، وذاع ذلك بين أهل المدينة وعرف
стр. 13588
بينهم، حتى قال قبيصة بن ذؤيب كان زيد رأسا في المدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض (١).، وعرفت الأجيال اللاحقة هذا التقديم لزيد، فأقروه ولم يعترضوا عليه، حتى قال الشعبي: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنتين: الفرائض والقرآن (٢). .
стр. 13589
(هـ) الحديث النبوي الشريف:
لم يكن الكثير من الصحابة بعامة من الذين يكثرون من رواية الحديث عن رسول الله ﷺ ، لأنهم كانوا يرون الإنصراف إلى القرآن أولى، بخاصة أن القرآن لم يكن مجموعا ولا منشورا في العهد الأول، ولذلك انصرفت جهودهم إليه، وأحبوا من الناس أن تنصرف جهودهم إليه، ويظهر هذا الاتجاه واضحا في مسلك عمر بن الخطاب ﵁ عندما خطر له أن يجمع سنة الرسول ﷺ ، فطفق يستخير الله تعالى شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا. وعندما شيع ﵁ جماعة من الصحابة يقصدون الكوفة، حيث قال لهم: إنكم تأتون أهل قرية - يعنى: الكوفة - لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ . ولعل مراده التثبت في رواية الحديث.
ولذلك لا نستغرب إن وجدنا كبار الصحابة وأقدمهم إسلاما كانوا من المقلين في التحديث عن رسول الله ﷺ ، ولعل زيد بن ثابت من هؤلاء المقلين،
стр. 13590
فلم يرو له عن رسول الله ﷺ سوى اثنين وتسعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة منها، وانفرد البخاري بأربعة منها، وانفرد مسلم بحديث واحد (١). .
ولكن زيد بن ثابت ﵁ كان دقيقا في روايته للحديث عن رسول الله ﷺ ، ومن هذه الدقة نقله مقرونا بالظرف الذي قيل فيه الحديث، بخاصة إن كان لهذا الظرف تأثير في الحكم، نذكر - من ذلك على سبيل المثال ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن قبيصة بن ذؤيب: «أخبرت عائشة آل الزبير أن الرسول ﷺ صلى عندها ركعتين بعد العصر (٢)»، فكانوا يصلونها، قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة نحن أعلم برسول الله من عائشة، إنما كان ذلك لأن ناسا من الأعراب أتوا رسول الله ﷺ بهجير، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى العصر، فانصرف إلى بيته، فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئا، فصلاهما بعد العصر (٣). .
وسمع زيد بن ثابت أن رافع بن خديج يحدث عن رسول الله بالنهي عن تأجير المزارع، فقال زيد: أنا والله أعلم بالحديث منه، «إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال رسول الله: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع (٤)» فسمع رافع بن خديج آخر الحديث «لا تكروا المزارع (٥)». . وفي رواية عبد الرزاق: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج، والله ما كان هذا الحديث هكذا، «إنما كان لذلك الرجل أكرى لرجل أرضا، فاقتتلا واستبا بأمر تدارءا فيه، فقال رسول الله ﷺ : إن كان هذا شأنكم فلا تكروا الأرض (٦)» فسمع رافع آخر الحديث، ولم يسمع أوله (٧). وكان زيد بن ثابت يكره كتابة الحديث، وكان يرى أن نهي الرسول عن كتابة الحديث كان عاما
стр. 13591
ليس مخصوصا بزمن دون زمن، فقد دخل مرة على معاوية بن أبي سفيان فحدثه حديثا، فأمر معاوية إنسانا أن يكتب، فقال زيد: إن رسول الله نهى أن نكتب شيئا من حديثه، فمحا معاوية (١).
стр. 13592
(و) القيافة:
كان زيد بن ثابت بذكائه الوقاد ودقة ملاحظته يجيد القيافة، ويعرف أن هذا ابن فلان أو فلانة، وذاك ابن فلان أو فلانة، بالنظر إلى هيئته العامة، فقد روى أنس بن سيرين قال: دخل علينا زيد بن ثابت، ونحن ستة إخوة، فيهم محمد بن سيرين، فقال: إن شئتم أخبرتكم من أخو كل واحد لأمه، هذا وهذا لأم، وهذا وهذا لأم، وهذا وهذا لأم، فما أخطأ شيئا (١). .
стр. 13593
(ز) الفقه والفرائض:
(١) أحد الفقهاء الستة:
كان زيد بن ثابت من فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم، بل كان أحد ستة انتهى إليهم علم الفقه من الصحابة وقاموا بعمل الفتوى، وإذا كان الاختلاف قد وقع في تسمية هؤلاء الستة الذين آلت إليهم الفتوى، إلا أنه لم يقع الاختلاف في تسمية زيد بن ثابت ﵁ واحدا من هؤلاء الستة المفتين.
فالمسور بن مخرمة يعد هؤلاء الستة: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت (١). بينما يعد مسروق بن الأجدع هؤلاء الستة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبا موسى الأشعري (٢)،
стр. 13594
وبذلك نرى زيد بن ثابت لم يغفل إيراد اسمه بين المفتين من الصحابة أحد يعتد به.
وما جمعناه من فقه زيد بن ثابت ﵁ يشهد على فقهه.
стр. 13595
(٢) إتقانه الفرائض مع الفقه:
ولما كان كثير من الفقهاء من يتقن الأحكام ولا يتقن المواريث - أعني: الفرائض - أو يتقن المواريث ولا يتقن الأحكام، كما قال المغيرة بن مقسم: لما مات إبراهيم النخعي رأينا أن يخلفه الأعمش، فأتيناه فسألناه عن الحلال والحرام فإذا لا شيء، فسألناه عن الفرائض فإذا هو عنده، ثم أتينا حمادا فسألناه عن الفرائض فإذا لا شيء، فسألناه عن الحلال والحرام فإذا هو صاحبه، قال: فأخذنا الفرائض عن الأعمش، وأخذنا الحلال والحرام عن حماد عن إبراهيم (١). .
أقول: لما كان الأمر كذلك اقتضى التنويه إلى أن زيد بن ثابت كان يتقن الفرائض إتقانا تاما إلى جانب إتقانه الحلال والحرام، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالتفوق في الفرائض والمواريث حيث قال ﵊: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت (٢)». .
وقد عرف الناس ذلك في زيد بن ثابت، حتى قال قبيصة بن ذؤيب: كان زيد بن ثابت رأسا في المدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض (٣). . وقاك الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين: الفرائض والقرآن (٤).، وقال سليمان بن
стр. 13596
يسار: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان أحدا على زيد بن ثابت في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة (١). .
стр. 13597
(٣) إتقانه القضاء مع الفقه:
ومن الفقهاء من يتقن الأحكام النظرية، ولا يتقن تطبيق هذه الأحكام في الواقع العملي، أما زيد بن ثابت فقد كان يتقن الأحكام ويتقن تطبيقها على الحوادث، والنصوص المتقدمة التي ذكرناها تنوه بذلك عندما ذكرت إتقانه للقضاء حتى قال الشعبي - رحمه الله تعالى - القضاة أربعة: عمر وعلي وزيد وابن مسعود (١).، وكان الشعبي يرى أنه لم يرق أحد رقي هؤلاء الأربعة في القضاء.
стр. 13598
(٤) عمل أهل المدينة بقوله:
لقد تألق نجم زيد بن ثابت في المدينة، وعمل بفتاواه أهلها، وأصبحوا يرون رأيه هو الرأي، وما عداه هو دونه، بل صاروا لا يتورعون عن التشنيع بمن يرد رأيه، فقد روى سليمان بن يسار أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا طلق الرجل زوجته واحدة أو اثنتين فرأت أول قطرة من حيضتها الثالثة فلا رجعة له عليها، فرددت ذلك من قوله، فشنعني أهل المدينة فقالوا: هذا يرد على زيد بن ثابت، فسألت علماء أهل المدينة رجلا رجلا فأثبتوا أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء كانوا يجعلون له الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة (١). .
من ذلك نرى أنه رغم وجود اجتهاد آخر من صحابة أجلاء كعمر ومعاذ وأبي الدرداء يخالف اجتهاد زيد بن ثابت في هذه المسألة، فإن أهل المدينة، لم يقبلوا بقولهم بديلا عن قول زيد وعملهم بقوله، وهذه مرتبة من الثقة بعلم زيد لا تبلغ بيسر ولا سهولة.
стр. 13599
(٥) سؤال الخلفاء إياه وعملهم بقوله:
كان زيد بن ثابت مستشارا فقهيا لجميع الخلفاء بدءا من أبي بكر الصديق وإنتهاء بمروان بن الحكم - أمير المدينة المنورة - وإن هذا الإجماع على استشارته يدل على أن زيدا كان له من التفكر الفقهي المحكم والمحاكمة الصادقة والرأي الناضج ما أهله للاحتفاظ بهذه المكانة عند جميع الخلفاء الذين عاصرهم.
لقد كان أبو بكر لا يتوانى عن استشارة زيد، واستدعائه ليكون بين أهل الشورى، فقد روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر الصديق كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه، ودعا رجالا من المهاجرين والأنصار، دعا عمر، وعثمان، وعليا، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وكل هؤلاء كان يفتى في خلافة أبي بكر (١). .
وكان عمر بن الخطاب إذا حزبه أمر يدعو أهل الشورى الذين كان يدعوهم أبو بكر الصديق، وفيهم زيد بن ثابت (٢). وكان يستشيره ويسأله في مسائل، منها أنه استشاره واستشار علي بن أبي طالب في انتهاء العدة بالوضع، فقال زيد: قد حلت، وقال علي: أربعة أشهر وعشرا - فقال زيد لعلي: أرأيت إن كانت يائسا؟ قال علي: فآخر الأجلين، فقال عمر: لو وضعت ذا بطنها وزوجها على نعشه لم يدخل حفرته لكانت قد حلت (٣).، أي أن عمر قد رجح الأخذ بقول زيد بن ثابت، وهذا ما جعل عمر بن الخطاب ﵁ يحتفظ بزيد بن ثابت مع من يحتفظ بهم في المدينة المنورة من أهل شوراه ويضن بإرسالهم إلى الآفاق، فقد جاء في طبقات ابن سعد: أن عمر كان يفرق الناس في البلدان، ويوجههم في الأمور المهمة، ويطلب إليه الرجال المسمون، فيقال
стр. 13600
له: زيد بن ثابت، فيقول: لم يسقط على مكان زيد، ولكن أهل البلد يحتاجون إلى زيد فيما يجدون عنده مما يحدث لهم ما لا يجدون عند غيره (١). .
وكان عثمان بن عفان ﵁ يسأل زيد بن ثابت عن الحكم الشرعي فيما يعرض له من الوقائع، فقد طلق حبان بن منقذ إمراته وهي ترضع ابنا له، فمكثت سبعة أشهر أو ثمانية أشهر لا تحيض، فقيل له: إن مت ورثتك، فقال: احملوني إلى عثمان، فحملوه فأرسل إلى علي وزيد بن ثابت فسألهما؟ فقالا: نرى أن ترثه، قال: ولم؟ قالا: لأنها ليست من اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، وإنما منعها من الحيض الرضاع، فأخذ الرجل ابنه منها، فلما فقدته حاضت حيضة، ثم حاضت في الشهر الثاني حيضة أخرى، ثم مات قبل أن تحيض الثالثة، فورثته (٢). وكان معاوية بن أبي سفيان يسأل زيد بن ثابت فيما يعرض له من الحوادث، ومن ذلك أن الأحوص طلق امراته، ثم مات بالشام حين دخلت امرأته في الحيضة الثالثة، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى زيد بذلك، فكتب إليه زيد: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت، فلا رجعة ولا ميراث (٣). . وسأله عن ميراث الجد، فكتب إليه زيد بن ثابت ﵁: إنك كتبت إلى تسألني عن الجد، الله أعلم، وذلك مما لم يكن يقضي فيه إلا الأمراء - يعني الخلفاء - وقد حضرت الخليفتين قبلك يريد: عمر وعثمان - يعطيانه مع الأخ الواحد النصف، ومع الاثنين الثلث فإن كثرت الأخوة لم ينقصوه عن الثلث (٤). وكان مروان بن الحكم قبل توليه الخلافة - لأن زيدا توفي ومروان أمير
стр. 13601
المدينة المنورة - يسأل زيد بن ثابت فيما يعرض له من الحوادث، ومن ذلك: أنه حدث أن تزوج الحارث بن الحكم امراة، فقال عندها فرآها خضراء - أي سمراء - فطلقها ولم يمسها، فأرسل مروان بن الحكم إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال زيد: لها الصداق كاملا، فقال مروان: إنه لا يتهم، قال زيد: أرأيت يا مروان لو كانت حبلى كنت مقيما عليها الحد؟ قال: لا، قال: فلا إذن (١). .
وروى ثويب قال: رمى البحر بسمك كثير ميتا، فأتينا أبا هريرة فاستفتيناه، فأمرنا بأكله، فرغبنا عن فتيا أبي هريرة، فأتينا مروان، فأرسل إلى زيد بن ثابت يسأله؟ فقال: حلال، كلوه (٢). .
وسأله عن تسري الرجل بمطلقته الأمة في حادثة وقعت في عصره، فقد تزوج رجل أمة كانت لكثير بن الصلت، فطلقها ألبتة، ثم ابتاع الجارية من كثير، فقال له كثير: لا تعجل حتى أرجع إليك، فأتى مروان بن الحكم يذكر ذلك له، فقال له مروان: انطلق إلى زيد بن ثابت فاسأله عن ذلك، فانطلق إلى زيد بن ثابت، فسأله، فقال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. فانطلق كثير إلى الرجل فأخبره. فقال الرجل: اشهدوا أني أعتقتها وتزوجتها، وأصدقها كذا وكذا، فقال كثير: لا تعجل حتى أرجع إليك، فأتى زيد بن ثابت، فذكر ذلك له، فقال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. .
وكان عبد الملك بن مروان لا يعدل بقول زيد بن ثابت قولا غيره، ويعتر زيد بن ثابت نعم المشير على عثمان بن عفان، ولما كان عبد الملك يعرف حب أهل المدينة لزيد بن ثابت، وأخذهم بقوله، فإنه كان يستغل هذا الحب وهذا
стр. 13602
الالتزام ليطلب منهم الأخذ بما جاء عن عثمان بن عفان باعتبار أن زيد بن ثابت قد أشار به عليه، فقد قال عبد الملك لأهل المدينة مرة: يا أهل المدينة، إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لأنتم، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق - يعنى: العراق - لا نعرفها، ولا نعرف إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم - عثمان - وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت، ونعم المشير كان للإسلام، فأحكموا ما أحكما، وأسقطوا ما شذ عنهما (١). .
стр. 13603
(٦) شواذه:
إننا لو تأملنا فيما جمعناه من فقه زيد بن ثابت لا نجد فيه قولا شاذا متروكا لا يعمل به، بل كل اجتهاداته وفتاواه أخذ بها أقوام وعملوا بها، وهذه ملاحظة وإن كنا لاحظناها اليوم في فقه زيد بن ثابت ﵁، إلا أنه قد سبقنا إليها تلميذه وحامل فقهه الإمام سعيد بن المسيب ﵀. فقد قال - رحمه الله تعالى: " لا أعلم لزيد قولا لا يعمل به، مجمع عليه في الشرق أو الغرب، أو يعمل به أهل مصر، وإنه ليأتينا عن غيره أحاديث وعلم ما رأيت أحدا من الناس يعمل بها، ولا من هو بين ظهرانيهم (١). .
стр. 13604
(٧) إمتناعه عن الفتوى فيما لم يقع:
لقد كان لتحذير الرسول ﷺ من الاجتراء على الفتوى أثر كبير في نفوس فقهاء السلف رضوان الله عليهم، لأن الخطأ في الفتوى قد يكون بداية إنحراف عن دين الله تعالى، ولذلك كان الواحد منه يدفع الفتوى عن نفسه ما استطاع، ويود لو أنه لا يفتي أبدا، ولكن الفتوى أمر لا مناص منه للعلماء الفقهاء، ولذلك فإنهم كانوا يضيقون دائرتها ما استطاعوا، ومن أساليب تضييق
стр. 13605
دائرة الفتوى: الامتناع عن الفتوى فيما لم يقع من الحوادث.
وقد كان شأن زيد بن ثابت ﵁ شأن غيره من فقهاء السلف في ذلك، قال الزهري: بلغني أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا نعم، حدث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون (١)، بل وكان أحيانا يحلف السائل أن مسألته واقعة - إمعانا في دفع الفتوى - فإذا حلف أفتاه بما يعدم، فقد حدث موسى بن علي قال: سمعت أبي قال: إنه كان الرجل ليأتي زيد بن ثابت فيسأله عن الشيء فيقول: الله أنزل هذا؟ فإن قال: الله أنزل هذا، أفتاه، وإن لم يحلف تركه (٢).
стр. 13606
(٨) منعه عن كتابة فتاواه:
وكان علماء السلف على وجه العموم يكرهون أن تكتب فتاواهم، وقد أثر ذلك عن كثير منهم، وكان زيد بن ثابت ﵁ أحد أولئك الذين يكرهون أن تكتب فتاواهم. فقد روى ابن سعد أن مروان بن الحكم أجلس لزيد بن ثابت رجلا وراء الستر، ثم دعاه - أي دعا زيد بن ثابت - فجلس يسأله ويكتبون، فنظر إليهم زيد فقال: يا مروان عذرا، إنما أقول برأيي (١). .
стр. 13607
(٩) تأثره بفقه عمر بن الخطاب:
من استقراء فقه الصحابة ودراسته دراسة دقيقة يظهر لنا أن الصحابة رضي الله عليهم كانوا على مدارس فقهية متعددة، فكان عمر بن الخطاب أستاذا لمدرسة الرأي، وكان من أكبر أعضاء هذه المدرسة عبد الله بن مسعود (١). وزيد بن ثابت، وكان علي بن أبي طالب أستاذ مدرسة أخرى للرأي، وكان من أكبر أعضاء هذه المدرسة أبي بن كعب، وأبو موسى
стр. 13608
الأشعري، وعبد الله بن عباس (١). حتى قال الشعبي ونحوه عن مسروق: علماء هذه الأمة بعد نبيها ستة، عمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت، فإذا قال عمر قولا، وقال هذان قولا كان قولهما لقوله تبعا؛ وعلي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري، فإذا قال علي قولا، وقال: هذان قولا كان قولهما لقوله تبعا (٢). .
ونحن مع اعترافنا بتأثر زيد بن ثابت بعمر بن الخطاب ﵄، إلا أننا لا نتفق مع الشعبي ومسروق في قولهما أن قول زيد لقول عمر تبع، بل إننا لنؤكد استقلال زيد بالاجتهاد والفكر.
ولقد استقرأنا ما جمعناه من فقه زيد بن ثابت في كتابنا " موسوعة فقه زيد بن ثابت " وقارناه مع ما جمعنا من فقه عمر بن الخطاب في كتابنا " موسوعة فقه عمر بن الخطاب " فوجدنا أن زيد بن ثابت كثيرا ما يختلف في الأحكام مع عمر بن الخطاب، ومما أحصيناه في ذلك ما يلي:
- كان زيد بن ثابت لا يورث ذوي الأرحام (٣). بينما كان عمر بن الخطاب يورثهم (٤). .
- وكان زيد بن ثابت لا يورث مولى الموالاة (٥). وكان عمر بن الخطاب يورثه، ويورث بالولاء باليد، وبالنصرة، وبالجوار (٦). .
- وكان زيد بن ثابت يورث الزانية والملاعنة من ولدها فرضها، ولا يجعل عصبتها عصبته، بل يضع الباقي في بيت المال (٧). وكان عمر بن الخطاب يجعل
стр. 13609
عصبة الأم الزانية والملاعنة عصبة لابنها من الزنا والملاعن عليه ويجعل لهم الباقي بعد أخذ ذوي الفروض فرائضهم (١). .
- وكان زيد بن ثابت لا يأخذ بالرد على أصحاب الفروض (٢).، وكان عمر بن الخطاب يرد عليهم (٣). .
- وكان زيد بن ثابت لا يشترط الإستهلال لثبوت حياة المولود (٤).، وكان عمر لا يثبت حياة المولود إلا باستهلاله (٥). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أن المولى منها تبين بمضي أربعة أشهر على الإيلاء منها (٦).، وكان عمر يرى أنها لا تبين بمضي المدة، ولكن يوقف المولي، فإما أن يفيء أو إما أن يطلق (٧). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أن تكبير التشريق يبدأ من ظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (٨).، وكان عمر بن الخطاب يرى أنه يبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق (٩). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أن دية القتل الخطأ مائة من الإبل توزع أسنانها كما يلي: ثلاثون جذعة، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض.
وفي رواية ثانية: ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض.
وفي رواية ثالثة: ثلاثون جذعة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون،
стр. 13610
وعشرون بنت مخاض: (١). بينما يرى عمر بن الخطاب أن المائة موزعة كما يلي: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض (٢). .
- وكان زيد بن ثابت يرى في الجرح السمحاق أربعة أبعرة (٣). بينما يرى عمر بن الخطاب أن فيها نصف ما في الجرح الموضحة، وكان يرى في الموضحة خمسا من الإبل (٤). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أن القرء المذكور في الآية الكريمة في سورة البقرة (٢٢٨) ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥) هو الطهر، وبناء على ذلك فإن عدة المطلقة تنتهي بابتداء الحيضة الثالثة (٦). وأن للزوج الذي طلق زوجته طلاقا رجعيا أن يعيدها إلى عصمة الزوجية ما لم تدخل في الحيضة الثالثة، فإذا بدأت الحيضة الثالثة فقد بانت منه (٧). .
بينما يرى عمر بن الخطاب أن القرء المذكور في الآية المتقدمة هو الحيض، وبناء على ذلك فإن عدة المطلقة تنتهي بدخولها في الطهر بعد انتهاء الحيضة الثالثة، وذلك باغتسالها منها (٨). وأن للزوج الذي طلق زوجته طلاقا رجعيا أن يعيدها إلى عصمة الزوجية ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، وإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة فقد بانت ولا رجعة له عليها (٩). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أن الرجل إن قال لزوجته في الطلاق أنت خلية، أو أنت برية، أو أنت بتة، أو أنت بائن، ونحوها من الكنايات الظاهرة
стр. 13611
في الطلاق فإن الطلاق يقع بها ثلاثا (١). بينما يرى عمر بن الخطاب أن الطلاق لا يقع بهذه الكنايات إلا واحدة بائنة (٢). .
- وكان زيد بن ثابت لا يفرق في إباحة العزل في الوطء بين الحرة والأمة (٣).، بينما كره عمر بن الخطاب العزل عن الحرة وأباحه عن الأمة (٤). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أنه يجوز لمن تبع الجنازة أن ينصرف منها بعد الصلاة عليها من غير استئذان أهلها بالانصراف (٥).، بينما يرى عمر بن الخطاب أنه لا يجوز له الانصراف منها حتى يستأذن أهلها بالانصراف (٦). .
- وكان زيد بن ثابت يرى أن نفقة الشخص الذي لا يقدر أن ينفق على نفسه واجبة على ورثته بقدر ميراثهم منه رجالا ونساء (٧).، بينما يرى عمر بن الخطاب أن نفقته واجبة على عصبته موزعة عليهم على رءوسهم بقطع النظر عن مقدار استحقاقهم من الميراث (٨). .
وكان زيد بن ثابت يرى أن أكل شيء من لحم الجزور، أو أكل شيء مما مسته النار ينقض الوضوء (٩).، بينما يرى عمر بن الخطاب أن الوضوء لا ينقضه أكل شيء من ذلك (١٠). .
стр. 13612
(١٠) حامل فقه زيد بن ثابت:
الذين وردوا منهل زيد بن ثابت واغترفوا منه كثير، ولكن الذي حظي بقسط أوفي هو الإمام الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى (١). حتى إنه
стр. 13613
ليكاد لا يفارق قوله إلا قليلا، قال بكير بن الأشج: كل ما أخذ به سعيد بن المسيب من القضاء، وما كان يفتي به عن زيد بن ثابت، وكان كل قضاء أو فتوى جليلة ترد عليه تحكى له عن بعض من هو غائب عن المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم إلا قال: فأين زيد بن ثابت من هذا؟ إن زيد بن ثابت أعلم الناس بما تقدم من قضاء، وأبصرهم بما يرد عليه مما يسمع فيه بشيء (١). . ثم تركز أكثر فقه زيد بن ثابت في مذهب الإمام مالك ﵀. والإمام مالك هو الذي يقول: إمام الناس عندنا زيد بن ثابت وبعده عبد الله بن عمر - سيأتي بعد قليل.
стр. 13614
(جـ) الحساب:
كان زيد بن ثابت بارعا بالحساب، وهذا أمر وإن لم يذكره به أحد، إلا أن الأعمال التي أسندت إليه والتي تحتاج إلى براعة في الحساب تدل على ذلك، من ذلك تفوقه في علم الفرائض - المواريث - وهو علم يستند على الحساب، وإسناد رسول الله ﷺ قسمة الغنائم إليه أكثر من مرة، ومساعدته عمر بن الخطاب في تدوين الدواوين، وقيامه بأمانة بيتا مال المسلمين في عهد عثمان، سيأتي الكلام على ذلك بعد قليل.
стр. 13615
(ط) ثناء العلماء عليه:
لن نطيل في ذكر أقوال العلماء في الثناء على علم زيد بن ثابت ﵁ بعد أن أثنى عليه الرسول ﷺ بقوله: «أفرض أمتي زيد بن ثابت (١)».، وسأكتفي بذكر أربعة أقوال لأربعة من - قمم العلم في الإسلام.
الأول: أن عبد الله بن عباس أخذ لزيد بن ثابت بالركاب ليركب، فقال له زيد: تنح يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا (٢). .
стр. 13616
والثاني: أن أبا هريرة لما مات زيد بن ثابت قال: مات اليوم حبر الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا (١).
والثالث: أن سعيد بن المسيب قال: إن زيد بن ثابت أعلم الناس بما تقدم من قضاء، وأبصرهم بما ورد عليه مما لم يسمع فيه شيء. . لا أعلم لزيد قولا لا يعمل به، مجمع عليه في الشرق والغرب، أو يعمل به أهل مصر، وإنه ليأتينا عن غيره أحاديث وعلم ما رأيت أحدا من الناس يعمل بها ولا من هو بين ظهرانيهم (٢). .
والرابع: أن الإمام مالكا قال: إمام الناس عندنا بعد عمر بن الخطاب زيد بن ثابت، وكان إمام الناس بعده عندنا عبد الله بن عمر (٣).، ولولا خوف الإطالة لعقدنا مقارنة بين فقه زيد بن ثابت ﵁ وفقه الإمام مالك؛ لنرى مدى أخذ الإمام مالك بفقه زيد.
стр. 13617
٧ - سيرته مع الرسول ﷺ والخلفاء:
(أ) زيد مع الرسول ﷺ :
(١) قلنا إن زيد بن ثابت ﵁ كان يجيد القراءة والكتابة عندما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة من مكة، وأن رسول الله قد أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة أو لغات أخرى غير العربية، كان رسول الله يحتاج إليها في مراسلاته كرئيس دولة، فتعلمها زيد، ولذلك فقد اتخذه الرسول كاتبا له، يكتب الوحي النازل من السماء ويكتب له كتبه إلى القوم وإلى ملوك الأرض (١). وأراد رسول الله أن يحسن مستوى زيد بالكتابة فجعله في عداد الذين نالهم تعليم من لا يملك فداء من أسرى بدر (٢). .
стр. 13618
ولازم زيد رسول الله. ككاتب له، لا يفارقه، وكثيرا ما يكون إلى جنبه، قال زيد: " كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله، ثم سري عنه، فقال لي: اكتب، فكتبت في كتف ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فقام عمرو بن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة الجهاد فقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا زيد، فقرأت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣) الآية كلها. قال زيد: أنزلها الله وحدها، فألحقها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف. وكان زيد كثيرا ما يجلس عند رسول الله ﷺ يؤلف القرآن من الرقاع عنده (٤). .
(٢) وخص رسول الله زيد بن ثابت بشيء من الرعاية والتوجيه، وعلمه بعض الأدعية ليدعو بها، ويتعاهد به نفسه وأكله كل يوم فقال له: «يا زيد قل كل يوم حين تصبح: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول أو من نذر، أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعن فعلى من لعنت، إنك أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين، أسألك اللهم الرضى بعد القضاء وبرد العيش بعد
стр. 13619
الممات، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم، أو أعتدي أو يعتدى علي، أو أكسب خطيئة محبطة، أو ذنبا لا يغفر، اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك وكفى بك شهيدا، أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلي نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة، وأني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كله، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم (١)». .
(٣) ولما عرف رسول الله ﷺ في زيد إجادة الحساب عهد إليه بإحصاء الناس يوم خيبر وحساب الغنائم لهم. فأحصاهم ألفا وأربعمائة، وأحصى الخيل مائتي فرس، وكان السهمان على ثمانية عشر سهما لكل مائة فرس، وللخيل أربعمائة سهم (٢). .
كما أوكل إليه يوم الجعرانة إحصاء الناس والغنائم - بعد أن أعطى منها ﵊ ما أعطى - ثم قسم الغنائم على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثني عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له (٣). - على ما ذكره ابن سعد -.
стр. 13620
(ب) زيد مع أبي بكر:
لما توفي رسول الله ﷺ ، واجتمع كبار الصحابة في السقيفة لاختيار خليفة لرسول الله ﷺ يتولى رئاسة الدولة، ويدبر أمور المسلمين كان من جملة الآراء التي ظهرت في السقيفة أن يقوم بأمر المسلمين خليفتان: أحدهم من المهاجرين، والثاني من الأنصار، ولكن زيد بن ثابت بنظره الثاقب أدرك خطورة هذه الفكرة، فعارضها بشدة وقام قي الناس خطيبا فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين، وإنما الإمام إنما يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول ﷺ (١). .
ولما ولي أبو بكر الصديق الخلافة اتخذ زيد بن ثابت كاتبا (٢).، ومشيرا، فكان زيد مع أهل الشورى، يستشار معهم، ويخصه أبو بكر بالشورى فيما يرى فيه المصلحة في استشارته. واشترك زيد بالقتال مع الجيش السائر لقتال المرتدين، وأصيب في كتفه بسهم ولكنه لم يضره كما تقدم في حديثنا عن جهاده.
ولما كان زيد بن ثابت من كتاب الوحي الذين جعلوا القرآن كله في عهد رسول الله ﷺ فقد عهد إليه أبو بكر بجمع القرآن الكريم فقال زيد: فهو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، ثم أخذ يجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى تم جمع القرآن في مصحف، فسلم هذه الصحف التي جمع القرآن فيها إلى أبي بكر الصديق ﵁ (٣).، وكان هذا أهم ما قام به زيد من أعمال في عهد أبي بكر.