← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13616–13655 · переход к 13621.

стр. 13616

والثاني: أن أبا هريرة لما مات زيد بن ثابت قال: مات اليوم حبر الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا (١). والثالث: أن سعيد بن المسيب قال: إن زيد بن ثابت أعلم الناس بما تقدم من قضاء، وأبصرهم بما ورد عليه مما لم يسمع فيه شيء. . لا أعلم لزيد قولا لا يعمل به، مجمع عليه في الشرق والغرب، أو يعمل به أهل مصر، وإنه ليأتينا عن غيره أحاديث وعلم ما رأيت أحدا من الناس يعمل بها ولا من هو بين ظهرانيهم (٢). . والرابع: أن الإمام مالكا قال: إمام الناس عندنا بعد عمر بن الخطاب زيد بن ثابت، وكان إمام الناس بعده عندنا عبد الله بن عمر (٣).، ولولا خوف الإطالة لعقدنا مقارنة بين فقه زيد بن ثابت ﵁ وفقه الإمام مالك؛ لنرى مدى أخذ الإمام مالك بفقه زيد.

стр. 13617

٧ - سيرته مع الرسول ﷺ والخلفاء: (أ) زيد مع الرسول ﷺ : (١) قلنا إن زيد بن ثابت ﵁ كان يجيد القراءة والكتابة عندما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة من مكة، وأن رسول الله قد أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة أو لغات أخرى غير العربية، كان رسول الله يحتاج إليها في مراسلاته كرئيس دولة، فتعلمها زيد، ولذلك فقد اتخذه الرسول كاتبا له، يكتب الوحي النازل من السماء ويكتب له كتبه إلى القوم وإلى ملوك الأرض (١). وأراد رسول الله أن يحسن مستوى زيد بالكتابة فجعله في عداد الذين نالهم تعليم من لا يملك فداء من أسرى بدر (٢). .

стр. 13618

ولازم زيد رسول الله. ككاتب له، لا يفارقه، وكثيرا ما يكون إلى جنبه، قال زيد: " كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله، ثم سري عنه، فقال لي: اكتب، فكتبت في كتف ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فقام عمرو بن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة الجهاد فقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا زيد، فقرأت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣) الآية كلها. قال زيد: أنزلها الله وحدها، فألحقها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف. وكان زيد كثيرا ما يجلس عند رسول الله ﷺ يؤلف القرآن من الرقاع عنده (٤). . (٢) وخص رسول الله زيد بن ثابت بشيء من الرعاية والتوجيه، وعلمه بعض الأدعية ليدعو بها، ويتعاهد به نفسه وأكله كل يوم فقال له: «يا زيد قل كل يوم حين تصبح: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول أو من نذر، أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعن فعلى من لعنت، إنك أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين، أسألك اللهم الرضى بعد القضاء وبرد العيش بعد

стр. 13619

الممات، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم، أو أعتدي أو يعتدى علي، أو أكسب خطيئة محبطة، أو ذنبا لا يغفر، اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك وكفى بك شهيدا، أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلي نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة، وأني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كله، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم (١)». . (٣) ولما عرف رسول الله ﷺ في زيد إجادة الحساب عهد إليه بإحصاء الناس يوم خيبر وحساب الغنائم لهم. فأحصاهم ألفا وأربعمائة، وأحصى الخيل مائتي فرس، وكان السهمان على ثمانية عشر سهما لكل مائة فرس، وللخيل أربعمائة سهم (٢). . كما أوكل إليه يوم الجعرانة إحصاء الناس والغنائم - بعد أن أعطى منها ﵊ ما أعطى - ثم قسم الغنائم على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثني عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له (٣). - على ما ذكره ابن سعد -.

стр. 13620

(ب) زيد مع أبي بكر: لما توفي رسول الله ﷺ ، واجتمع كبار الصحابة في السقيفة لاختيار خليفة لرسول الله ﷺ يتولى رئاسة الدولة، ويدبر أمور المسلمين كان من جملة الآراء التي ظهرت في السقيفة أن يقوم بأمر المسلمين خليفتان: أحدهم من المهاجرين، والثاني من الأنصار، ولكن زيد بن ثابت بنظره الثاقب أدرك خطورة هذه الفكرة، فعارضها بشدة وقام قي الناس خطيبا فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين، وإنما الإمام إنما يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول ﷺ (١). . ولما ولي أبو بكر الصديق الخلافة اتخذ زيد بن ثابت كاتبا (٢).، ومشيرا، فكان زيد مع أهل الشورى، يستشار معهم، ويخصه أبو بكر بالشورى فيما يرى فيه المصلحة في استشارته. واشترك زيد بالقتال مع الجيش السائر لقتال المرتدين، وأصيب في كتفه بسهم ولكنه لم يضره كما تقدم في حديثنا عن جهاده. ولما كان زيد بن ثابت من كتاب الوحي الذين جعلوا القرآن كله في عهد رسول الله ﷺ فقد عهد إليه أبو بكر بجمع القرآن الكريم فقال زيد: فهو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، ثم أخذ يجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى تم جمع القرآن في مصحف، فسلم هذه الصحف التي جمع القرآن فيها إلى أبي بكر الصديق ﵁ (٣).، وكان هذا أهم ما قام به زيد من أعمال في عهد أبي بكر.

стр. 13621

(جـ) زيد مع عمر بن الخطاب: ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب ﵁، استأثر بزيد بن ثابت بجانبه، فلم يأذن له في مغادرة المدينة المنورة والإقامة في غيرها نظرا لحاجته إليه وعدم استغنائه عنه، فقد ورد في طبقات ابن سعد أن عمر كان يفرق الناس في البلدان، ويوجههم في الأمور المهمة، ويطلب إليه الرجال المسلمون، فيقال له زيد بن ثابت، فيقول: لم يسقط على مكان زيد، ولكن أهل البلد يحتاجون إلى زيد فيما يجدون عنده مما يحدث لهم ما لا يجدون عند غيره (١).، وعن سالم قال: كنا مع ابن عمر يوم مات زيد، فقلت: مات عالم الناس اليوم، فقال ابن عمر: يرحمه الله، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر وحبرها، فرقهم عمر في البلدان ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وحبس زيد بن ثابت بالمدينة يفتي أهلها (٢). . وقد عمل زيد بن ثابت مستشارا ضمن مجموعة أهل الشورى، وفي مسائل فردية خصه عمر بن الخطاب بسؤاله عنها (٣).، وعمل له قاضيا وفرض له رزقا (٤). وعمل له ترجمانا، وقد رأينا أنه تولى ترجمة المحاورة التي تمت بين عمر بن الخطاب والهرمزان، وكان الهرمزان يتكلم الفارسية ولا يعرف العربية، وعمر بن الخطاب يتكلم العربية ولا يعرف الفارسية (٥). وعمل له أميرا على المدينة المنورة في فترة غياب عمر عنها، قال في الاستيعاب: وقد استخلف عمر زيد بن ثابت على المدينة ثلاث مرات في الحجتين وفي خروجه إلى الشام (٦). . والصواب أنه استخلفه أكثر من ذلك، فقد حج عمر في السنة السادسة

стр. 13622

عشرة من الهجرة واستخلف على المدينة زيد بن ثابت (١).، واعتمر في السنة السابعة عشرة في رجب واستخلف على المدينة زيد بن ثابت (٢).، وحج في السنة الحادية والعشرين واستخلف على المدينة زيد بن ثابت (٣). . فهذه ثلاث مرات، وإذا أضفنا إليها استخلافه حين خروج عمر إلى الشام كانت أربع مرات على الأقل. والجدير بالذكر أنه - كما يقول ابن حجر في الإصابة - أن عمر كان يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر، فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل (٤). . وهذا يدل على أن زيد بن ثابت كان يحسن التصرف في غياب عمر، وإلا لما كافأه بحديقة من نخل. وأوكل إليه عمر بن الخطاب قسمة الغنائم بعد وقعة اليرموك، فقسمها وأحسن قسمتها (٥). وأعان عمر بن الخطاب ﵁ في إنشاء الدواوين حين أنشأها فكتب أثباتا بأسماء من سجلوا في الديوان (٦). . وكان زيد بن ثابت من الكتاب الرسميين لعمر بن الخطاب ﵁ (٧). .

стр. 13623

(د) زيد مع عثمان بن عفان: ولما ولي الخلافة عثمان بن عفان ﵁ قرب زيد بن ثابت إليه، وأبقاه على القضاء (١).، وولاه بيت مال المسلمين (٢). فاتخذ زيد بن ثابت كاتبا له ومساعدا غلامه " وهيبا " (٣). فدخل عثمان مرة إلى بيت المال فوجد وهيبا

стр. 13624

يعينهم، فقال عثمان لزيد: من هذا؟ فقال زيد: مملوك لي، فقال عثمان: أراه يعين المسلمين، وله حق، وإنا نفرض له، ففرض له ألفين، فقال زيد: وأن لا نفرض لعبد ألفين، ففرض له ألفا (١). . وفي عهد عثمان بن عفان ﵁ ظهر الاختلاف في قراءة القرآن بين القراء، فأفزع ذلك عثمان، فرأى عثمان أن يرد القراء إلى حرف واحد، ووقع اختياره على حرف زيد بن ثابت، فأمره أن يملي المصحف على قوم من قريش هم عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وفي صفة الصفوة أن أبي بن كعب كان يملي وزيدا هو الذي يكتب - وقال عثمان للرهط: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فأكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلغتهم (٢).، وكان هذا العمل هو أهم ما قام به زيد بن ثابت من أعمال في عهد عثمان بن عفان ﵁. لقد أحب زيد بن ثابت عثمان بن عفان ﵁، وأخلص له (٣). . ولذلك نراه يرم نزل الثائرون المصريون الذين يريدون الشر بعثمان ذا خشب، وجاء الخبر أنهم يريدون قتل عثمان بن عفان لم يتأخر زيد بن ثابت عن السير إليهم مع علي بن أبي طالب ونفر من الصحابة لإقناعهم بالرجوع (٤). . ولما جاءت الجمعة التي تلت نزول المصريين مسجد رسول الله، خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فخطب، فحصب حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه، فاحتمل فأدخل داره وشمر الناس فاستقتلوا وكان زيد بن ثابت من هؤلاء، فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا (٥). . ولما حصر عثمان في داره جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار

стр. 13625

بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، فقال عثمان: أما القتال فلا (١). فخرج زيد بن ثابت من عنده يبكي (٢). وعلم بعزم أم المؤمنين عائشة على السفر للحج، فأتاها زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ومروان بن الحكم فقالوا: يا أم المؤمنين لو أقمت، فإن أمير المؤمنين على ما ترين محصور، ومقامك مما يدفع الله به عنه، ورأت عائشة أن الفتنة أكبر مما يظنون، وأن الثائرين لا يلوي عزمهم قعود عائشة ولا سفرها، ولذلك اعتذرت عن القعود (٣). . وهكذا نجد زيد بن ثابت لعذل ما في وسعه للدفاع عن عثمان بن عفان وكف الأذى عنه، ولكن المؤامرة كانت أكبر من أن يحبطها تدبير زيد بن ثابت. ولما قتل عثمان ﵁ أتى مروان بن الحكم دار عثمان، وأتاه زيد بن ثابت وطلحة بن عبيد الله وعلي والحسن وكعب بن مالك وغيرهم فأخرجوا عثمان ودفنوه (٤).، وهكذا لم يفت زيد بن ثابت الاشتراك في دفن عثمان، رغم ما في ذلك من الخطورة عليه.

стр. 13626

(هـ) زيد مع علي بن أبي طالب: قلنا إن زيد بن ثابت كان عثمانيا، ولما قتل عثمان مظلوما حزن عليه كل الحزن، ولما بايع الناس علي بن أبي طالب تأخر زيد بن ثابت عن بيعته كما يقول الطبري (١). ويظهر أن المصاب والحزن أقعداه عن الإسراع في البيعة، بينما ينقل ابن سعد في الطبقات أن الناس لما قالوا قتل عثمان، بايع زيد بن ثابت علي بن أبي طالب في أول يوم ولي فيه الخلافة (٢). .

стр. 13627

واعتزل زيد بن ثابت العمل السياسي في عهد علي بن أبي طالب، ولم يشهد شيئا من مشاهده، لأنه كان يراها فتنة، القاعد عنها خير من القائم فيها ولكن ذلك لم ينقص من حب علي بن أبي طالب في نفسه (١).، ولم يمنعه من أن يروي ما سمعه من رسول الله ﷺ في فضل آل البيت كقوله ﷺ : «إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض (٢)». .

стр. 13628

(و) زيد مع مروان بن الحكم (أمير المدينة المنورة): لما ولي مروان بن الحكم إمارة المدينة المنورة قرب زيد بن ثابت، وبالغ في إكرامه، وكان يغضب إن مس زيد بن ثابت ما يكره مهما كان تافها، فقد روى الطيالسي في مسنده قال: حدثنا شعبة قال أخبرني عمرو بن مرة سمع أبا البختري يحدث عن أبي سعيد قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) قرأها رسول الله حتى ختمها، ثم قال: أنا وأصحابي خير، والناس خير، لا هجرة بعد الفتح. قال أبو سعيد: فحدثت بهذا الحديث مروان بن الحكم - وكان أميرا على المدينة - فقال كذبت، وعنده زيد بن ثابت وزيد بن أرقم، فقلت: أما هذان إن شاءا حدثاك، ولكن هذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، وهذا يخشى أن تنزعه عن عرافة قومه، فرفع - مروان - الدرة، فلما رأيا ذلك، قالا: صدق (٢). . وكان زيد بن ثابت لا يتوانى في نصح مروان وطلب الإصلاح لما فسد من تصرفات الناس وأعمالهم، فعن أبان بن عثمان عن أبيه قال: خرج زيد من عند مروان نحوا من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلا لشيء سأله

стр. 13629

عنه، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل، سألنا عن أشياء سمعتها من رسول الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه (١)» إلخ وسألنا عن الصلاة الوسطى، وهي الظهر (٢). . وخرج في زمن مروان صكوك الأرزاق، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب النبي ﷺ على مروان بن الحكم، فقالا: أتحل الربا يا مروان؟ فقال: أعوذ بالله، وما ذاك، فقالا: هذه الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدي الناس ويردونها إلى أهلها (٣). .

стр. 13630

(٨) وفاة زيد بن ثابت: لما كبر زيد بن ثابت ابتلي بسلس البول، فكان يصلي وهو يخرج منه، ومات ﵀ ولم يبرأ منه (١). . مات زيد بن ثابت ﵁ سنة خمس وأربعين للهجرة على أرجح الأقوال وله من العمر ست وخمسون سنة (٢) ودفن في المدينة المنورة، وصلى عليه مروان بن الحكم - أمير المدينة المنورة - ونزل نساء العوالي، وجاء نساء الأنصار يبكين، فجعل ولده خارجة يذكرهن الله، لا تبكين، فقلن: لا نسمع منه، ولنبكين عليه ثلاثا، وغلبنه (٣) ورثاه حسان بن ثابت فقال: فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت (٤) رحم الله زيد بن ثابت، لقد كان رجلا أمة.

стр. 13631

صفحة فارغة

стр. 13632

ابن الجوزي ومنهجه في التفسير بقلم: أحمد فهيم مطر (١) المقدمة: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد: لقد استهوتني دراسة شخصية ابن الجوزي لما اتصف به من صفات كثيرة كانت محل إعجاب من عاصره أو قام بدراسته، فقد كان من أكبر المؤرخين في عصره الذين كتبوا التاريخ بأمانة ودقة رغم التيارات الكثيرة والفتن التي كانت متفشية في ذلك العصر. وقد كان ابن الجوزي كذلك إماما في الحديث وقد أطلق عليه لقب الحافظ مما يدل على مكانته وتمكنه، وكان محدثا وواعظا ومفسرا، حتى إنه قد فسر القرآن الكريم على منبر وعظه، وكان أديبا وله بعض الأشعار، وقد أكثر من التصانيف مما لم يقم به عالم قبله أو محدث أو فقيه، وقد اختلف المؤرخون في عدد تصانيفه ما بين الثلاثمائة والأربعمائة مصنف (٢)، وهذا هو الذي استهواني في دراسة شخصية ابن الجوزي والوقوف على بعض الملامح والصفات التي كان يتحلى بها، والوقوف كذلك على التيارات والفتن التي كانت سائدة في ذلك العصر الذي عاش فيه.

стр. 13633

وأرجو أن يوفقني الله في نقل صورة حسية للقارئ، فأكون قد أديت بعض ما يجب علينا تجاه تلك الشخصية الفريدة. والله يوفقنا إلى ما فيه الخير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 13634

حياة ابن الجوزي أسرته: كان أهله تجارا في النحاس فلهذا يوجد في بعض سماعاته القديمة ابن الجوزي الصفار (١) وذكر أن والده كان يعمل الصفر بنهر القلائين (٢). مات والده وله من العمر ثلاث سنوات فكان يتما مبكرا بالنسبة له، ولكن ذلك لم يؤثر عليه من الناحية المادية، فالأسرة كانت على جانب من الثراء لا تحتاج فيه إلى أن تجعله يتعلم صنعة أو حرفة يقتاتون منها أو يتعايشون، فكانت وجهتهم هي طلب العلم. أما والدته فقد ظلت على قيد الحياة حيث سبقها إلى الموت بأيام. وتولى رعايته بعد أبيه عمه أبو البركات الذي حمله إلى الحافظ أبي الفضل ابن ناصر لتسميعه الحديث (٣). وتشير بعض المصادر إلى أن عمته هي التي حملته إلى ابن ناصر وقرأ عليه (٤). وكان لابن الجوزي ثلاثة إخوة وأختان: أولهما عبد الله وعبد الرزاق والثالث محمد. أما الأختان فقد شاركته إحداهما في التلمذة على بعض شيوخه (٥).

стр. 13635

ولابن الجوزي أبناء ثلاثة: عبد العزيز وهو أكبرهم مات شابا في حياة والده، ثم أبو القاسم علي، وقد كان عاقا لوالده ألب عليه في زمن المحنة وغيرها وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الأثمان، ثم محي الدين يوسف وكان أنجب أولاده وأصغرهم ووعظ بعد أبيه، ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم، وكان لأبي الفرج عدة بنات منهن: رابعة أم سبطه أبي المظفر صاحب مرآة الزمان (١). وخلاصة القول أن أسرة ابن الجوزي كانت من الأسر التي تهتم بالعلم والمعرفة، فقد أسهم ابن الجوزي هو وأبناؤه في بناء الفكر العربي والإسلامي وإمداد المكتبة العربية بكل ما هو نافع ومفيد.

стр. 13636

مولده ونشأته: هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي التيمي البكري (من ذرية أبي بكر الصديق) الفقيه الحنبلي الحافظ المفسر الواعظ المؤرخ الأديب المعروف بابن الجوزي (١) وعرف بابن الجوزي نسبة إلى جده الأكبر جعفر (الجوزي) وسمي جده بالجوزي نسبة إلى مشرعة الجوز أو إلى فرضة فيها يقال لها جوزة، هي محلة أو فرضة في البصرة (٢) ويقال إن جوزة فرضة على شاطئ دجلة قريبا من بغداد (٣). ولد سنة ثمان وخمسمائة، وقيل سنة تسع، وقيل سنة عشر، وكان مولده بدرب حبيب (٤)، وتوفي والده وهو صغير فكفلته أمه وعمته وتوجها به إلى العلم، فحملته عمته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر فأولاه عناية كبيرة لما

стр. 13637

رأى من بوادر نبوغه وإقباله وحرصه على العلم وهو صغير، وحفظ القرآن الكريم وقرأه على جماعة من أئمة القراء. وسر نجاح ابن الجوزي يكمن في قوة بديهته، وسرعة بادرته، وحضور ذهنه، ونوادر أجوبته، مع كثرة محفوظه وسعة روايته (١). ولقد انقطع ابن الجوزي للدرس ومجالس العلم وترك ما كان أترابه يلهون به من اللعب؛ للتوفر على الحفظ، والتوغل في طريق علوم زمانه وثقافته " وكان لا يخرج من بيته إلا للجمعة ولا يلعب مع الصبيان " (٢). وهكذا درج ابن الجوزي منذ صغره يحب العلم، ويشغف بالتحصيل في فنون العلم، وقد تحدث ابن الجوزي في كتابه " لفتة الكبد " فقال: " كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون وأنا في زمن الصبا آخذ جزءا، أقعد حجرة من الناس إلى جانب الرقة فأتشاغل بالعلم " (٣). وكانت بغداد مشرقة زاهرة بعلومها وفنونها زاخرة بالعلم والعلماء، فنهل ابن الجوزي من هذا المنهل الفياض الذي لا يغيض، دفعه إلى ذلك حبه للعلم وولوعه به، وتحدث هو عن نفسه في كتابه " صيد الخاطر " فقال: فأقول عن نفسي وما يلزمني حال غيري: إنني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد منه، بل فنونه، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه والزمان لا يسع، والعمر أضيق والشوق يقوى، والعجز يقعد، فيبقى وقوف بعض المطلوبات حسرات " (٤). وقد أخذ ابن الجوزي العلم عن خاله الشيخ أبي الفضل أكثر من ثلاثين سنة، وكذلك أخذ الحديث والوعظ على يد الشيخ الزاغوني، وأخذ

стр. 13638

الفقه كذلك عن أبي بكر الدينوري الحنبلي، ودرس اللغة على أبي منصور الجواليقي، والحديث عن ابن عبد الواحد الدينوري، وقد جمع شيوخه في مشيخته " ذكر منهم ستة وثمانين شيخا " وكان يحارب أهل البدع وقد أعلن عليهم ذلك دون هوادة أو خوف، وقيل له مرة: قلل من ذكر أهل البدع مخافة الفتن فأنشد: أتوب إليك يا رحمن مما جنيت ... فقد تعاظمت الذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي ... زيارتها فإني لا أتوب وقال له قائل: ما فيك عيب إلا أنك حنبلي، فأنشد: وعيرني الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (١) وليس عجيبا أن يجلس الواعظ في بغداد منذ سنة ٥٢٧ هـ وسنة دون العشرين، ومازال يدرس ويعظ ويؤلف حتى أصبح إمام بغداد وواعظها الأول (٢). وكان يحضر مجلسه عامة الناس وخاصتهم، ويتزاحمون على حضور تلك المجالس، حتى لقد حرز الجمع في بعض المجالس بمائة ألف، وهذا العدد وإن كان يدل على المبالغة إلا أنه يدل دلالة قاطعة على كثرة العدد وشدة الزحام، وإقبال الناس على مواعظه وحضور مجالسه، وكان الخليفة يحضر وعظه ومجالسه في المناسبات، وكان أبو الفرج يلقي الموعظة على الخليفة ولا يخشى في ذلك شيئا. وذكر أنه تكلم يوما بحضرة الخليفة وحكى له موعظة شيبان للرشيد: وقال فيما قال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن أمسكت خفت عليك

стр. 13639

وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك (١). وفي آخر حياته وشى به حساده عند الخليفة فأرسل من أهانه وشتمه وختم على داره، وشتت عياله، وأخذ في سفينة إلى واسط فحبس في دار هناك، ومكث على ذلك الحال خمس سنين وهو يقوم بشئون نفسه من غسل وطبخ، حتى استطاع ابنه يوسف أن يجتهد وباجتهاده توصل إلى أم الخليفة فشفعت للشيخ فأطلق سراحه.

стр. 13640

طلبه للعلم: نشأ ابن الجوزي منذ نعومة أظفاره يحب العلم ويختلف إلى العلماء (ولم يكن يفعل مثل الصبيان يلعبون ويلهون ويضيعون أوقاتهم في اللعب والجري، ولكنه أوقف نفسه على الحفظ والتوغل في العلم، وقد كان لا يخرج من بيته إلا للجمعة ولا يلعب مع الصبيان). ولقد وجد ابن الجوزي المناخ مهيأ له والأمور تسير رخاء بريح طيبة، فأهله كانوا يشجعونه على العلم، وشيوخه كذلك عندما لمسوا فيه حب العلم والتعلق به، وكان أولهم خاله ابن ناصر، وكذلك وجد بغداد تعج بالعلماء والمفكرين، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي كله تزدهر بالعلوم وتشرق بالمعارف وتتيه بالعلماء. وقد وصل ابن الجوزي قمة النضج العلمي حتى أطلق عليه لقب الحافظ دلالة على مكانته العلمية الكبيرة، وقد تحدث عن نفسه فقال: أنا كتبت الحديث ولي إحدى عشرة سنة، وسمعت قبل ذلك " (١). ولقد برع وتفوق في كل علم من العلوم وفن من الفنون، فكان في الفقه إماما يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء الحنابلة. أما في التفسير فكان لا يجارى ولا يبارى حتى أنه قد فسر القرآن الكريم

стр. 13641

على منبر وعظه، وكان يقول: " ما عرفت واعظا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن، فالحمد لله المنعم " (١). ولقد بلغت مؤلفاته وتصانيفه في القرآن وعلومه سبعة وعشرين كتابا كان من أبرزها كتابه الشهير " زاد المسير في علم التفسير " (٢). وكان من المبرزين في التاريخ المتوسعين فيه، فكتب وترجم لكبار الصحابة والفقهاء، أما في الوعظ فكان وحيد عصره ونابغة قرنه، بدليل تسابق العامة والخاصة والأمراء والخلفاء على مجالس وعظه، وكان الناس يقصدونه للتوبة على يديه، ولقد حضر بعض هذه المجالس الرحالة العربي ابن جبير عند زيارته لبغداد عام خمسمائة وثمانين من الهجرة، وقد أطنب في وصفها وتأثيرها العام في المجتمع حتى قال: " تساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح " (٣) وقال ابن رجب: " إذا وعظ اختلس القلوب وتشققت النفوس دون الجيوب " (٤)، وكان ابن الجوزي كذلك أديبا ومحدثا، ويرتجل ما يريد ارتجاله، وقد حفظت لنا المصادر بعض أشعار ابن الجوزي ووصفتها بأنها حسنة أو فائقة أو لطيفة (٥). وكان له مؤلفات وتصانيف كثيرة، وقد ذكرت بعض المصادر أن الكراريس التي كتبها ابن الجوزي لو جمعت وقسمت على أيام حياته لكان له في كل يوم تسع كراريس (٦). وقد اختلف المؤرخون في عدد تصانيف ابن الجوزي ما بين الثلثمائة والأربعمائة مصنف (٧). ولهذا فقد وصل ابن الجوزي إلى مكانة علمية لم يتوصل إليها أحد قبله وبلغ منزلة لم يرق إليها عالم قط.

стр. 13642

مذهبه: كان ابن الجوزي على مذهب أهل السنة ومذهب الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وكان يذم من يخالفهم، ويصرح بمذاهبهم في مسائل الأصول وخاصة مسألة القرآن ويتكلم عنهم كثيرا في كتبه، وكان على حرب دائمة مع أهل البدع والخرافات. وقال يوما على المنبر: أهل البدع يقولون: ما في السماء أحد، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي. ثلاث عورات لكم (١). وقد كان له خطة ومذهب ظهرا واضحين في كتابه " تلبيس إبليس " الذي تحدث فيه عن كثير من المفاسد والمبتدعات التي تفشت في ذلك العصر، ومنها البدع الصوفية التي أنكرها، ولم يقف على حد الإنكار ولكنه أعلن عليها حربا لا هوادة فيها. ومع ذلك فإن بعض أصحاب مذهب الإمام أحمد نقموا على ابن الجوزي بعض آرائه، لأنه لم يكن يتعصب تعصبا كاملا للمذهب، وكان يرى في نفسه عدم وقوفه على رأي، بل لا بد من استعمال العقل والفكر. يقول عنه ابن رجب الحنبلي في طبقات الحنابلة: " نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكيرهم عليه في ذلك، ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو إن كان مطلعا على الأحاديث والآثار فلم يكن يحل شبه المتكلمين وبيان فسادها (٢). وكان دفاع ابن الجوزي عن السنة والمذهب السلفي ومحاربة الصوفية وأهل البدع من الشيعة، كان سببا في إيذائه وإدخاله السجن، وإهانته، وختم داره، ومكوثه في السجن خمس سنين.

стр. 13643

أعماله: أوقف الشيخ حياته على العلم، فتعلم وأخذ من العلم حظا كبيرا، وفاق أقرانه، ولم يتفوق في علم واحد من العلوم، وإنما تفوق في جميع العلوم التي كتب فيها حتى علوم الطب. وكان من مبادئه أن يخدم الإسلام ويرفع راية السنة المحمدية، فأوقف حياته على محاربة البدع والمبتدعة وأهل الكلام والشيعة، ومن أعماله التي أوقف نفسه عليها هي: مجالس الوعظ والإرشاد. فقد كانت تؤتي ثمارها، وتؤثر في الناس تأثيرا كبيرا لدرجة أن الناس كانوا يتلقونه بالشموع التي حزرها بعضهم بألف شمعة. وقال ابن القطيعي: انتفع الناس بكلامه فكان يتوب في المجلس الواحد مائة وأكثر في بعض الأيام، وكان يجلس بجامع المنصور يوما أو يومين في السنة فتغلق المحال ويحزر الجمع بمائة ألف (١). وسلمت إليه المدرسة التي للجهة (بنفشا) وكتب في كتاب الوقف أنها وقف على أصحاب أحمد، وأنها مفوضة إلى ناصر السنة ابن الجوزي. وكان يعظ الأمراء والخلفاء ولا يخاف قول الحق لهم. لأنه يسعى إلى هدف معين هو إعلاء كلمة الله ورفع راية السنة المحمدية، لا يريد مالا ولا جاها ولا منصبا ولا مكسبا من مكاسب الدنيا. وقد بنى ابن الجوزي مدرسة بدرب ديناء ودرس بها سنة سبعين، وذكر أول يوم تدريسه بها أربعة عشر درسا من فنون العلم (٢)، وزاد عدد المدارس بعد ذلك حتى صارت خمس مدارس كلها في خدمة العلم والتعليم، ويكفيه من العمل تلك المصنفات الكثيرة التي ألفها في كل علم وكل فن.

стр. 13644

منهجه في التفسير: لقد نهج ابن الجوزي في تفسيره للقرآن الكريم نهج السلف الصالح وأهل السنة، وقد استقى تفسيره من مصادر كثيرة أهمها ما يأتي:

стр. 13645

مصادره في القراءات: كان أهم مصدر للتفسير في القراءات هم شيوخه الذين درس عليهم، وتعلم على أيديهم هذا العلم، ثم ما لبث أن تفوق عليهم جميعا، وألف في هذا العلم كتابا يسمى " الإشارة إلى القراءة المختارة " أربعة أجزاء مما يدل على تضلعه وتمكنه من هذا العلم. والشيوخ الذين تلقاه عليهم هم: أبو الحسن علي بن عبد الله الزاغوني، وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون المقرئ، وأبو عبد الله بن الخياط المقرئ، وأبو الفضل أحمد بن الحسين المقرئ، وأبو منصور عبد الرحمن القزاز، وأبو حفص عمر بن ظفر بن أحمد المقرئ. وقد قرأ بالروايات في كبره على ابن الباقلاني بواسط حين كان منفيا بها، وقرأ بالعشر على أبي بكر محمد بن الحسن المزرفي. ثم تتبع بعد ذلك أصحاب القراءات المشهورة، وكانت مصادره في تفسيره منهم، ومن هؤلاء: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو عمرو، وحفص، وطلحة وغيرهم كثير كقتادة والفراء والأخفش.

стр. 13646

مصادره في التفسير: كان مصدره الأول هو ما أثر عن رسول الله ﷺ من الأخبار ثم الصحابة رضوان الله عليهم. من أمثال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس. ثم ما روي عن التابعين من أمثال ابن جبير وعكرمة وطاوس اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وأبي العالية، والحسن البصري، وأبي سعيد الخدري، وقتادة، والسدي، والحسن، وابن جريج. أما المصادر التي نقل عنها ففي طليعتها تفسير ابن جرير، وكتب الحديث، وكتابا ابن قتيبة " مشكل القرآن "، " غريب القرآن "، وكتب معاني القرآن ولا سيما كتابا الفراء والزجاج، والحجة لأبي علي الفارسي، و " مجاز القرآن " لأبي

стр. 13647

عبيدة، وكتب ابن الأنباري في القرآن، وأسماء الله الحسنى للخطابي وغيرها (١). وقد أخذ عن غير هؤلاء من تلاميذ الصحابة رضوان الله عليهم. كعلقمة بن قيس، ومسروق، والأسود بن يزيد، ومرة الهمذاني، وعامر الشعبي، وقتادة بن دعامة الدوسي، وهؤلاء من تلاميذ عبد الله بن مسعود ﵁. وأخذ كذلك عن عبيدة السلماني، وأبي الطفيل، والحسين بن علي ﵁ وهؤلاء من تلاميذ علي بن أبي طالب ﵁. وأخذ كذلك عن زيد بن أسلم، وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي وهؤلاء من تلاميذ أبي بن كعب ﵁. فهؤلاء هم: أقطاب التفسير وأعلامه الذين أخذ عنهم، وعن الذين تتلمذوا عليهم حتى انتهت إليه الرئاسة في التفسير والفتوى، وكان أكثرهم شهرة هو ابن عباس الذي لقب بالحبر والبحر لكثرة علمه ومعرفته بمعاني كتاب الله.

стр. 13648

مصادره في أسباب النزول: كان من أول مصادره في ذلك هم الصحابة رضوان الله عليهم، فقد فسروا القرآن بما سمعوه من رسول الله ﷺ ، وما شاهدوه من الأحداث التي كان القرآن ينزل بها، وأشهرهم عبد الله بن عباس وابن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب. ومن أكثر هؤلاء رواية ومعرفة هو: عبد الله بن عباس الذي نشأ في بيت النبوة وكان ملازما لرسول الله ﷺ . وكان يشهد كثيرا من المواقف والظروف والملابسات والحوادث التي تنزل فيها الآيات القرآنية، وكان يسأل الصحابة ويعرف منهم مواطن نزول القرآن وتواريخ التشريع وأسباب النزول. ويلي ابن عباس في المرتبة ابن مسعود، وقد كان أحفظ الصحابة لكتاب الله.

стр. 13649

فقد روي عن مسروق قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود - والذي لا إله غيره ما تركت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته (١). ويلي ابن مسعود ﵁، فقد كان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل. فعن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم نهار، أم في سهل أم في جبل. . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي ﵁ أنه قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت (٢). ويلي هؤلاء أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي وكان سيد القراء وأحد كتاب الوحي، ومن أعلم الصحابة بكتاب الله، وكان عارفا بأسرار الكتب القديمة وما ورد فيها، وكان يسأل رسول الله ﷺ عن الآيات التي لا يعرف معناها.

стр. 13650

مصادره النحوية واللغوية: كان مصدره الأول في اللغة والنحو هو أبو منصور الجواليقي الذي تعلم منه الأدب واللغة وقرأ عليه كتاب المعرب (١). والوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة وكانت له معرفة بالنحو واللغة والعروض وصنف ووزر للمقتفي (٢). أما مصادره التي نقل عنها فهي كتب ابن قتيبة، والفراء، والزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي عبيدة في كتبهم مشكل القرآن، وغريب القرآن، وكتب معاني القرآن والحجة، ومجاز القرآن، وبذلك كتب ابن الأنباري في القرآن.

стр. 13651

وكذلك الأصمعي، والمبرد، وابن فارس، وأبو معاذ النحوي، وثعلب، والفراء، والكسائي، وإبراهيم بن السري، وأبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني ويونس بن حبيب النحوي.

стр. 13652

مصادره الفقهية: أما مصادره الفقهية فكثيرة وتعتبر مصادره الأولى " فقد قرأ الفقه والخلاف والأصول على أبي بكر الدينوري، والقاضي أبي يعلى، وتتبع مشايخ الحديث والفقه، وكان منهم القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم الحريري، وأبو السعادات المتوكلي، وأخوه يحيى، وأبو عبد الله البارع، وأبو الحسن علي بن أحمد الموحد، وأبو غالب المارودي، وأبو منصور بن خيرون، وأبو القاسم السمرقندي، وعبد الملك الكرخوي وأبو سعد الزوزني وأبو سعد البغدادي ويحيى بن الطراح، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأبو القاسم علي الهروي، وأبو منصور القزاز، وعبد الجبار بن منده (١).

стр. 13653

أبرز سمات تفسير ابن الجوزي: أبرز سمات تفسيره أنه كان يذكر الآية من القرآن ويتناولها بالتفسير السهل الواضح، ويذكر سبب نزولها إن كان هناك سبب للنزول، وكذلك كان يفسر الآية بالآية. وهذا ما يسمي تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك كان يتناول معاني الألفاظ اللغوية بالإيضاح والبيان، وإن كان فيها أكثر من رأي ذكره، وكان يفسر بالمأثور مع تناول الأحكام الفقهية والتعرض لها والقراءات التي وردت بها الآية. ومن خلال ذلك نستطيع أن نتناول كل موقف وكل سمة من هذه السمات بشيء من التفصيل.

стр. 13654

مواقفه من القراءات: لقد ذكر ذلك في مقدمة زاد المسير " وقد ألم أيضا بمشهور القراءات

стр. 13655

وأطراف من شواذها، ونقل توجيهها في العربية عن أئمة هذا العلم (١). ومعنى ذلك أنه كان يذكر مشهور القراءات ثم يذكر التوجيه التي توجه إليه، والمعنى الذي يقصد منها على ذلك التوجيه. فنرى مثلا عند ذكره وتفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) الآية ١٤٣ من سورة البقرة " يقول " لرءوف " قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم (لرءوف) على وزن لرعوف في جميع القرآن، ووجهها أن فعولا أكثر في كلامهم من فعل، فباب ضروب وشكور أوسع من باب حذر ويقظ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر بن عاصم (لرؤف) على وزن رعف. ويقال هو الغالب على أهل الحجاز: قال جرير: ترى المسلمين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم وعند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣) الآية ١٦٥ من سورة البقرة. قرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي (يرى) ومعناه لو يرون عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله جميعا. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب (ولو ترى) بالتاء على الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به جميع الناس وجوابه محذوف تقديره لرأيتم أمرا عظيما. كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. وإنما حذف الجواب لأن المعنى واضح بدونه، قال أبو علي: وإنما قال " إذ " ولم يقل " إذا " وإن كانت " إذ " لما مضى لإرادة تقريب الأمر فأتى بمثال الماضي، وإنما حذف جواب لو لأنه أقحم لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد. وقرأ أبو جعفر (إن القوة لله) بكسر الهمزة فيها على الاستئناف كأنه يقول: فلا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم: إن القوة لله جميعا (٤). وعند قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٥)
следующие страницы →