← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13651–13690 · переход к 13656.

стр. 13651

وكذلك الأصمعي، والمبرد، وابن فارس، وأبو معاذ النحوي، وثعلب، والفراء، والكسائي، وإبراهيم بن السري، وأبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني ويونس بن حبيب النحوي.

стр. 13652

مصادره الفقهية: أما مصادره الفقهية فكثيرة وتعتبر مصادره الأولى " فقد قرأ الفقه والخلاف والأصول على أبي بكر الدينوري، والقاضي أبي يعلى، وتتبع مشايخ الحديث والفقه، وكان منهم القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم الحريري، وأبو السعادات المتوكلي، وأخوه يحيى، وأبو عبد الله البارع، وأبو الحسن علي بن أحمد الموحد، وأبو غالب المارودي، وأبو منصور بن خيرون، وأبو القاسم السمرقندي، وعبد الملك الكرخوي وأبو سعد الزوزني وأبو سعد البغدادي ويحيى بن الطراح، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأبو القاسم علي الهروي، وأبو منصور القزاز، وعبد الجبار بن منده (١).

стр. 13653

أبرز سمات تفسير ابن الجوزي: أبرز سمات تفسيره أنه كان يذكر الآية من القرآن ويتناولها بالتفسير السهل الواضح، ويذكر سبب نزولها إن كان هناك سبب للنزول، وكذلك كان يفسر الآية بالآية. وهذا ما يسمي تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك كان يتناول معاني الألفاظ اللغوية بالإيضاح والبيان، وإن كان فيها أكثر من رأي ذكره، وكان يفسر بالمأثور مع تناول الأحكام الفقهية والتعرض لها والقراءات التي وردت بها الآية. ومن خلال ذلك نستطيع أن نتناول كل موقف وكل سمة من هذه السمات بشيء من التفصيل.

стр. 13654

مواقفه من القراءات: لقد ذكر ذلك في مقدمة زاد المسير " وقد ألم أيضا بمشهور القراءات

стр. 13655

وأطراف من شواذها، ونقل توجيهها في العربية عن أئمة هذا العلم (١). ومعنى ذلك أنه كان يذكر مشهور القراءات ثم يذكر التوجيه التي توجه إليه، والمعنى الذي يقصد منها على ذلك التوجيه. فنرى مثلا عند ذكره وتفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) الآية ١٤٣ من سورة البقرة " يقول " لرءوف " قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم (لرءوف) على وزن لرعوف في جميع القرآن، ووجهها أن فعولا أكثر في كلامهم من فعل، فباب ضروب وشكور أوسع من باب حذر ويقظ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر بن عاصم (لرؤف) على وزن رعف. ويقال هو الغالب على أهل الحجاز: قال جرير: ترى المسلمين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم وعند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣) الآية ١٦٥ من سورة البقرة. قرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي (يرى) ومعناه لو يرون عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله جميعا. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب (ولو ترى) بالتاء على الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به جميع الناس وجوابه محذوف تقديره لرأيتم أمرا عظيما. كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. وإنما حذف الجواب لأن المعنى واضح بدونه، قال أبو علي: وإنما قال " إذ " ولم يقل " إذا " وإن كانت " إذ " لما مضى لإرادة تقريب الأمر فأتى بمثال الماضي، وإنما حذف جواب لو لأنه أقحم لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد. وقرأ أبو جعفر (إن القوة لله) بكسر الهمزة فيها على الاستئناف كأنه يقول: فلا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم: إن القوة لله جميعا (٤). وعند قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٥)

стр. 13656

الآية ٦٦ من سورة العنكبوت. " وليتمتعوا " قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بإسكان اللام على معنى الأمر، والمعنى ليتمتعوا بباقي أعمارهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) عاقبة كفرهم. وقرأ الباقون بكسر اللام في " ليتمتعوا " فجعلوا اللامين بمعنى " كي " فتقديره: كي يكفروا ولكي يتمتعوا. فيكون معنى الكلام: إذا هم يشركون ليكفروا وليتمتعوا: أي لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة (٢). ذلك هو موقف ابن الجوزي من القراءات يذكرها ثم يذكر المعنى على كل قراءة من تلك القراءات ليكون أبين وأوضح وأدعى إلى النفع.

стр. 13657

تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنة: رأى ابن الجوزي بثاقب نظره وعميق فكره أن القرآن الكريم قد اشتمل على إيجاز وإطناب وعموم وخصوص وإطلاق وتقييد وما جاء موجزا في مكان قد بسط في مكان آخر، فكان لا بد من تفسير الموجز بالمبسوط. فكان يذكر الآية التي تقابل أو تفسر أو توضح الآية التي يقوم بتفسيرها، ونلمس ذلك واضحا في تفسيره: فمثلا عند قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) الآية ٣٧ من سورة البقرة ". قال: وفي الكلمات أقوال: أحدها: أنها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) الآية ٢٣ من سورة الأعراف. وفي قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٣) قال: أصل التوبة الرجوع، فالتوبة من آدم رجوعه عن المعصية وهي من الله تعالى رجوعه عليه بالرحمة، وإنما لم يذكر حواء في التوبة لأنها لم يجر لها ذكر. لا أن توبتها لم تقبل، وقال قوم: إذا كان معنى فعل الاثنين واحدا جاز أن

стр. 13658

يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (١) سورة التوبة آية ٦٣، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (٢) سورة طه الآية ١١٧ (٣). ومثلا عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤) آية ١٠٣ من سورة الأنعام. قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٥) في الإدراك قولان أحدهما: أنه بمعنى الإحاطة، والثاني بمعنى الرؤية. وفي (الإبصار) قولان أحدهما: أنها العيون: قاله الجمهور، والثاني أنها العقول. ففي معنى الآية ثلاثة أقوال. القول الثالث منها: لا تدركه الأبصار في الدنيا: رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن ومقاتل ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٦) ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٧) سورة القيامة. فقيد النظر إليه بالقيامة وأطلق في هذه الآية، والمطلق حمل على المقيد (٨) ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٩) الآية ٣١ من سورة النساء يقول: اجتناب الشيء تركه جانبا وفي الكبائر أحد عشر قولا: أحدها: أنها سبع. فروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي عند الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (١٠)». والثاني: أنها تسع. وروى حديثا عن عبيد بن عمير عن أبيه. والثالث: أنها أربع وروى كذلك حديثا في البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر. وروى

стр. 13659

عن أنس بن مالك. والرابع: أنها ثلاث فروى حديثا عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ ، وروى في البخاري ومسلم عن أبي بكرة. ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (١) الآيات من ٦٠ - ٦٦ من سورة الكهف. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ (٢) سبب خروج موسى ﵇ في هذا السفر ما روى عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ قال: «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك (٣)» إلى آخر الحديث، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين.

стр. 13660

أسباب النزول: من الأشياء البارزة والسمات الظاهرة التي كان يتبعها ابن الجوزي في تفسيره هي أسباب النزول، فالآية يتضح معناها إذا علم سبب نزولها، فنراه يذكر سبب النزول إذا كان للآية أو للسورة وكل ذلك واضح ظاهر في تفسيره. فمثلا في سورة آل عمران وسبب نزولها يذكر فيها أنها مدنية، وأن صدرا من أولها نزل في وفد نجران قدموا على النبي ﷺ في ستين راكبا فيهم العاقب والسيد فخاصموه في عيسى. فقالوا إن لم يكن ولد الله فمن أبوه؟ فنزلت فيهم صدر (آل عمران) إلى بضع وثمانين آية منها (١) وقد ذكر سبب نزول سورة الأنفال على أقوال ثلاثة: الأول منها: أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل

стр. 13661

والغنائم، فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردعا فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت سورة الأنفال (١)». . رواه عكرمة عن ابن عباس (٢). ويذكر في سبب نزول سورة يوسف قولين: أما القول الأول فروي عن سعد بن أبي وقاص قال: «أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانا، فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٤) فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٥)» سورة الزمر آية ٢٣، كل ذلك يؤمرون بالقرآن (٦). ويذكر في سبب نزول سورة المجادلة قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٧) فقد روي عن عائشة أنها قالت: «تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة فكلمت رسول الله ﷺ وأنا في جانب البيت أسمع كلامها ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول: يا رسول الله: أبلى شبابي، وفترت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات (٨)». وأما الآيات فكان كذلك يتتبع نزول كل آية ويذكرها فهذا أحرى لتفسيرها وتوضيحها وبيان معناها والأمثلة كثيرة لتتبع الآيات ونورد بعضها. فمثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٩) سورة آل عمران آية ١٧٩. ففي سبب نزولها خمسة أقوال، أحدها: «أن قريشا قالت: تزعم يا محمد أن من اتبعك فهو في الجنة، ومن خالفك فهو في النار، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك. فنزلت هذه الآية». . هذا قول ابن عباس (١٠).

стр. 13662

وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ (١) سورة الرعد آية ٧، اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها نزلت في كفار مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك قاله ابن عباس (٢) وعند تفسير قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣) سورة عبس آية ٣٧، ذكر أن سبب نزولها. روى أنس بن مالك قال: «قالت عائشة للنبي ﷺ : أنحشر عراة؟ قال: نعم. قالت: واسوأتاه، فأنزل الله تعالى: (٥)».

стр. 13663

الأحكام الفقهية: كان ابن الجوزي لا يترك حكما من الأحكام الفقهية إلا تعرض له وذكر الآراء التي قيلت فيه مع عدم التعرض للأرجح أو الصحيح اللهم إلا على لسان القائلين أنفسهم، ونرى ذلك في كل الآيات التي تحتاج إلى أحكام فقهية وأدلى فيها العلماء بآرائهم وخاصة المذاهب الفقهية الأربعة وبعض تلاميذهم من الذين يلونهم. وترى ذلك واضحا في كل تفسيره، وقلما كان يدلي برأيه. فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) سورة البقرة آية ١٧٩ يقول: نقل ابن منصور عن أحمد: إذا قتل رجل رجلا بعصا أو خنقه، أو شدخ رأسه بحجر، يقتل بمثل الذي قتل به، فظاهر هذا أن القصاص يكون بغير السيف، ويكون بمثل الآلة التي قتل بها. وهو قول مالك والشافعي، ونقل عن حرب: إذا قتله بخشبة قتل بالسيف، ونقل أبو طالب إذا خنقه قتل بالسيف، فظاهر هذا أنه لا يكون القصاص إلا بالسيف وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٢).

стр. 13664

عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) سورة البقرة آية ١٨٤، يقول: وليس المرض والسفر على الإطلاق فإن المريض إذا لم يضر به الصوم لم يجز له الإفطار، وإنما الرحمة موقوفة على زيادة المرض بالصوم، واتفق العلماء أن السفر مقدر واختلفوا في تقديره: فقال أحمد ومالك والشافعي أقله مسيرة ثلاثة أيام: مسيرة أربعة وعشرين فرسخا، وقال الأوزاعي أقله مرحلة يوم. مسيرة ثمانية فراسخ (٢). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) سورة المائدة الآية ٥، يقول: فأما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وطعامهم ذبائحهم: هذا قول ابن عباس والجماعة، وإنما أريد بها الذبائح خاصة لأن سائر طعامهم لا يختلف بمن تولاه من مجوسي وكتابي وإنما الذكاة تختلف. فلما خص أهل الكتاب بذلك دل على أن المراد الذبائح، فأما ذبائح المجوس فأجمعوا على تحريمها، واختلفوا في ذبائح من دان باليهودية والنصرانية من عبدة الأوثان؛ فروى ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس بها. وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٤) المائدة آية ٥١. وهذا قول الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعكرمة، وقتادة والزهري والحكم وحماد، وقد روي عن علي وابن مسعود في آخرين أن ذبائحهم لا تحل، ونقل الخرقي عن أحمد في نصارى بني تغلب روايتين: إحداهما: تباح ذبائحهم وهو قول أبي حنيفة ومالك. الثانية: لا تباح. وقال الشافعي من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن لم يبح أكل ذبيحته (٥). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٦) سورة النحل آية ٨.

стр. 13665

ويجوز أكل لحم الخيل، وإنما لم يذكر في الآية لأنه ليس هو المقصود، وإنما معظم المقصود بها الركوب والزينة. وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك: لا تؤكل لحوم الخيل (١).

стр. 13666

اللغة والنحو: لقد اهتم ابن الجوزي اهتماما كبيرا باللغة العربية والنحو ويظهر ذلك من خلال تفسيره، ولقد ورد ذلك أيضا في مقدمة تفسيره للجزء الأول، حيث جاء في المقدمة: " لم يفته وهو يفسر مفردات القرآن أن يذكر اشتقاقها استكمالا للمعنى وزيادة في الفائدة (١). فقد كان يورد الروايات والآراء التي وردت في تفسير اللفظ وما أيدها من الأشعار العربية والدلالة على معناها إلا أنه لم يكن يتعرض لها بالتعليق برأيه، بل كان يوردها مجردة عن التعليق بمعنى كل قائل واستشهاده، ثم بالنحو والإعراب وفي أحيان كثيرة يعرض للقراءات على الرفع أو على النصب أو خلافه، فمثلا عند تفسيره لسورة الفاتحة قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ﴾ (٢) يقول: فأما الرب فهو المالك، ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا بالإضافة، فيقال: هذا رب الدار، ورب العبد. وقيل: هو مأخوذ من التربية. قال شيخنا أبو منصور اللغوي - يقال: رب فلان صنيعته يربها ربا: إذا أتمها وأصلحها فهو رب وراب. قال الشاعر: برب الذي يأتي من الخير إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمما قال: والرب يقال على ثلاثة أوجه، أحدها: المالك يقال: رب الدار، والثاني: المصلح يقال: رب الشيء، والثالث:: السيد المطاع قال تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ (٣) سورة يوسف آية ٤١. والجمهور على خفض باء رب. وقرأ ابن السميفع

стр. 13667

وعيسى بن عمر بنصبها، وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خثيم، وأبو عمران الجوفي برفعها (١) وترى الإعراب والخلافات النحوية واضحة جلية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (٢) سورة آل عمران آية ٣٠. قال الزجاج نصب اليوم بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) في ذلك اليوم. قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون متعلقا بالمصير، والتقدير: وإلى الله المصير يوم تجد، ويجوز أن يكون متعلقا بفعل مضمر، والتقدير: اذكر يوم تجد. وفي كيفية وجود العمل وجهان أحدهما: وجوده مكتوبا في الكتاب، والثاني وجود الجزاء عليه (٤). ومثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ (٥) سورة النساء آية ٨١، قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ (٦) نزلت في المنافقين كانوا يؤمنون عند رسول الله ﷺ ليأمنوا فإذا خرجوا خالفوا، هذا قول ابن عباس. قال الفراء والرفع في طاعة على معنى أمرك طاعة. قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٧) قال ابن قتيبة: والمعنى فإذا برزوا من عندك، أي خرجوا، بيت طائفة منهم غير الذي تقول: أي: قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا. قال الشاعر: أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بشيء نكر والعرب تقول: هذا أمر قد قدر بليل، وفرغ منه بليل، ومنه قول الحارث بن حلزة: أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء وقال بعضهم بيت بمعنى بدل وأنشد: وبيت قولي عند المليك ... قاتلك الله عبدا كفورا (٨)

стр. 13668

فإننا نرى اللغة والإعراب وأشعار العرب في تفسير تلك المفردات اللغوية ورواية الشعر للاستشهاد وتفسير الألفاظ هي الطريقة المشهورة لابن عباس ﵁ الذي قد نقل عنه ابن الجوزي، ومن أهم مصادره وكذلك نجد المعاني البلاغية واضحة بارزة. ومثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ (١) سورة الأعراف آية ٩٢ فيها أربعة أقوال: القول الأول: كأن لم يعيشوا في دارهم، قاله ابن عباس والأخفش قال حاتم طيئ: غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر قال الزجاج: معنى غنينا: عشنا - والتصعلك: الفقر - والعرب تقول للفقير صعلوك. والثاني: كأن لم يتنعموا فيها، قاله قتادة. والثالث: كأن لم يكونوا فيها، قاله ابن زيد ومقاتل. والرابع: كأن لم ينزلوا فيها، قاله الزجاج. قال الأصمعي: المغاني: المنازل، يقال: غنينا بمكان كذا. أي نزلنا به. وقال ابن قتيبة كأن لم يقيموا فيها. ومعنى غنينا بمكان كذا: أقمنا. قال ابن الأنباري وإنما كرر قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ (٢) للمبالغة في ذمهم: كما تقول: أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا (٣). ومثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (٤) سورة إبراهيم، آية ١٠، يقول: هذا استفهام إنكار والمعنى لا شك في الله أي في توحيده (يدعوكم) بالرسل والكتب ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (٥) قال أبو عبيدة - من زائدة - كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٦) سورة الحاقة، آية ٤٧. قال أبو ذؤيب:

стр. 13669

جزيتك ضعف الحب لما شكوته ... وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي (١) ومثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ (٢) سورة الواقعة الآية ٢٥، يقول: فإن قيل التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع؟ فالجواب أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، فيقولون: أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا يؤكل، وإنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل. قال الفراء أنشدني بعض العرب: إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا قال: والعين لا تزجج وإنما تكحل فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف (٣). .

стр. 13670

موقفه من الإسرائيليات: لقد جاء في مقدمه تفسير " زاد المسير " في الجزء الأول منه ما يظهر موقفه من الإسرائيليات التي ذكرها وأوردها في تفسيره، فقد ذكر في المقدمة " ومن إيراد طائفة غير قليلة من الأخبار الإسرائيلية الغربية التي أغنانا الله عنها بما هو أصح منها وأنفع وأوضح وأبلغ وغالبه مما لا يتعلق به كبير فائدة، ولا حاصل له مما ينفع به في الدين " (١). فنراه قد روى بعض الأخبار الإسرائيلية عن رواة اشتهروا برواية تلك الأخبار من أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، والسدي وغيرهم كأبي صالح الكلبي. فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢) ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٣) سورة الأنبياء آية ٨٣ - ٨٤.

стр. 13671

يذكر قصصا طويلة عن أيوب لا يتسع المقام لذكرها. رواها عن وهب بن منبه، وهي رواية غريبة لا يصدقها العقل أو المنطق، ولا تليق بمقام الأنبياء لما فيها من المنافاة لمقامهم عند الله. وقد ذكر هذه القصة في تفسيره في الجزء الخامس من زاد المسير من ص ٣٧٥ إلى ص ٣٧٨. ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ (١) سورة النمل آية ٣٥، يسرد في ذلك قصة طويلة هي أقرب ما تكون إلى الخيال. يقول: إنها بعثت ثلاث لبنات من ذهب في كل لبنة مائة رطل وياقوتة حمراء طولها شبر مثقوبة، وثلاثين وصيفا، وثلاثين وصيفة، وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف الذكر من الأنثى، ثم كتبت إليه، إني بعثت إليك بهدية فأقبلها وبعثت إليك بياقوتة طولها شبر، فأدخل فيها خيطا على طرفي الخيط بخاتمتك، وقد بعثت إليك ثلاثين وصيفة وثلاثين وصيفا فميز بين الجواري والغلمان، فجاء أمير الشياطين فأخبره بما بعثت إليه، فقال له: انطلق فافرش على طريق القوم من باب مجلسي ثمانية أميال في ثمانية أميال [لبنا]، من الذهب (٢). . وهكذا حتى نهاية القصة وقد نسبها إلى ابن عباس، وقد علق ابن كثير ﵀ عليها قائلا: والله أعلم أكان ذلك أم لا؟ وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ (٣) سورة القصص آية ٣٨. نراه قد ذكر رواية غريبة عن بناء الصرح والعمال والفعلة وأنهم خمسون ألف بناء سوى الأتباع إلى آخر الرواية، ورميه بالنشابة وأنها رجعت ملطخة بالدم، فقال: قتلت إله موسى (٤). وقد روى هذه الرواية الطبري عن السدي ورواها السيوطي عن السدي وقد علق عليها القرطبي قائلا: والله أعلم بصحة ذلك.

стр. 13672

ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (١) سورة ص آية ٢١. فقد روى عن وهب أنه قال: كانت الحمامة من طيور الجنة، وقال السدي تصور له الشيطان في صورة حمامة. قال المفسرون: إنه لما تبع الحمامة رأى امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، وقيل: بل على سطح لها، فعجب من حسنها، فحانت منها التفاتة فرأت ظله، ففضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك إعجابا بها، فسأل عنها، فقيل: هذه امرأة أوريا، وزوجها في غزاة فكتب داود إلى أمير ذلك الجيش أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وكذا وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم قبل التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح عليه أو يستشهد (٢). . إلى نهاية القصة التي لا تليق بشخص عادي فما بالك بنبي من أنبياء الله. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص، جلدته مائة وستين جلدة وهي حد الفرية على الأنبياء (٣). . ومثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (٤) سورة ص آية ٣٣. يقول: ولقد فتنا سليمان أي ابتليناه وامتحناه بسلب ملكه ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (٥) أي على سريره " جسدا " وفيه قولان: أحدهما: أنه شيطان قاله ابن عباس والجمهور، وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة أقوال أحدها: أنه صخر، والثاني أنه آصف، إلى آخر هذه القصة التي ذكر فيها سبب الابتلاء. وكانت في خصومة قضى فيها بالحق إلا أن هواه كان مع أهل زوجته الذين كانوا طرفا في القضية، وقد ذكر هذه القصة في الجزء السابع من ص ١٣٢ إلى ص ١٣٦. وقد علق على هذه الأقوال بعض المفسرين كابن كثير وقال إنها من

стр. 13673

الإسرائيليات. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٣: وأما ما يحكى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان ﵇ فالله أعلم بصحته. وقد علق ابن كثير على قصة إعطاء جرادة الخاتم حين ذهابه إلى الخلاء بإسناده إلى ابن عباس ولكنه يقول - ولكن الظاهر أنه تلقاه - إن صح عنه من أهل الكتاب. وهكذا نرى أن جميع تلك القصص قد نقلها ابن الجوزي عن الإسرائيليات وحشا بها تفسيره حشوا مما لا يليق في حق إنسان عادي فكيف بالأنبياء؟

стр. 13674

ترجيحه بعض الآراء على بعض: قلما كان لابن الجوزي نظرة ترجيحية في الأقوال أو ترجيح رأي على رأي آخر، وإنما كان يسرد الآراء سردا على لسان قائليها دون أن يعقب عليها أو يكون له رأي فيها، وقد ذكر ذلك في مقدمة التفسير " وكذلك لم يحاول ترجيح رأي على رأي أو معنى على معنى، ولا ناقش ما يحكيه من أقوال إلا في مواضع قليلة " (١). . فمثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ (٢) سورة ص آية ٣٣. وبعد أن يذكر الأقوال التي يراد بها الجسد يقول: والمفسرون على القول الأول. ونحن نذكر قصة ابتلائه على قول الجمهور (٣). وهو يقصد بالقول الأول الذي قاله ابن عباس والجمهور أن الذي ألقي على الكرسي شيطان، وهذه من نظراته الترجيحية القليلة. وبعد ذلك تذكر القصة كيفية ضياع الخاتم، ويذكر ابن الجوزي كل تلك الأقوال الصحيح منها والدخيل من أهل الكتاب والإسرائيلية فلا يعلق عليها بشيء، مع أهمية هذا لأنه يمس نبيا من الأنبياء. والأنبياء لهم العصمة وهم منزهون عن كل ما لا يليق.

стр. 13675

ومن نظراته الترجيحية القليلة أيضا، أنه علق على قصة الشيطان الذي استولى على ملك سليمان: هل كان يأتي نساء سليمان، فبعض الأقوال ذكرت أنه كان يأتيهن في زمن الحيض، والقول الآخر أنه لم يقدر عليهن. وقد علق عليها ابن الجوزي قائلا: وهذا هو الصحيح: أي عدم إتيانه لهن. ومن نظراته الترجيحية أيضا: أنه علق على قصة سليمان واستيلاء الشيطان على ملكه، بأنه آصف الذي قال لسليمان عندما فتن: أنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك، فقام في مقامه وسار بالسيرة الجميلة، وقد علق ابن الجوزي على هذا بقوله: وهذا لا يصح ولا ذكره من يوثق به. وقد كانت هناك أشياء تمس العقيدة فلم يتعرض لها بالرأي أو الترجيح، مثل وجود الأوثان في بيت سليمان وعبادتها، وخصوصا وأن العبادة استمرت أربعين يوما كما تقول الرواية، وقد علق عليها بعض المفسرين الآخرين. وكذلك في قصة امتحان داود ﵇ وما ذكر من تلك القصة الطويلة والافتراءات التي تقول برؤيته لامرأة أوريا وحبه لها ورغبته فيها، يذكر ذلك كله ابن الجوزي دون أن يتعرض له بالتعليق أو التكذيب، وخصوصا وأنه مروي عن وهب بن منبه وهو ممن اشتهروا بالإسرائيليات. ولا يزيد عن قوله: " هذا قول وهب بن منبه ". وكذلك في قصة أيوب ﵇ وما كان من امتحانه وابتلائه بمرضه وإعراض الناس عنه، وسبب هذا الابتلاء، وقد رويت كذلك عن وهب بن منبه، وقيل عنها: إن بها غرابة، وقيل كذلك إنها من الإسرائيليات، ولم يعلق ابن الجوزي برأيه أو يدلي بدلوه. ومن النظرات الترجيحية القليلة التي أبداها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (١) سورة يوسف آية ٢٥، قال: وفي البرهان ستة أقوال: أحدها: أنه مثل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نودي يا يوسف أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع

стр. 13676

فلم يعط على النداء شيئا، فنودي الثانية فلم يعط على النداء شيئا فتمثل له يعقوب فضرب صدره، فقام فخرجت شهوته من أنامله. والثاني: أنه جبريل ﵇، والثالث: أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة. فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فهو البرهان الذي رأى. والرابع: أن الله بعث إليه ملكا فكتب في وجه المرأة بالدم ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١) الإسراء آية ٣٢. والخامس: أن سيده دنا من الباب، والسادس: أن البرهان هو علم ما أحل الله مما حرم الله، فرأى تحريم الزنا. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه وهي البرهان (٢). . فكان من تعليق ابن الجوزي عليه بأن قال: وهذا هو القول الصحيح وما تقدمه فليس بشيء وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب " المغني في التفسير " وكيف يظن بنبي كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مصر هذا غاية القبح (٣). . تلك هي النظرات الترجيحية التي أبدى بعضها ابن الجوزي وهي قليلة إذا قيست على غيره من المفسرين الذين يدلون بآرائهم أو يرجحون بعض الآراء على بعضها الآخر بما لهم من خبرة وعلم دون أن يتركوا القارئ يتخبط في تلك الأقوال لا يدري الصحيح منها أو غير الصحيح أو الأحسن أو الأفضل.

стр. 13677

وفاة ابن الجوزي: بعد حياة حافلة بالعمل الدائب المستمر لخدمة الإسلام ورفعة شأن السنة المحمدية ومحاربة البدع والمبتدعة، مرض الشيخ مدة لا تزيد على خمسة أيام توفي على أثرها ﵀ رحمة واسعة. وكانت وفاته ليلة الجمعة الثاني عشر من رمضان بين العشاءين سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن من الغد في باب الحرب، وأجمع من ترجموا له على أن يوم وفاته كان يوما مشهودا في بغداد، فقد ازدحم الناس لتشييعه إلى مثواه الأخير، وغلقت الأسواق، وأفطر بعضهم لشدة الزحام والحر ولم يصل إلى حفرته عند قبر الإمام أحمد بن حنبل إلا وقت صلاة الجمعة، وحزن الناس عليه كثيرا حتى قيل: لم يخلف بعده مثله (١). . ذلك هو ابن الجوزي الذي أوقف حياته على العلم والدراسة وخدمة الدين ورفع رايته لمحاربة التيارات المعادية للإسلام، حتى ولو كلفته سجنه ونفيه. ذلك هو ابن الجوزي الإمام المحدث الفقيه العالم الذي فسر القرآن على منبره، المؤلف صاحب التصانيف العديدة الذي التزم في تفسيره بالمأثور لا بطريقة التفسير بالرأي. جزى الله ابن الجوزي خيرا على ما قدمه للإنسانية من ثروة ضخمة وما قدم للإسلام من خير ولأهله من نفع. . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 13678

تأويل الصفات في كتب غريب الحديث الشيخ / بدر الزمان محمد شفيع النيبالي. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم، ودعا بدعوتهم، وسلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن من واجب المسلم أن تكون عنايته بعقيدته أكثر من عنايته بالأعمال المفروضة عليه من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وغير ذلك، لأن الأعمال لا تؤتى جناها إلا إذا وجدت مع العقيدة الصحيحة الثابتة، السالمة من الشوائب. ومن الأمور المهمة في العقيدة صفات الله جل وعلا. فإثباتها كما وردت، وإجراء اللفظ على ظاهر معناه بدون خوض في إدراك حقيقته، ومعرفة كيفيته هو الأصل. وأما حمل اللفظ على معنى بعيد، غير متبادر، وإجراء المجاز فيه فهو تعطيل الله تعالى عما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ . وقد ورد هذا التعطيل في معظم كتب غريب الحديث عند بيان معاني الكلمات المتعلقة بالصفات.

стр. 13679

وكنت قد سجلت بعض ملاحظتي حول هذه الظاهرة الزائغة أثناء مطالعتي لكتاب النهاية لابن الأثير (٦٠٦ هـ)، فأحببت أن أصوغها في مقالة، وألفت بها أنظار المستفيدين من كتاب النهاية، ومصادره (١) ليكونوا على حذر من هذه التأويلات الفاسدة التي دخلت في كتب الغريب من جهة المعتزلة، والأشاعرة، وغيرها وكادت أن تقع موقعا حسنا في قلوب المستفيدين منها. ومن هنا يجدر بي أن أذكر ملخص أقوال أئمة أهل السنة في باب الصفات، ثم أناقش ما ورد في كتب غريب الحديث من تأويلها، فأقول: قال الترمذي " وقد روي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء. والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء وقالوا: تروى هذه الأحاديث، ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت، ويؤمن بها، ولا تفسر، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه " (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية نقلا عن الوليد بن مسلم أنه قال: " سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا: أمروها كما جاءت - وفي رواية - قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف " (٣). ونقل عن مالك أنه قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " (٤).

стр. 13680

وقال في الذين يئولون الكلمات عن معناها الظاهر لتنزيه الله تعالى عن النقص والعيب إلى معنى آخر: " أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولا، وعطلوا آخرا " (١). وقال في بيان المذهب الحق نقلا عن الخطابي: " فإن فذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله " (٢). وجعله أصلا للباب: " فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيا وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه " (٣). قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). وقال سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: " وكل من جحد شيئا مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فقد ألحد في ذلك فليقل أو ليستكثر ". وذكر السلف فقال: " فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى " (٥). فهذه النصوص تدل على إثبات الصفة كما وردت، والاعتقاد بها حسب

стр. 13681

معرفة معناها في لسان العرب من غير أن تشبه بصفات الخلوق، أو تعتقد لها كيفية. وأما التأويل الذي نراه في كتب غريب الحديث في أبواب العقائد عامة وباب الصفات خاصة فالحق أنه تعطيل لصفات الله تعالى، ولم يدخل في كتب الغريب إلا من جهة تأثر اللغويين بكلام الجهمية والمعطلة، فليحذر الذين يستفيدون منها أن تصيبهم فتنة، فيعتقدوا بما جاء عندهم من تأويل الصفات، فيزيغوا عن الحق. وقد أكثر اللغويون بالتأليف في غريب الحديث، ومع هذا ما وجدت - حسب علمي - أحدا منهم أهتم بالتنبيه على هذه الظاهرة الزائغة عن الحق، وأبان الصواب، في كتاب مفرد أو شبه مفرد، فذلك الذي حملني على أن أشر إلى بعض ما تسرب إلى كتب غريب الحديث من هنات في باب العقيدة سهوا من مؤلفيها - ونستغفر الله لنا ولهم - ونصوبها بالأدلة الصريحة الواضحة إن شاء الله، وهي كما يلي:

стр. 13682

(١) قدم الله ورجله: نقل ابن الأثير عن الهروي (١) ". حديثا في صفة النار: " وحتى يضع الجبار فيها قدمه " (٢) وعند الزمخشري جاء ذكر الرب أولا ثم أورده بلفظ: " فيضع قدمه عليها " (٣). وقال الهروي بعد ذكر الحديث: " روي عن الحسن: يجعل الله تعالى فيها الذين قدمهم من شرار خلقه، فهم قدم الله تعالى للنار كما أن المسلمين قدم للجنة " (٤). .

стр. 13683

ومثله رواه عنه الأزهري، وابن سيده كما نقله عنه ابن منظور (١). وروى القرطبي عن النضر بن شميل في معنى الحديث: " أي من سبق في علمه أنه من أهل النار " (٢). . وقال الزمخشري: " وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفها عن طلب المزيد فترتدع " (٣). وقال القاضي عياض في مادة " جبر ": " قيل: هو أحد الجبابرة الذين خلقهم الله لها، فكانت تنتظره، وقيل: الجبار هنا الله تعالى، وقدمه: قوم قدمهم الله تعالى لها، أو تقدم في سابق علمه أنه سيخلقهم لها، وهذا تأويل الحسن البصري، كما جاء في كتاب التوحيد من البخاري هو أن الله ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها " (٤). وقيل معناه يقهرها بقدرته حتى تسكن. . وعند أبي ذر في تفسير سورة (ق): حتى يضع رجله. . وإذا أضفنا ذلك إلى أحد الجبابرة كان على وجهه، وإلا كان بمعنى الجماعة التي خلقهم الله لها، والرجل: الجماعة من الجراد، أو يتأول فيه كما يتأول في القدم " (٥). . ونقل ابن الجوزي عن الحسن - كما سبق عند الهروي - وعن الخطابي - ولم أجده في غريبه - قوله: إنما أريد بذلك الزجر لها والتسكين من غربها كما يقال للأمر تريد إبطاله: وضعته تحت قدمي " ثم حسنه ابن الجوزي بقوله: " وهذا وجه حسن " (٦) وذكر ابن الأثير ما عند الهروي، وأضاف إليه قول الزمخشري، والخطابي من غير عزو (٧).

стр. 13684

ويتلخص مما سبق عدة أقوال للمؤلفين: (١) القدم: الذين قدمهم الله من شرار خلقه. (٢) القدم: هم الذين سبق في علم الله أنهم من أهل النار. (٣) وضع القدم: يراد به الزجر والتوبيخ عن طلب المزيد، والقهر على النار بالقدرة، وإبطال طلبها. (٤) الجبار: هو أحد الجبابرة الذين خلقهم الله للنار. (٥) الرجل: رجل أحد الجبابرة. (٦) الرجل: الجماعة الذين خلقهم الله للنار. هذه هي بعض أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث، وقد عرض بعضها الآخر الحافظ ابن حجر (١). وقد وردت أحاديث عديدة في إثبات هذه الصفة لله تعالى فذكر بعضها: " عن أبي هريرة رفعه - وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان - «يقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب ﵎ قدمه عليها فتقول: قط قط (٢)» " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «فأما النار فلا تمتلئ، حتى يضع رجله، فتقول: قط قط قط فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا (٣)» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج، ثم يقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ ثم يطرح فيها فوج آخر فيقول: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟

стр. 13685

حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها فانزوى بعضها إلى بعض، ثم قال: قط؟ قالت: قط قط (١)». " عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «فيدلي فيها رب العالمين قدمه (٢)». " سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «يلقى في النار أهلها، وتقول: هل من مزيد؟ ويلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها ﵎ فيضع قدمه عليها (٣)». " عن ابن عباس. . .: إن الله الملك ﵎ قد سبقت كلمته: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٤) فلما بعث الناس وأحضروا، وسيق أعداء الله إلى النار زمرا، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجا فوجا، لا يلقى في جهنم شيء إلا ذهب فيها، ولا يملؤها شيء قالت: ألست قد أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، فوضع قدمه، فقالت: حين وضع قدمه فيها: قد قد، فإني قد امتلأت، فليس لي مزيد، ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها، فتضايقت حين جعل عليها ما جعل، فامتلأت فما فيها موضع إبرة " (٥). وفي رواية عنه: ". . . حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها وهي لا يملؤها شيء أتاها الرب فوضع قدمه عليها. . . ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس قدم الله تعالى ذكره. . . " (٦). فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في إثبات صفة القدم لله تعالى، ويظهر ذلك فيما يلي:

стр. 13686

(١) إتيان الرب ﵎، يشير إلى أن القدم صفه له، لأنه إن كان إسما لمن قدمهم للنار من شرار خلقه، كان تقديم إدخالهم في النار أولى من تأخيرهم إلى آخر الدخول، وما كان لإتيان الرب معنى إلا إذ أوله المأول بإتيان أمر الرب على حذف المضاف، بالرأي ودون دليل، فلم تظهر لهذا الأمر فائدة أيضا، لأن من دخل النار لم يدخل إلا بأمره. (٢) تفسير القدم بالرجل في الرواية الثانية يظهر أن اللفظين يثبتان صفة حقيقية واحدة لله تعالى. (٣) قول ابن عباس: " حتى وجدت (أي النار) مس ما وضع عليها " و " حتى وجدت مس قدم الله تعالى ذكره " صريح في إثبات القدم حيث ذكر له أن النار وجدت منه مسا حينما وضع عليها، ذلك بعدما نفد من كان عليه دخول النار. (٤) جاء في الحديث بعد ذكر وضع الرجل والقدم، وامتلاء النار وانزواء بعضها إلى بعض: ولا يظلم الله من خلقه أحدا، قال الحافظ ابن حجر: " فإن فيه إشارة إلى أن الجنة يقع امتلاؤها بمن ينشئهم الله لأجل ملئها، وأما النار فلا ينشئ لها خلقا بل يفعل فيها شيئا عبر عنه بما ذكر يقتضي لها أن ينضم بعضها إلى بعض " (١). وفيما سبق ذكرنا ما أثبت الله لنفسه على لسان نبيه من صفة القدم إجراء للفظ على ظاهره ولا نتخيل فيها مشابهة المخلوقين فنئولها، ولا ندرك حقيقتها فنكيفها، ولا يحملنا عدم معرفة كنهها أن ننكرها. وبعد هذا ينبغي أن ننظر إلى تأويل المئولين لنعرف مدى معارضة نصوص الأحاديث فنقول: أما التأويل الأول والثاني - وهما أن يراد بالقدم: الذين قدمهم الله من شرار خلقه، وهم الذين سبق في علم الله أنهم من أهل النار - فيندفعان بسياق

стр. 13687

الأحاديث، فسياقها أن النار تذكر الله تعالى رعده بملئها فتطب المزيد فيدخل فيها أهل النار أفواجا، ثم حينما لم يبق من أهل النار أحد وهي لا تزال تطلب المزيد أتاها الرب تعالى فوضع قدمه عليها، وحينما وجدت مس قدم الله تعالى تضايقت وامتلأت. ووجه الرد على التأويلين أنه حينما لم يبق من أهل النار أحد إلا دخلها، والنار لا زالت تطلب المزيد، من يكون الذين قدمهم الله من شرار خلقه، ومن سبقوا في علمه تعالى أنهم من أهل النار؟ وألفاظ الأحاديث لبيان نفادهم هكذا: " حتى إذا أوعبوا فيها " " حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها، وهي لا يملؤها شيء "، فحينئذ " أتاها الرب فوضع قدمه عليها ". فهل يعقل أن يقال: لم يبق من أهل النار أحد إلا دخلها في جملة، ثم يقال في جملة بعدها: ثم يلقى في النار من قدمهم الله من شرار الخلق، أو يسوغ أن يقال: ثم يلقى فيها الذين سبق في علم الله أنهم من أهلها؟ فالحق أن المراد من القدم صفة من صفات الله تعالى. وأما التأويل الثالث وهو ما أشبه فيه قول الزمخشري والخطابي، فصار وضع القدم عندهما مثلا للزجر والردع عن طلب المزيد، وعند غيرهما رمزا للقهر على النار بالقدرة، فهذا التأويل - كما يبدر لي - يضمر في طيه أربعة تأويلات، فإن قول الزمخشري: فكأنه قال: " يأتيها أمر الله فيكفها عن طلب المزيد فترتدع " مشتمل على تأويل في ثلاثة أشياء: الأول: أنه قدر المحذوف، فأول إتيان الرب بإتيان أمره. الثاني: أنه أول وضع القدم بالزجر والتوبيخ والكف عن طلب المزيد. الثالث: أنه أول انزواء النار بعضها إلى بعض وقولها قط قط بارتداعها. والرابع: هو التأويل الذي أوله بعضهم بأن وضع القدم رمز للقهر على النار وإبطال طلبها المزيد. فهذه التأويلات وما أشبهها مما أوله المئولون باطلة لأنهم لم يأتوا لها ببرهان،

стр. 13688

ولم يبينوا سبب إخراج هذه الكلمات عن ظواهرها، وكل هذا ظن منهم أن ظواهر هذه الكلمات إذا أثبتت صفات للرب مثلا كان عيبا فيه، ولا تليق هذه بجلاله تعالى فينزه عنه، فبدأوا يئولون كل كلمة ثابتة أثبتت ما يخالف رأيهم، فجاعوا بالطامات حيث شحنوا الكتب بالتأويلات، أما ترى أن هذه الجملة الواضحة: " حتى يأتيها ربنا، فيضع قدمه عليها فتنزوي " اشتملت على قطعات ثلاث، وترى التأويل لكل قطعة. ومن هنا يظهر أنه لا يبقى كلام على مراد القائل لم يسلم من التأويل. ومع هذا يمكن الرد على كل تأويل بصريح النص فيرد التأويل الأول بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١). . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " يعني لفصل القضاء بين خلقه. . فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا " (٢). ويرد التأويل الثاني والثالث بما ثبت عن ابن عباس وغيره، وقد سبق تفصيل ذلك قريبا في هذا المقال. وإجمال القول فيه أن تأويل وضع القدم بالزجر والقهر، ينتفي بقول ابن عباس: " حتى وجدت (أي النار) مس قدم الله تعالى ذكره " بعدما ذكر وضع قدمه عليها. ويرد التأويل الثالث - أعني تأويل انزواء النار بارتداعها عن طلب المزيد - ما جاء في حديث ابن عباس السابق بلفظ: " فتضايقت حين جعل عليها ما جعل "، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: " هناك تمتلئ ويدنو بعضها إلى بعض " (٣).

стр. 13689

وأما التأويل الرابع - وهو تأويل الجبار - في قوله ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه) (١). بأنه أحد الجبابرة أو أنه إبليس لأنه أول من تكبر (٢). فتأويل بعيد لما سبق من ألفاظ الأحاديث وهي: " فيضع الرب ﵎ قدمه عليها " و " وضع الرحمن قدمه فيها " و " حتى وجدت مس قدم الله تعالى ذكره " بدل لفظ الجبار. وأما التأويل الخامس - وهو كون الرجل لأحد الجبابرة - ففرع عن ثبوت التأويل الرابع، فإذا بطل الأصل بطل الفرع. وأما التأويل السادس - وهو إرادة الجماعة الذين خلقوا للنار بالرجل - فيبطل بما بطل به التأويل الأول والثاني. وأما ما استدل به القاضي عياض - على تأييد ما نقل عن الحسن البصري من التأويل - من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ولفظه: «وأن الله ينشئ للنار من يشاء ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد ثلاثا، حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ (٣)» فلا يؤيد التأويل المذكور لوجوه: الأول: قال الحافظ بن حجر: " وقد قال جماعة من الأئمة، إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤) ثم قال: " وحمله على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب بغير ذنب ". الثاني: وأضاف الحافظ فقال: " ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء

стр. 13690

بمعنى ابتداء الخلق، بدليل قوله: " فيلقون فيها وتقول: هل من مزيد، وأعادها ثلاث مرات، ثم قال: حتى يضع فيها قدمه، فحينئذ تمتلئ، فالذي يملؤها حتى تقول: حسبي هو القدم كما هو صريح الخبر " (١). الثالث: وهناك وجه آخر وهو أن وضع القدم ذكر بعد الإنشاء والإلقاء، فينبغي أن يكون الإنشاء ووضع القدم متغايرين، لأن الإنشاء لا يخلو من ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق، وهو لا يراد لما سبق نقله عن ابن حجر. الثاني: أن يكون الإنشاء الإدخال، فلا يفيد في تأييد التأويل المنقول عن الحسن. الثالث: أن يكون الإنشاء بمعنى إنشائهم بما عملوا في الدنيا من موجبات النار، فلا يفيد أيضا للتأييد المذكور، فيستقل القدم بمعنى مغاير للإنشاء وهو أن يكون صفة لله تعالى. وأخيرا أذكر طريق السلف في الصفات فقد قال ابن حجر: " هو أن تمر كما جاءت، ولا يتعرض لتأويله، بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله " (٢) وهذا اختيار جماعة من اللغويين الأوائل الكبار أمثال أبي عبيد ومشايخه، والأزهري وغيرهم، فقد نقل الأزهري بعد ذكر حديث وضع القدم تأويل الحسن ثم علق عليه فقال: " وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباس الدوري أنه سأل أبا عبيد عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية، فقال: " هذه أحاديث رواها لنا الثقات عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي ﵊، وما رأينا أحدا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت
следующие страницы →