← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13686–13725 · переход к 13691.

стр. 13686

(١) إتيان الرب ﵎، يشير إلى أن القدم صفه له، لأنه إن كان إسما لمن قدمهم للنار من شرار خلقه، كان تقديم إدخالهم في النار أولى من تأخيرهم إلى آخر الدخول، وما كان لإتيان الرب معنى إلا إذ أوله المأول بإتيان أمر الرب على حذف المضاف، بالرأي ودون دليل، فلم تظهر لهذا الأمر فائدة أيضا، لأن من دخل النار لم يدخل إلا بأمره. (٢) تفسير القدم بالرجل في الرواية الثانية يظهر أن اللفظين يثبتان صفة حقيقية واحدة لله تعالى. (٣) قول ابن عباس: " حتى وجدت (أي النار) مس ما وضع عليها " و " حتى وجدت مس قدم الله تعالى ذكره " صريح في إثبات القدم حيث ذكر له أن النار وجدت منه مسا حينما وضع عليها، ذلك بعدما نفد من كان عليه دخول النار. (٤) جاء في الحديث بعد ذكر وضع الرجل والقدم، وامتلاء النار وانزواء بعضها إلى بعض: ولا يظلم الله من خلقه أحدا، قال الحافظ ابن حجر: " فإن فيه إشارة إلى أن الجنة يقع امتلاؤها بمن ينشئهم الله لأجل ملئها، وأما النار فلا ينشئ لها خلقا بل يفعل فيها شيئا عبر عنه بما ذكر يقتضي لها أن ينضم بعضها إلى بعض " (١). وفيما سبق ذكرنا ما أثبت الله لنفسه على لسان نبيه من صفة القدم إجراء للفظ على ظاهره ولا نتخيل فيها مشابهة المخلوقين فنئولها، ولا ندرك حقيقتها فنكيفها، ولا يحملنا عدم معرفة كنهها أن ننكرها. وبعد هذا ينبغي أن ننظر إلى تأويل المئولين لنعرف مدى معارضة نصوص الأحاديث فنقول: أما التأويل الأول والثاني - وهما أن يراد بالقدم: الذين قدمهم الله من شرار خلقه، وهم الذين سبق في علم الله أنهم من أهل النار - فيندفعان بسياق

стр. 13687

الأحاديث، فسياقها أن النار تذكر الله تعالى رعده بملئها فتطب المزيد فيدخل فيها أهل النار أفواجا، ثم حينما لم يبق من أهل النار أحد وهي لا تزال تطلب المزيد أتاها الرب تعالى فوضع قدمه عليها، وحينما وجدت مس قدم الله تعالى تضايقت وامتلأت. ووجه الرد على التأويلين أنه حينما لم يبق من أهل النار أحد إلا دخلها، والنار لا زالت تطلب المزيد، من يكون الذين قدمهم الله من شرار خلقه، ومن سبقوا في علمه تعالى أنهم من أهل النار؟ وألفاظ الأحاديث لبيان نفادهم هكذا: " حتى إذا أوعبوا فيها " " حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها، وهي لا يملؤها شيء "، فحينئذ " أتاها الرب فوضع قدمه عليها ". فهل يعقل أن يقال: لم يبق من أهل النار أحد إلا دخلها في جملة، ثم يقال في جملة بعدها: ثم يلقى في النار من قدمهم الله من شرار الخلق، أو يسوغ أن يقال: ثم يلقى فيها الذين سبق في علم الله أنهم من أهلها؟ فالحق أن المراد من القدم صفة من صفات الله تعالى. وأما التأويل الثالث وهو ما أشبه فيه قول الزمخشري والخطابي، فصار وضع القدم عندهما مثلا للزجر والردع عن طلب المزيد، وعند غيرهما رمزا للقهر على النار بالقدرة، فهذا التأويل - كما يبدر لي - يضمر في طيه أربعة تأويلات، فإن قول الزمخشري: فكأنه قال: " يأتيها أمر الله فيكفها عن طلب المزيد فترتدع " مشتمل على تأويل في ثلاثة أشياء: الأول: أنه قدر المحذوف، فأول إتيان الرب بإتيان أمره. الثاني: أنه أول وضع القدم بالزجر والتوبيخ والكف عن طلب المزيد. الثالث: أنه أول انزواء النار بعضها إلى بعض وقولها قط قط بارتداعها. والرابع: هو التأويل الذي أوله بعضهم بأن وضع القدم رمز للقهر على النار وإبطال طلبها المزيد. فهذه التأويلات وما أشبهها مما أوله المئولون باطلة لأنهم لم يأتوا لها ببرهان،

стр. 13688

ولم يبينوا سبب إخراج هذه الكلمات عن ظواهرها، وكل هذا ظن منهم أن ظواهر هذه الكلمات إذا أثبتت صفات للرب مثلا كان عيبا فيه، ولا تليق هذه بجلاله تعالى فينزه عنه، فبدأوا يئولون كل كلمة ثابتة أثبتت ما يخالف رأيهم، فجاعوا بالطامات حيث شحنوا الكتب بالتأويلات، أما ترى أن هذه الجملة الواضحة: " حتى يأتيها ربنا، فيضع قدمه عليها فتنزوي " اشتملت على قطعات ثلاث، وترى التأويل لكل قطعة. ومن هنا يظهر أنه لا يبقى كلام على مراد القائل لم يسلم من التأويل. ومع هذا يمكن الرد على كل تأويل بصريح النص فيرد التأويل الأول بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١). . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " يعني لفصل القضاء بين خلقه. . فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا " (٢). ويرد التأويل الثاني والثالث بما ثبت عن ابن عباس وغيره، وقد سبق تفصيل ذلك قريبا في هذا المقال. وإجمال القول فيه أن تأويل وضع القدم بالزجر والقهر، ينتفي بقول ابن عباس: " حتى وجدت (أي النار) مس قدم الله تعالى ذكره " بعدما ذكر وضع قدمه عليها. ويرد التأويل الثالث - أعني تأويل انزواء النار بارتداعها عن طلب المزيد - ما جاء في حديث ابن عباس السابق بلفظ: " فتضايقت حين جعل عليها ما جعل "، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: " هناك تمتلئ ويدنو بعضها إلى بعض " (٣).

стр. 13689

وأما التأويل الرابع - وهو تأويل الجبار - في قوله ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه) (١). بأنه أحد الجبابرة أو أنه إبليس لأنه أول من تكبر (٢). فتأويل بعيد لما سبق من ألفاظ الأحاديث وهي: " فيضع الرب ﵎ قدمه عليها " و " وضع الرحمن قدمه فيها " و " حتى وجدت مس قدم الله تعالى ذكره " بدل لفظ الجبار. وأما التأويل الخامس - وهو كون الرجل لأحد الجبابرة - ففرع عن ثبوت التأويل الرابع، فإذا بطل الأصل بطل الفرع. وأما التأويل السادس - وهو إرادة الجماعة الذين خلقوا للنار بالرجل - فيبطل بما بطل به التأويل الأول والثاني. وأما ما استدل به القاضي عياض - على تأييد ما نقل عن الحسن البصري من التأويل - من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ولفظه: «وأن الله ينشئ للنار من يشاء ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد ثلاثا، حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ (٣)» فلا يؤيد التأويل المذكور لوجوه: الأول: قال الحافظ بن حجر: " وقد قال جماعة من الأئمة، إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤) ثم قال: " وحمله على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب بغير ذنب ". الثاني: وأضاف الحافظ فقال: " ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء

стр. 13690

بمعنى ابتداء الخلق، بدليل قوله: " فيلقون فيها وتقول: هل من مزيد، وأعادها ثلاث مرات، ثم قال: حتى يضع فيها قدمه، فحينئذ تمتلئ، فالذي يملؤها حتى تقول: حسبي هو القدم كما هو صريح الخبر " (١). الثالث: وهناك وجه آخر وهو أن وضع القدم ذكر بعد الإنشاء والإلقاء، فينبغي أن يكون الإنشاء ووضع القدم متغايرين، لأن الإنشاء لا يخلو من ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق، وهو لا يراد لما سبق نقله عن ابن حجر. الثاني: أن يكون الإنشاء الإدخال، فلا يفيد في تأييد التأويل المنقول عن الحسن. الثالث: أن يكون الإنشاء بمعنى إنشائهم بما عملوا في الدنيا من موجبات النار، فلا يفيد أيضا للتأييد المذكور، فيستقل القدم بمعنى مغاير للإنشاء وهو أن يكون صفة لله تعالى. وأخيرا أذكر طريق السلف في الصفات فقد قال ابن حجر: " هو أن تمر كما جاءت، ولا يتعرض لتأويله، بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله " (٢) وهذا اختيار جماعة من اللغويين الأوائل الكبار أمثال أبي عبيد ومشايخه، والأزهري وغيرهم، فقد نقل الأزهري بعد ذكر حديث وضع القدم تأويل الحسن ثم علق عليه فقال: " وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباس الدوري أنه سأل أبا عبيد عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية، فقال: " هذه أحاديث رواها لنا الثقات عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي ﵊، وما رأينا أحدا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت

стр. 13691

ولا نفسرها "، أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت " (١). وقال البغوي: " قلت: والقدم والرجلان (٢)، (٣). . المذكوران في هذا الحديث من صفات الله ، المنزه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع والعين والمجيء والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب " (٤). .

стр. 13692

(٢) أصابع الرحمن: ذكر الزمخشري حديث: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء (١)». فقال: " هذا تمثيل لسرعة تقلب القلوب، إن ذلك معقود بمشيئته وذكر الأصابع مجاز كذكر اليد واليمين ". . وقال القاضي عياض: " وقوله: " يضع السماوات على إصبع. . . " الحديث، قيل: الإصبع صفة سمعية لله تعالى، لا يقال فيها أكثر من ذلك كاليد، وهذا مذهب الأشعري وبعض أصحابه، وقد يحتمل أن يكون إصبعا من أصابع ملائكته، أو خلقا من خلقه سماه إصبعا، وقيل: هي كناية عن القدرة وعن النعمة، وقيل: قد يكون المراد ضرب المثل من أنه لا تعب عليه ولا لغوب في إظهار المخلوقات كلها ذلك اليوم " (٢). . وأورد ابن الأثير الحديث الذي عند الزمخشري ثم شرح نحو شرحه، وأضاف إليه فقال: " وتخصيص ذكر الأصابع عن أجزاء القدرة والبطش لأن ذلك باليد، والأصابع أجزاؤها " (٣). .

стр. 13693

وملخص الأقوال الواردة هنا كما يلي: (١) ذكر الأصابع مجاز والمراد بها تمثيل المشيئة. (٢) الإصبع صفة لله تعالى، تثبت كما وردت من غير معرفة كنهها، وكيفيتها، ولا تجحد تشبيها بصفات المخلوقين. (٣) المراد من الإصبع إصبع بعض ملائكته، أو يراد بها بعض المخلوقين سمي إصبعا. (٤) هي كناية عن النعمة وعن القدرة. (٥) أريد بها ضرب المثل لإظهار عدم التعب. وبعد ما عرضنا أقوالهم المعارضة في تأويل الإصبع يجدر بنا أن نسوق نصوصا وردت فيها هذه الكلمة، ونعرف مدى اهتمام الشارع بإثبات الصفات وتعطيل المئولين إياها، وهي فيما يأتي: عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء (١)» عن عبد الله «أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع. (وفي رواية عند الطبري: " ثم يهزهن "، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ: (٣)» وفي رواية الطبري المذكور: " ثم قرأ هذه الآية ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٤) الآية. وفي رواية عنه: «فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له (٥)»

стр. 13694

قال ابن كثير بعد تفسير هذه الآية: " وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف " (١). . ثم ذكر أحاديث الأصابع. وقال ابن خزيمة في " باب إثبات الأصابع لله " بعد ذكر أحاديث الأصابع: " والصواب والعدل في هذا الجنس مذهبا، مذهب أهل الآثار ومتبعي السنن، واتفقوا على جهل من يسميهم مشبهة، إذ الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه. . . كيف يكون مشبها من يثبت لله أصابع على ما بينه النبي المصطفى ﷺ للخالق البارئ " (٢) قلت: لأنه لا مشابهة بين أصابع الرحمن، وأصابع الإنسان سوى اتفاقهما في الاسم ولا يكون تشبيها إلا إذا قسنا أصابعه بأصابعنا، فأما إذا أثبتناها له من غير تمثيل ولا تكييف يكون كإثباته لذاته " نفسا " ولبعض مخلوقاته " نفسا " حيث قال على لسان عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٣). فيقال: نفس لا كنفس، ومثله يقال: أصابع لا كأصابع، ويدان لا كيدين، وهكذا في كل ما ثبت عن الله تعالى في وصف نفسه، وكذا فيما أثبت له رسوله ﷺ ، وأما ما لم يثبت فالخوض فيه ضلال.

стр. 13695

(٣) ضحك الله تعالى: قال بيان الحق النيسابوري (٥٥٣ هـ) في معنى: " يضحك الله إلى رجلين. . . " (١): معنى الضحك: الرضا بفعلهما (٢). .

стр. 13696

وهذا تأويل مخالف لأحاديث الضحك الكثيرة، منها ما رواه ابن مسعود في آخر أهل النار خروجا، وفيه: " أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟، فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ " (١)، وانظر (٢) ومنها ما رواه أبو رزين عنه ﷺ أنه قال. «ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، قال: قلت: يا رسول الله أو يضحك الرب ؟ قال: نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا (٣)». . وسئل أبو عمر الزاهد غلام ثعلب - الذي ألف كتابا في غريب مسند الإمام أحمد (٤). عن معنى الضحك في هذا الحديث، فقال: " الحديث معروف، وروايته سنة، والاعتراض بالطعن عليه بدعة، وتفسير الضحك تكلف وإلحاد " (٥) يريد أبو عمر بذلك أن معنى الضحك في الحديث واضح، لا خفاء به، فمن ترك المعنى المتبادر، والمفهوم الظاهر منه، ولجأ إلى تفسيره بما لا يلائم الظاهر فقد تكلف في التأويل وألحد في صفة من صفات الله تعالى. هذا، وما قدمناه كنماذج لتأويل الصفات الذي أدى إلى التعطيل، أخذا من كتب غريب الحديث، يكفي لإظهار ما فيها أو في معظمها من أفكار التجهم

стр. 13697

والاعتزال - والعياذ بالله - فليحذر الذين يستفيدون منها، وينقلون عنها، وليدركوا ما في النقول قبل نقلها والموافقة عليها. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى صحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 13698

فهرس المصادر والمراجع القرآن الكريم. تاريخ بغداد. للخطيب البغدادي أحمد بن علي (٤٦٣ هـ) ط دار الكتب العلمية، بيروت. تفسير الطبري. لابن جرير الطبري محمد (٣١٠ هـ)، ط دار الفكر، بيروت. تفسير القرطبي. للقرطبي محمد بن أحمد (٦٧١ هـ)، ط إحياء التراث، بيروت. تفسير ابن كثير. لابن كثير إسماعيل عماد الدين (٧٧٤ هـ)، ط دار الفكر، بيروت. كتاب التوحيد. لابن خزيمة محمد بن إسحاق (٣١١ هـ)، تعليق هراس، ط العلمية، بيروت. كتاب التوحيد. لابن منده محمد بن إسحاق (٣٩٥ هـ)، تحقيق محمد بن ناصر الفقيهي، ط المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. تهذيب اللغة. للأزهري محمد بن أحمد (٣٧٠ هـ)، ط الدار المصرية للتأليف بالقاهرة. تيسير العزيز الحميد. لسليمان بن عبد الله (١٢٣٣ هـ)، ط ٣ المكتب الإسلامي، بيروت.

стр. 13699

جامع الترمذي. (ومعه تحفة الأحوذي). للترمذي محمد بن عيسى (٢٧٩ هـ) ط دهلي. جمل الغرائب. (مخطوط) لبيان الحق محمود بن أبي الحسين (بعد ٥٥٣ هـ)، صورة الجامعة الإسلامية بالمدينة برقم ٣٦٧٣ عن نسخة إسكوريال، بأسبانيا. الرسالة التدمرية. لشيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم (٧٢٨ هـ)، تصحيح قصي محب الدين الخطيب، ط ٢/ ١٣٩٧ هـ بالقاهرة. شرح السنة. للبغوي الحسين بن مسعود (٥١٦ هـ)، ط المكتب الإسلامي، بيروت. صحيح البخاري (مع فتح الباري). للبخاري محمد بن إسماعيل (٢٥٦ هـ)، تصحيح ابن باز، ومحب الدين الخطيب، ط المطبعة السلفية بالقاهرة. صحيح مسلم (ومعه شرحه للنووي). لمسلم بن الحجاج (٢٦١ هـ)، ط دار الفكر، بيروت. طبقات الحنابلة. للقاضي ابن أبي يعلى محمد (٥٢٦ هـ)، تحقيق الفقي، ط دار المعرفة، بيروت. غريب الحديث. لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (٥٩٧ هـ)، تصحيح عبد المعطي أمين قلعجي، ط دار الكتب العلمية، بيروت. كتاب الغريبين. للهروي أحمد بن محمد (٤٠١ هـ) (مخطوط) نسخة دار الكتب المصرية، برقم ٥٥، لغة تيمور. الفائق. للزمخشري محمود بن عمر (٥٣٨ هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم والبجاوي، ط دار المعرفة، بيروت. فتح الباري. للحافظ ابن حجر أحمد بن علي (٨٥٢ هـ)، صحيح البخاري. الفتوى الحموية الكبرى. لشيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم

стр. 13700

(٧٢٨ هـ)، تصحيح قصي محب الدين الخطيب، ط ٣/ ١٣٩٨ هـ بالقاهرة. لسان العرب. لابن منظور محمد بن مكرم (٧١١ هـ)، تحقيق علي عبد الله الكبير وغيره، ط دار المعارف بمصر. مختصر الصواعق المرسلة. (الاختصار) لمحمد بن الموصلي، تصحيح محمد حامد الفقي، ط المطبعة السلفية بالقاهرة. المسند. للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)، ط القاهرة ١٣١٣ هـ. مشارق الأنوار. للقاضي عياض بن موسى (٥٤٤ هـ)، ط المكتبة العتيقة، تونس، ودار التراث بالقاهرة. النهاية في غريب الحديث والأثر. لابن الأثير المبارك بن محمد (٦٠٦ هـ)، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، ط عيسى البابي الحلبي بالقاهرة.

стр. 13701

صفحة فارغة

стр. 13702

من افتراءات المستشرقين على أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث بقلم د. عزية علي طه. مقدمة: لقد هاجم كثير من المستشرقين الإسلام، عقائده، وشرائعه، وتركز جل هجومهم على شخص النبي ﷺ وسنته المطهرة. ولقد زعموا أن نهي النبي ﷺ عن تدوين السنة قد أدى إلى ضياعها، ومن ثم دفع المحدثين في العصور اللاحقة إلى اختلاق كثير من الأحاديث ونسبتها زورا وبهتانا إلى رسول الله ﷺ اعتمادا منهم على ما يدعونه من إجماع المسلمين، كما أدى ذلك أيضا بزعمهم إلى خلط متون الأحاديث بمزج من الأساطير المنقولة عن الوثنين وأهل الكتاب. وزعموا كذلك أن جهود المحدثين لم تؤد إلى تنقية السنة من الشوائب والاختلاق والدس - على الرغم من ادعاء المحدثين وتفاخرهم بتحري الدقة والموضوعية في توثيق الأحاديث، بل كانت هذه الجهود هي السبب المباشر في ضياع السنة الشريفة وطمس معالمها وتشويهها؟ وحشوها بالمتناقضات التي لا يمكن التوفيق بينها لأنها - بزعمهم - كانت جهودا خالية من الجدية والنزاهة والموضوعية.

стр. 13703

فهل حقا صدرت عن رسول الله ﷺ أحاديث صحيحة تنهى عن كتابة السنة؟ وهل النهي عن كتابة السنة أدى إلى ضياعها؟ وهل توجد أحاديث نبوية أخرى صحيحة تحث على كتابة السنة؟ وهل وفق المحدثون بين أحاديث الإذن بكتابة السنة وأحاديث النهي عن كتابتها؟ وهل نقل المحدثون متون الأحاديث عن أساطير أهل الكتاب أو غيرهم؟ أم تحروا العدالة والنزاهة والجدية في تحقيق وتمحيص وتدوين السنة الشريفة؟ وهل كان للمحدثين مناهج دقيقة وثابتة في تحقيق السنة؟ وهل التزم المحدثون هذه المناهج عند اعتمادهم لمتون الأحاديث؟ وهل متون الأحاديث الشريفة الصحيحة متناقضة ومتدافعة؟ أم أن المقبول من السنة محكم في جملته وأن الأحاديث المقبولة المختلفة قليلة؟ وهل أعجزت الأحاديث المختلفة المحدثين وأعيتهم كما ادعى المستشرقون أم أنهم أولوها تأويلا مقبولا وموفقا بإذن الله؟ للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها ولدحض هذا الظلم والإجحاف الذي صدر عن بعض المستشرقين في حق النبي ﷺ وسنته، وإحقاقا للحق، ووضعا للأمور في نصابها، ومقاومة للباطل وتفنيدا له، فإنني سوف أتناول في هذا البحث الموضوعات التالية: ١ - استعراض بعض افتراءات المستشرقين حول أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث. ٢ - اختلاف الروايات حول تدوين الحديث وكيفية الجمع بينها. ٣ - بعض الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الأحاديث. ٤ - بعض المناهج التي اتبعها المحدثون للعناية بمتون الأحاديث. ٥ - بعض النتائج التي ترتبت على عناية المحدثين بمتون الأحاديث. ٦ - حكم المحدثين على الأحاديث المتعارضة والأحاديث التي ظاهرها التعارض.

стр. 13704

٧ - الرد على افتراءات المستشرقين حول أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث. ٨ - الخاتمة ونتائج البحث.

стр. 13705

١ - استعراض بعض افتراءات المستشرقين حول أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث أولا: الادعاء أن النهي عن كتابة السنة أدى إلى ضياعها: لقد ادعى المستشرق ألفريد غيوم أن الأحاديث الشريفة التي وردت في النهي عن كتابة السنة قد تسببت في إهمال المحدثين للسنة، وبالتالي أدى ذلك إلى ضياعها، ولقد أورد هذا الزعم في مؤلفه المسمى " الإسلام " حيث ورد فيه ما ترجمته كالآتي: " لقد انتهى التوجيه الإلهي للمسلمين والذي كان يتمثل في القرآن والسنة بوفاة محمد ﷺ ، ولما كان المسلمون في حاجة إلى المحافظة على كيان الجماعة الإسلامية وتوجيهها في مختلف شئون الحياة، فقد لجأ المحمديون إلى السنة لتفسير آيات القرآن وسوره، وللوصول إلى هدفهم صاروا يبحثون عن أقوال محمد ﷺ وأفعاله، وتقريراته، ولكن في واقع الأمر فإنهم لم يستطعيوا الوصول إلا إلى نزر يسير من الآثار المنسوبة إلى محمد ﷺ ، وذلك لصعوبة التمييز بين أقوال رسولهم وما نسب إليه من أقوال، كما أن الواقع يشير إلى أن الروايات اختلفت وتضاربت عن كتابة السنة والإذن بكتابها، وهذا أدى إلى إهمال كثير من الأحاديث وأوقع المحدثين في شك ونزاع. ومن المؤكد أن بعض المجموعات من الحديث لم تدون إلا في العصر الأموي وما بعده " (١) ويؤكد دونكيان بلاك ماكدونالد هذا الزعم بقوله: " إن السبب الرئيس الذي أدى إلى تأخر تدوين السنة إلى منتصف القرن الثاني من الهجرة يرجع

стр. 13706

إلى اعتماد بعض المحدثين على الحفظ شفاهة، ورفضهم لكتابة السنة، ومقاومتهم لفكرة الكتابة بشدة باعتبار أن كل من يكتب السنة مبتدع وهذا أدى بدوره إلى ضياع السنة " (١).

стр. 13707

ثانيا: الادعاء أن المحدثين لم يعتنوا بمتون الأحاديث: لقد ادعى بعض المستشرقين أن المحدثين لم يولوا متون الأحاديث أي عناية، مما أدى إلى تلفيق الحديث وتسرب الأساطير الوثنية وأساطير أهل الكتاب إلى السنة النبوية الشريفة، ومن أشهر هؤلاء المستشرقين فيليب حتى الذي أورد في مؤلفه " الإسلام والغرب " ما يلي: " يعتقد هؤلاء المسلمون أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع، وأنها وحي من الله كالقرآن تماما، ذلك على الرغم من احتواء السنة على متون منقولة عن مصادر غير إسلامية، بل إن معظم نصوص السنة مأخوذ عن أناجيل النصارى. . . ومن أمثلة ذلك الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر أن رجلا جاء لمحمد ﷺ وسأله عن العفو عن المسيء فرد محمد ﷺ قائلا: إن استطعت أن تعفو عنه سبعين مرة فافعل. ومما لا شك فيه أن هذا القول وارد في إنجيل متى (١). على لسان عيسى ﵇، وهناك حديث آخر عن جابر وفيه أن بركة محمد ﷺ حلت على طعام جابر فأكل ألف رجل من وعاء واحد ولم ينقص ذلك مما في الوعاء شيئا. وهذه القصة مستوحاة أيضا من إنجيل متى (٢) (٣). ويدعي المستشرق موريس سيل أن شراح الحديث الشريف كانوا لا يتورعون عن الأخذ عن النصارى عند تصديهم لشرح الأحاديث وتوضيح معانيها، ولقد أورد هذا الزعم في مؤلفه المسمى " الديانة الإسلامية " حيث جاء

стр. 13708

فيه ما ترجمته كالآتي: " لقد نقل كثير من المفسرين وشراح الحديث النبوي أفكارهم عن أهل الكتاب دون تحر أو تمحيص عن مدى صحة ما يصل إليهم من أقوال الأمم السابقة، ومما يدل على ذلك ما فعله ابن حجر عندما فسر كلمة الآريسيين بالفلاحين، وهذا تفسير خاطئ وصله عن أمة النصارى، أما علماء اللاهوت فيعلمون تمام العلم أن كلمة الآريسيين مشتقة من كلمة آريوس وهو اسم لأحد الهراطقة والمبتدعة، ولقد انتشرت تلك الهرطقة بين النصارى في القرن الرابع الميلادي، حيث كون آريوس أنصارا تحالفوا معه ولقبوا بالآريسيين. ولقد حاربت. كنيسة الإسكندرية آريوس وفرقته إلى أن تم إخماد نشاط الآريسيين في القرن الخامس الميلادي. . . ولم يتوقف النقل عن أهل الكتاب عند حد شرح الحديث فقط، بل إن بعض أفعال عيسى وأقواله قد تسربت إلى سنة المسلمين ونسبت إلى محمد ﷺ ، ومن أمثلة ذلك ما يدعيه المسلمون من أن نبيهم قد أعطى الشفاعة والمقام المحمود، ولكننا نعلم جميعا أن ذلك قد أخذ عن سفر أعمال الرسل حيث جاء فيه ما يلي: قال الرب للرب اجلس عن يميني فعندها يقضي عيسى بين الناس " (١). ولقد زعم غيوم أيضا أن الإجماع عند المسلمين قد أدى إلى تلفيق السنة وضياعها حيث أورد في مؤلفه المسمى " الإسلام " ما يلي: " إن كثيرا من متون الأحاديث كانت قد اعتمدت من قبل المحدثين لعدم تعارضها مع ما توافقت عليه جماعة المسلمين. ومما يؤكد أن تلفيق الحديث كان شائعا قبل القرن الثاني الهجري، أن الاتهامات الخاصة بالوضع كانت منتشرة بين جماعات المسلمين المتصارعة. . . وعلى الرغم من أن كثيرا من المتون تشابه ما جاء عند اليهود والنصارى واليونان، إلا أن أحدا من المحدثين لم يجرؤ على ردها لأن الأمة كانت

стр. 13709

قد أجمعت على قبولها اعتمادا على حديث ورد فيه: «لا تجتمع أمتي على ضلالة (١)»، وحديث آخر فيه أن محمدا ﷺ قال: «إن جاء الحديث مطابقا للقرآن فانسبوه إلي وإلا فاعلموا أنه لم يصدر عني». ومن هنا صار للإجماع سلطة كسلطة المجامع الكنسية، وكل من يخالف الإجماع يرمى بالزندقة والضلال والكفر، حتى صار الإجماع سلطة النسخ، والتمكن من إبطال مفعول نص قراني، أو حديث نبوي (٢).

стр. 13710

ثالثا: الادعاء أن الأحاديث الشريفة مليئة بالمتون المتعارضة: لقد ادعى المستشرق نيكلسون في مؤلفه " تاريخ الأدب العربي " أن المحدثين قد جمعوا كثيرا من الأحاديث المتناقضة دون توفيق أو تأويل ونسبوها لرسول الله ﷺ مما أدى إلى تعارض بعض متون السنة النبوية الشريفة وصعوبة التوفيق بينها. ولقد أورد نيكلسون حول هذا الموضوع في مؤلفه المشار إليه آنفا ما يلي: " تفاخر بعض المحدثين بأن الإسناد من خصائص أمة محمد ﷺ ، وأنه لم يسبق هذه الأمة غيرها في تحري الدقة والموضوعية عند نقل الأخبار المقدسة وتوثيقها، إلا أن الأحاديث المتعارضة عند المسلمين تدل على خلاف ذلك حيث توجد بالسنة متون كثيرة متعارضة حيرت المحدثين ولم يجدوا سبيلا للتوفيق بينها، ومن أمثلة ذلك الأحاديث التي أمرت بقتل الكلاب والأحاديث التي نهت عن ذلك، بل أن بعض كبار الصحابة قد استباحوا لأنفسهم اقتناء بعضها كأبي هريرة، الذي أباح اقتناء كلب الزرع لأنه كان يمتلك مزارع كما هو واضح من تعليق ابن عمر على الحديث، حيث قال: إن لأبي هريرة زرعا، ولم يتوصل العلماء إلى حلول مرضية إلى يومنا هذا في مجال الإذن باقتناء الكلاب والنهي عن ذلك (١) ويوافق غيوم نيكلسون في رأيه هذا حيث يقول في مؤلفه " الإسلام "

стр. 13711

ما يلي: " إن محاولة الجمع بين الأحاديث لم تكن مقنعة ولا مرضية لمعظم المحدثين، ويظهر ذلك في تصارع الفرق الإسلامية وتكفير بعضها بعضا استنادا على بعض الأحاديث المتناقضة، ومن أمثلة ذلك قول محمد ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق وإن زنى (١)»، بينما يقول في حديث آخر: «لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر (٢)». ويقول في حديث آخر يحمل نفس المعنى: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٣)». . . كما أن هناك أحاديث أخرى متعارضة كحديث النهي عن الشرب قائما والحديث الذي يدل على أن محمدا ﷺ شرب قائما، والحديث الذي ورد عن السيدة عائشة في أنه لم يبل واقفا قط وحديث حذيفة الذي يقول فيه: «إنه قد رأى محمدا ﷺ بال واقفا». وعلى الرغم من هذه المتناقضات فإن هذه الأحاديث وأمثالها تعد جزءا من التراث الإسلامي الذي يعتز به المسلمون، ولكي يكون المسلمون منطقيين مع أنفسهم فإن عليهم أن يعيدوا النظر في تراثهم بشيء من الجدية وأن طبقوا عليه قواعد النقد التاريخي العلمي والمنهجي حتى يصفوه من الشوائب والأكدار والأخطاء الشنيعة التي وقع فيها ما يسمون أنفسهم بالمحدثين " (٤).

стр. 13712

٢ - اختلاف الروايات حول تدوين الأحاديث وكيفية الجمع بينها لقد وردت أحاديث نبوية صحيحة تنهى عن كتابة الحديث النبوي الشريف، كما وردت أحاديث أخرى صحيحه تبين أن الرسول ﷺ قد أذن بكتابة السنة، ولهذا فسوف أقوم هنا بإيراد الأحاديث التي تنهى عن كتابة السنة، ثم أورد الأحاديث التي فيها إذن بكتابة السنة، وبعد ذلك سوف أورد بإذن الله آراء العلماء حول هذه الأحاديث، وكيفية الجمع والتوفيق بينها.

стр. 13713

أولا: بعض الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن كتابة السنة: لقد أخرج الأمام مسلم بسنده من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي - قال همام أحسبه قال - متعمدا - فليتبوأ مقعده من النار (١)». وأخرج الإمام الترمذي بسنده من حديث أبي سعيد الخدري قال: «استأذنا النبي ﷺ في الكتاب فلم يأذن لنا (٢)». وأخرج الإمام أبو داود بسنده من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث؟ فأمر إنسانا يكتبه فقال له زيد: «إن رسول الله ﷺ أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه فمحاه (٣)» ومن حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: " ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن " (٤). وأخرج الأمام أحمد بن حنبل بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبي ﷺ فخرج علينا فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ فقلنا ما نسمع، فقال: اكتبوا كتاب الله امحضوا كتاب الله، أكتاب غير كتاب الله، امحضوا كتاب الله وأخلصوه، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار. قلنا: أي رسول الله أنتحدث عنك. قال: نعم تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. قال: فقلنا يا رسول الله أنتحدث

стр. 13714

عن بني إسرائيل؟ قال: نعم تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه (١)». أما هذه الأحاديث الواردة في شأن التحدث عن بني إسرائيل وفيها الحديث الذي أورده السيوطي في مؤلفه تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ونصه: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي (٢)»، فلا تدل على أن النبي ﷺ قد حث على الأخذ عن بني إسرائيل وإنما معناه كما جاء في تحذير الخواص للسيوطي، كما يلي: " أن الحديث عن بني إسرائيل إذا حدثت به فأديته على ما سمعته حقا كان أو غير حق، لم يكن عليك حرج، والحديث عن رسول الله ﷺ لا ينبغي أن يحدث به إلا عن ثقة " (٣) ويفهم من كلام السيوطي أن التحديث عن بني إسرائيل لا قيمة له ولا حرج على من صدق أو كذب فيه. ولقد أورد الخطيب البغدادي عن السلف الصالح في كراهة تدوين السنة ما يلي: عن أبي نضرة قال: قلنا لأبي سعيد: لو كتبتم لنا فإنا لا نحفظ، قال: لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم. . . إن ابن مسعود كره كتاب العلم. . . عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسمع الشيء فنكتبه ففطن لنا عبد الله، فدعا أم ولده، ودعا بالكتاب وبإجانة من ماء فغسله ". أورد الدارمي أيضا أن عبد الله بن مسعود إنما كان يمحو ما كتبه أناس معينون خشية أن يغتروا بما كتبوا ويفتنوا به كما فعل أهل الكتاب فقد جاء

стр. 13715

في سنن الدارمي ما يلي: " بلغ ابن مسعود أن عند ناس كتابا يعجبون به، فلم يزل بهم حتى أتوه به فمحاه، ثم قال: إنما هلك أهل الكتاب قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم " (١). ولقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خشي خلط الكتاب والسنة بما جاء عند أهل الكتاب. فلقد أورد الخطيب في هذا الشأن ما يلي: " أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا. . . «عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسا عند عمر، إذ أتى برجل من عبد القيس، مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم، قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس، فجلس فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم. . . . إلى:. فقرأها عليه ثلاثا، وضربه ثلاثا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال (٦)؟ قال: مرني بأمر أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس، لأنهكتك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين

стр. 13716

يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ : ما هذا في يدك يا عمر، قال: قلت: يا رسول الله، كتاب انتسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم ﷺ ، السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إني أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوكوا، ولا يقربكم المتهوكون، قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا، ثم نزل رسول الله ﷺ ». ولقد مال بعض التابعين وأتباعهم أيضا إلى عدم كتابة الحديث، ولقد جمع الدارمي أقوالهم في ذلك ومنها ما يلي: " عن الأوزاعي قال: كان قتادة يكره الكتاب. فإذا سمع وقع الكتاب أنكره والتمسه بيده. . . عن ابن عون قال: رأيت حمادا يكتب عن إبراهيم، فقال له إبراهيم: ألم أنهك؟ قال: إنما هي أطراف. . . عن إبراهيم قال: قال لي عبيدة: لا تخلدن عني كتابا. . . وإنه كان يكره أن يكتب الحديث في الكراريس ويقول: يشبه بالمصاحف. . . وإن عبيدة دعا بكتبه فمحاها عند الموت، وقال إني أخاف أن يليها قوم فلا يضعونها مواضعها " (١).

стр. 13717

ثانيا: بعض الأحاديث والآثار الواردة في كتابة السنة: لقد رأينا أعلاه بعض الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن كتابة الحديث، ولكن كتب السنة قد أوردت أيضا أحاديث أخرى صريحة في جواز كتابة الحديث النبوي الشريف منها ما يلي:

стр. 13718

أخرج الترمذي بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: " ليس أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ". كما أخرج الإمام أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء؟ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق (١)». ولقد أورد الخطيب البغدادي في شأن صحيفة عبد الله بن عمرو ما يلي: " وكان عبد الله بن عمرو يسمي صحيفته التي كتبها عن رسول الله ﷺ الصادقة. وكان يقول: " هذه الصادقة هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه، وكتاب الله ﵎ والوهط - أرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها - فما أبالي ما كانت عليه الدنيا " (٢). ولقد أخرج الإمام البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: هجر رسول الله ﷺ قال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت

стр. 13719

أجيزهم، ونسيت الثالثة (١)». كما أخرج الحاكم بسنده من حديث أنس ﵁ أنه كان يقول: " قيدوا العلم بالكتاب ". ولقد جمع الدارمي في سننه أقوال من رخص في كتابة العلم من السلف الصالح فيما يلي: " كتب عن عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة أن انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله. . . عن أبي المليح قال: يعيبون علينا الكتاب وقد قال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ (٢) حدثنا سوادة بن حيان قال سمعت معاوية بن قرة أبا إياس يقول: كان يقال من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما. . . وسئل أبو أمامة الباهلي عن كتاب العلم، فقال: لا بأس بذلك. . . عن سعيد بن جبير قال: كنت أسمع من ابن عمر وابن عباس الحديث بالليل، فاكتبه في واسطة الرحل. . . . وقال: كنت أسير مع ابن عباس في طريق مكة ليلا، وكان يحدثني بالحديث فأكتبه في واسطة الرحل حتى أصبح فأكتبه. . . وكنت أكتب عند ابن عباس في صحيفة، واكتبه في نعلي. . . وعن عبد الله بن حنش قال: رأيتهم يكتبون عند البراء بأطراف القصب على أكفهم. . . . وعن سليمان بن موسى: أنه رأى نافعا مولى ابن عمر يملي علمه ويكتبه بين يديه. . . . قال أبو قلابة: خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قرطاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر ومعه، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما هذا الكتاب؟ قال: حديث حدثني به عون بن عبد الله فأعجبني فكتبته. . . دعا الحسن بنيه وبني أخيه فقال: يا بني وبني أخي، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه، أو قال يحفظه فليكتبه وليضعه

стр. 13720

في بيته (١). ولقد جمع الخطيب البغدادي أيضا بعض أقوال السلف الصالح ممن رخص في كتابة العلم منها ما يلي: " أن حمادا قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا، زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقا وكتبه له، وإذا فيه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله تعالى بها نبيه ﷺ ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها. . . وعن عمر بن الخطاب قال: قيدوا العلم بالكتاب. . . وعن الأعمش عن إبراهيم عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرأه، ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة، قال: صحيفة معلقة في سيفه، فيها أسنان الإبل وشيئا من الجراحات - فقد كذب، وفيها قال رسول الله ﷺ : «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو أوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، من أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (٢)». . . وكان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع رسول الله ﷺ يوم كذا؟ ما صنع رسول الله ﷺ يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها. . . وكان الشعبي يقول: الكتاب قيد العلم. . . إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط. . . وعن الحسن قال: إنما نكتبه - يعني الحديث - لنتعاهده. . قالوا لقتادة نكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب قال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٣). . . وعن أبي قلابة قال: الكتاب أحب إلي من النسيان. . . عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم، فقلنا نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت أنا: ليس بسنة فلا نكتبه، قال: فكتب، ولم أكتب، فأنجح

стр. 13721

وضيعت " (١).

стр. 13722

ثالثا: توفيق العلماء بين اختلاف الروايات في شأن تدوين السنة: لقد وفق الله كثيرا من العلماء إلى فهم الروايات التي وردت في شأن النهي عن كتابة السنة والروايات التي وردت في الإذن بكتابتها، مما جعل هذا الأمر مفهوما لدى كثير من المسلمين، وسوف أقوم هنا بإيراد أقوال بعض العلماء في هذا الشأن لكي يزداد الأمر وضوحا: جاء في مختصر سنن أبي داود من قول ابن القيم ﵀ ما يلي: قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخا لحديث النهي، فإنه ﷺ ، قال في غزاة الفتح: «اكتبوا لأبي شاة (١)» يعني خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها " وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة ولو كان النهي عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله، لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمح وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال لهم في مرض موته: ائتوني باللوح والدواة والكتف؛ لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا - وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه. وكتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتابا عظيما فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها، وكتبه في الصدقات معروفة. . . وإنما نهى النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره فلما علم القرآن وتميز وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. وقد قال بعضهم: إنما كان النهي عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس، وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها. . . وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان

стр. 13723

بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل. اهـ (١). وقال الخطابي: يشبه أن يكون النهي متقدما وآخر الأمرين الإباحة. وقد قيل إنه إنما نهي أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا وتقييد العلم منهيا عنه فلا. . . وقد أمر رسول الله ﷺ بالتبليغ وقال: ليبلغ الشاهد الغائب، فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر والحفظ غير مأمون عليه الغلط. «ولقد قال رسول الله ﷺ لرجل اشتكى إليه سوء الحفظ استعن بيمينك». . . وقد كتب رسول الله ﷺ كتبا في الصدقات والمعاقل والديات أو كتب عنه، فعملت بها الأمة، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف، فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم. اهـ (٢). وقال الخطيب البغدادي: " وقد ثبت أن كراهة من كتب الكتاب من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونهى عن الكتب القديمة التي تتخذ، لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنا عليها. ونهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه من كلام الرحمن. . . وأمر الناس بحفظ السنن، إذ الإسناد قريب والعهد غير بعيد، ونهي عن الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوى

стр. 13724

لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان. ولهذا قال سفيان الثوري:. . . بئس المستودع العلم القراطيس. . . . وكان سفيان يكتب، أفلا ترى أن سفيان ذم الاتكال على الكتاب وأمر بالحفظ، وكان مع ذلك يكتب احتياطا واستيثاقا. . . . قال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئا شريفا، إذ كانوا يتلقونه ويتذاكرونه بينهم. . فلما صار إلى الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله. قلت إنما اتسع الناس في كتب العلم، وعولوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك، لأن الروايات انتشرت والأسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ مع رخصة رسول ﷺ لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك. . اهـ (١). وقال الأبي: " كره كثير من السلف كتب العلم لهذا النهي - النهي عن كتابة الحديث - وأجازه الأكثر، ثم وقع الإجماع على جوازه. . . والحديث محمول عند بعضهم على كتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة خوف أن يختلط به ويشتبه على القارئ، ويحتمل أن النهي منسوخ " (٢). وجاء في شرح النووي أيضا ما يلي: " كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف " (٣). يتضح لنا مما سبق أن النهي عن كتابة السنة كان لأسباب وجيهة ومقبولة، منها الحيلولة دون خلط القرآن بالسنة، والدليل على ذلك زوال هذا النهي عندما أمن المسلمون الوقوع في مثل ذلك الخلط، ومنها أن النهي كان لترويض المسلمين على مذاكرة الحديث النبوي وتعهده بالحفظ وعدم إهمال السنة اعتمادا

стр. 13725

على أنها مدونة في القراطيس، هذا بجانب أن الإذن بالكتابة قد جاء متأخرا مما يدل على أنه ناسخ لأحاديث النهي عن الكتابة.
следующие страницы →