← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

منها لنصل إلى نتيجة مقنعة. ٤ - جميع الأسئلة المثارة لا يوجد لها جواب في الديانة النصرانية والعقيدة المسيحية، فكيف تثيرها مؤسسة تنصيرية؟ فقضايا الرق وقضايا المرأة والحروب المقدسة والتفرقة بين معتنقي النصرانية وغيرهم، كلها مقررة في الديانة النصرانية ومن حق القارئ أن يعرف ما هو جواب المسيحية على ذلك. وحيث أن الجواب بالسلب فلماذا لا يتركون الدعوة إلى النصرانية؛ لأنها تتبنى كل هذه القضايا المثارة؟ ولكنها أثيرت هذه الأيام باعتبارها معايب ونقائص يقصد منها النيل من الإسلام والمسلمين. ٥ - وأمر أدهى وأمر وهو شعور المطلع على هذه الأسئلة بعدم التجرد من قبل واضعيها. فاتباع الهوى فيها هو المسيطر على مجريات الأسئلة مع تبني أحكام وتصورات مسبقة لديهم. ٦ - إنه ليحزنني أن تكون هذه هي المقدمة التي أدخل بها إلى هذا الموضوع وأجوبته، ومع هذا فليعلم كل مطلع وليستيقن كل ناظر أني سأبذل قصارى الجهد في قصد الحق والتماسه، خوفا من الله ، ورجاء فيما عنده، وأداء للأمانة، ونصحا للبشرية كلها. ٧ - وأنبه المطلع الكريم أن هذه الإجابة قصد بها خطاب غير المسلمين ممن لا يدينون بالاستدلال بالنصوص الشرعية - كتابا وسنة - ومن ثم جاءت المناقشة والحوار أقرب لمخاطبة العقل ومحاورة الفكر والنظر من أي شيء آخر. على أنه قد جرى إيراد حشد من النصوص الشرعية حين اقتضى الأمر ذلك كما يلحظ في موضوع الرق وغيره.

стр. 14037

وأقول بكل ثقة واعتزاز إن ديني هو الإسلام وإيماني به لا يتزعزع، والقرآن كلام الله حقيقة، ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين وهو رسول الله إلى الناس كافة، وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ من أنبياء الله، ومن أولي العزم من الرسل، والله قد بعث في كل أمة رسولا، والإسلام هو دين الله الخاتم الذي لا يقبل دينا غيره، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا وقد أجريت تغييرا في ترتيب الأسئلة صنفتها حسب موضوعاتها، ولم ألتزم ترتيبها الأصلي، وسوف أثبت في آخر الأجوبة مجموعة الأسئلة حسب ترتيب واضعيها.

стр. 14038

المساواة: المساواة في البشر ترجع إلى مدى تطابقهم وتماثلهم في الصفات الخلقية والخلقية، فكلما تطابقت هذه الصفات أو تقاربت كانت المساواة والمماثلة أدق وأقرب، وإذا تفاوتت لزم التفاوت في الآثار. وأخذا من هذه المقدمة فمن المتعذر الجزم بالتساوي المطلق بين بني البشر، غير أننا نقول: إن الأصل هو التساوي في الحقوق والواجبات لوجود الحد الأدنى من التماثل في القدرات البدنية والكفاءات الذهنية، التي تجعلهم قادرين على فهم النظم والقوانين، واستيعابها وتطبيقها والاستجابة لها والمحاسبة عليها، ولكن من المعلوم أن أصل خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق مما يجعل هناك موانع جبلية واجتماعية وسياسية على نحو ما هو مثار في الأسئلة. وبعض هذه الموانع قد يكون مؤقتا، وقد يكون دائما، وبعضها قد يكون قليل الحصول وقد يكون أغلبيا. غير أن أثر كل مانع مقصور على نفسه فلا يمنع من المساواة في الحقوق

стр. 14039

الأخرى، فصاحب الخلق الفاضل لا يساوي دنيء الخلق في مجاله، لكنه لا يمنع التساوي في الحقوق الأخرى، والذكي لا يساوي الغبي، والمرأة ليست كالرجل في صفاتها ومواهبها وقدراتها، وسيأتي للكلام على المرأة موضع مستقل إن شاء الله، هذه بعض الموانع الجبلية الخلقية. ومن الموانع الاجتماعية - أي الموانع التي اتفق عليها المجتمع نتيجة للخبرة وممارسة الحياة، وهي في حقيقتها راجعة إلى القناعة العقلية المؤكدة للتفاوت في هذه الصفات - منع التساوي بين العالم والجاهل، فإن الناس متفقون على أن الجاهل لا يستحق الصدارة في المسئوليات والاعتماد عليه في قضايا الأمة وشئون المجتمع. ومن الموانع السياسية ما يتفق عليه أهل الحكم والإدارة من منع بعض الفئات من تولي مسئوليات في الدولة لأسباب سياسية أو عسكرية، وهو أمر معترف به بين الأمم من غير إنكار، وذلك كمنع الأجنبي من تولي مسئولية من مسئوليات الحكم في الدولة حيث تقصر هذه الولايات والوظائف على الوطنيين، ومثله حق الانتخاب والمنع من بعض الحرف والاستثمار. والتنظيم الخاص بالعسكريين والدبلوماسيين ومنعهم من الزواج بالأجنبيات، وأمثال ذلك كثير، ويندرج في ذلك منع الذميين في دولة الإسلام من تولي بعض الولايات. ومثله منع أهل الذمة من الزواج بالمسلمات مما سيأتي له مزيد تفصيل. ويمكن اعتبار هذين المثالين الأخيرين من الموانع الشرعية؛ لأن هذه أحكام مقررة في الشريعة الإسلامية وهي ترجع - كما يلاحظ القارئ - إلى أمور منطقية وأعراف اجتماعية صحيحة. هذه أمثلة يمكن من خلالها فهم الضوابط، ومن ثم القناعة العقلية بعدم إمكان المساواة المطلقة بين الناس.

стр. 14040

بل لو قيل بالمساواة المطلقة لترتب على ذلك أمور لا يطيقها البشر، ولأدى بالناس إلى إهمال مواهبهم وإهدار طاقاتهم، وذلك فساد قبيح ظاهر يئول إلى اختلال نظام العالم في إلغاء المميزات والحقوق التي تقود إلى البناء والإصلاح وتقدم العالم، وانهيار الشيوعية الذي نشهده هذه الأيام برهان ماثل لأهل العقل والحكمة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التفاوت في المواهب واستغلالها وطريقة الاستفادة منها يترتب عليه تفاوت مادي فيما يستحقه كل صاحب موهبة، يفيد منها أهله ومجتمعه. ومن أجل هذا برز الترتيب الوظيفي في رؤساء المصالح ومديريها ومن دونهم. والشريعة الإسلامية - وتمشيا مع الفطرة السليمة - لا يمكن أن تدعو إلى مساواة تلغى فيها هذه الفروق الفردية والمواهب الشخصية والتمايز الموجود بين بني الإنسان، مما له أثر في صلاح العالم أفرادا ومجموعات، وذلك الصلاح والإصلاح هو غاية الشريعة ومقصدها. إذن هذا هو التفاوت المؤثر والمقتضي للمنع من المساواة عند وجوده. أما التمايز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة فهو غير مؤثر في شريعة الإسلام ألبتة، لكنه مشار إليه في الشريعة على أنه آية من آيات الله الدالة على عظمته وكمال قدرته واستحقاقه للعبادة سبحانه. ولهذا النوع من التمايز وظيفة أخرى نبه إليها دين الإسلام، وهي وظيفة التعارف والتآلف، وفي النص القرآني الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١) يؤكد ذلك في دين الإسلام أنه من المتقرر عند المسلمين أن الله لم يخلق شعبا فوق الشعوب، ولم يميز قوما على قوم، وقيمة الإنسان عند الله وعند الناس ما يحسنه ويقوم به من عمل صالح وجهد طيب في طاعة الله واتباع أمره وهو

стр. 14041

ما يصطلح عليه في الشريعة " التقوى " وفي النص القرآني: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) ويقرر ذلك نبي الإسلام محمد ﷺ بقوله: «أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى (٢)». . أخرجه أحمد والترمذي عن أبي نضرة، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد سئل النبي ﷺ : «أي الناس أحب إلى الله؟ قال أنفع الناس للناس» أخرجه الطبراني وغيره بألفاظ متقاربة. وهذا لفظ الطبراني من حديث ابن عمر (٣).

стр. 14042

الحرية: سوف يكون الكلام في هذا المقام من عدة جوانب: ١ - لا إكراه في الدين. ٢ - الحرية الدينية لغير المسلمين في بلاد الإسلام. ٣ - حكم الردة. ٤ - الرق. مقدمة: حرية الفكر لا حرية الكفر: جاء في صيغة السؤال الأول حول الحريات العبارة التالية: " كيف يمكن التوفيق بين حرية التفكير والاعتقاد التي منحها الله للإنسان. . إلخ ". والذي نقوله: إن حرية التفكير مكفولة، وقد منح الله الإنسان الحواس من السمع والبصر والفؤاد ليفكر ويعقل ويصل إلى الحق، وهو مسئول عن

стр. 14043

التفكير الجاد السليم، ومسئول عن إهمال حواسه وتعطيلها. كما أنه مسئول عن استخدامها فيما يضر. أما حرية الاعتقاد فلم يمنحها الله سبحانه مطلقة، بحيث يعتقد كل إنسان كما يشاء، بل الله سبحانه يلزم العقلاء البالغين من البشر باعتقاد ربوبيته وألوهيته وطاعته والخضوع له وحده، ولا يقبل منهم غير ذلك. برهان ذلك: أن هذا العالم الرحب الذي نعيش فيه لم تبن جنباته كيفما اتفق، ولم تركم مواده بعضها فوق بعض بطريق الجزاف، بل هو مخلوق مصنوع وفق نظام محكم وقانون دقيق، فما يطير في الجو انخفاضا وارتفاعا محكوم بقانون وما يلقى في الماء من أجسام غوصا وطفوا وسبحا مضبوط بقانون، وما ينبت في الأرض من نبات فيختلف طعمه ولونه وثمره خاضع لقانون، فكل ما في السماء وما في الأرض قد خلق مقرونا بالحق، وما على من ينشد الحق والحقيقة إلا أن يتصفح صفحات هذا الكون الفسيح ليعرف من حقائقه ما يزيده بالخالق إيمانا، وبخلق هذا العالم دقة وإتقانا. والإنسان لا يولد عالما ولا عارفا، ولكنه يولد مزودا بوسائل العلم والمعرفة عقلا وسمعا وبصرا. خلق ليعرف الحق ويستدل له ويستدل عليه، لا ليعيش على الباطل ويسير في مسالكه المعوجة. والحرية في هذا الميدان مطلقة ما دام أنها في الكون وآياته، وفيما تناله وسائل الإنسان وقدراته. وبهذا الضابط نقول: إن حرية الفكر والتفكير مكفولة مطلقة، ولكن حرية الشهوة مقيدة، فمن غير المقبول في العقول الاندفاع وراء الرغبات والغرائز، لأن طاقة الإنسان محدودة، فإذا استنفدت في اللهو والعبث والمجون لم يبق فيها ما يدفعها إلى الطريق الجاد، ويدلها على مسلك الحق والخير، وبناء عليه فإن ما يرى في عالمنا المعاصر وحضارته المادية من إيجابيات خيرة

стр. 14044

فهي من حسن استخدام حرية الفكر والنظر، وما يرى من أضرار وانتكاسات وقلاقل نفسية وغير نفسية فهي من إطلاق حرية الهوى والعبث. ومن أجل هذا، فإننا نقول بكل قوة وثقة: " في الوقت الذي يطلق فيه للفكر حريته: يجب أن تحجز النفوس عن أهوائها ". فعلينا ونحن نتحدث عن الحرية أن نفرق بين الأمرين، ونميز بين المنهجين.

стр. 14045

الحرية الحقيقية: حينما قلنا: إن الإنسان ليس حرا في الاعتقاد، بل يجب أن ينحصر اعتقاده في الله وحده ربا ومعبودا، لا يجوز أن يخضع لغيره أو يطيع سواه فيما يخالف أمر الله. نقول ذلك لأن هذا هو ضامن الحرية الحقيقية على هذه الأرض. . لماذا؟ لأن البشرية منذ القدم وحتى اليوم وهي تعاني كثيرا في ديارها من طواغيت متنوعة خضعت لها رءوسها وذلت لها رقابها، حتى اندثر كل معنى للحرية، وغاب كل أثر للكرامة الإنسانية في نفوس هؤلاء الخاضعين لغير الله. فالخضوع والخوف والرهبة والانقياد والاستسلام لا يكون إلا لله الذي له صفات الكمال المطلق، فهو وحده الغني القادر المسيطر القاهر الحكم العدل الذي لا يجوز عليه الظلم، لأن الظلم أثر من آثار الضعف والحاجة والله منزه عن كل ذلك. أما من خضع لغير الله فقد انتقص من حرية نفسه بمقدار خضوعه وذلته لغير ربه. والطواغيت التي سلبت الناس حرياتهم كثيرة من أمثال علماء السوء والأحبار والرهبان والكهان والحكام والدرهم والدينار، وترقى الأمر عند هذه الفئات حتى حرفوا الكتب المنزلة على الرسل لتتمشى مع أهوائهم وأدخلوا فيها ما ليس منها، وترقى بهم الأمر إلى أن جعلوا لأنفسهم صلاحية منح الثواب

стр. 14046

وإنزال العقاب، وإعطاء صكوك غفران بمحو الذنوب، ودخول الفردوس الأعلى، ومن صور ذلك في وقتنا المعاصر الطغيان المادي والتفسير المادي للتاريخ والحوادث واستعباد الشهوات والملذات. ومن هنا فإن الدعوة إلى التوحيد والخضوع لله وحده دعوة لإقامة صرح الحرية، ورفض ورفع قيود الظالمين عن أعناق البشر. وبهذا تحمى حرية الإنسان من أن يسلبها أولئك المتطاولون المغرورون، فلا يحني الإنسان رأسه أو تذل هامته لأحد من بني البشر أيا كان على الإطلاق، لأنه خضوع للباطل وتعد على الحرية.

стр. 14047

لا إكراه في الدين: الإكراه في الإسلام على الدين والعقيدة منفي من عدة جهات: الأولى: أن من آمن مكرها، فإن إيمانه لا ينفعه ولا أثر له في الآخرة، فلا بد في الإيمان أن يكون عن قناعة واعتقاد صادق واطمئنان قلب. وقد جاء في القرآن الكريم: عن فرعون حين أدركه الغرق أنه أعلن الإيمان والتصديق بالله ربا ومعبودا، ولكن ذلك لم ينفعه ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢) وجاء في حكاية قوم آخرين: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ (٣) ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (٤) بل التوبة من الذنوب والمعاصي لا تكون مقبولة إلا إذا كانت عن اختيار وعزم صادق.

стр. 14048

الثانية: وظيفة الرسل والدعاة من بعدهم مقصورة على البلاغ وإيصال الحق إلى الناس، وليسوا مسئولين عن هدايتهم واعتناقهم للدين واعتقادهم الحق، فالمهمة هي البلاغ والإرشاد والمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الاهتداء والإيمان فليس إلى الرسل ولا الدعاة. وهذا يؤكد جانبا من جوانب الحرية ألا وهو تحرر الإنسان من كل رقابة بينه وبين خالقه، فالعلاقة مباشرة بين الإنسان وربه من غير واسطة أو تدخل من أحد مهما كانت منزلته، سواء أكان ملكا أو نبيا أو غير ذلك. ومما يؤكد ذلك في القرآن الكريم ما جاء في حق محمد ﷺ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (١) ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (٢) الثالثة: واقع غير المسلمين في بلاد المسلمين: عاش الذميون وغيرهم في كنف الدولة الإسلامية دون أن يتعرض أحد لعقائدهم ودياناتهم، بل لقد جاء في الكتاب الذي كتبه النبي محمد ﷺ في أول قدومه المدينة ليرسم به منهجا ودستورا في التعامل: «ومن تبعنا من يهود فإنه له النصرة والأسوة. . لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. . وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم (٣)»، وأقرهم على دينهم وأموالهم كما كان الحال مشابها مع نصارى نجران. وصحابة الرسول من بعده ساروا على طريقه في معاملة غير المسلمين، فكان من أقوال خليفته أبي بكر ﵁ لبعض قواده: " أنتم سوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ". ومن وصايا الخليفة الثاني عمر: " أوصي بأهل الذمة خيرا أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم ".

стр. 14049

ومن أقوال علي الخليفة الرابع: " من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا " (١). وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على أن الشريعة وأهلها قد كفلوا لأتباع الأديان الذين يعيشون في ظل الإسلام البقاء على عقائدهم ودياناتهم، ولم يرغم أحد على اعتناق الإسلام. ومعلوم لدى القاصي والداني أن هذا لم يكن موقف ضعف من دولة الإسلام، بل كان هذا هو مبدأها حتى حين كانت في أوج قوتها أمة فتية قادرة. ولو أرادت أن تفرض على الأفراد عقيدتها بالقوة القاهرة لكان ذلك في مقدورها، لكنها لم تفعل. الرابعة: المسلم إذا تزوج كتابية، فإنه لا يلزمها بالتخلي عن دينها والدخول في الإسلام، بل لها الحق الكامل في البقاء على ديانتها وحقوق الزوجية محفوظة لها كاملة.

стр. 14050

حكم الردة: الكلام على الردة ينتظم عدة جوانب: أولها: الإيمان بالإسلام المبني على الإكراه والجبر - غير معتد به - كما سبق - أي أنه لا يدخل الداخل فيه حقيقة إلا إذا كان عن اقتناع ورضا وتبصر، ذلك أن النظرة العاقلة المنصفة تؤكد كمال هذا الدين، وتنزهه عن الباطل، وتحقيقه لحاجات البشر، وتوافقه مع الطبائع السليمة التي فطر الله الناس عليها. الثاني: في تاريخ الإسلام الطويل لا يكاد يذكر مرتد ارتد عن هذا الدين رغبة عنه وسخطا عليه، وإن وجد فلا يخلو من أحد رجلين، إما أن يكون لمكيدة يقصد بها الصد عن دين الله، كما حصل من بعض اليهود في أول عهد الدعوة حينما تمالأ نفر منهم بأن يؤمنوا أول النهار ثم يكفروا في آخره من أجل إحداث

стр. 14051

البلبلة في المؤمنين؛ لأن اليهود أهل كتاب، فإذا حصل منهم هذا يختلج في بعض النفوس الضعيفة أن هؤلاء اليهود لو لم يتبينوا خطأ في هذا الدين الجديد لما رجعوا عنه، فكان مقصودهم الفتنة والصد عن دين الله. وإما أن يكون هذا المرتد رجلا يريد أن يطلق لشهواته العنان ويتحلل من ربقة التكاليف. الثالث: الخروج عن الإسلام يعتبر خروجا على النظام العام، ذلك أن الإسلام دين كامل، كما يهتم بعلاقة الإنسان بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره من بني جنسه؛ بين المرء وزوجه وبينه وبين أقربائه وجيرانه، وفيما بينه وبين أعدائه حربا وسلما، في شمول منقطع النظير، عبادة ومعاملة وجناية وقضاء إلى سائر ما تنقسم إليه قوانين الدنيا بل أوسع من ذلك. وبناء على هذا فيجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل، وليس قاصرا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين. وإذا كان ذلك كذلك فالردة تعني الخروج على النظام. الرابع: في جعل العقوبة على الردة إباحة دم المرتد زاجر لمن يريد الدخول في هذا الدين مشايعة ونفاقا للدولة أو لأهلها، وباعث له على التثبت في أمره فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطان بين، فالدين تكاليف وشعائر يتعسر الاستمرار عليها من قبل المنافقين وأصحاب المآرب المدخولة. الخامس: للإنسان قبل أن يؤمن بالإسلام الحق في أن يؤمن أو يكفر، فإذا آثر أي ديانة من الديانات فلا اعتراض عليه، ويبقى له حق الحياة والأمن والعيش بسلام. وإذا آثر الإسلام ودخل فيه وآمن به، فعليه أن يخلص له ويتجاوب معه في أمره ونهيه وسائر هديه في أصوله وفروعه، ثم بعد ذلك نقول: هل من حرية الرأي أن يمكن صاحبها من الخروج على هذا المجتمع ونبذ قواعده ومشاقة أبنائه؟ هل خيانة الوطن أو التجسس لحساب الأعداء من الحرية؟ هل إشاعة الفوضى في جنباته والاستهزاء بشعائره ومقدساته من الحرية؟ إن محاولة إقناع المسلمين بقبول هذا الوضع مسفه. ومطالبة المسلمين بتوفير حق الحياة لمن يريد نقض بناء دينهم وتنكيس لوائه أمر عجيب!

стр. 14052

ونقول بكل قوة: إن سرقة العقائد والنيل من الأخلاق والمثل أضحت حرفة لعصابات وطوائف من دعاة التنصر الكارهين للإسلام وكتابه ونبيه وأتباعه، وما فتئوا يثيرون الفتن وأسبابها في كل ناحية من أجل هز كيان المجتمع وقلبه رأسا على عقب. ويؤكد حقنا في رفع الصوت عاليا ما نرمقه من المواقف المفضوحة في بلاد الحريات - فرنسا وبريطانيا وأمريكا - من المسلمين الذين بدءوا يظهرون تمسكا بدينهم وظهورهم بالزي المحتشم رجالا ونساء مما أثار حفائظهم، وبخاصة الفرنسيين في قضية الحجاب على الرغم من أن قوانينهم فيها نصوص تعطي الحق لأهل كل ديانة أن يلتزموا بدياناتهم، ولكنهم بحجة الأمن والحفاظ على النظام العام كانت لهم تلك المواقف المكشوفة، ومن حقنا كذلك أن نتذكر ما يجري لكثير من الأقليات المسلمة في روسيا وبلغاريا مما هو معلن فكيف بغير المعلن، ثم إن عقوبة الإعدام موجودة في كثير من القوانين المعاصرة سواء لمهربي المخدرات أو غيرهم، وهم لم يقولوا بها إلا لجدواها في القضاء على الجريمة والتخفيف منها وحماية لعموم المجتمع من سوئها، ولم يقل أحد: إن تشريع عقوبة الإعدام في حق هؤلاء المفسدين مصادم لحريتهم إذا كانوا قد تجاوزوا في حرياتهم حتى سطوا على حريات الآخرين، أو نغصوا عليهم في حياتهم الطبيعية الآمنة السوية. وهناك إعدام من أجل الخيانة العظمى أو ما يشبهها، ولم يكن هذا مصادما للحرية أو محل نقد لدى هذه المؤسسة التنصيرية وأشباهها، مما يذكر بما قلناه أول الحديث من الشك في حسن النية في إثارة مثل هذه التساؤلات. وفي ختام هذه الفقرة عن حرية الديانة والارتداد أنقل بعض الوقائع من مواقف الديانات الأخرى نحو المسلمين، والتعسف والتعصب والحقد الدفين الذي يظهر واقعا حيا حين تتاح له فرصة الظهور. يقول الكاتب " جيبون ": " إن الصليبيين خدام الرب يوم استولوا على بيت

стр. 14053

المقدس في ١٥/ ٧ / ١٠٩٩ م رأوا أن يكرموا الرب بذبح سبعين ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرت ثلاثة أيام بلياليها، حطموا رءوس الصبيان على الجدران، وألقوا بالأطفال الرضع من سطوح المنازل، وشووا الرجال والنساء بالنار، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب. . . ثم يقول الكاتب: " كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كله أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران؟ " (١). ويقول جوستاف لوبون عن فعل الصليبيين بمسلمي الأندلس: " لما أجلي العرب - يعني المسلمين - سنة ١٦١٠ م اتخذت جميع الذرائع للفتك بهم فقتل أكثرهم، وكان من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس، في حين أن العرب لما فتحوا أسبانيا تركوا السكان يتمتعون بحريتهم الدينية، محتفظين بمعاهدهم ورئاستهم، وقد بلغ من تسامح العرب طوال حكمهم في أسبانيا مبلغا قلما يصادف الناس مثله هذه الأيام " (٢). وفي أيامنا هذه نقرأ في وثائق اليهود نحو أهل فلسطين: " يا أبناء إسرائيل: اسعدوا واستبشروا خيرا لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكتل الحيوانية في اصطبلاتها وسنخضعها لإرادتنا ونسخرها لخدمتنا ". وفي روسيا الشيوعية أغلقت الحكومة أربعة عشر ألف مسجد في مقاطعة تركستان، وفي منطقة الأورال سبعة آلاف مسجد، وفي القوقاز أربعة آلاف مسجد، وكثير من هذه المساجد حولت إلى دور للبغاء، وحوانيت خمر، واصطبلات خيول وحظائر بهائم، وفوق ذلك التصفية الجسدية للمسلمين، ويكفي أن نعلم أنهم قتلوا في ربع قرن ستة وعشرين مليون مسلم مع تفنن في طرق التعذيب والقتل.

стр. 14054

والدول الشيوعية الدائرة في فلك روسيا حذت حذوها، ففي يوغوسلافيا أباد تيتو ما يقارب مليون مسلم. وفي سنواتنا الحاضرة هذه تنصب الملاحقة والمتابعة لجميع الحركات الإسلامية والتوجهات الإسلامية في الفلبين وأندونيسيا وشرق أفريقيا بصور ظاهرة مفضوحة، فضلا عن الطرق الخفية في جميع بلاد المسلمين. فيا ترى أين الحرية؟! ويا ترى من المتعصب ومن هو المتسامح؟

стр. 14055

الرق: س: ما معنى الدفاع عن تفوق الإنسان الحر على العبد دون إدانة للعبودية أو القضاء عليها؟ ج: الخوض في الحديث عن الرق وإثارة الأسئلة حوله من قبل دعاة التنصر والصادين عن دين الإسلام، مما يثير حفيظة المتعقل، ومما يشير بأصابع الاتهام نحو الأغراض المستترة وراء إثارة هذه التساؤلات. ذلك أن الرق في اليهودية والنصرانية مقرر ثابت على صور ظالمة، وكتبهم بتفاصيل الحديث عنه والاستحسان له طافحة. وعليه فإن أول ما يستلفت النظر: كيف يسعى الكنسيون إلى الدعوة إلى التنصير والنصرانية تقول بالرق ومشروعيته؟ وبمعنى آخر: كيف يثيرون أمرا هم غارقون فيه إلى الأذقان؟! أما أمر الرق في الإسلام فمختلف تماما إذا ما قورن بين النظرتين، وإذا ما قورن كذلك بما عليه حال الرق حين مجيء الإسلام. ولا يسع الباحث وهو ينظر في مثل هذه التساؤلات وقد بسط فيها دعاة التنصير ألسنتهم لينالوا من الإسلام ما وسعهم النيل. أقول: لا يسعه إلا أن يبسط القول في هذا الموضوع، مشيرا إلى ما عند اليهودية والنصرانية والحضارة المعاصرة، ثم نذكر ما في الإسلام. وإن الإسلام قد تعرض في هذا لإفك كثير على حين نجا مجرمون عريقون في الإجرام لم تشر إليهم - مع الأسف - أصابع الاتهام.

стр. 14056

الإسلام والرق: يقرر الإسلام أن الله خلق الإنسان كامل المسئولية، وكلفه بالتكاليف الشرعية، ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره. ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار بغير حق، ومن اجترأ على ذلك فهو ظالم جائر. هذا مبدأ ظاهر من مبادئ الإسلام في هذا الباب، وحينما يثار التساؤل: كيف أباح الإسلام الرق؟ نقول بكل قوة وبغير استحياء: إن الرق مباح في الإسلام، ولكن نظرة الإنصاف مع التجرد وقصد الحق توجب النظر في دقائق أحكام الرق في الإسلام من حيث مصدره وأسبابه، ثم كيفية معاملة الرقيق ومساواته في الحقوق والواجبات للحر، وطرق كسب الحرية، وكثرة أبوابها في الشريعة، وبخاصة إذا ما قورنت بغيرها مع الأخذ بالاعتبار نوع الاسترقاق الجديد في هذا العالم المتدثر بدثار الحضارة والعصرية والتقدمية، وسوف يلاحظ القارئ أنني سوف أستعين بكثير من النصوص من القرآن الكريم وأقوال الرسول ﷺ وتوجيهاته في هذا الموضوع، نظرا لأهمية ذلك والتأكيد على أن الممارسات الخاطئة لا يجوز أن تحسب على الإسلام. وفي هذا الصدد نقول: إن الإسلام يقف من الرقيق موقفا لم يقفه غيره من الملل والنحل، ولو سارت الأمور على وجهها بمقتضى ذلك النهج لما كانت تلك الإشكالات وعلى رأسها استرقاق الأحرار عن طريق الخطف والغصب والاستيلاء بقوة أو بخدعة في القديم وفي الحديث، مما استفحل معه الرق بطريقة شائنة ووجه قبيح، وما انتشر الرق ذلك الانتشار الرهيب في قارات الدنيا إلا عن طريق هذا الاختطاف، بل كان المصدر الأعظم في أوروبا وأمريكا في القرون الأخيرة. والإسلام يقف بنصوصه من هذا موقفا حازما حاسما جاء في حديث

стр. 14057

قدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره (١)» أخرجه البخاري. والنبي ﷺ يقول: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا - يعني بعد خروج وقتها - ورجل اعتبد محررا (٢)» رواه أبو داود وابن ماجه، كلاهما من رواية عبد الرحمن بن زياد الأفريقي. ومن الطريف أنك لا تجد في نصوص القرآن والسنة نصا يأمر بالاسترقاق، بينما تحفل آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ بالمئات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير. كانت مصادر الرق ومنابعه كثيرة عند ظهور الإسلام، بينما طرق التحرر ووسائله تكاد تكون معدومة، فقلب الإسلام في تشريعاته النظرة، فأكثر من مصارف الحرية والتحرر، وسد مسالك الاسترقاق، ووضع من الوصايا ما يردم تلك المسالك. ولقد كان الأسر في الحروب من أظهر مظاهر الاسترقاق، وكل حرب لا بد فيها من أسرى، وكان العرف السائد يومئذ أن الأسرى لا حرمة لهم ولا حق، وهم بين أمرين: إما القتل وإما الرق. ولكن الإسلام حث على طريق ثالث من حسن معاملة الأسير وفك أسره. في القرآن الكريم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٤) والآية في رقتها وحثها لا تحتاج إلى تعليق، ونبي الإسلام ﵇ في ميدان مكارم الأخلاق يقول: «عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني (٥)» رواه البخاري.

стр. 14058

وفي أول مواجهة بين المسلمين وأعدائهم في معركة بدر انتصر فيها المسلمون ووقع فيها أسرى من كبراء العرب، لقد سقطوا في الأسر كما يسقط الكبراء والأشراف في معارك الدول الكبرى من القياصرة والأكاسرة، لو عوقبوا بعقاب شديد لكانوا له مستحقين، فقد آذوا المسلمين أشد الإيذاء في أول قيام الدعوة الإسلامية، غير أن القرآن الكريم يوجه النبي ﷺ وصحبه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) لقد كان هؤلاء الأسرى قبل هذه المعركة ومن أول عهد البعثة يوقعون المظالم الفاجعة بجمهور المسلمين، يريدون إفناءهم أو احتلالهم. فهل يا ترى من حسن السياسة أن يطلق سراح الأسرى فورا؟ معلوم أن هذا يتعلق بمصالح الدولة العامة والعليا، ولهذا تجد أن المسلمين في بدر قبلوا الفداء، وفي الفتح قيل لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وفي غزوة بني المصطلق تزوج الرسول ﷺ أسيرة من الحي المغلوب؛ ليرفع من مكانتها حيث كانت ابنة أحد زعمائه. . فما كان من المسلمين إلا أن أطلقوا سراح جميع هؤلاء الأسرى. ومن هذا ندرك الصور المحدودة والمسالك الضيقة التي يلجأ إليها في الرق، وهو لم يلغه بالكلية؛ لأن هذا الأسير الكافر المناوئ للحق والعدل كان ظالما أو معينا على ظلم أو أداة في تنفيذه أو إقراره، كانت حريته فرصة لفشو الطغيان والاستعلاء على الآخرين. ومع كل هذا، فإن فرصة استعادة الحرية لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسعة. كما أن قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والرحمة. فمن وسائل التحرير: فرض نصيب في الزكاة لتحرير العبيد وكفارات

стр. 14059

القتل الخطأ والظهار والأيمان والفطر في رمضان، إضافة إلى مناشدة عامة في إثارة للعواطف من أجل العتق والتحرير ابتغاء وجه الله. وهذه إشارات سريعة لبعض قواعد المعاملة المطلوبة عدلا وإحسانا لهؤلاء. ١ - ضمان الغذاء والكساء مثل أوليائهم: روى أبو داود عن المعرور بن سويد قال: دخلنا على أبي ذر بالربذة (١)، فإذا عليه برد، وعلى غلامه مثله، فقال: يا أبا ذر، لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة. وكسوته ثوبا غيره؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يكتسي، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه (٢)» رواه البخاري. ٢ - حفظ كرامتهم: روى أبو هريرة قال: قال أبو القاسم نبي التوبة: «من قذف مملوكه بريئا مما قال، أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال (٣)» رواه البخاري. وأعتق ابن عمر مملوكا له، ثم أخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال: ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله يقول: «من لطم مملوكا له أو ضربه فكفارته عتقه (٤)» رواه أبو داود ومسلم. ٣ - يتقدم العبد على الحر فيما يفضله فيه من شئون الدين والدنيا. وقد صحت إمامته في الصلاة، وكان لعائشة أم المؤمنين عبد يؤمها في الصلاة، بل لقد أمر المسلمون بالسمع والطاعة إذا ملك أمورهم عبد ما دام أكفأ من غيره، إن الحرية حق أصيل للإنسان، ولا يسلب امرؤ هذا الحق إلا لعارض نزل به، والإسلام - عندما قبل الرق في الحدود التي أوضحناها - فهو قيد على إنسان استغل حريته أسوأ استغلال، فإذا سقط أسيرا إثر حرب عدوان انهزم فيها، فإن إمساكه بمعروف مدة أسره تصرف سليم.

стр. 14060

وإذا حدث لأمر ما أن استرق، ثم ظهر أنه أقلع عن غيه، ونسي ماضيه وأضحى إنسانا بعيد الشر قريب الخير، فهل يجاب إلى طلبه بإطلاق سراحه؟ الإسلام يرى إجابته إلى طلبه، ومن الفقهاء من يوجب ذلك، ومنهم من يستحبه!! وقد أوصى النبي ﷺ بالرقيق كثيرا، فقد ثبت أنه لما وزع أسرى بدر على الصحابة قال لهم: «استوصوا بالأسرى خيرا». وروي أن عثمان بن عفان ﵁ دعك أذن عبد له على ذنب فعله، ثم قال له عثمان بعد ذلك: تقدم واقرص أذني، فامتنع العبد، فألح عليه، فبدأ يقرص بخفة، فقال له: اقرص جيدا، فإني لا أتحمل عذاب يوم القيامة، فقال العبد: وكذلك يا سيدي: اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضا. وكان عبد الرحمن بن عوف إذا مشى بين عبيده لا يميزه أحد منهم، لأنه لا يتقدمهم، ولا يلبس إلا من لباسهم. ومر عمر يوما بمكة فرأى العبيد وقوفا لا يأكلون مع سادتهم، فغضب وقال لمواليهم: ما لقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا الخدم فأكلوا معهم. ودخل رجل على سلمان ﵁ فوجده يعجن، فقال له: يا أبا عبد الله ما هذا؟ فقال: بعثنا الخادم في شغل، فكرهنا أن نجمع عليه عملين. هذا مما أسداه الإسلام للرقيق من أياد!

стр. 14061

موقف اليهود من الرقيق: ينقسم البشر عند اليهود إلى قسمين: بنو إسرائيل قسم، وسائر البشر قسم آخر. فأما بنو إسرائيل فيجوز استرقاق بعضهم حسب تعاليم معينة نص عليها العهد القديم. وأما غيرهم، فهم أجناس منحطة، يمكن استعبادها عن طريق التسلط والقهر، لأنهم سلالات كتبت عليها الذلة باسم السماء من قديم، جاء في

стр. 14062

الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج ٢ - ١٢ وما نصه: " إذا اشتريت عبدا عبرانيا فست سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حرا مجانا، إن دخل وحده، فوحده يخرج، إن كان بعل امرأة تخرج امرأته معه، إن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين وبنات، فالمرأة وأولادها يكونون للسيد، وهو يخرج وحده، ولكن إذا قال العبد: أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حرا، يقدمه سيده إلى الله، ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد، وإذا باع رجل ابنته أمة لا تخرج كما يخرج العبيد، إن قبحت في عين سيدها الذي خطبها لنفسه يدعها تفك، وليس له سلطان أن يبيعها لقوم أجانب لغدره بها، وإن خطبها لابنه فبحسب حق البنات يفعل لها، إن اتخذ لنفسه أخرى لا ينقص طعامها وكسوتها ومعاشرتها، وإن لم يفعل لها هذه الثلاث تخرج مجانا بلا ثمن ". أما استرقاق غير العبراني فهو بطريق الأسر والتسلط؛ لأنهم يعتقدون أن جنسهم أعلى من جنس غيرهم، ويلتمسون لهذا الاسترقاق سندا من توراتهم فيقولون: إن حام بن نوح - وهو أبو كنعان - كان قد أغضب أباه، لأن نوحا سكر يوما، ثم تعرى وهو نائم في خبائه، فأبصره حام كذلك، فلما علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب، ولعن نسله الذين هم كنعان، وقال - كما في التوراة في سفر التكوين إصحاح ٩: ٢٥، ٢٦: " ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدا لهم " وفي الإصحاح نفسه ٢٧: ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم ". وقد اتخذت الملكة " اليزابيث " الأولى من هذا النص سندا يبرر تجارتها في الرقيق التي كانت تساهم فيها بنصيب كبير كما سيتبين قريبا.

стр. 14063

موقف النصرانية من الرقيق: جاء الدين المسيحي فأقر الرق الذي أقره اليهود من قبل، فليس في الإنجيل نص يحرمه أو يستنكره.

стр. 14064

والغريب أن المؤرخ " وليم موير " يعيب نبينا محمدا ﷺ بأنه لم يبطل الرق حالا، مع تغاضيه عن موقف الإنجيل من الرق، حيث لم ينقل عن المسيح، ولا عن الحواريين ولا عن الكنائس شيئا في هذه الناحية. بل كان بولس يوصى في رسائله بإخلاص العبيد في خدمة سادتهم، كما قال في رسالته إلى أهل أفسس. وأضاف القديس الفيلسوف " توما الأكويني " رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين، فلم يعترض على الرق بل زكاه، لأنه على رأي أستاذه أرسطو حالة من الحالات التي خلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية. وأقر القديسون أن الطبيعة جعلت بعض الناس أرقاء. وفي المعجم الكبير للقرن التاسع عشر " لاروس ": " لا يعجب الإنسان من بقاء الرق واستمراره بين المسيحيين إلى اليوم، فإن نواب الدين الرسميين يقرون صحته ويسلمون بمشروعيته " وفيه: " الخلاصة أن الدين المسيحي ارتضى الاسترقاق تماما، إلى يومنا هذا، ويتعذر على الإنسان أن يثبت أنه سعى في إبطاله ". وجاء في قاموس الكتاب المقدس للدكتور " جورج يوسف ": " إن المسيحية لم تعترض على العبودية من وجهها السياسي ولا من وجهها الاقتصادي، ولم تحرض المؤمنين على منابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبودية، حتى ولا على المباحثة فيها، ولم تقل شيئا ضد حقوق أصحاب العبيد، ولا حركت العبيد إلى طلب الاستقلال، ولا بحثت عن مضار العبودية، ولا عن قساوتها، ولم تأمر بإطلاق العبيد حالا، وبالإجمال لم تغير النسبة الشرعية بين المولى والعبد بشيء، بل بعكس ذلك فقد أثبتت حقوق كل من الفريقين وواجباته ". وندعو جميع الآباء البيض النصارى والقارئ الكريم ليقارنوا بين تعاليم الإسلام وبين هذه التعاليم.

стр. 14065

أوروبا المعاصرة والرقيق: من حق القارئ أن يسأل - وهو في عصور النهضة والتقدم - عن رائدة التقدم في هذه العصور - كما يقال - ماذا صنعوا بالرقيق؟ عندما اتصلت أوروبا بأفريقيا السوداء كان هذا الاتصال مأساة إنسانية، تعرض فيها زنوج هذه القارة لبلاء عظيم طوال قرون خمسة، لقد نظمت دول أوروبا وتفتقت عقليتها عن طرق خبيثة في اختطاف هؤلاء واستجلابهم إلى بلادهم؛ ليكونوا وقود نهضتها وليكلفوهم من الأعمال ما لا يطيقون، وحينما اكتشفت أمريكا زاد البلاء لينوءوا بعبء الخدمة في قارتين بدلا من قارة واحدة. تقول دائرة المعارف البريطانية ج ٢ ص ٧٧٩ مادة slauery: " إن اصطياد الرقيق من قراهم المحاطة بالأدغال كان يتم بإيقاد النار في الهشيم الذي صنعت منه الحظائر المحيطة بالقرية، حتى إذا نفر أهل القرية إلى الخلاء تصيدهم الإنجليز بما أعدوا لهم من وسائل. وعدا من كانوا يموتون بسبب طرق الاصطياد هذه، وفي الطريق إلى الشواطئ التي ترسو عليها مراكب الشركة الإنجليزية وغيرها، فإن ثلث الباقين يموتون بسبب تغير الطقس، ويموت ٤. ٥ % أثناء الشحن و ١٢ % أثناء الرحلة، فضلا عمن يموتون في المستعمرات. ومكثت تجارة الرقيق في أيدي شركات إنجليزية حصلت على حق احتكار ذلك بترخيص من الحكومة البريطانية، ثم أطلقت أيدي جميع الرعايا البريطانيين في الاسترقاق، ويقدر بعض الخبراء مجموع ما استولى عليه البريطانيون من الرقيق واستعبدوه في المستعمرات من عام (١٦٨٠ - ١٧٨٦ م) حوالي "٢١٣٠٠٠٠" شخص. ومن قوانينهم السوداء في ذلك: من اعتدى على سيده قتل، ومن هرب قطعت أذناه ورجلاه وكوى بالحديد المحمي، وإذا أبق للمرة الثانية قتل.

стр. 14066

ولا أدري كيف سيهرب بعدما نكل به وقطعت رجلاه؟ ولكن الذي يبدو أن الجحيم الذي يعيشه أشد عليه من قطع يديه ورجليه مما يدعوه إلى محاولة الهرب مرة أخرى. ومن قوانينهم: يحرم التعليم على الرجل الأسود، ويحرم على الملونين وظائف البيض. وفي قوانين أمريكا: إذا تجمع سبعة من العبيد عد ذلك جريمة، ويجوز للأبيض إذا مر بهم أن يقبض عليهم ويجلدهم عشرين جلدة. ونص قانون آخر: إن العبيد لا نفس لهم ولا روح، وليست لهم فطانة ولا ذكاء ولا إرادة، وأن الحياة لا توجد إلا في أذرعهم فقط. والخلاصة في ذلك أن الرقيق من جهة الواجبات والخدمة والاستخدام عاقل مسئول يعاقب عند التقصير. ومن جهة الحقوق شيء لا روح له ولا كيان، بل أذرعة فقط. وهكذا لم تستفق ضمائرهم إلا في هذا القرن الأخير، وأي منصف يقارن بين هذا وبين تعاليم دين محمد الذي مضى له أكثر من ١٤ قرنا يرى أن إقحام الإسلام في هذا الموضوع أحق بالمثل السائر: " رمتني بدائها وانسلت ".

стр. 14067

المرأة: ما يقال في الرق يقال في المرأة، فليس من حق اليهودية ولا النصرانية الحديث عن المرأة، فما في دياناتهم في حق المرأة شيء نكر، فقد هضموها حقوقها واعتبروها مصدر الخطيئة في الأرض، وسلبت حقها في الملكية والمسئولية فعاشت بينهم في إهانة وإذلال واحتقار، واعتبروها مخلوقا نجسا. وما الزواج عندهم إلا صفقة مبايعة تنتقل فيه المرأة لتكون إحدى ممتلكات الزوج، حتى انعقدت بعض مجامعهم لتنظر في حقيقة المرأة وروحها هل هي من البشر أو لا؟ بل لعل الجاهلية العربية الأولى كانت أخف وطأة على المرأة من هذه النظرة

стр. 14068

اليهودية النصرانية المنسوبة إلى تعاليم السماء - معاذ الله. ومن هنا يثور عجبنا من النصارى ليسألوا عن المرأة في الإسلام وموقعها من تشريعه ومجتمعه؟ فحضارة الغرب وما فيها من بهارج وبوارق تخدع الناظرين ليس للنصرانية ولا لليهودية صنع فيها. ومع هذا فنحن - المسلمين - لا نجري خلف كل ناعق، ولسنا بالراضين على ما عليه المرأة المعاصرة. إن المرأة في ديانتنا محل التقدير والاحترام من حيث هي الأم والأخت والبنت. ونصوص الديانة عندنا صحيحة صريحة في بيان موقع المرأة وموضعها جاءت واضحة جلية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، حين كانت الجاهليات تعم الأرض شرقا وغربا على نحو مظلم، وبخاصة في بخس المرأة حقها، بل عدم الاعتراف بأي حق لها. ويتأكد هنا ما قلته في مقدمة الإجابة على هذه التساؤلات. . ما هو الأنموذج الذي نتفق عليه؟ اليهودية والنصرانية معلوم ما فيهما، وهو غير مرضي من الجميع، لأن الأسئلة المثارة ليس في الديانتين إجابة عنها. أما الحضارة المعاصرة ففيها - وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة - شر كثير غير موجود في ديننا، وما فيها من أمور مستحسنة فديننا لا يعارضها. ومن أجل مزيد من الإيضاح لنخض في ميدان التعليم. إن من أكثر ما تميزت به هذه الحضارة الاهتمام بالعلم والتعليم، والدعوة إلى ذلك، والإكثار من البرامج والوسائل مما هو معروف، ونقول وبكل صراحة: إن التعليم في ديننا محمود مطلوب، بل منه ما هو فرض عين يأثم تاركه سواء كان ذكرا أو أنثى. المرأة في التعليم كالرجل مما يحقق وظيفة كل جنس على نحو ما ذكرنا في

стр. 14069

الكلام على المساواة. ولكن من حقنا أن نتساءل: ما هي العلاقة بين التعليم والتبرج وإبداء الزينة وإظهار المفاتن، وكشف الصدور والأفخاذ؟ هل من وسائل التعليم لبس الملابس الضيقة والشفافة والقصيرة؟ ميدان آخر: أية كرامة حين توضع صور الحسناوات في الدعاية والإعلان وفي كل ميدان، ولا يروج عندهم إلا سوق الحسناء فإذا استنفدت السنون جمالها وزينتها أهملت كأي آلة انتهى مفعولها. ما نصيب قليلة الجمال في هذه الحضارة؟ وما نصيب الأم المسنة والجدة العجوز؟ ملجؤها دور الملاجئ حيث لا تزار ولا يسأل عنها، وقد يكون لها نصيب من راتب تقاعد أو تأمين اجتماعي تأكل منه حتى تموت، ولا رحم ولا صداقة ولا ولي حميم، ولكن المرأة في الإسلام إذا تقدم بها السن زاد احترامها وعظم حقها، أي أنها أدت ما عليها. وبقي الذي لها عند أبنائها وأحفادها وأهلها والمجتمع. أما حقها في المال والملك والمسئولية والثواب والعقاب الدنيوي والأخروي فيستوي فيه الرجال والنساء، وأما ما اختلف فيه الرجل والمرأة في بعض الأحكام، فأمر طبيعي متقرر فيما قلناه في الحديث عن المساواة، على أننا سوف نفصل هنا في بعض ما أثير من أسئلة في قضايا الميراث والوصايا وغيرهما.

стр. 14070

الميراث: إن نصيب الذكر في الميراث يختلف عن نصيب الأنثى، وذلك يرجع لعدة أمور: ١ - الميراث من جملة النظام العام في الإسلام، فهو خاضع لعموم المسئوليات والأحكام المناطة بالذكر والأنثى، وما اختلف فيه من أحكام فهو راجع إلى القاعدة العامة في عدم لزوم إطراد المساواة بين العاملين، لأن لهم حسب أعمالهم ومسئولياتهم، فالرجال وهم جنس واحد ليسوا بمتساوي

стр. 14071

الدخول والمرتبات لدى الجهات الحكومية أو غيرها في جميع الأنظمة، وإنما التفاوت راجع إلى طبيعة أعمالهم ومؤهلاتهم وكفاءاتهم، ولا تقوم الحياة إلا بهذا، ولا يعتبر هذا مؤثرا في أصل المساواة. ٢ - زيادة الذكر في نصيبه راجعة إلى طبيعة التكاليف المناطة به في النظام الإسلامي، فهو المسئول وحده عن تكاليف الزواج من مهر وسكن، ومن أجل مزيد إيضاح لهذا النظام لنفرض أن رجلا مات وخلف ابنا وبنتا، وكان للابن ضعف نصيب أخته ثم أخذ كل منهما نصيبه وتزوجا، فالابن مطالب بالتكاليف السابقة من المهر والسكن والنفقة مدى الحياة. أما أخته فسوف تأخذ المهر من زوجها حين زواجها وليست محتاجة إلى شيء من نصيبها لتصرفه في زواجها أو نفقة بيتها. ثم إن دية قتل الخطأ يتحمل الرجال من العصبة والأقارب مساعدة القاتل في دفعها دون النساء. ومن هذا يتضح ما على الرجال من تكاليف مالية ليست على النساء في نظام الإسلام. من أجل هذا يجب أن نعلم أن الشريعة الإسلامية تختلف عن أنظمة البشر الجائرة التي تحكم كثيرا من بقاع العالم اليوم، حيث فيها يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ سن الثامنة عشرة لتخرج باحثة عن لقمة العيش، وكثيرا ما يكون ذلك على حساب الشرف ونبيل الأخلاق. أما الفتاة في الإسلام فهي مرعية في كنف أبيها أو من يقوم مقامه شرعا حتى تتزوج. إن منهج الإسلام أحكاما وأخلاقا لا يجوز أن يكون تأمين العيش فيه على حساب العرض والشرف، فما ضياع الشرف إلا ضياع للعالم كله، ولئن وجد الشاب والشابة في نزواته وصبواته وفترة طيشه لذة عاجلة، فإن عاقبتها الدمار والتشتت الأسري وتقطيع الأرحام وانتشار الفساد في الأرض، وما نساء الشوارع وفتيات المجلات والأفلام في أوروبا وأتباع

стр. 14072

أوروبا إلا نتائج ذلك النظام الخاسر، فهن إفرازات أخطاء البيوت الخربة والمسئولية الضائعة حينما ألقاها الرجال عن كواهلهم فوقعن حيث وقعن، وتبع ذلك التنصل من مسئولية النسل والتربية الصحيحة، وأصبح الفرد ذكرا أو أنثى لنفسه لا لأمته، ولشهواته القريبة لا للهمم العليا، وبهذا يسرع الفساد إلى المجتمع ويعم الخراب الديار. ٣ - الميراث ملحوظ فيه الجانب المادي، فهو مرتب على نظام الزواج، فهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة. أي أن الزيادة في الميراث ليست تفضيلا ولكنها تعويض مادي بحت. وبالنسبة للسؤال حول حق المرأة في الزواج من غير المسلم، فهذا خاضع لعموم النظام التشريعي الإسلامي، وكما قلنا في المساواة: إن بعض الفئات من المجتمع قد تمنع من الزواج من فئات أخرى كالعسكري والدبلوماسي؛ لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، فلا غرابة في أنظمة الدنيا أن تشتمل على نوع التفرقة في الحكم والتي لا تعني الإخلال بعموم مبدأ المساواة كما هو مشروح مفصل في جوابنا عن المساواة.

стр. 14073

الطلاق: لم يعد أحد ينازع في العصر الحاضر بفاعلية الطلاق وحاجة الزوجين إليه، حينما يتعذر بينهما العيش تحت سقف واحد بعد المحاولات الجادة في الإصلاح والتوفيق. ويكفي الإسلام فخرا ومنقبة أنه شرع الطلاق وفصل أحكامه، وأعطى فرص الرجعة في طلاق ثلاث متفرقات يتخلل كل طلقة عدة معدودة بحساب مفصل في أحكام الشريعة، مما يعجز أي نظام بشري أن يأتي بمثله حكما وحكمة ونظرا في طبيعة البشر والعلاقة بين الذكر والأنثى والعيش في البيوت والروابط الاجتماعية.

стр. 14074

وكل القوانين المتمدنة المعاصرة قالت بالطلاق وأخذت به رغما عن النصرانية المحرفة التي زعمت أن الزواج عقد ربط في السماء فلا يحل إلا في السماء. إننا لا ننكر أن هناك أخطاء في التطبيق يزاولها بعض الأزواج وبخاصة في المجتمعات التي يسود فيها الجهل والأمية، ولا يجوز أن تنسحب أخطاء التطبيق على أصل النظام وقواعده وأحكامه، ألا ترى أن في دنيا الناس من يصف له الطبيب دواء بمقادير محددة ومواعيد معينة، ثم يخالف المريض التعليمات ويسيء الاستعمال، والمسئولية حينئذ تقع كاملة على المريض ما دام عاقلا راشدا. أما ما قيل في الأسئلة بإمكانية هجر الرجل لزوجته دون أن يقدم تبريرا لعمله ودون أن يعاني من أية نتائج لعمله هذا، فهذا غير صحيح وليس بموجود في الإسلام ولا في تشريعاته، وإذا رأت المرأة من زوجها نشوزا أو إعراضا، فإما أن تعالجه مباشرة مع زوجها بمصالحة أو أي طريق من طرق العلاج الذي يبقي على الحياة الزوجية ويحفظ للبيت تماسكه. وإذا لم تجد كل هذه السبل فتلجأ للقضاء، وإذا تبين للقاضي وجهة الحق مع المرأة فإنه يحكم بفسخ النكاح وافتراق الزوجين وإن لم يرض الزوج.

стр. 14075

الحضانة: ما ورد في التساؤل من أن للأب حق الوصاية أو الولاية على الأبناء دائما وإن كان الأطفال في حضانة الأم. فهذا غير سديد وليس من حكم الشريعة، وذلك لأمرين أساسيين: أولهما: ليس في القرآن الكريم ولا في سنة الرسول ﷺ نص عام ينص على تقديم أحد الأبوين دائما ولا في تخيير أحد الأبوين دائما. ثانيهما: العلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا. وقد ترتب على ذلك
следующие страницы →