الدخول والمرتبات لدى الجهات الحكومية أو غيرها في جميع الأنظمة، وإنما التفاوت راجع إلى طبيعة أعمالهم ومؤهلاتهم وكفاءاتهم، ولا تقوم الحياة إلا بهذا، ولا يعتبر هذا مؤثرا في أصل المساواة.
٢ - زيادة الذكر في نصيبه راجعة إلى طبيعة التكاليف المناطة به في النظام الإسلامي، فهو المسئول وحده عن تكاليف الزواج من مهر وسكن، ومن أجل مزيد إيضاح لهذا النظام لنفرض أن رجلا مات وخلف ابنا وبنتا، وكان للابن ضعف نصيب أخته ثم أخذ كل منهما نصيبه وتزوجا، فالابن مطالب بالتكاليف السابقة من المهر والسكن والنفقة مدى الحياة.
أما أخته فسوف تأخذ المهر من زوجها حين زواجها وليست محتاجة إلى شيء من نصيبها لتصرفه في زواجها أو نفقة بيتها.
ثم إن دية قتل الخطأ يتحمل الرجال من العصبة والأقارب مساعدة القاتل في دفعها دون النساء.
ومن هذا يتضح ما على الرجال من تكاليف مالية ليست على النساء في نظام الإسلام.
من أجل هذا يجب أن نعلم أن الشريعة الإسلامية تختلف عن أنظمة البشر الجائرة التي تحكم كثيرا من بقاع العالم اليوم، حيث فيها يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ سن الثامنة عشرة لتخرج باحثة عن لقمة العيش، وكثيرا ما يكون ذلك على حساب الشرف ونبيل الأخلاق.
أما الفتاة في الإسلام فهي مرعية في كنف أبيها أو من يقوم مقامه شرعا حتى تتزوج.
إن منهج الإسلام أحكاما وأخلاقا لا يجوز أن يكون تأمين العيش فيه على حساب العرض والشرف، فما ضياع الشرف إلا ضياع للعالم كله، ولئن وجد الشاب والشابة في نزواته وصبواته وفترة طيشه لذة عاجلة، فإن عاقبتها الدمار والتشتت الأسري وتقطيع الأرحام وانتشار الفساد في الأرض، وما نساء الشوارع وفتيات المجلات والأفلام في أوروبا وأتباع
стр. 14072
أوروبا إلا نتائج ذلك النظام الخاسر، فهن إفرازات أخطاء البيوت الخربة والمسئولية الضائعة حينما ألقاها الرجال عن كواهلهم فوقعن حيث وقعن، وتبع ذلك التنصل من مسئولية النسل والتربية الصحيحة، وأصبح الفرد ذكرا أو أنثى لنفسه لا لأمته، ولشهواته القريبة لا للهمم العليا، وبهذا يسرع الفساد إلى المجتمع ويعم الخراب الديار.
٣ - الميراث ملحوظ فيه الجانب المادي، فهو مرتب على نظام الزواج، فهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة.
أي أن الزيادة في الميراث ليست تفضيلا ولكنها تعويض مادي بحت.
وبالنسبة للسؤال حول حق المرأة في الزواج من غير المسلم، فهذا خاضع لعموم النظام التشريعي الإسلامي، وكما قلنا في المساواة: إن بعض الفئات من المجتمع قد تمنع من الزواج من فئات أخرى كالعسكري والدبلوماسي؛ لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، فلا غرابة في أنظمة الدنيا أن تشتمل على نوع التفرقة في الحكم والتي لا تعني الإخلال بعموم مبدأ المساواة كما هو مشروح مفصل في جوابنا عن المساواة.
стр. 14073
الطلاق:
لم يعد أحد ينازع في العصر الحاضر بفاعلية الطلاق وحاجة الزوجين إليه، حينما يتعذر بينهما العيش تحت سقف واحد بعد المحاولات الجادة في الإصلاح والتوفيق.
ويكفي الإسلام فخرا ومنقبة أنه شرع الطلاق وفصل أحكامه، وأعطى فرص الرجعة في طلاق ثلاث متفرقات يتخلل كل طلقة عدة معدودة بحساب مفصل في أحكام الشريعة، مما يعجز أي نظام بشري أن يأتي بمثله حكما وحكمة ونظرا في طبيعة البشر والعلاقة بين الذكر والأنثى والعيش في البيوت والروابط الاجتماعية.
стр. 14074
وكل القوانين المتمدنة المعاصرة قالت بالطلاق وأخذت به رغما عن النصرانية المحرفة التي زعمت أن الزواج عقد ربط في السماء فلا يحل إلا في السماء.
إننا لا ننكر أن هناك أخطاء في التطبيق يزاولها بعض الأزواج وبخاصة في المجتمعات التي يسود فيها الجهل والأمية، ولا يجوز أن تنسحب أخطاء التطبيق على أصل النظام وقواعده وأحكامه، ألا ترى أن في دنيا الناس من يصف له الطبيب دواء بمقادير محددة ومواعيد معينة، ثم يخالف المريض التعليمات ويسيء الاستعمال، والمسئولية حينئذ تقع كاملة على المريض ما دام عاقلا راشدا.
أما ما قيل في الأسئلة بإمكانية هجر الرجل لزوجته دون أن يقدم تبريرا لعمله ودون أن يعاني من أية نتائج لعمله هذا، فهذا غير صحيح وليس بموجود في الإسلام ولا في تشريعاته، وإذا رأت المرأة من زوجها نشوزا أو إعراضا، فإما أن تعالجه مباشرة مع زوجها بمصالحة أو أي طريق من طرق العلاج الذي يبقي على الحياة الزوجية ويحفظ للبيت تماسكه. وإذا لم تجد كل هذه السبل فتلجأ للقضاء، وإذا تبين للقاضي وجهة الحق مع المرأة فإنه يحكم بفسخ النكاح وافتراق الزوجين وإن لم يرض الزوج.
стр. 14075
الحضانة:
ما ورد في التساؤل من أن للأب حق الوصاية أو الولاية على الأبناء دائما وإن كان الأطفال في حضانة الأم. فهذا غير سديد وليس من حكم الشريعة، وذلك لأمرين أساسيين:
أولهما:
ليس في القرآن الكريم ولا في سنة الرسول ﷺ نص عام ينص على تقديم أحد الأبوين دائما ولا في تخيير أحد الأبوين دائما.
ثانيهما:
العلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا. وقد ترتب على ذلك
стр. 14076
خلاف في المدارس الفقهية مبني على النظر في مصلحة الطفل، وعلى صلاحية الأبوين للحضانة والوصاية وقدرتهما على القيام بهذه المسئولية.
وهم متفقون على أنه لو كان أحدهما غير صالح لذلك فلا يجوز أن يتولى الحضانة أو الوصاية.
стр. 14077
تعدد الزوجات:
جاء في التساؤلات أن من مظاهر تفوق جنس على آخر قبول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج، وإيضاح الموقف من وجهين:
أولهما:
إن اختلاف الجنس من كل شيء إلى ذكر وأنثى ترتب عليه اختلاف في الطبائع والقدرات. وهذا الاختلاف الذي لا ينكر لا يجوز أن يكون دليلا على تفوق جنس على آخر، كما قررناه في الكلام على المساواة.
ثانيهما:
جاءت الشريعة الإسلامية بإباحة تعدد الزوجات، لأنه منسجم مع مجموعة تعاليمها وهو منسجم كذلك مع الطبيعة البشرية في كل من الذكر والأنثى.
أما أنه منسجم مع عموم تعاليم الشريعة، فلأنها حرمت الزنا وشددت في تحريمه ثم فتحت بابا مشروعا من وجه آخر ألا وهو النكاح. وأباحت التعدد فيه، ولا شك أن المنع من تعدد الزوجات يدفع إلى الزنا؛ لأن عدد النساء يفوق عدد الرجال ويزداد الفرق كلما نشبت الحروب. وفي وقتنا الحاضر تنوعت الأسلحة بحيث تقضي على المتحاربين بالعشرات، بل المئات في هجمة واحدة أو طلقة مدفعية واحدة، بل ينال ذلك حتى غير المتحاربين، فقصر الزواج على امرأة واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وحرمان المرأة من الزواج، وبقاؤها عانسا ينتج عنه سلبيات كبيرة من الضيق النفسي وبيع الأعراض وانتشار السفاح وضياع النسل.
стр. 14078
ومن جهة أخرى، فإن الرجل والمرأة مختلفان من حيث استعدادهما في المعاشرة. فالمرأة غير مستعدة كل وقت للمعاشرة. ففي الدورة الشهرية مانع قد يصل إلى عشرة أيام أو أسبوعين كل شهر، وفي النفاس مانع هو في الغالب أربعون يوما. والمعاشرة في هاتين الفترتين محظورة شرعا، وفي حال الحمل يضعف استعداد المرأة لذلك. أما الرجل فاستعداده واحد طوال الشهر والعام، فإذا منع الرجل من الزيادة على الواحدة كان في ذلك حمل على الزنا في أحوال كثيرة.
ومما سبق يكون التشريع قد قدر قوة الغرائز حق قدرها حسب الظروف من نقص الرجال وزيادة عدد النساء والأحوال التي تعترض المرأة فتقلل من استعدادها واستجابتها.
ومقصد آخر من مقاصد الزواج وهو حفظ النوع الإنساني واستمرار التناسل البشري وتكوين الأسرة المستقرة، فإذا تزوج امرأة عقيما ولم يبح له أن يتزوج غيرها فقد تعطلت الوظيفة عن أداء غرضها وتعطل الغرض من الزواج. وإذا كان ذلك كذلك فإن بقاءها معه والإذن له بالزواج من أخرى خير من طلاقها ليتزوج أخرى ابتغاء الولد.
ثم إن قدرة الرجل على الإنجاب أوسع بكثير من قدرة المرأة، فالرجل يستطيع الإنجاب إلى ما بعد الستين من العمر. أما المرأة فيقف الإنجاب عندها في حدود الخمسين سنة، فلو حرم على الرجل الزيادة على الواحدة لتعطلت وظيفة النسل أكثر من نصف العمر.
هذه هي النظرة في إباحة الشريعة للتعدد جاءت لدفع ضرر ورفع حرج ولتحقيق المساواة بين النساء ورفع مستوى الأخلاق.
ونحن أهل الشريعة نعلم أن القوانين الوضعية لم تعترف بهذا، بل إنها جعلته محل تندر واستهجان ومجال طعن على الإسلام.
стр. 14079
ولكننا بدأنا نلمس ظهور بعض القبول في نفوس مفكريهم ودعاة الإصلاح منهم، وبخاصة مع انتشار الحروب المدمرة وترمل الأعداد الكبيرة من النساء وزيادة أعداد النساء على الرجال. ويكفي برهانا لنا وردا عليهم انتشار الخليلات فيما بينهم إذ يكون للرجل عدد من الخليلات يشاركن زوجته رجولته وعطفه وماله، بل قد يكون لإحداهن في هذا كله أكثر من نصيب الزوجة.
يضم إلى ذلك شيوع الزنا وما ترتب عليه من أمراض وكثرة أبناء السفاح وقتل الأجنة في بطون الأمهات.
بل لقد بنوا علاقاتهم الجنسية على فوضى رهيبة، فأولاد الزنا ولقطاء الفواحش تتفاحش نسبتهم حتى قاربوا في بعض أقطارهم نسبة الأولاد الشرعيين.
وحينما يرفعون عقيرتهم في النيل من تشريع التعدد، فإن تنقل الرجل عندهم بين لفيف من النساء أمر مفهوم مقبول في أمزجتهم الفاسدة، وقد ذكرت امرأة كيندي - رئيس أمريكا السابق- أنه كان لزوجها بين ٢٠٠ إلى ٣٠٠ صديقة.
وطبقة الصعاليك عندهم يستطيعون السطو على المئات من النساء فما بالك بمن فوقهم.
والرجل عندهم يدور بين جيش من العشيقات دون حرج، فإذا دار بين بضع زوجات داخل سياج من الأخلاق المحكمة والعيشة الكريمة وضع في قفص الاتهام بل الإجرام.
إن جورج كلمنصوا، نمر السياسة في فرنسا في وقته ١٨٤١ - ١٩٢٩م وأحد رجالات أوروبا المعدودين له عندهم في السياسة قدم راسخة وتغلب على خصوم كثيرين حظي بهذه المنزلة الدولية عندهم مع استفاضة خبثه وشهرته في نسبة الخنا إليه، وكل ذلك لم يخدش شيئا من عظمته عندهم.
стр. 14080
لقد كانت له ثمانمائة عشيقة وكان له أربعون ابنا غير شرعي. ويقال: إنه عندما علم أن زوجته الأمريكية خانته نهض عند منتصف الليل ورماها في الشارع تهيم على وجهها في الليل البهيم.
وتعجبوا لماذا حرم هذا الرجل على غيره ما استباحه لنفسه؟
ويقول بعض المعلقين على هذه القصة: كلمنصوا - مثل كل الذئاب البشرية- من أكثر الناس احتقارا للمرأة، ولم يقل أحد في المرأة أسوأ ولا أبشع مما قاله هو سواء على فراش اللهو أو على فراش المرض (١).
بقي أن نشير في خاتمة هذا الحديث إلى أن الشريعة حين أباحت التعدد اشترطت فيه وجوب العدل بين الزوجات في السكن والنفقة وكل مظاهر العلاقات وإذا لم يقم بالعدل أو خشي الظلم، فإنه لا يجوز له أن يقدم على الزواج من أخرى.
كما أنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأكثر من أربع وهذا تحديد ظاهر لفوضى التعدد التي كانت سائدة في عصور الجاهلية. وأخيرا "فإن التعدد لمن استطاع العدل بين الزوجات جائز مشروع وليس بواجب متحتم".
стр. 14081
تطبيق الشريعة:
النظر في تطبيق الشريعة بالنسبة لغير المسلمين في بلاد الإسلام منظور إليه من شقين:
الأول: فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وأحوال الأسرة، فلكل ملة ما يعتقدون، وتاريخ الإسلام الطويل عاش فيه اليهود والنصارى وغيرهم، ولم يكن ثمة مشكلة قطعا. لا في حال ضعف الدولة الإسلامية ولا في قوتها وكل الشعوب استقبلت المسلمين الفاتحين خير استقبال بدليل أنه عند ضعف الدولة لم يخرج أحد منهم عن إسلامه، بل لا زال إلى يومنا هذا مستمسكا به مدافعا عنه غيورا عليه بما في ذلك الهندي والتركي والمغربي والعربي وسائر الأجناس.
стр. 14082
بخلاف مواقفهم من الاستعمار الأوروبي، فكان الصراع على أشده منذ دخوله إلى خروجه ويسمى التخلص منه حرية واستقلالا، ولم يكن ذلك يوما ما من الشعوب الإسلامية نحو الإسلام.
الثاني: فيما عدا الأحوال الشخصية، فالنظرة المنصفة تقتضي أن ينظر إلى بقية الأحكام كسائر الأحكام في القوانين الأخرى من المعاملات والجنايات، وهل القانون بجميع مواده إلا منع وإباحة ويدلك على التجني الظاهر أن واضع الأسئلة وصف تطبيق الشريعة بأنه دكتاتوري.
بينما كل القوانين حينما تطبق يجب أن تطبق بقوة وهو ما يسمى في مصطلحهم "باحترام القانون" فحين تحزم الدولة أو الحكومة بتطبيق النظام هل يكون هذا دكتاتورية.
وإنني أتساءل عن تطبيق الشريعة في مصر أو السودان مثلا، ومن جملة الشعبين نصارى وحينما تكون لهم أحكامهم الشخصية وشئونهم الأسرية بمقتضى ديانتهم كما أن للمسلمين أحكامهم الأسرية ماذا يريد النصارى في البلدين من قانون بعد ذلك- أي فيما عدا الأحوال الشخصية- هل يريدون قانونا فرنسيا أو ألمانيا أو إيطاليا أو إنجليزيا.
النظرة المنصفة والنظرة الوطنية المعقولة البعيدة عن التحيز أن يميلوا إلى ما هو وطني مصري أو سوداني إن كانوا وطنيين. فما الداعي لأن يفضل نصراني مصري القانون الفرنسي أو النصراني السوداني القانون الإنجليزي. ففيما عدا الأحوال الشخصية وأمور العبادات، فإن أحكام الأنظمة والقانون في مدنيها وتجاريها وعقوباتها تختلف من قانون إلى قانون وقد تتفق في بعض المواد والأحكام. ولعلك تدرك بهذا مدى التحيز والعنصرية ضد الشريعة الإسلامية والانحياز لحضارة الرجل الأبيض.
إن اختلاف قوانين الدول فيما بينها أمر معروف مألوف، ولكن الإلحاح بالمطالبة بإبعاد الشريعة عن الحكم لا يخلو من أحد سببين:
стр. 14083
إما لأنها تعطي أتباعها الاستقلالية التامة والحرية المنشودة مع ما فيها من كمال وشمول وصلاح ومصلحة.
وإما أنه تسلط محض يراد به الإثارة والبلبلة في المنطقة حتى لا تستقر ويسهل الاصطياد في الأجواء المتعكرة المضطربة.
وأي دكتاتورية في تطبيق الشريعة والكل يعلم من القاصي والداني أنه ما جرى استفتاء في تطبيق الشريعة إلا وكانت الأغلبية تنادي به، ولكن الرجل الأبيض وحده لا يريد ذلك بدعوى حفظ حقوق الأقلية. ويتساءل المتسائل. . أين حقوق الأكثرية في كثير من الدول الأفريقية التي يحكمها أقلية نصرانية متمكنة مسيطرة مدعومة من القوى الخارجية.
стр. 14084
الحدود والعقوبات الجسدية:
إن الحدود والعقوبات الجسدية ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة. كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين. ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن مثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم.
وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك. ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله: شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك. على سبيل المثال في هذه العقوبات المذكورة من القطع والرجم لن تجد في تاريخ الإسلام الطويل تنفيذا لها إلا بعدد لا يجاوز أصابع اليد الواحدة ليس لأنها غير عملية، وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها حيث تدرأ الحدود بالشبهات.
وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه.
إن الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة
стр. 14085
وتقنيات متقدمة ووسائل دقيقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال الجريمة بحوثا ودراسات وطرقا في الملاحقات وتتبع المجرمين، إضافة إلى التوعية الإعلامية الواسعة للجمهور والاستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات. وعلى الرغم من كل ذلك فإن الجريمة تستفحل ويزداد المجرمون عتوا وطغيانا هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تركيزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيب الأشرار وقد أرادوا أن يجعلوا من السجون أماكن تهذيب وعنابر إصلاح واعتبروا المجرمين مرضى أحق بالعلاج منهم بالعقاب وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعي، وهذا حق لا ينكر، ولكن الأمر ليس مقصورا على هذا الجانب وحده ذلك أن العضو المريض قد تكون المصلحة في بتره حتى لا يسري مرضه إلى الجسم كله وهذا أمر مقرر عقلا وواقعا، والفساد الاجتماعي ما هو إلا من مجموع فساد الأفراد.
أما السجون فقد غلظت فيها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم. ومن اليسير أن يتعاون اللصوص والقتلة في رسم الخطط ويجعلوا من السجن مساحات ممهدة للتدارس وتقاسم المهمات يشاركهم في ذلك إخوان لهم في الغي خارج القضبان.
وأنت ملاحظ مدرك أن فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات اللينة قد مضى عليها أكثر من نصف قرن، ومع هذا فالإجرام في تزايد مطرد فما كان هذا الهدف إلا وهما وسرابا.
إن المجتمع الإنساني المعاصر بما فيه من العالم المتحضر قد بلغ ذروة من الاستهتار والاستباحة والاسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريعات الوضعية ضعيفة هزيلة بجانب سوء صنائع هؤلاء العتاة المجرمين. أي رحمة أو تهذيب يستحقها هؤلاء القتلة والسفاكون، وهل كان هؤلاء رحماء بضحاياهم الأبرياء؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله، بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يشكلون العصابات
стр. 14086
التي تفوق أحيانا في إمكاناتها ووسائلها وتجهيزاتها الدول والحكومات، ولا أدري أي عقاب سوف ينزله هؤلاء الرحماء بتجار المخدرات الذين لا نزال نسمع ازدياد أخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهرين غير متسترين، بل صاروا يفاوضون الحكومات والجهات المختصة علنا؟
وبناء على ما سبق، فإن العلم والثقافة والحضارة في صورتها الراهنة عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسان الذي يعيش حياة الخوف والإرهاب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارع. ومجرم اليوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة، ويتطور مع تطور أنظمة الشرطة وتجدد أساليب الملاحقة والمتابعة ويخطط كما يخطط رجال الأمن، والكل في صراع لا يفصله إلا العقاب الزاجر العادل أفلا يفقهون. وأخيرا فإن هناك عقوبات جسدية تطبقها بعض القوانين المعاصرة وأبرزها عقوبة الإعدام، بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين، ثم عادوا إليها، وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطعة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١)
стр. 14087
الجهاد في سبيل الله:
الكلام في الجهاد سوف يتضمن حديثا عن القوة وضرورتها للفرد والمجتمع والأمة، ويتضمن كذلك بيان طبيعة الإسلام وافتراقه عن الديانات الأخرى ومفهوم الأمة الإسلامية واختلافها عن مفهوم الأمة السائد لدى كتاب الاجتماع ودارسي التاريخ، ثم التنبيه كذلك على مغزى الجهاد في الإسلام واختلافه عن مفهوم كلمة الحرب أو القتال المجرد وسر اقتران لفظة "الجهاد" بلفظة أخرى تحدد مفهوما وهي "في سبيل الله ".
القوة:
القوة شيء محمود وأمر مطلوب وهي صفة تتعلق بها النفس البشرية وتحبها. والإنسان حينما يأخذ أموره بحزم وينجز أعماله ويدير شئونه بقوة، فإنه منجز
стр. 14088
ما يريد سواء في ذلك القوة الفكرية أو القوة العلمية أو القوة المادية. فالبدن القوي والرأي القوي والشخصية القوية كلها صفات مستحبة. ومعلوم أن وجه الاستحباب والاستحسان إذا كان في طرق الخير ووجوه المنفعة للنفس والناس أجمعين.
والدولة القوية تحفظ مهابتها ما دامت هذه الصفة ملازمة لها.
وهذه سنة إلهية من السنن التي تبنى عليها الحياة فلا خير في حق لا نفاذ له ولا يقوم حق ما لم تسانده قوة تحفظه وتحيط به.
وما فتئت أمم الدنيا ودولها تعد لنفسها القوة بمختلف الأساليب والأنواع حسب ظروف الزمان والمكان وعصرنا الحاضر تفتقت أذهان أبنائه عن أنواع من القوى وأساليب من الاستعداد فاقت كل تصور هذه مقدمة في القوة وأهميتها.
ومقدمة أخرى تتعلق بطبيعة الإسلام وأهله. أما الإسلام فيخطئ غير المسلمين ومنهم النصارى والغربيون من بعدهم حين يظنون أن الإسلام ملة مقصورة على مجموعة من العقائد الغيبية والشعائر التعبدية، مما يجعل الإسلام في مفهومهم لا يعدو أن يكون مسألة شخصية يختار الإنسان لنفسه ما شاء من عقيدة وديانة يعبد ربه بأي طريق رضيها لنفسه لا يعدو الأمر عندهم غير ذلك، ولكن الإسلام في معناه ومرماه غير ذلك، فهو اعتقاد صحيح في القلب إيمان بالله الواحد لا يستحق العبادة سواه موصوف بصفات الكمال منزه عن كل عيب ونقص وهو إلى جانب ذلك شريعة حاكمة شاملة لكل ما يحتاجه البشر في نفسه ومجتمعه في سلمه وحربه، في تعامله مع أهله والقريب والبعيد والعدو والصديق، في شرائع وأحكام وآداب تشمل النظم السياسية والاجتماعية والخلقية والاقتصادية وسائر شئون الدنيا.
وأما أهل الإسلام فليسوا أمة على المعنى المصطلح عندهم والذي يعني طائفة من الناس توافقت فيما بينها وتألفت في خصائص معينة، ولكن أمة الإسلام تضم كل من اعتنق الدين من أي جنس أو لون أو قطر في الشرق وفي الغرب.
стр. 14089
حقيقة الجهاد:
انطلاقا من هذا الإيضاح لمفهوم النحلة والأمة. يتبين أن الإسلام ليس بتلك النحلة الضيقة وأهل الإسلام ليسوا بتلك الأمة المنحصرة في نفسها، وبناء عليه، فإن الجهاد مشروع لنشر الحق وليدخل الناس في الإسلام كافة.
وفي هذا الصدد يحسن التنبيه إلى أن المصطلح الإسلامي هو " الجهاد" وليس الحرب أو القتال.
فلفظ الحرب غالبا ما يراد بها القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الرجال والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية وأهداف مادية، والقتال المشروع في الإسلام ليس من هذا القبيل وليس لهذه الأغراض ولا لتلك الأهداف.
الإسلام لا ينظر إلى مصلحة أمة دون أمة ولا يقصد إلى النهوض بشعب دون شعب ولا يهمه في قليل ولا كثير أن يتملك أرضا ويستولي عليها هذا القائد أو ذاك، ولكن المقصود هو سعادة البشر وفلاحهم، فكل توجه غير هذا وكل أهداف سوى هذا فلا اعتبار له في الإسلام، بل لا بد من مقاومتها حتى يكون الدين كله لله والأرض كلها لله ويرثها الصالحون من عباد الله. والجهاد الإسلامي يتوجه من أجل ذلك كله لا لتستبد أمة بالخيرات أو ينفرد شعب بالثروات، بل ليتمتع الجنس البشري كله بأجمعه بالسعادة البشرية تحت راية الإسلام.
ومن هنا فتستخدم القوى والوسائل لتحقيق ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ثم الجهاد بمعناه العميق.
بعد هذا الإيضاح لمعنى الجهاد وسر اختيار هذه الكلمة على غيرها من مرادفاتها والتي تعني بذل الجهد والطاقة لا بد من التنبيه إلى كلمة لصيقة بها في المصطلح الإسلامي ألا وهي عبارة "في سبيل الله ".
стр. 14090
إنها تحدد بجلاء المقصود من هذه القوة الإسلامية أنه شرط لا ينفك عنه أبدا، بل لو انفك عنه لبطل المصطلح ولفسد الأمر واضمحل الهدف، إن معنى "في سبيل الله " أن كل عمل يقوم به المسلم يقصد به وجه الله، ثم المصالح العامة وسعادة الأمة فهو في سبيل الله، فإنفاق المال في وجوه الخير والبر إذا قصد به المنفق منافع دنيوية أو ثناء الناس فهو ليس في سبيل الله حتى ولو دفعه إلى مسكين أو معوز. إن كلمة "في سبيل الله" مصطلح يطلق على الأعمال التي تؤدى خالصة لوجه الله من غير أن يشوبها شيء من شوائب الأهواء والشهوات. والجهاد ما قيد بهذا القيد إلا للدلالة على هذا المعنى.
فالجهاد الإسلامي الحق لا بد أن يكون مجردا من كل غرض مبرءا من كل هوى أو نزعات شخصية لا يقصد إلا تأسيس نظام عادل يقوم عليه الناس بالقسط، ينشر الحق وينصر العدل. وفي النص القرآني: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (١)
وفي النص النبوي: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (٢)» البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد.
والقرآن والسنة مملوآن ببيان هذا المعنى وتأكيده وضرورة التزامه.
стр. 14091
أمم الأرض والقوة:
إذا كان هذا هو مفهوم الإسلام وأمة الإسلام ومفهوم الجهاد في سبيل الله. وكانت القوة أمرا لازما للأمة والأفراد لتستقيم الحياة بمادياتها ومعنوياتها، فلا غرو أن تكون الأمم والشعوب على طول التاريخ تحب القوة وتستعد بها لتحفظ مكانتها وتعيش حياتها كريمة مصانة.
وأحب أن أنبه في خاتمة المطاف إلى تلك القوى الشريرة التي صحبت الاستعمار في كل تاريخه، تلك القوى والحروب التي أثارها المستعمرون على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها وجاسوا خلال الديار يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأراض لاستعمارهم ليستبدوا بمنابع الثروات ويفتشوا عن
стр. 14092
المناجم والمعادن وما تغله أرض الله الواسعة من حاصلات: غذاء لبطونهم ومددا لمصانعهم ومعاملهم دون أصحابها الأصليين، يبحثون عن ذلك وقلوبهم ملأى بالجشع ونفوسهم مفتوحة بالشره تتقدمهم دبابات مجنزرة وفوق رءوسهم طائرات في جو السماء محلقة بآلات مؤلفة من العساكر المدربة يقطعون على البلاد سبل رزقها وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة. لم تكن حروبهم في سبيل الله، ولكنها في سبيل الشهوات الذاتية والأهواء الأنانية حملات وغارات على شعوب وادعة آمنة لم يكن ذنبها إلا أن الله قد أنعم عليهم بمعادن الأرض وكنوزها، معادن في الباطن وخصبا في الظاهر أو أن تكون سوقا لبضائعهم ومتنزها لبني جلدتهم الذين لفظتهم أرضهم. والأدهى والأمر أنهم قد يغيرون على بلاد آمنة لمجرد أنها تقع في طريق بلاد قد استولوا عليها من قبل.
ولكن أظهروا في هذه الأيام تحضرا واستمساكا بالقوانين الدولية والمواثيق، فإنهم ما اطمئنوا إلى ذلك إلا بعد ما ثبتوا أقدامهم ورتبوا أنفسهم ولو اختل شيء من ذلك لما حفظوا عهدا ولما التزموا بقانون وإن لهم من البراعة في تفسير القوانين والتواءات العبارات ما يجعل لهم ألف مخرج وألف معبر ناهيك بما أعدوا به أنفسهم من فنون الأسلحة الفتاكة مما لا يخطر على بال الشيطان الرجيم من متفجرات نووية وهيدروجينية وجرثومية وكيميائية. ومع هذا تجد من يثير قضية الجهاد الإسلامي مصحوبة بتلفيق من صور شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء وما ألقى القنبلة الذرية في هيروشيما إلا أكبر دوله متقدمة. فيا ليت أنهم قالوا كلمة صادقة لوجه الله وفي سبيل الله.
والله ولي التوفيق وهو يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
стр. 14093
أهم المصادر
١ - سيرة ابن هشام.
٢ - مجموع فتاوى ابن تيمية.
٣ - تاريخ ابن كثير "البداية والنهاية".
٤ - حقوق الإنسان لمحمد الغزالي.
٥ - حقوق الإنسان وحرياته الأساسية د. عبد الوهاب عبد العزيز الشيشاني.
٦ - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام- محمد الطاهر بن عاشور.
٧ - هذا ديننا- محمد الغزالي.
٨ - التشريع الجنائي- عبد القادر عودة.
٩ - الجهاد في سبيل الله- أبو الأعلى المودودي.
١٥ - القرآن الكريم معجزة ومنهج- محمد متولي الشعراوي.
١١ - هذه مشكلاتهم- محمد سعيد رمضان البوطي.
١٢ - الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد- خالد محمد علي الحاج.
стр. 14094
أسئلة حول الحريات:
كيف يمكن التوفيق بين حرية التفكير والاعتقاد التي منحها الله للإنسان وبين منعه (مع استخدام العقوبة القصوى وهي القتل) من تغيير دينه وإن كان هذا التغيير قد نجم عن قرار شخصي نابع عن تفكير عميق ولأسباب جدية؟
المسلمون يعتبرون من الطبيعي جدا أن يعترف النصارى بحق إخوتهم في العقيدة في اعتناق الإسلام. . ألا يمكن للمسلمين الراغبين في دخول النصرانية من التمتع بالحق نفسه، إقرارا للحرية التي منحها الله للإنسان؟
هل الإسلام على استعداد- في البلاد الإسلامية- لمنح المسيحيين تلك الحريات التي يتمتع بها المسلمون في البلاد المسيحية، بما في ذلك دخول المساجد
стр. 14095
والتعبير الحر عن دينهم ودعوة الجماهير لاعتناق العقيدة المسيحية؟
كيف يكون منطقيا التأكيد بأن الله قد منح الحرية بالتساوي للرجل والمرأة، ثم تمنع المرأة المسلمة من اختيار الرجل الذي ترغب في الزواج منه، إن لم يكن مسلما؟
كيف يمكننا تفسير العقوبات الجسدية كقطع يد السارق أو الجلد أو الرجم، وهي المبينة في بعض الآيات القرآنية؟
أسئلة حول المساواة:
ما معنى الدفاع عن تفوق الإنسان الحر على العبد، دون إدانة للعبودية أو القضاء عليها؟
لماذا يقال: إن الله قد خلق البشر سواسية في الحقوق والواجبات، بينما تقبل عدم المساواة لأسباب دينية؟ كما يعلن عن تفوق المسلم على غير المسلم وإن كان الأخير من (أهل الكتاب) أو من أتباع الديانات الأخرى أو من غير المؤمنين؟
ونجد هذه اللا مساواة في الميادين الحقوقية والاجتماعية، اعتمادا على العقائد الدينية، ونحن بدورنا نتساءل، هل يتعارض التعايش- بالحقوق نفسها- بين المسلمين والنصارى واليهود وبقية الناس، مؤمنين أم غير مؤمنين، مع العقيدة الإسلامية، وبخاصة بالنسبة لقضية تطبيق الشريعة دون تمييز على المسلمين وغير المسلمين؟
ولماذا يقبل تفوق جنس على آخر؟ وهو أمر نراه من خلال النقاط التالية:
أ- قبول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج.
٢ - إمكانية هجر الرجل لزوجته دون أن يقدم تبريرا لعمله ودون أن يعاني من أية نتائج لعمله هذا، بينما لا تستطيع المرأة سوى الحصول وبصعوبة على الطلاق وعن الطريق القانوني فقط.
стр. 14096
٣ - للأب حق الوصاية أو الولاية على الأبناء دائما وإن كان الأطفال في حضانة الأم.
٤ - بالنسبة للمواريث نجد أن نصيب المرأة، وفي أغلب الأحيان، هو أقل من نصف حصة الرجل.
وأخيرا، أين نجد الترابط المنطقي لله والذي خلق البشر وأحبهم جميعا، بينما نجد -كما في النصوص القرآنية- يحث على قتال الكفار؟
وفي الدولة الإسلامية التي تطبق فيها الشريعة. . هل التعددية (في كافة صورها الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعائلية)، هل ستعتبر هذه التعددية رحمة إلهية تضمن الحرية والمساواة، أم أنه ستفرض الشريعة على الجميع بشكل ديكتاتوري، كما نراها حاليا في كثير من الدول الإسلامية؟
стр. 14097
المخدرات والعقاقير النفسية
أضرارها وسلبياتها السيئة على الفرد والمجتمع
وطرق مكافحتها والوقاية منها
إعداد الدكتور: صالح بن غانم السدلان.
الحمد لله الذي أحل لعباده الطيبات وحرم عليهم الخبائث وشرع لهم من الدين ما يقيهم كل ما يلحق الضرر بنفوسهم وعقولهم ومجتمعاتهم ويحميهم من الشقوة والضياع في الدنيا والحسرة والندم في الآخرة، وفتح باب التوبة لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم ليستعيدوا سكينة النفس ويستأنفوا استقامة السلوك. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على الخلق أجمعين وسلم تسليما كثيرا. . أما بعد:
فإن المخدرات وسائر المسكرات من أكبر الجرائم المؤدية بحد ذاتها إلى جرائم خطيرة، فهي أم الخبائث، ومورثة المفاسد، وما وجدت في مجتمع وانتشرت بين أفراده إلا رمتهم في جحيم الشهوات العارمة ومضمار اللذات الهمجية التي سرعان ما تضمحل لتعقبها الأوبئة السارية، والأمراض المعدية إضافة إلى فساد الأخلاق وانتشار الفوضى وكثرة الجرائم المتعددة.
стр. 14098
ولا ريب أن ظاهرة الإدمان على المخدرات جائحة تعم العالم بأسره، فلم تعد قاصرة على بلد دون بلد، أو قطر دون قطر، بل عمت بها البلوى وأخذ كل بلد وكل قطر نصيبه من هذا الداء الوبيل! وأصبحت المجتمعات المعاصرة تعاني ما تعاني من هذه الظاهرة التي باتت تزعزع أمن الدول وتعرض سلامة أبنائها للخطر، بل وأصبحت سببا مباشرا في انتشار أنواع كثيرة من الجرائم.
حقا إنها آفة هذا العصر ومشكلة المشاكل في هذا القرن وإن رياحها العاتية لتعصف بالعقول والنفوس والمجتمعات باذرة الخراب وزارعة المرض وحاصدة الأرواح.
حقا إنها لغم يهدد الحضارة بالتفجير والقيم بالزوال والأخلاق بالفوضى والفساد. إنها الموت والفناء معبأ في أقراص وحقن والسم متنكرا في ألف شكل وشكل، أما الضحايا فهم من جميع الأجناس والأعمار والأديان.
لذلك فقد نالت هذه الظاهرة - وما زالت - تنال اهتمام وعناية كافة الدول والهيئات الدولية وتشغل مكافحتها أذهان المصلحين في العالم للوقاية منها ودرء شرورها وأخطارها عن المجتمعات! وعقد لهذا الغرض الكثير من المؤتمرات والاجتماعات وأبرم لأجله الكثير من الاتفاقيات وكلها تؤكد عزم البشرية على محاربة ومقاومة هذه الآفة المستشرية في جسم الكثير من أبنائها.
نعم إن مقاومة هذا الخطر المحدق مسئولية تضامنية لا تهم فردا دون فرد أو تعني دولة دون أخرى، بل لا بد من تضافر كل الجهود وحشد كل الطاقات كل في موقعه وحسب إمكاناته وقدراته.
وإسهاما منا في هذا الواجب العظيم الذي يمليه علينا ديننا وأمانتنا وتأدية لواجب النصح لإخواننا المسلمين، أرى أن ألقي الضوء على هذه الظاهرة الخطيرة وسلبياتها المدمرة للفرد، بل وللأسرة والمجتمع أجمع، وذلك من جميع النواحي حتى نكون على بينة من أمرها فالذكرى تنفع المؤمنين، والعاقل من اتعظ بغيره، والشقي من أتبع نفسه هواها وكانت العظة فيه لغير.
стр. 14099
أولا: تعريف المخدرات:
في مقدمة الكلام عن المخدرات يجدر بنا أولا أن نعرف بها حتى نتصورها تصورا صحيحا، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره:
(أ) التعريف اللغوي:
المخدرات من العقاقير جمع عقار، والتعريف العلمي الأساسي للعقار أنه: مادة تؤثر بحكم طبيعتها الكيميائية في جسم الكائن الحي أو وظيفته (١). ولفظة المخدرات تحتاج إلى إيضاح مفاهيمها من الناحية اللغوية.
مادة هذه الكلمة في اللغة العربية: نزل على السترة والظلمة والفتور. فالخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، ثم صار كل ما واراك من بيت ونحوه خدرا. والخدر: الكسل والفتور. والخادر: الفاتر الكسلان، وخدر: خدرا: من باب فرح: عراه فتور واسترخاء، وخدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة ومنه خدر جسمه وخدرت يداه أو رجله. والمخدر: مادة تسبب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة كالحشيش والأفيون والجمع مخدرات (٢).
وفي ضوء هذا المعنى اللغوي يتبين لنا أن لفظ: الخدر الذي هو الضعف والفتور يصيب البدن والأعضاء كما يصيب الشارب قبل السكر. هذا اللفظ هو أصل اشتقاق المخدرات، وبناء على هذا فالمخدر: هو ما يترتب على تناوله كسل وفتور وضعف واسترخاء في الأعضاء وفيه معنى الستر والتغطية (٣). والمخدرات في الاصطلاح اللغوي: مواد نباتية أو كيماوية لها تأثيرها العقلي والبدني على من يتعاطاها فتصيب جسمه بالفتور والخمول ويشل نشاطه
стр. 14100
وتغطي عقله كما يغطيه المسكر وإن كانت لا تحدث الشدة المطربة التي هي من خصائص المسكر المائع (١).
(ب) وفي الاصطلاح الطبي:
المخدر: كل مادة خام أو مستحضر تحتوي على عناصر مسكنة أو منبهة من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبية المخصصة لها وبقدر الحاجة إليها دون مشورة طبية أن تؤدي إلى حالة من التعود والإدمان عليها مما يضر بالفرد والمجتمع (٢).
وتعرف المخدرات علميا بأنها: مادة كيميائية تسبب النعاس أو النوم، وغياب الوعي المصحوب بتسكين الألم، وكلمة مخدر ترجمة لكلمة ناركوتك Narcotic والمشتقة من اللاتينية ناركوزيس Narkosis التي تعني يخدر أو يجعل مخدرا.
وتعرف المخدرات قانونيا بأنها: [مجموعة من المواد تسبب الإدمان وتسمم الجهاز العصبي ويحظر تداولها أو زراعتها أو تصنيعها إلا لأغراض يحددها القانون، ولا تستعمل إلا بواسطة من يرخص له بذلك، (٣).
وإضافة إلى ما أوضحناه من تعاريف ومفاهيم "المخدرات " نشير إلى أن الاتفاقيات الدولية لم تحدد تعريفا واضحا للمخدرات وذلك لصعوبة التعريف الجامع المانع لها، والسبب في ذلك أن أغلب المخدرات مثل الأفيون ومشتقاته والكوكاكئيين والمواد المؤثرة على الحالة النفسية إذا أسيء استخدامها تؤدي إلى حالة من الاعتماد الجسمي عليها والنفسي أيضا [الإدمان] ولا بد من البرء من الإدمان على المخدرات من علاج نفسي وعلاج جسمي، ولكن في بعض المخدرات مثل "الحشيش " يؤدي إلى حالة من التعود أو الإغماء النفسي. ومن ثم لا يحتاج البرء منها سوى إرادة قوية وعلاج نفسي، لذلك لم تحدد الاتفاقيات
стр. 14101
الدولية تعريفا واضحا للمخدرات واكتفت بحصر المواد المخدرة متدرجة حسب درجة خطورتها في جداول أربعة ملحقة بكل اتفاقية: الأخطر في الجدول الأول ثم الأقل خطورة في الجدول الثاني وهكذا. . ولكل دولة الحق في نقل مادة من جدول أقل خطورة إلى جدول أكثر خطورة. كما أن لكل دولة الحق في أن تدرج في جداولها مادة ليست مندرجة في جداول الاتفاقيات. وهذا مما يجعلنا نقول: إن المواد المخدرة التي تخدر الإنسان وتفقده وعيه وتغيبه عن إدراكه ليست كلها نوعا واحدا، وإنما هي بحسب مصادرها وأنواعها متعددة، لذلك يتحتم علينا معرفة أنواع المخدرات والعقاقير المخدرة.
стр. 14102
ثانيا: أنواع المخدرات والعقاقير المخدرة:
[تحدثت كثير من الكتب القديمة والحديثة عن أنواع من المخدرات، ولا تزال معامل الأدوية تخرج إلى العالم كل يوم مستحضرات جديدة تؤدي نفس المفعول المخدر، وذلك باستخلاص المواد الفعالة منها مع غيرها من المواد المشابهة أو بتهيئة بعضها بشكل سوائل تؤخذ عن طريق الحقن أو بشكل كبسولات تؤخذ بالفم أو بشكل مساحيق تستعمل كسعوط يؤخذ عن طريق الأنف بالشم أو على شكل حبوب بمقاسات متعددة وأشكال متنوعة وألوان مختلفة، وربما استحضروا بعض المواد من بعض المعادن والأكاسيد والأحماض والقلويات وغيرها].
وبهذا يتضح [أن إحصاء جميع المواد المسكرة والمخدرة أمر غير ممكن في الواقع. فقد جاء في إحصاء أخير عمل أخيرا في فرنسا أن المواد المخدرة يفوق عددها "٥٠٠" خمسمائة مركب، تتصف جميعها بالسيطرة على المتعاطي لها تؤدي إلى الانهيار النفسي والبدني والعقلي المؤكد] (١).
стр. 14103
ولكن يمكن تقسيم أنواع المواد المخدرة عموما إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مواد مخدرة طبيعية: وهي من أصل نباتي مثل الحشيش والأفيون والكوكا والقات.
النوع الثاني: مواد مخدرة تصنيعية: وهي التي تستخلص من المواد المخدرة الطبيعية وتجري عليها عمليات كيميائية لتصبح في صورة أخرى أشد تركيزا وأثرا مثل: المورفين والهروين والكوكايين وغيرها.
النوع الثالث: مواد مخدرة تخليقية: وهي عقاقير من مواد كيميائية لها نفس تأثير المواد المخدرة الطبيعية والتصنيعية وتصنع على شكل كبسولات أو حبوب أو أقراص أو حقن وأشربة ومساحيق. ومنها ما هو منوم مثل كبسولات السيكنال أو منبه مثل حبوب الكبتاجون والأمفيتامين أو مهدئ مثل الفاليوم، ومنها ما هو مهلوس مثل عقار "إل. إس. دي " (١).
стр. 14104
ثالثا: تصنيف المخدرات والعقاقير المخدرة:
نظرا لوفرة المواد المخدرة، واختلاف مصادرها، وتعقيد تركيبها فقد كان من العسير الاعتماد على تصنيف مبسط يجمع بينها جميعا، ولكن يمكن تصنيفها تبعا لطريقة تأثيرها والأضرار الناجمة عنها أو على أساس لونها وتفاوت خطورتها. وبهذا يكون هناك أكثر من تصنيف للمخدرات والعقاقير المخدرة، فمن الممكن تصنيفها على أساس لونها، حيث تصنف المخدرات إلى:
(أ) المخدرات البيضاء: مثل الكوكايين والهيروين.
(ب) المخدرات السوداء: مثل الأفيون والحشيش.
ويمكن تصنيفها على أساس كثرة خطورتها وقلتها، حيث تصنف المخدرات إلى:
стр. 14105
(١) المخدرات الكبرى: وهي التي لها خطورة كبيرة على متعاطيها عند استخدامها والإدمان عليها مثل: الأفيون، المورفين، الكوكايين، الهيروين، الحشيش، المارجوانا، الهندباء البري.
(ب) المخدرات الصغرى: وهي التي خطورتها أقل من سابقتها، وتمثل جانبا كبيرا من العقاقير المستخدمة كعلاج طبي، وإن كانت تسبب التعود، والإدمان والأضرار الجسمية والصحية لمتعاطيها، مثل:
المنبهات، المهدئات، المسكنات، المنومات، القات، الكوكا، جوزة الطيب، النباتات المكسيكية، المذيبات الطيارة، البربشيورات.
ويمكن تصنيفها على أساس الأضرار الناجمة عنها صحيا ونفسيا. . إلخ، حيث تصنف المخدرات إلى:
(أ) المواد المهبطة وتشمل:
أ- الأفيون، المورفين، الهيروين حقنا واستنشاقا، الكوريين والمشتقات الأخرى من المورفين.
٢ - المسكنات المخدرة كالأفيون والمورفين.
٣ - المنومات والمهدئات.
٤ - المذيبات الطيارة كالغراء والمواد اللاصقة الأخرى.
(ب) المنشطات:
كالكوكا، والكوكايين، الأمفيتامينات وغيرها. وتعرف أيضا بالمنبهات والمحفزات ومضادات الكآبة وأشيعها استخداما النيكوتين والكافين.
(جـ) المهلوسات:
وتشمل الميسكالين وفطر البيتول والقنب الهندي وبعض نباتات الفصيلة الباذنجانية كالبنج واللقاح والهارمين والهارملين وجميع قلوانيات بذور نبات الحرجل وغيرها. . إلخ.
стр. 14106
(د) الحشيش.
ويضم الأوراق المزهرة والقمم النامية وحشيش كاراس ومن حشيش الأوراق المزهرة ماريجوانا، بهانج، كيف، داجا. . . إلخ. ويعتبر الحشيش من أهم عقاقير الهلوسة في الاستخدام والإدمان.
(هـ) القات.
(و) التبغ.
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن أنواع المخدرات ذكرت في كتب الفقه وفق ظهورها التاريخي وتناولت مثلا: البنج، والشيكران، والأفيون، والحشيش، وجوزة الهند، والقات، والعنبر، والقنقيط، وعسل البلادر والداتورة [الطاطورة] والعقاقير الأخرى كالمورفين والهيرويين وغيرهما، مما شاع في هذا العصر وهي معدودة من المخدرات في الأبحاث الفقهية الحديثة. والتتن والتبغ والدخان والقات وقهوة البن. وقد ذكر علماء الشريعة الإسلامية هذه المخدرات وأنواعها وتسميتها حسب ظهورها في عصر كل منهم، وجاء المتأخرون فأضافوا إلى ذلك ما ظهر في عصورهم من الأنواع الأخرى وبينوا حكم الشرع فيها بالنظر إلى الآثار المترتبة على تناولها.
стр. 14107
رابعا: حكم تناول المخدرات في الشريعة الإسلامية:
اتفق العلماء في مختلف المذاهب الإسلامية على حرمة تناول القدر المؤثر على العقل من المواد والعقاقير المخدرة، فيحرم تعاطيها بأي وجه من الوجوه سواء كان بطريق الأكل أو الشراب أو التدخين أو السعوط أو الحقن بعد إذابتها، أو بأي طريق كان. واعتبر العلماء ذلك كبيرة من كبائر الذنوب
стр. 14108
يستحق مرتكبها المعاقبة في الدنيا وفي الآخرة. . وهاك بعضا من كلامهم في ذلك:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجيبا لمن سأله عن حكم تناول الحشيش [هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر. والسكر منها حرام باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين] (١). وقال في موضع آخر: [وهى بالتحريم أولى من الخمر، لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر] (٢).
وقال الذهبي ﵀: " والحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام كالخمر يحد شاربها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر " (٣). ونقل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ عن ابن حجر الهيثمي تحريمها عند الأئمة الأربعة فقال:
["فثبت بما تقرر أنها حرام عند الأئمة الأربعة: الشافعية، والمالكية، والحنابلة بالنص والحنفية بالاقتضاء "] (٤).
وقال البهوتي ﵀: [ولا يباح أكل الحشيشة المسكرة] (٥) وقال ابن حجر في الزواجر: " وحكى القرافي وهو من أئمة المالكية وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيش وقال: (من استحلها كفر) (٦).
وقال ابن شهاب الدين الرملي في: [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج]:
стр. 14109
الحشيش حالة إسكار وتحريم.
وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (١): "واستدل بمطلق قوله ﷺ «كل ما يسكر حرام (٢)» على تحريم المسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل في ذلك الحشيشة. . إلخ " ما قال ابن حجر ﵀.
وقال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" ما خلاصته: إن الخمر يدخل فيها كل مسكر مائعا كان أو جامدا عصيرا أو مطبوخا، فيدخل فيها لقمة الفسق والفجور- ويعني بها الحشيش- لأن هذا كله خمر بنص رسول الله ﷺ الصريح الصحيح الذي لا مطعن في سنده إذ صح عنه قوله: «كل مسكر خمر (٣)» وصح عن أصحابه الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده أن الخمر ما خامر العقل، على أنه لو لم يتناول لفظه ﷺ "كل مسكر" لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر، فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه". اهـ (٤).
وقال الصنعاني في سبل السلام: " إنه يحرم ما أسكر من أي شيء وإن لم يكن مشروبا كالحشيشة ".
والفقهاء يرون أنه لا فرق في الحكم بين المواد السائلة والمواد الجامدة وأنه يحرم تعاطيها جميعها إذا أسكرت أو خدرت.
والواقع أن البيئة الإسلامية ظلت نظيفة من المسكرات والمخدرات قرونا عديدة ولم يعرف المسلمون النباتات المخدرة إلا بعد أن وفدت بها شعوب أخرى إليهم. فلما عرفها الفقهاء أفتوا فيها بتحريم تعاطيها حيث قال صاحب تهذيب الفروق والقواعد السنية (٥).
стр. 14110
: " اعلم أن النبات المعروف بالحشيشة لم يتكلم عليه الأئمة المجتهدون ولا غيرهم من علماء السلف، لأنه لم يكن في زمانهم، وإنما ظهر في أواخر المائة السادسة، وانتشر في دولة التتار. هذا ولم يستخدم الفقهاء لفظ المخدرات إلا في القرن العاشر الهجري. أما قبل ذلك فقد تحدثوا عن الحشيش والأفيون وغيرهما من المواد وذكروهما ضمن المواد المفترة أو المواد المسكرة، وقد حفلت كتب الفقه الإسلامي بآرائهم واجتهاداتهم في تحريم الحشيش والأفيون تحريما قاطعا وقد نقلنا نماذج منها.
أما المخدرات سواء كانت طبيعية أو مصنعة أو تخليقية وما يندرج تحت تعدد أنواعها فلم يرد نص في القرآن الكريم أو السنة على حكمها، ولكن هل عدم ورود النص بتحريمها يعني أنها مباحة كما حاول بعض المفترين ادعاء ذلك؟ كلا كلا.
إن الحكم يمكن أن يكون مصدره النص كما يمكن أن يكون مصدره الإجماع أو القياس إذ هما مصدران من مصادر الأحكام في الإسلام.
وبناء على هذا فإن الحكم الشرعي للمخدرات أنها "حرام " ودليل هذا الحكم النص، لأنها داخلة في عموم المسكرات أو بالقياس على الخمر لاتحادهما في علة الحكم وهي الإسكار أو لما في المخدرات من الأضرار الفردية والاجتماعية. ودخولها في عموم المسكرات قائم على أساس أن كثيرا من العلماء والأطباء يؤكد أن تأثير المخدرات كتأثير الخمر على العقل من ناحية الإسكار. وقد قال النبي ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (١)».