(د) الحشيش.
ويضم الأوراق المزهرة والقمم النامية وحشيش كاراس ومن حشيش الأوراق المزهرة ماريجوانا، بهانج، كيف، داجا. . . إلخ. ويعتبر الحشيش من أهم عقاقير الهلوسة في الاستخدام والإدمان.
(هـ) القات.
(و) التبغ.
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن أنواع المخدرات ذكرت في كتب الفقه وفق ظهورها التاريخي وتناولت مثلا: البنج، والشيكران، والأفيون، والحشيش، وجوزة الهند، والقات، والعنبر، والقنقيط، وعسل البلادر والداتورة [الطاطورة] والعقاقير الأخرى كالمورفين والهيرويين وغيرهما، مما شاع في هذا العصر وهي معدودة من المخدرات في الأبحاث الفقهية الحديثة. والتتن والتبغ والدخان والقات وقهوة البن. وقد ذكر علماء الشريعة الإسلامية هذه المخدرات وأنواعها وتسميتها حسب ظهورها في عصر كل منهم، وجاء المتأخرون فأضافوا إلى ذلك ما ظهر في عصورهم من الأنواع الأخرى وبينوا حكم الشرع فيها بالنظر إلى الآثار المترتبة على تناولها.
стр. 14107
رابعا: حكم تناول المخدرات في الشريعة الإسلامية:
اتفق العلماء في مختلف المذاهب الإسلامية على حرمة تناول القدر المؤثر على العقل من المواد والعقاقير المخدرة، فيحرم تعاطيها بأي وجه من الوجوه سواء كان بطريق الأكل أو الشراب أو التدخين أو السعوط أو الحقن بعد إذابتها، أو بأي طريق كان. واعتبر العلماء ذلك كبيرة من كبائر الذنوب
стр. 14108
يستحق مرتكبها المعاقبة في الدنيا وفي الآخرة. . وهاك بعضا من كلامهم في ذلك:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجيبا لمن سأله عن حكم تناول الحشيش [هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر. والسكر منها حرام باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين] (١). وقال في موضع آخر: [وهى بالتحريم أولى من الخمر، لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر] (٢).
وقال الذهبي ﵀: " والحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام كالخمر يحد شاربها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر " (٣). ونقل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ عن ابن حجر الهيثمي تحريمها عند الأئمة الأربعة فقال:
["فثبت بما تقرر أنها حرام عند الأئمة الأربعة: الشافعية، والمالكية، والحنابلة بالنص والحنفية بالاقتضاء "] (٤).
وقال البهوتي ﵀: [ولا يباح أكل الحشيشة المسكرة] (٥) وقال ابن حجر في الزواجر: " وحكى القرافي وهو من أئمة المالكية وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيش وقال: (من استحلها كفر) (٦).
وقال ابن شهاب الدين الرملي في: [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج]:
стр. 14109
الحشيش حالة إسكار وتحريم.
وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (١): "واستدل بمطلق قوله ﷺ «كل ما يسكر حرام (٢)» على تحريم المسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل في ذلك الحشيشة. . إلخ " ما قال ابن حجر ﵀.
وقال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" ما خلاصته: إن الخمر يدخل فيها كل مسكر مائعا كان أو جامدا عصيرا أو مطبوخا، فيدخل فيها لقمة الفسق والفجور- ويعني بها الحشيش- لأن هذا كله خمر بنص رسول الله ﷺ الصريح الصحيح الذي لا مطعن في سنده إذ صح عنه قوله: «كل مسكر خمر (٣)» وصح عن أصحابه الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده أن الخمر ما خامر العقل، على أنه لو لم يتناول لفظه ﷺ "كل مسكر" لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر، فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه". اهـ (٤).
وقال الصنعاني في سبل السلام: " إنه يحرم ما أسكر من أي شيء وإن لم يكن مشروبا كالحشيشة ".
والفقهاء يرون أنه لا فرق في الحكم بين المواد السائلة والمواد الجامدة وأنه يحرم تعاطيها جميعها إذا أسكرت أو خدرت.
والواقع أن البيئة الإسلامية ظلت نظيفة من المسكرات والمخدرات قرونا عديدة ولم يعرف المسلمون النباتات المخدرة إلا بعد أن وفدت بها شعوب أخرى إليهم. فلما عرفها الفقهاء أفتوا فيها بتحريم تعاطيها حيث قال صاحب تهذيب الفروق والقواعد السنية (٥).
стр. 14110
: " اعلم أن النبات المعروف بالحشيشة لم يتكلم عليه الأئمة المجتهدون ولا غيرهم من علماء السلف، لأنه لم يكن في زمانهم، وإنما ظهر في أواخر المائة السادسة، وانتشر في دولة التتار. هذا ولم يستخدم الفقهاء لفظ المخدرات إلا في القرن العاشر الهجري. أما قبل ذلك فقد تحدثوا عن الحشيش والأفيون وغيرهما من المواد وذكروهما ضمن المواد المفترة أو المواد المسكرة، وقد حفلت كتب الفقه الإسلامي بآرائهم واجتهاداتهم في تحريم الحشيش والأفيون تحريما قاطعا وقد نقلنا نماذج منها.
أما المخدرات سواء كانت طبيعية أو مصنعة أو تخليقية وما يندرج تحت تعدد أنواعها فلم يرد نص في القرآن الكريم أو السنة على حكمها، ولكن هل عدم ورود النص بتحريمها يعني أنها مباحة كما حاول بعض المفترين ادعاء ذلك؟ كلا كلا.
إن الحكم يمكن أن يكون مصدره النص كما يمكن أن يكون مصدره الإجماع أو القياس إذ هما مصدران من مصادر الأحكام في الإسلام.
وبناء على هذا فإن الحكم الشرعي للمخدرات أنها "حرام " ودليل هذا الحكم النص، لأنها داخلة في عموم المسكرات أو بالقياس على الخمر لاتحادهما في علة الحكم وهي الإسكار أو لما في المخدرات من الأضرار الفردية والاجتماعية. ودخولها في عموم المسكرات قائم على أساس أن كثيرا من العلماء والأطباء يؤكد أن تأثير المخدرات كتأثير الخمر على العقل من ناحية الإسكار. وقد قال النبي ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (١)».
стр. 14111
لهذا تكون المخدرات بذلك داخلة في عموم تحريم الخمر، وحتى لو قيل: إنها مفترة وليست مسكرة. فقد روي عن أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر (١)».
وعلينا أن ندرك أن المخدرات كالخمر، حيث إن كليهما يخامر العقل ويحجبه، وأركان القياس على المخدرات تتماثل مع ما ينطرح على الخمر. فالمخدرات كالخمر في الإسكار وحجب العقل والذهاب به، تلك هي علة تحريم الخمر. لذلك ينسحب حكم الخمر - وهو التحريم - على المخدرات، لاشتراكهما في علة الحكم.
كذلك فإن في المخدرات من المفاسد والأضرار مثل ما في الخمر، من حيث إضاعة المال وإثارة العداوة والبغضاء بين الناس، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. . فمتعاطي الخمر أو المخدرات كلاهما يفقد وعيه ويتصرف تصرفات طائشة تثير الشقاق والخلاف والعداوة والبغضاء، وكلاهما يكون في غفلة عن الصلاة وسائر التكاليف أثناء فقده الوعي، وفي ضوء ذلك فإن علة الحكم في الخمر وهي الإسكار تكون قد توفرت في المخدرات، لأنها تفعل فعل الخمر في حجب العقل وإذهابه، ويكون حكم الخمر وهو التحريم هو حكم المخدرات أيضا، فتكون المخدرات بجميع أنواعها حراما، لذلك فالنصوص التي تحرم كل مسكر ومفتر تنطرح على المخدرات مثلما تنطرح على أحكام المسكرات. وبهذا يتبين غلط من زعم عدم وجود نص في الكتاب والسنة يقتضي تحريم الحشيش وسائر المخدرات والعقاقير المخدرة الأخرى. . قال ابن تيمية ﵀: (وأما قول القائل أن هذه ما فيها آية ولا حديث فهذا من جهله، فإن القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة وقضايا كلية تتناول كل ما دخل فيها، فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام وإلا فلا يمكن ذكر
стр. 14112
كل شيء باسمه الخاص) (١).
وقال الإمام القرطبي ﵀: (. . لو التزمنا ألا نحكم بحكم حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص قليلة. وإنما هي الظواهر والعموميات والأقيسة) (٢).
стр. 14113
خامسا: أدلة تحريم المخدرات والمفترات والعقاقير النفسية وغيرها:
بعد أن بينا حكم تناول المخدرات في الشريعة الإسلامية، يمكن أن نلخص ما اعتمد عليه الفقهاء من أدلة عند الحكم بتحريمها:
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) الآية، فكل طيب مباح وكل خبيث محرم، والمخدرات بمختلف أنواعها خبيثة من أشد الخبائث وأعظمها ضررا، فيكون تحريمها منصوصا عليه في هذه الآية.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣).
وقد تقدم أن متعاطي الخمر أو المخدرات كلاهما يفقد وعيه ويتصرف تصرفات طائشة تثير الشقاق والخلاف والعداوة والبغضاء وكلاهما يكون في
стр. 14114
غفلة عن الصلاة وسائر التكاليف أثناء فقده الوعي؛ فيكون هذا دليلا على تحريم المخدرات. قال الذهبي في معرض حديثه عن الحشيشة: " وبكل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر المسكر لفظا ومعنى " (١).
الدليل الثالث: ما رواه أبو داود في سننه: أن رسول الله ﷺ قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام (٢)». فقد حرم رسول الله ﷺ في هذا الحديث كل مسكر قليلا كان أو كثيرا وهو بعمومه يتناول المخدرات، لأنها مسكرة على ما ذكره أكثر المحققين من علماء الدين والطب.
هذا، وقد اعتبر النبي ﷺ كل مادة مسكرة خمرا سواء سميت بذلك في لغة العرب أو لم تسم به، يقول ﵊ في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر ﵄: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة (٣)».
قال ابن تيمية ﵀: " ومذهب جمهور المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أن كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام، وهذا مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ " (٤).
وقال ﵀ في كتابه " السياسة الشرعية ": [. . والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة جمع رسول الله ﷺ بما أوتي من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وما أسكر ولم يفرق بين نوع ونوع، ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا. . وقد حدثت أشربة كثيرة بعد النبي ﷺ
стр. 14115
وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة " (١). اهـ.
الدليل الرابع: ما رواه ابن عمر عن أم سلمة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر (٢)».
فهذا الحديث أصرح في الدلالة على تحريم المخدرات مما سواه، ذلك أن المخدرات إما أن تكون مسكرة أو مفترة أو جامعة بين الأمرين، وعلى جميع هذه الاحتمالات فإن الحديث نص في النهي عنها، والنهي يقتضي التحريم.
قال في عون المعبود عند كلامه عن هذا الحديث:
قال الطيبي: لا يبعد أن يستدل به على تحريم البنج والشعثاء ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل، لأن العلة وهي إزالة العقل مطردة فيها، وقال في مرقاة الصعود: "إن رجلا من العجم قدم القاهرة وطلب الدليل على تحريم الحشيشة، وعقد لذلك مجلسا حضره علماء العصر فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بهذا الحديث فأعجب الحاضرين " (٣).
الدليل الخامس: (أنه لا يشك شاك ولا يرتاب مرتاب في أن تعاطي هذه المواد حرام، لأنها تؤدي إلى مضار ومفاسد كثيرة فهي تفسد العقل وتفتك بالبدن، وتصيب متعاطيها بالتبلد وعدم الغيرة، وتصده عن ذكر الله وعن الصلاة وتمنعه من أداء الواجبات الشرعية من صيام وحج وزكاة. . إلخ. وفي ذلك اعتداء على الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل إلى غير ذلك من المفاسد والمضار) (٤).
الدليل السادس: أنه لا يحل لمسلم أن يتناول من الأطعمة أو الأشربة شيئا يقتله بسرعة أو ببطء - كالسم بأنواعه - أو يضره ويؤذيه؛ قال تعالى:
стр. 14116
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) الآية. والقاعدة الشرعية المقررة في الشريعة الإسلامية: أنه لا ضرر ولا ضرار (٣). روى الحاكم في مستدركه (٤). عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه (٥)».
قال الشاطبي ﵀ في الموافقات (٦).
"هذا الحديث " دليل ظني داخل تحت أصل قطعي، فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها في وقائع جزئيات وقواعد كليات. . ومنه النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض وعن الغصب والظلم وكل ما هو في المعنى إضرار أو ضرار، ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل أو النسل أو المال فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك. وقد أثبتت التحاليل الطبية والتجارب العلمية أن المخدرات بأنواعها هي مصدر العلل والأمراض العقلية والنفسية والاجتماعية المنتشرة في أنحاء العالم.
الدليل السابع: أنه فضلا عما تحدثه المخدرات والعقاقير النفسية من آثار مدمرة للصحة وفتور في الجسد؛ فإن ما ينفق من المال على شرائها يعتبر إضاعة له فيما لا ينفع في الدين أو الدنيا. وقد دلت الآيات القرآنية العديدة والأحاديث المستفيضة على استعمال المال في الأمور النافعة في الدين والدنيا وتجنب الأمور الضارة، وذلك أن الله تعالى جعل المال قواما للعباد به تقوم مصالحهم الخاصة والعامة الدينية والدنيوية فهو ضرورة طبيعية في حياة الإنسان وهو أمانة بيد من يحوزه، فمن تناوله من حله ووضعه في حقه واستعان به
стр. 14117
على ما خلق له من القيام بعبودية الله وإخراجه في الطرق التي تنفع العبد ويبقى له ثوابها وخيرها؛ فقد أفلح ونجح، ومن لم يبال من أين اكتسبه واستعان به على الفسوق والعصيان وتمادى بسببه في الظلم والبغي والعدوان، وأطاع نفسه وهواه والشيطان، فقد تعس وضل وباء بالخسران. قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٤). والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وروى البخاري في صحيحه. عن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي ﷺ : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (٥)». وروى البخاري (٦) معلقا من رواية المستملي والسرخسي (٧): قال النبي ﷺ : «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة (٨)» وقال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما خطئتك اثنتان سرف أو مخيلة. وهذا هو العدل في تدبير المال أن يكون قواما: أي وسطا بين رتبتي البخل والتبذير وما سوى هذا فإثم وضرر ونقص في العقل والحال (٩).
الدليل الثامن: أن المخدرات والعقاقير النفسية وغيرها من الموبقات تتوافر فيها كل أسباب التحريم الشرعي، فهي فوق أنها مفسدة للصحة مضيعة للمال
стр. 14118
تهدد العلاقات الاجتماعية وتخل بالنظم المرعية والأمن العام، لأن كل من يقبل على المخدرات وقد حظرتها الدولة وحرمتها يكون خارجا عن الطاعة الواجبة لولي الأمر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) الآية.
نداء للمؤمنين بوصف الإيمان أن يطيعوا الله ابتداء، وأن يطيعوا الرسول بما له من صفة الرسالة، وطاعة أولي الأمر؛ لأن طاعتهم مستمدة من طاعة الله ورسوله، وأولو الأمر المقصودون بالخطاب هم: "الولاة على الناس من الأمراء والحكام والعلماء المفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم طاعة لله ورغبة فيما عنده " (٢). ولا يسع أحدا أن يربأ بنفسه وينسلخ من طاعتهم وامتثال أوامرهم إذا وجدها لا تتفق ونزواته وأهوائه الشخصية. روى مسلم في صحيحه (٣). عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (٤)».
الدليل التاسع: وهو خاص ببعض أنواع المخدرات والمفترات والتي منها: الدخان بجميع أنواعه واستعمالاته سواء أكان مضغا بالفم أو تدخينا عن طريق السيجارة أو الشيشة والغليون أو استنشاقه مسحوقا أو غير ذلك وقد ذهب إلى تحريمه جمع من أكابر العلماء وجهابذة الفقهاء وجميع الأطباء المعتبرين. وقد أورد الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ نقولا كثيرة عن أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم تدل على خبثه ونتنه وإسكاره أحيانا وتفتيره، وذلك في فتوى سماحته ﵀ في حكم شرب (٥). الدخان، قال وممن ذهب إلى تحريمه من علماء الحنفية: أبو الحسن المصري الحنفي قال ما نصه: (الآثار النقلية الصحيحة
стр. 14119
والدلائل العقلية الصريحة تعلن بتحريم الدخان. . وقد نهى الله عن كل مسكر، وإن قيل إنه لا يسكر فهو يخدر ويفتر أعضاء شاربه الباطنة والظاهرة. والمراد بالإسكار مطلق تغطية العقل وإن لم تكن معه الشدة المطربة ولا ريب أنها حاصلة لمن يتعاطاه أول مرة، وإن لم يسلم أنه يسكر فهو يخدر ويفتر. . وقد روى الإمام أحمد (١). وأبو داود (٢). عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ «ينهى عن كل مسكر ومفتر (٣)». قال العلماء: المفتر ما يورث الفتور والمخدر في الأطراف وحسبك بهذا الحديث دليلا على تحريمه، وأنه يضر بالبدن والروح ويفسد القلب ويضعف القوى ويغير اللون بالصفرة، والأطباء مجمعون على أنه مضر ويضر بالبدن والمروءة والعرض والمال وفيه التشبه بالفسقة لأنه لا يشربه غالبا إلا الفساق والأنذال ورائحة فم شاربه خبيثة) اهـ.
وفي موضع آخر (٤). من فتوى سماحته ﵀ قال: وممن ذكر تحريمه من فقهاء الحنفية أيضا الشيخ محمد العيني ذكر في رسالته: تحريم الدخان والتدخين من أربعة أوجه:
أحدها كونه مضرا للصحة بإخبار الأطباء المعتبرين وكل ما كان كذلك يحرم استعماله اتفاقا.
ثانيها: كونه من المخدرات المتفق عليها عندهم المنهي عن استعمالها شرعا لحديث أم سلمة السابق (٥).
ثالثها: كون رائحته الكريهة تؤذي الناس الذين لا يستعملونه وعلى وجه الخصوص في مجامع الصلاة ونحوها، بل وتؤذي الملائكة المكرمين؛ روى مسلم في صحيحه (٦) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من أكل من هذه البقلة الثوم، وقال مرة من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم (٧)».
стр. 14120
ومعلوم أن رائحة المدخن ليست بأقل كراهية من رائحة من أكل ثوما أو بصلا. وبهذا يتقرر أن المخدرات والمفترات والعقاقير النفسية والدخان والقات وما يلحق بها خبائث محرمة بالأدلة النقلية والعقلية الصريحة الواضحة. تتوافر فيها كل أسباب التحريم الشرعي وفيها من المفاسد والمضار الدينية والدنيوية ما يجعل بعضا منها كافيا في تحريمها والزجر عنها وعقاب متعاطيها والله أعلم.
стр. 14121
سادسا: حكم تعاطي المخدرات للعلاج ومدى مشروعية التداوي بها:
نقلت اتفاق العلماء على حرمة تناول المخدرات وأقمت الأدلة على ذلك، كما اتفقوا أيضا على حرمة تناول اليسير منها إذا كان بقصد اللهو أو اللذة أو المتعة أو غير ذلك من المقاصد التي لا يعتبرها الشارع. ولكنهم اختلفوا في حكم التداوي بها خاصة وأنه قد ثبت أن لبعض العقاقير المخدرة آثارا دوائية ممتازة. وقد تكون هناك بعض الأمراض التي لا يفيد فيها إلا هذا المخدر أو تكون هناك بعض الآلام الشديدة التي لا تسكن إلا بالمورفين ونحوه. فهذه الفائدة المحدودة في حالات معينة لا ينبغي أن تدفعنا لأن نترك الحبل على الغارب، وأن نلجأ إلى هذه المركبات بلا مراقبة ولا مسئولية مما يستوجب بيان آراء الفقهاء في حكم تناول هذه المواد من حيث الحل والحرمة.
فإذا أشار بعض الأطباء من ذوي المهارة في الطب والثقة في الدين على بعض المرضى بتناول قدر يسير من المواد المخدرة بقصد علاج بعض الحالات كتسكين بعض الآلام. . إلخ، فهل يباح ذلك أم لا؟
والجواب: أن الفقهاء اختلفوا في حكم التداوي بهذه المواد المخدرة بناء على اختلافهم في حكم التداوي بالخمر.
فمن يرى أنها مسكرة ويعطيها حكم الخمر في الحرمة، فإنه لا يبيح التداوي
стр. 14122
بها مهما كانت ضآلة القدر المستعمل في ذلك للأحاديث الكثيرة الواردة في عدم جواز التداوي بالخمر وأنها داء لا دواء.
وهذا ما يقتضيه كلام ابن تيمية وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيثمي المكي ومن يرى رأيهم.
ومن يرى أن الحرمة إنما هي لضررها أو لإفسادها العقل، فإنه يبيح القدر اليسير منها إذا كان بقصد التداوي وذلك لانتفاء علة الحرمة وهي الضرر والإفساد وذلك قياسا على حرمة الميتة، فإنها تنتفي عن المضطر. . قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ولا شك أن المريض مضطر وهذا رأي أكثر الفقهاء.
وترتيبا على هذا فإذا ثبت أن ضررا ما، حق وقوعه بمريض ولم يكن بد من تناول قدر يسير منها بقدر العلاج أجاز مداواته؛ لأن ذلك ضرورة ولا إثم في الضرورات متى روعيت شروطها بأن:
١ - يقتصر على القدر الذي يزول به المرض وتعود به الصحة ويتم به العلاج.
٢ - أن يكون ذلك بمعرفة طبيب مسلم خبير بمهنة الطب معروف بالصدق والأمانة والتدين. وعلى الدولة أن تضع ضوابط خاصة تكفل بيعها في أماكن محدودة كالصيدليات.
٣ - ألا يوجد دواء غير المحرم ليكون التداوي بالمحرم متعينا ولا يكون القصد من تناوله التحايل لتعاطي المحرم.
هذا. . ومع التقدم العلمي في كيمياء الدواء لم تعد حاجة ملحة للتداوي بالمخدرات، لوجود البديل الكيميائي المباح.
إذن فلا حاجة إلى استعمال هذه المواد نظرا لما ستؤدي إليه من تعريض
стр. 14123
المريض لمخاطر الإدمان والأمراض العقلية والجسمية والنفسية المترتبة على استعمالها.
стр. 14124
سابعا: حكم الإعانة على تناول المخدرات:
اتضح لنا مما سبق أن حرمة تناول المخدرات صارت واضحة لكل ذي لب وأن تعاطيها للتداوي مشروط بالضوابط التي تقدمت قريبا. وبناء على ذلك: فإن الإعانة على التعاطي تكون أيضا محرمة، لأن الوسيلة إلى فعل المعصية تكون معصية كذلك. كما أن الوسائل إلى الطاعات تكون طاعات كذلك. وهذه قاعدة إسلامية عظيمة حيث تأخذ الوسائل حكم الغايات فبيع السلاح وقت الفتنة حرام كحرمة بيع أرض للنصارى بقصد بنائها كنيسة وبيع العنب لمن يعصره خمرا ونحو ذلك (١).
والإعانة المحرمة تشمل: زارعي هذه المواد المخدرة والمتجرين فيها والمشترين لها والوسطاء فيها والحاملين لها لتوصيلها إلى الشاربين وصانعي مشتقاتها التي يقصد بها الاستعمال في التخدير بقصد تغييب العقل أو الحصول على شيء من النشوة والمرح، كما أن الثمن الناتج عن بيعها حرام والصدقة به (٢). لا تجوز.
وقد تضافرت النصوص الشرعية على ذلك منها:
قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣)
стр. 14125
[ب] حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (١)». . الحديث (٢). وبيع هذه المواد يدخل في تحريم بيع الخمر بطريق القياس بجامع تغييب العقل في كل.
[جـ] حديث أنس ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له (٣)». فاللعن هنا واقع على جميع الأطراف المتعاونة على فعل المحرم.
[د] وروى مالك في موطئه عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجالا من أهل العراق قالوا له يا أبا عبد الرحمن إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها فقال عبد الله بن عمر "إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والإنس أني لا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تشربوها ولا تسقوها فإنها رجس من عمل الشيطان" (٤).
[هـ] حديث أبي هريرة ﵁ «أن رجلا أراد أن يهدي النبي ﷺ خمرا، فقال النبي ﷺ : إنها قد حرمت. فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، فقال الرجل: أفلا أكارم بها اليهود؟ فقال: إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود. قال: فكيف أصنع بها؟ قال شنها في البطحاء (٥)».
إن الخمر وسائر المخدرات والمسكرات بكافة أنواعها وأسمائها يحرم تعاطيها بأي وجه من وجوه التعاطي. كما يحرم تصنيعها وزراعتها وإنتاجها وتهربيها والاتجار فيها وبيعها وإهداؤها والتعامل بها على أي وجه كان وعلى أي صفة، والإعانة على ذلك إعانة على معصية محرمة لا شبهة في حرمتها. . يقول الله
стр. 14126
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) الآية.
فكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه وبمعاونة غيره عليها من إخوانه المؤمنين بكل قول يبعث عليها وينشط لها وبكل فعل كذلك، وكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه (٢).
وروى مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء (٣)». ولمسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٤)». قال النووي في شرح مسلم (٥): (هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك وسواء كان العمل في حياته أو بعد موته).
стр. 14127
فيحرم على المسلم أن يتملك شيئا من هذه السموم المهلكة من المخدرات والمسكرات وأن يملكها غيره بأي سبب من أسباب الملك من البيع والشراء والهبة والهدية وغيرها (١).، كما لا يحل له أن يعاونه على شربها أو حيازتها وإحرازها، فإن فعل فقد ضره والضرر منفي شرعا "فلا ضرر ولا ضرار" (٢). في الإسلام، فلا يحل لمسلم أن يضر أخاه المسلم بقول أو فعل أو سبب بغير حق، وسواء كان له في ذلك نوع منفعة أو لا وهذا عام في كل حال على كل أحد" (٣).
كما يعتبر الزارع والمروج والمهرب والتاجر لهذه السموم عاصيا، لأنه يرضى لغيره أن يتعاطاها والإعانة على الطاعة طاعة والإعانة على المعصية معصية. روى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني "أبدع بي ". فاحملني فقال ما عندي. فقال رجل يا رسول الله أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله ﷺ : من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥)». وهذا يقتضي من دل على شر، فعليه مثل وزر فاعله، فكل من عاون غيره على البر والتقوى فهو من الدالين على الخير الداعين إلى الهدى، وكل من أعان غيره على الإثم والعدوان فهو من الدالين على الشر الداعين إلى الضلالة.
فلنكن دعاة خير وهدى ولنجتهد في مطاردة متعاطي هذه الآفات المدمرة وجميع من يعاونونهم على شربها أو ترويجها والاتجار فيها. والله المستعان.
стр. 14128
حكم من استحل تناول المخدرات
والعقاقير المخدرة
ذكرت فيما سبق الحكم الشرعي لتناول المخدرات وأنها داخلة في عموم تحريم الخمر، إما بالنص أو بالقياس على الخمر أو لما فيها من الأضرار الفردية، والاجتماعية وغيرها. وأقمت الأدلة على حرمتها ثم (١).؛ وبناء عليه فما يثبت من أحكام على متناول الخمر يثبت تبعا على متناول هذه المواد المخدرة. قال ابن حجر الهيثمي في الزواجر (٢).
الكبيرة السبعون بعد المائة: أكل المسكر الطاهر كالحشيشة والأفيون والشيكران بفتح الشين المعجمة وهو البنج وكالعنبر والزعفران وجوزة الطيب فهذه كلها مسكرة كما صرح به النووي في بعضها وغيره في باقيها ولا ينافي أنها تسمى مخدرة. وإذا ثبت أن هذه كلها مسكرة أو مخدرة فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيء من هذه المذكورات، لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه لأنه الآلة للفهم عن الله تعالى وعن رسوله والمتميز به الإنسان عن الحيوان والوسيلة إلى إيثار الكمالات عن النقائص فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر.
فمن تعمد شرب القليل من الخمر وكذا المخدرات بأنواعها مع علمه بالتحريم فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، بل ذهب بعضهم إلى أن ذلك من أكبر الكبائر (٣). ولا ريب أن كل ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة من أخبث الخبائث وفاعله مستحق للعن والطرد من رحمة الله تعالى إلا أن يتوب، روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى
стр. 14129
الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ومات ولم يتب منها وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة (١)»، وروى الحاكم في مستدركه (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر (٣)» وروى الحاكم في مستدركه (٤) أيضا بسنده: أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ وناسا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم ينتهون إليه فأرسلوا إلى عبد الله بن عمرو يسألونه عن ذلك فأخبرهم أن أعظم الكبائر شرب الخمر وأخبر أن رسول الله ﷺ قال: «إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل نفسا أو يزني أو يأكل لحم خنزير أو يقتلوه إن أبى فاختار أن يشرب الخمر وأنه لما شربها لم يمتنع من شيء أرادوه منه وأن رسول الله ﷺ قال لنا مجيبا ما من أحد يشربها فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية».
وقد وردت الأحاديث الكثيرة في تحريم هذه الخبائث والتحذير منها والوعيد لشاربها وتوعده بالعقوبة في الدنيا والآخرة إلا أن يتوب فمن تاب. . تاب الله عليه. روى الحاكم في مستدركه وصححه (٥). عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شرب الخمر شربة لم تقبل توبته أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل توبته أربعين صباحا فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة. الخبال يوم القيامة (٦)» وردغة الخبال:
стр. 14130
أي طينة الخبال أوضحها النبي ﷺ في رواية أخرى «حين سئل وما طينة الخبال؟ فقال: عصارة أهل النار (١)». أعاذنا الله من شرها وحرها وعصارة أهلها.
وهذا الذي تقدم فيمن شربها معتقدا حرمتها، أما من شرب الخمر وسائر المسكرات والمخدرات مستحلا لها معتقدا أنها له حلال، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى تكفيره وإباحة قتله إن لم يتب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد سئل عمن يأكل الحشيشة فأجاب: (الحمد لله هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنها حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين) (٢). وبهذا أفتى بعض فقهاء الحنفية كنجم الدين الزاهدي وغيره، وعللوا ذلك بأن مفاسدها [أي الحشيشة] أعظم من مفاسد الخمر (٣).
وذهب أكثر الفقهاء إلى أن مستحل ذلك فاسق زنديق تلزمه أحكام الفسقة في رد شهادته وعدم صلاحيته لتولي الوظائف العامة في الدولة ونحو ذلك والذي يظهر- والله أعلم- أن القول بكفر مستحل المخدرات والمسكرات أيا كان نوعها وجنسها هو الأقرب للصواب وهو الذي يتفق مع القواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي تقضي بكفر من أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة. قال شارح الطحاوية: " لا خلاف بين المسلمين أن الرجل إذا أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا ".
стр. 14131
"وروي عن علي ﵁ أن قوما شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال وتأولوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) الآية، فأجمع علي وعمر أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا" (٢). "ولقد ثبتت حرمة الخمر بدليل قطعي وهو القرآن الكريم والسنة والإجماع فمن استحلها فهو كافر مرتد حلال الدم والمال" (٣).
"وفي المخدرات من المفاسد ما ليس في الخمر فهي أولى منها بالتحريم، وقد أجمع العلماء على حرمة تعاطي هذه السموم، وزراعتها والتجارة فيها وإجماع العلماء حجة شرعية يجب العمل بها ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ ذلك لأنه قد استحل حراما مجمعا على تحريمه " (٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل السكر منها فقد كفر وقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٥)» يتناول ما يسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا أو مشروبا أو جامدا أو مائعا. فلو اصطبغ كالخمر كان حراما، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراما، ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم، فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن) (٦).
إن العجب كل العجب أن بعض المدمنين والمهربين وتجار المخدرات يجادلون
стр. 14132
من غير خجل ولا حياء ويقولون وقولهم النكر والضلال بأنه لم يرد نص صريح من الكتاب والسنة بتحريم هذه السموم الضارة الخطيرة التي هي سم قاتل وداء عضال وجرثومة تستشري في جسم الأغبياء والجهلاء والمخدوعين ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١).
إن من يقول بحل شيء من هذه السموم، فلا يخلو إما أنه مخدوع جاهل أو مكابر معاند، وعلى كل حال، فإنه يستتاب فإن تاب ورجع إلى الله وأناب وإلا فسيحفر قبره بيده ويلقى حتفه بنفسه جزاء وفاقا.
стр. 14133
تاسعا: حكم تصرفات من يتناول المخدرات:
"إذا تناول المسلم شيئا من هذه المواد المخدرة باختياره وكان عالما بها وبحرمتها وسكر منها، فقد يحدث منه طلاق لزوجته أثناء غياب عقله من أثر تناوله لهذه المواد. وقد يتصرف تصرفا خاطئا يؤدي إلى إزهاق الأرواح وإتلاف الأموال وقد يتفوه وهو في نشوة السكر وغيبوبة العقل بكلمة الكفر. وقد يقذف غيره وقد يعتق ويقر وينفي ويثبت فهل يؤاخذ بهذا كله؟ أم أن هذا من قبيل الأقوال وما كان كذلك فليس مؤاخذا به إلا ما كان من قبيل الأفعال" (١). وقبل أن نحرر الكلام في هذا المقام يجب أن نميز بين السكران الفاقد للتكليف الذي لا نية له ولا إرادة، وبين من لم يصل في سكره إلى هذه الحالة، بل له تمييز وقصد وإرادة وبناء على هذا فإن السكران له حالتان:
الحالة الأولى: ألا يتكلم إلا بما يعقل ويتحفظ عن كثير من الكلام ويسمع الخطاب ويرد الجواب.
الحالة الثانية: أن يخلط في كلامه ويتصرف تصرفات تضر بنفسه وبالآخرين ولا يفرق بين العدو والصديق ويغمى عليه ولا يعلم بما يقول.
стр. 14134
وأحسن ما قيل في حد السكران الذي لا يميز أنه الذي لا يعلم ما يقول لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) الآية ٤٣ سورة النساء.
والذي يتناول من هذه المواد والعقاقير المخدرة لا يخلو حاله من واحدة من هاتين الحالتين، بل إن الحالة الأولى بهم أغلب وبحالهم أنسب فإننا نرى أن أكثر المتعاطين لهذه المواد والمدمنين عليها يشربون ويباشرون الأعمال ويتصرفون مع وجود نشوة السكر التي تظهر على أحدهم عدم الانضباط في بعض الكلام والحركات وملامح الوجه. وبما أن الأمر كذلك فإنهم مؤاخذون بما يتكلمون به من طلاق وعتاق وإقرار ونفي وإثبات وإن تعدوا في خلال سكرهم هذا فقتلوا أو جرحوا لزم القود منهم والقصاص (٢) والدليل على ذلك:
(١) أن أكثر أهل العلم جعلوا جميع تصرفات السكران الفاقد للعقل القولية والفعلية لازمة له، مؤاخذا بما يترتب عليها (٣) فأولى أن يؤاخذ من لم يصل في سكره إلى حد سقوط التكليف.
(٢) أن البعض ممن يشرب المخدرات بل أكثرهم يشربها بقصد أن تكسبه قدرة على ارتكاب المحرمات وفعل المنكرات، فالأولى أن يؤدب هؤلاء بمؤاخذتهم بكل تصرفاتهم جزاء وفاقا.
(٣) أن هذا الصنف من السكارى هم الذين حصلت بسببهم كثير من المصائب الفادحة: انتهاك للأعراض وسفك الدماء وتعد على الأبرياء.
بقي أن نبين حكم تصرفات من غاب عقله وفقد التمييز بين حقائق الأشياء بسبب تناوله لهذه المواد. وسيشمل الكلام المسائل الآتية:
١ - حكم طلاق السكران بسبب تناوله شيئا من هذه المواد.
٢ - حكم معاملات من غاب عقله بتناوله لهذه المواد.
стр. 14135
٣ - حكم من يؤدي الصلاة وهو تحت تأثير المخدر.
٤ - جناية متناول المخدرات على غيره.
٥ - الإقرار بالقتل أو الحد.
стр. 14136
المسألة الأولى: حكم طلاق السكران بسبب تناوله شيئا من هذه المواد المخدرة عالما مختارا:
اختلف أهل العلم في طلاق السكران بسبب محرم هل يقع أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن طلاقه يقع وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وميمون بن مهران والحكم ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأبو حنيفة وصاحباه وسليمان بن حرب وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، (١) واستدلوا.
(١) بعموم قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) من غير تفريق بين السكران وغيره إلا من خص بدليل.
(٢) ولأن عقله زال بسبب معصية فينزل قائما وعقوبة عليه وزجرا له عن ارتكاب المعصية.
(٣) أنه مكلف يؤاخذ بجنايته.
(٤) ما ورد من الآثار: «لا قيلولة في الطلاق (٣)»، «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه (٤)» وغير ذلك من الآثار.
القول الثاني: لا يقع طلاقه، وهو قول عثمان بن عفان ﵁ وعمر بن عبد العزيز والقاسم وطاوس وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والليث
стр. 14137
وإسحاق وأبي ثور والمزني وهو مذهب الظاهرية والشافعي في أحد قوليه وهو رواية في مذهب أحمد واستقر عليها مذهبه مستدلين:
١ - بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر، لأنه لا يعلم ما يقول.
٢ - صح عنه ﷺ أنه أمر بالمقر بالزنا أن يستنكه ليعتبر قوله الذي أقر به أو يلغى.
٣ - ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره.
٤ - ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم.
٥ - ولأن العقل شرط التكليف ولا يتوجه التكليف إلى من لا يفهمه.
الترجيح: والراجح القول الثاني وهو أنه لا يقع طلاق السكران وهو ما رجحه ابن حزم الظاهري وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى، وذلك للأسباب الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢) الآية. ففي هذا النهي إشارة إلى أن ما يقوله السكران- وهو في حالة سكره- غير معتد به.
٢ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣) سورة المائدة آية ٨٩. ولا شك أن الطلاق يمين واليمين لا يعتد بها إلا إذا كانت صادرة عن عزيمة بقصد الحمل على فعل شيء أو تركه وهذا ما يشير إليه قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٤) وطلاق السكران لا يمكن أن يقال عنه: إنه صادر عن عزيمة وإرادة حقيقية، فحمل ما تلفظ به في هذا الصدد على اللغو أقرب، وقد رفعت المؤاخذة عن اللغو بنص القرآن الكريم.
стр. 14138
٣ - قوله ﷺ في حق ماعز الأسلمي: «أشرب خمرا (١)» بعد قوله ﷺ «أبه جنون؟ (٢)» يومئ إلى أن السكر يترتب عليه إبطال الإقرار الذي صدر منه أثناءه فكذلك يبطل به لفظ الطلاق إذ كل منهما قول.
٤ - ليس في الموضوع نص صريح والأصل بقاء ما كان على ما كان " حتى يرتفع حكم الأصل بدليل. والأصل هو وجود الرابطة الزوجية فلا ينبغي أن يرتفع هذا الحكم إلا بدليل صحيح صريح. وبهذا يترجح عدم وقوع طلاق السكران بسبب تناوله شيئا من هذه المواد المخدرة. . والله أعلم (٣).
стр. 14139
المسألة الثانية: حكم معاملات من غاب عقله بتناوله لهذه المواد:
إذا حدث تصرف من بيع أو شراء أو هبة أو غيرها من أنواع المعاوضات المالية أثناء فقده لتمييزه من شرب هذه المواد المخدرة. . فما الحكم؟
انقسم جمهور الفقهاء في هذه القضية إلى قسمين:
أحدهما: يرى عدم صحة تصرفات من سكر بسبب تناوله لهذه المواد فيما يتعلق بالمعاوضات من بيع وشراء وإجارة وهبة. . إلخ، وهو ما يستفاد من كلام علماء المالكية والحنابلة وبعض الشافعية وابن حزم الظاهري.
ثانيهما: يرى صحة هذه العقود وهم علماء الحنفية والصحيح من مذهب الشافعية وقول عند الحنابلة.
والراجح: القول الأول: وهو عدم صحة تصرفات السكران في المعاوضات المالية لما يلي:
١ - أن الأصل في فاقد العقل عدم مؤاخذته بأقواله وأفعاله.
٢ - أن القول بصحة تصرفاته يعتبر عقوبة أخرى تضاف إلى العقوبة على السكر، لكنها هنا لا ينحصر أثرها على الجاني نفسه، بل سيمتد أثرها
стр. 14140
إلى أهله ومن يعولهم، لأن المال الذي بيده ليس له وحده، بل تتعلق منافعه به وبأهله فتصرفاته فيه حال سكره فيها ضياع لهم.
٣ - أن من لازم بطلان إقراره- كما رأينا بطلان تصرفاته والمعاوضة نوع من التصرفات والله أعلم.
стр. 14141
المسألة الثالثة: من يؤدي الصلاة وهو تحت تأثير المخدر:
لا مراء في أن المخدرات تورث الفتور والخدر في الأطراف، ولذلك يكثر النوم لمتعاطيها. ومن أجل تأثير المخدرات وإصابتها عقل متعاطيها فإنه لا يحسن المحافظة على وضوئه فتفلت بطنه دون أن يدري أو يتذكر. ولهذا أجمع الفقهاء على أن من نواقض الوضوء أن يغيب عقل المتوضئ بجنون أو صرع أو إغماء أو يتعاطى ما يستتبع غيبة العقل من خمر أو حشيش أو أفيون أو غير هذا من المخدرات المغيبات، وإذا انتقض وضوءه بطلت صلاته وهو بهذه الحال. ولا فرق في هذا بين خمر وسكر بخمر سائل أو مشموم أو مأكول أو محقون وخلافه.
وقد أمر الله عباده ألا يقربوا الصلاة حين سكرهم فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) الآية.
وهذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر حتى يزول أثره وهو برهان قاطع على بطلان صلاة السكران بأي نوع من أنواع المسكرات والمخدرات
стр. 14142
المسألة الرابعة: جناية متناول المخدرات على غيره:
إن أخطر أثر من آثار المسكرات والإدمان على المخدرات هو ما يقع منهم على غيرهم من الاعتداءات سواء كانوا من ندمائهم أو من أخدانهم أو من عائلاتهم وأسرهم أو من غير هؤلاء وأولئك فمتى يعاقبون على ما ارتكبوا جرائم وما اقترفوا من جنايات؟ ومتى لا تقع عليهم المسئولية الجنائية فلا يعاقبون؟ فنقول:
١ - إذا تناول السكران المادة المسكرة مكرها أو تناولها مختارا وهو لا يعلم أنها مسكر أو شرب دواء للتداوي فأسكره أو شربها مضطرا لدفع غصة فارتكب جناية موجبة للحد أو القصاص، فإنه لا يعاقب لأنه ارتكب الجريمة وهو زائل العقل فيكون حكمه حكم المجنون أو النائم وما أشبهه وهذا هو الرأي الراجح في كل من المذاهب الأربعة.
٢ - أما من يتناول المسكر مختارا بغير عذر عالما بذلك فإنه مسئول عن كل جريمة يرتكبها أثناء سكره سواء ارتكبها عامدا أو مخطئا ويعاقب بعقوبتها، لأنه أزال عقله بنفسه وبسبب هو في ذاته جريمة فيتحمل العقوبة زجرا له (١) فضلا عن أن إسقاط العقوبة عنه يفضي إلى نتيجتين كلتيهما أخطر من الأخرى:
الأولى: انتشار المسكرات على نطاق واسع وتشجيع المجرمين على اقتراف جرائمهم نظرا لما يبعثه إسقاط العقوبة عنهم من الشعور بالقوة في نفوسهم والشجاعة والاستهانة بالغير.
الثانية: إشاعة الفوضى الأخلاقية وعدم الاستقرار الأمني. وفي كل من المذاهب الأربعة رأي آخر مرجوح بل مهجور وهو أن السكران لا يسأل عن تصرفاته سواء تناول المسكر مختارا أو مكرها أو غير عالم بأنه مسكر؛ لأن
стр. 14143
عقله كان زائلا وقت إتيان الفعل فلم يكن مدركا، والإدراك أساس المسئولية الجنائية فإذا فقد انعدمت المسئولية، ومصدر هذا الرأي عثمان ﵁. وقد أخذ به قلة من الفقهاء في كل مذهب، ولكنه رأي مهجور. وبهذا يترجح القول الأول وهو أخذ السكران القاتل بالقصاص والمرتكب ذنبا موجبا للحد بالعقوبة المقررة في ذلك، لأنه إذا علم من تسول له نفسه الاقتراب من المسكرات أنه مؤاخذ بجرمه معاقب بذنبه لتردد ألف مرة قبل إقدامه على تناولها، وبذلك يكون عامل ردع له ولغيره، وذلك من أهم الأغراض التي شرعت العقوبات لتحقيقها (١) والله أعلم.
стр. 14144
الإقرار بالقتل أو الحد:
إذا أقر السكران بجناية قتل أو إصابة ذنب موجب للحد وحدث منه هذا الإقرار حال سكره، فإنه لا يعتد بهذا الإقرار، لأنه صدر من شخص لا يدري ما يقول، فهو كالمجنون. . وهذا هو قول الجمهور.
ويرى بعض الفقهاء أنه يؤاخذ بإقراره في القتل والحدود.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يؤاخذ بإقراره ولا يعتد به للحديث الصحيح الوارد في قصة ماعز الأسلمي، فهو حجة على عدم الأخذ بإقرار السكران في الحدود والدماء (١) والله أعلم.
стр. 14145
عاشرا: عقوبة المخدرات في الشريعة الإسلامية:
العقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع، والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد واستنقاذهم من الغواية وإرشادهم من الضلالة وكفهم