← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14141–14180 · переход к 14146.

стр. 14141

المسألة الثالثة: من يؤدي الصلاة وهو تحت تأثير المخدر: لا مراء في أن المخدرات تورث الفتور والخدر في الأطراف، ولذلك يكثر النوم لمتعاطيها. ومن أجل تأثير المخدرات وإصابتها عقل متعاطيها فإنه لا يحسن المحافظة على وضوئه فتفلت بطنه دون أن يدري أو يتذكر. ولهذا أجمع الفقهاء على أن من نواقض الوضوء أن يغيب عقل المتوضئ بجنون أو صرع أو إغماء أو يتعاطى ما يستتبع غيبة العقل من خمر أو حشيش أو أفيون أو غير هذا من المخدرات المغيبات، وإذا انتقض وضوءه بطلت صلاته وهو بهذه الحال. ولا فرق في هذا بين خمر وسكر بخمر سائل أو مشموم أو مأكول أو محقون وخلافه. وقد أمر الله عباده ألا يقربوا الصلاة حين سكرهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) الآية. وهذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر حتى يزول أثره وهو برهان قاطع على بطلان صلاة السكران بأي نوع من أنواع المسكرات والمخدرات

стр. 14142

المسألة الرابعة: جناية متناول المخدرات على غيره: إن أخطر أثر من آثار المسكرات والإدمان على المخدرات هو ما يقع منهم على غيرهم من الاعتداءات سواء كانوا من ندمائهم أو من أخدانهم أو من عائلاتهم وأسرهم أو من غير هؤلاء وأولئك فمتى يعاقبون على ما ارتكبوا جرائم وما اقترفوا من جنايات؟ ومتى لا تقع عليهم المسئولية الجنائية فلا يعاقبون؟ فنقول: ١ - إذا تناول السكران المادة المسكرة مكرها أو تناولها مختارا وهو لا يعلم أنها مسكر أو شرب دواء للتداوي فأسكره أو شربها مضطرا لدفع غصة فارتكب جناية موجبة للحد أو القصاص، فإنه لا يعاقب لأنه ارتكب الجريمة وهو زائل العقل فيكون حكمه حكم المجنون أو النائم وما أشبهه وهذا هو الرأي الراجح في كل من المذاهب الأربعة. ٢ - أما من يتناول المسكر مختارا بغير عذر عالما بذلك فإنه مسئول عن كل جريمة يرتكبها أثناء سكره سواء ارتكبها عامدا أو مخطئا ويعاقب بعقوبتها، لأنه أزال عقله بنفسه وبسبب هو في ذاته جريمة فيتحمل العقوبة زجرا له (١) فضلا عن أن إسقاط العقوبة عنه يفضي إلى نتيجتين كلتيهما أخطر من الأخرى: الأولى: انتشار المسكرات على نطاق واسع وتشجيع المجرمين على اقتراف جرائمهم نظرا لما يبعثه إسقاط العقوبة عنهم من الشعور بالقوة في نفوسهم والشجاعة والاستهانة بالغير. الثانية: إشاعة الفوضى الأخلاقية وعدم الاستقرار الأمني. وفي كل من المذاهب الأربعة رأي آخر مرجوح بل مهجور وهو أن السكران لا يسأل عن تصرفاته سواء تناول المسكر مختارا أو مكرها أو غير عالم بأنه مسكر؛ لأن

стр. 14143

عقله كان زائلا وقت إتيان الفعل فلم يكن مدركا، والإدراك أساس المسئولية الجنائية فإذا فقد انعدمت المسئولية، ومصدر هذا الرأي عثمان ﵁. وقد أخذ به قلة من الفقهاء في كل مذهب، ولكنه رأي مهجور. وبهذا يترجح القول الأول وهو أخذ السكران القاتل بالقصاص والمرتكب ذنبا موجبا للحد بالعقوبة المقررة في ذلك، لأنه إذا علم من تسول له نفسه الاقتراب من المسكرات أنه مؤاخذ بجرمه معاقب بذنبه لتردد ألف مرة قبل إقدامه على تناولها، وبذلك يكون عامل ردع له ولغيره، وذلك من أهم الأغراض التي شرعت العقوبات لتحقيقها (١) والله أعلم.

стр. 14144

الإقرار بالقتل أو الحد: إذا أقر السكران بجناية قتل أو إصابة ذنب موجب للحد وحدث منه هذا الإقرار حال سكره، فإنه لا يعتد بهذا الإقرار، لأنه صدر من شخص لا يدري ما يقول، فهو كالمجنون. . وهذا هو قول الجمهور. ويرى بعض الفقهاء أنه يؤاخذ بإقراره في القتل والحدود. والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يؤاخذ بإقراره ولا يعتد به للحديث الصحيح الوارد في قصة ماعز الأسلمي، فهو حجة على عدم الأخذ بإقرار السكران في الحدود والدماء (١) والله أعلم.

стр. 14145

عاشرا: عقوبة المخدرات في الشريعة الإسلامية: العقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع، والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد واستنقاذهم من الغواية وإرشادهم من الضلالة وكفهم

стр. 14146

عن المعاصي وبعنهم على الطاعة وانتشالهم من الوقوع في مهابط الرذيلة والخروج عن الطريق المستقيمة (١) فالعقوبة مصلحة لا لذاتها، ولكن باعتبار ما يترتب عليها من المصالح، قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: " إن العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكون المصلحة هي المقصودة من شرعها كقطع السارق وقاطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية " (٢). وقبل أن أوضح آراء الفقهاء في عقوبة المخدرات أقرر حقيقة لا ريب فيها وهي: أنه لا خلاف بين العلماء في حرمة تناول المخدرات بجميع أسمائها وأنواعها، كما أنه لا خلاف بينهم أيضا في أن تعاطي المخدرات ذنب تجب عليه العقوبة، بل يجب تشديد العقوبة على فاعل ذلك، ولكن تختلف عقوبة المخدرات باختلاف الجريمة المعاقب عليها وهي لا تخلو إما أن تكون تناولا للمادة المخدرة أو إتجارا وترويجا لها. أولا: عقوبة تناول المادة المخدرة: لما كان متناول المخدرات والعقاقير المخدرة يشترك مع متعاطي الخمر في بعض الخصائص- كما بينا سابقا- كفقد التمييز، وعدم القدرة على الامتناع عنها بعد تناولها، وفي الصد عن الذكر وعن الصلاة وغير ذلك من الخصائص كما أن هذه المواد تتميز عن الخمر ببعض الخصائص كتناول كثير منها وهي جامدة أو تناولها عن طريق الحقن وعدم هياج متناولها، وعدم قدرته على البطش غالبا لتخدر حواسه وغير ذلك. لذلك اختلف أهل العلم في تقييم وتصنيف هذه المواد وبالتالي اختلف

стр. 14147

آراؤهم في تحديد العقوبة على متناول هذه المواد المخدرة على قولين: القول الأول: أن المواد المخدرة مواد مسكرة، لذا تعتبر أنواعا من الخمر ويستدل على تحريمها وإثم متناولها بأدلة تحريم الخمر من الكتاب والسنة ويجب أن تطبق على متناولها جميع الأحكام التي تطبق على شارب الخمر لاشتراكها معها في علة الحرمة وهي الإسكار. وبما أن الخمر يجب فيها الحد فكذلك هذه المواد، وممن قال بهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيثمي المكي والزركشي والذهبي يرحمهم الله تعالى. قال ابن تيمية ﵀: (حد الشرب ثمانون سوطا أو أربعون إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر) (١) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (. . . واستدل بمطلق قوله ﷺ : «كل مسكر حرام (٢)» على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة وجزم آخرون بأنها مخدرة وهو مكابرة، لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها) (٣) وقال ابن حجر المكي: (. . . فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيء من هذه المذكورات، لاشتراكها في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه، فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر) (٤) وقال الزركشي تعقيبا على ما ذكره العلامة القسطلاني من بعض المسكرات كالحشيش والأفيون وجوزة الطيب والبنج وغيرها. . قال: (إن هذه الأمور المذكورة تؤثر في متعاطيها المعنى الذي يدخله في حد

стр. 14148

السكران، فإنهم قالوا: السكران هو الذي اختل كلامه المنظوم وانكشف في المكتوم أو هو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض) (١) وقال الذهبي ﵀: (والحشيشة المصنوعة من ورق القنب- حرام بالإجماع يحد شاربها كما يحد شارب الخمر) (٢). ولم يفرق جمهور الفقهاء بين شرب الخمر وغيرها؛ فقالوا: " كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر حكمه حكم الخمر في تحريمه ووجوب الحد على شاربه " (٣). " وينسب هذا القول أيضا لابن قيم الجوزية، وابن حزم، والأمير الصنعاني ومن تابعهم من الفقهاء المحدثين" (٤) ويقاس على الحشيش سائر المخدرات الأخرى. والخلاصة: أنه إذا ثبت تناول المسكر خمرا أو غيره، فلا بد أن يعاقب فاعل ذلك دنيويا، وهذا أمر مسلم به بين المسلمين جميعا ولا خلاف بينهم في ذلك، فقد ثبت تحريم الخمر بالقرآن الكريم، وأما العقاب على شربها فمصدره السنة النبوية المطهرة. وأما نوع العقوبة فمصدره الإجماع فقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر ثم اختلفوا في مقداره ما بين أربعين أو ثمانين جلدة (٥) وسبب هذا الاختلاف هو أن القرآن الكريم لم يذكر العقوبة وأن السنة النبوية غير صريحة ولا قاطعة في تحديدها وكذلك

стр. 14149

الآثار الواردة عن الصحابة، ولم يثبت لديهم نص ملزم في ذلك. لهذا تغير حكمهم واختلفت فتواهم بتغير الزمن واختلاف الأحوال. وإليك طرفا من الأحاديث والآثار التي وردت في هذا الصدد منذ عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم يتلو ذلك بيان آراء الفقهاء قديما وحديثا مع ترجيح الرأي المختار منها وبيان ذلك على النحو التالي: روى البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال (١)» وفي رواية: «أتي النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين (٢)» وفي لفظ للترمذي «ضرب النبي ﷺ بنعلين أربعين (٣)» وأخرج مسلم في صحيحه من طريق حضير [مصغر]، ابن المنذر أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده، فلما بلغ أربعين قال: أمسك جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي " (٤) قال ابن حجر العسقلاني في الفتح (٥) " فيه الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها "فجلده نحو أربعين " والجمع بينها أن عليا أطلق الأربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب ". وروى أبو داود في سننه (٦) بسنده عن علي ﵁ قال: " لا أدي (٧) أو ما كنت لأدي من أقمت عليه حدا إلا شارب الخمر، فإن

стр. 14150

رسول الله ﷺ لم يسن فيه شيئا، إنما هو شيء قلناه نحن ". قال ابن حجر في الفتح (١): " والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي ﷺ جلد أربعين وأنه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب أن النبي ﷺ لم يسنه بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين: أي لم يسن شيئا زائدا على الأربعين. يؤيده قوله: "وإنما هو شيء قلناه نحن " وفي بعض الروايات: وإنما هو شيء صنعناه نحن، يشير إلى ما أشار به على عمر. وعلى هذا فقوله: " لو مات لوديته " أي في الأربعين الزائدة وبذلك جزم البيهقي وابن حزم ". وروى البيهقي في سننه (٢) عن ابن عباس ﵄: أن الشراب كانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي ﷺ . فقال أبو بكر ﵁: "لو فرضنا لهم هذا! فتوخى لهم نحوا مما كانوا يضربون في عهد، النبي ﷺ ، فكان أبو بكر ﵁ يجلدهم أربعين حتى توفي ". ولما كان عهد عمر بن الخطاب ﵁ شاور الناس في جلد شارب الخمر وقال: إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها! فقال علي: إن السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى " قذف الأبرياء " فاجعله حد الفرية [أي القذف] فجعله عمر حد الفرية ثمانين (٣) وورد أن عليا ﵁ زاد على الثمانين في بعض الأحوال. روى البيهقي في سننه (٤) عن سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: " أتي علي ﵁ بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فأفطر فضربه

стр. 14151

ثمانين ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، وقال: إنما ضربتك هذه العشرين لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان". وروى أبو داود في سننه (١) عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم (٢)». وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن ابن جريج سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله ﷺ في الخمر؟ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فرض فيها حدا كان يأمر من حضره يضربون بأيديهم ونعالهم حتى يقول رسول الله ﷺ ارفعوا. بل قد ورد أن النبي ﷺ لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود في سننه بسند قوي (٣): عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ لم يوقت في الخمر حدا، قال ابن عباس وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي ﷺ فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك ولم يأمر فيه بشيء (٤)». وبعد: فهذا ما ورد من الروايات في حد شرب الخمر ويتحصل من مجموعها أن في المسألة ستة أقوال أشار إليها ابن حجر ﵀ في الفتح (٥) قال ﵀: والذي تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستة أقوال: الأول: أن النبي ﷺ لم يجعل فيها حدا معلوما، بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به. قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم أتي النبي بسكران فأمرهم بضربه وتبكيته، فدل على ألا حد في السكر،

стр. 14152

بل فيه التنكيل والتبكيت، ولو كان ذلك على سبيل الحد لبينه بيانا واضحا قال: فلما كثر الشراب في عهد عمر استشار الصحابة، ولو كان عندهم عن النبي ﷺ شيء محدود لما تجاوزوه كما لم يتجاوزوا حد القذف ولو كثر القاذفون وبالغوا في الفحش، فلما اقتضى رأيهم أن يجعلوه كحد القذف، واستدل علي بما ذكر من أن في تعاطيه ما يؤدي إلى وجود القذف غالبا أو إلى ما يشبه القذف، ثم رجع إلى الوقوف عند تقدير ما وقع في زمن النبي ﷺ ، دل على صحة ما قلناه، لأن الروايات في التحديد بأربعين اختلفت عن أنس وكذا عن علي، فالأولى ألا يتجاوز أقل ما ورد أن النبي ﷺ ضربه، لأنه المحقق سواء كان ذلك حدا أو تعزيرا. الثاني: أن الحد فيه أربعون ولا تجوز الزيادة عليها. الثالث: مثله لكن للإمام أن يبلغ به الثمانين وهل تكون الزيادة من تمام الحد أو تعزيرا قولان. الرابع: أنه ثمانون ولا تجوز الزيادة عليها. الخامس: أنه ثمانون وتجوز الزيادة تعزيرا. السادس: إن شرب فجلد ثلاث مرات فعاد الرابعة وجب قتله، وقيل إن شرب أربعا فعاد الخامسة وجب قتله. وقد جمع القرطبي ﵀ بين الأخبار الواردة في عدم معاقبة شارب الخمر بشيء والواردة في معاقبته حدا أو تعزيرا فقال ﵀: "لم يكن أولا في شرب الخمر حد وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس السابق في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي ﷺ فاستقر عليه الأمر ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا ".

стр. 14153

والظاهر أن النبي ﷺ تساهل في أول الأمر لقرب عهدهم من حل الخمر حتى إذا استقر التشريع ضرب وجلد وإن لم يوقت حدا. وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان السابق من أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة أو الخامسة وهو ما ذهب إليه بعض فقهاء الظاهرية والإمامية فهو منسوخ بما رواه عبد الرزاق في مصنفه (١) وغيره: عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه. . ثم إذا شرب الرابعة فاقتلوه، قال فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتي به وقد شرب فجلده ثم أتي به في الرابعة قد شرب فجلده فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة (٢)». ومال الخطابي (٣) إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل فقال: " قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وإنما قصد به الردع والتحذير. ثم قال: ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل ". وقال ابن المنذر (٤): " كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة وبإجماع أهل العلم إلا من شذ من لا يعد خلافه خلافا ". وبناء عليه فيمكن إرجاع الآراء الثاني والثالث والرابع والخامس إلى رأيين فقط: الرأي الأول: " أن حد الشرب والسكر ثمانون جلدة وهذا هو ما يراه الفقهاء: مالك وأبو حنيفة والشافعي في رواية عنه وأحمد في رواية عنه والثوري والأوزاعي وابن المنذر " (٥) ويرى بعض الفقهاء أن حد الشرب والسكر

стр. 14154

أربعون جلدة. وهذا هو ما يراه أبو ثور وداود والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية ثانية عنه (١) قال القاضي عياض: "أجمعوا على وجوب الحد في الخمر واختلفوا في تقديره فذهب الجمهور إلى الثمانين وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: أربعين. وتبعه على نقل الإجماع ابن دقيق العيد والنووي ومن تبعهما" (٢). الرأي الثاني: يرى بعض العلماء من القدامى والمحدثين أن عقوبة شرب الخمر ليست من عقوبات الحدود، وإنما هي من عقوبات التعزير حكى هذا الطبري وابن المنذر عن طائفة من أهل العلم قديما (٣) مستدلين بأحاديث كثيرة ثابتة عن النبي ﷺ لم يصرح فيها بتعيين عدد الضرب وأصرحها حديث أنس ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه (٤) واستدلوا أيضا بما رواه ابن شهاب حين سئل: كم جلد رسول الله ﷺ في الخمر؟. . الحديث. وبما رواه ابن عباس فيمن شرب فسكر فانطلق به إلى النبي ﷺ فلما حاذى دار العباس انفلت. . الحديث، وبما رواه الطبري عن ابن عباس أيضا، «ما ضرب رسول الله ﷺ في الخمر إلا أخيرا ولقد غزا تبوك فغشي حجرته من الليل سكران فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله (٥)» وممن رأى ذلك من العلماء المحدثين (٦) د. عبد العظيم شرف الدين في كتابه " العقوبة المقدرة لمصلحة المجتمع الإسلامي " ود. محمد سليم العوا في كتابه " أصول النظام الجنائي " والشيخ محمود شلتوت في كتابه " الإسلام عقيدة وشريعة" وغيرهم.

стр. 14155

الرأي الراجح: والرأي الراجح عند عامة أهل العلم: أن العقوبة "ثمانون جلدة" وأنه لم يحدد مقدارها بهذا العدد إلا في عهد عمر بن الخطاب ﵁، حيث استشار أصحاب رسول الله ﷺ في حد شارب الخمر، فأفتى علي بن أبي طالب ﵁ بأن يحد ثمانين جلدة ووافق أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الرأي (١) وأرى أنه مادام قد ثبت حد الشرب للخمر وتغيرت فتوى الصحابة ﵃ في مقدار الحد من عصر لعصر، ومن حال لحال، فيكون مرجع ذلك إلى نظر الإمام أو الحاكم؛ فإذا رأى أن يجلده (٢) عددا معينا إلى حد الثمانين جلدة فله بما وقع من الصحابة أسوة. وإن رأى أن يأمر بمطلق الضرب له من غير تعيين فله برسول الله ﷺ أسوة. قال الشوكاني ﵀: " من شرب مسكرا مكلفا مختارا جلد على ما يراه الإمام إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر ولو بالنعال " (٣) القول الثاني: أن المخدرات مواد مخدرة فقط وليست مسكرة. وبناء عليه فإن عقوبة متعاطيها عقوبة تعزيرية فقط يترك تحديد نوعها ومقدارها لولي الأمر حسبما يرى أن المصلحة تقتضيه مراعيا في ذلك مدى انتشار الجريمة وحال المجرم، وما إلى ذلك من الاعتبارات على أن تكون العقوبة التي يقدرها ولي الأمر عقوبة رادعة حتى قال بعض العلماء: إن التعزير من الممكن أن يصل إلى حد الإعدام. ويرى جمهور الفقهاء أن التعزير بما دون حد الخمر (٤). وجاء في مجلة " اللواء الإسلامي " (٥) عن د. عبد الصبور شاهين قوله:

стр. 14156

يجب تنفيذ حد الحرابة من القتل والتصليب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف ليس فقط للمهرب أو التاجر، بل ينبغي أن يشمل ذلك المتعاطي. ولم يوجد من الفقهاء من رأى هذا سواه (١). والراجح: أن التعزير مفوض إلى ولي الأمر يقدره حسبما يرى فيه المصلحة، فله أن يعزر بالقتل وبما دون القتل ولو استوجب مصلحة الردع الزيادة على حد السكر، كما هو رأي الإمام مالك ولفيف من الفقهاء يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ تعقيبا على حد تعزيري أصدره أحد القضاة: (ونحيطكم علما بأن باب التعزير واسع يستطيع ولي الأمر عن طريقه أن يفرض من العقاب ما يكون كافيا للزجر مانعا للإجرام، لأن الشريعة لم تحدد عقوبة معينة، وإنما هو يقوى ويضعف بسبب عظم الجناية وصغرها.) (٢)

стр. 14157

ثانيا: عقوبة الإتجار بالمخدرات وتهريبها والترويج لها: لم يكتف الإسلام بفرض عقوبة الجلد لشارب المسكر فحسب، بل شمل ذلك أيضا كل من أسهم في تهيئتها للمتعاطين لها. روى أبو داود في سننه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (١)» هذا ولم يرد في كتب الفقهاء المتقدمين عقوبة محددة على المهرب والمروج والتاجر " ومال بعض الفقهاء المحدثين إلى تشديد العقوبة على المهرب والمروج والتاجر حتى وصلت إلى حد الحرابة وهو القتل أو التصليب أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ". ولولي الأمر أن يتخذ من الوسائل ما يكفل سلامة المجتمع وحمايته من الضرر وأن يسن ما يراه من عقوبات رادعة

стр. 14158

للأخذ على يد هؤلاء بالسجن والغرامة والمصادرة وكل ما يحقق مصلحة الأمة ومطاردة المفسدين واستتباب الأمن في البلاد ولو أدى إلى قتلهم سياسة إذا رأى المصلحة تدعو إلى ذلك. والدليل على هذا: ١ - ما قرره كثير من الفقهاء من أن لولي الأمر أن يقتل الساعي بين الناس بالفساد تعزيرا وسياسة. ٢ - ولأنه إذا عوقب بما دون القتل واستمر في فساده أصبح كالصائل الذي لا يندفع شره إلا بالقتل، فيجوز لولي الأمر أن يقتله حينئذ سياسة وتعزيرا. ٣ - ما ثبت عن رسول الله ﷺ من الأمر بقتل شارب الخمر في المرة الرابعة إذا أقيم عليه الحد في كل مرة ولم يجد ذلك في ردعه عنها. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه (١)» فهذا الحديث ظاهر الدلالة على قتل من تكرر منه شرب الخمر على رأي من يرى قتله بعد الرابعة أو الخامسة مع أن ضرره مقصور على نفسه لا يتعداه إلى غيره، فلأن يكون القتل مشروعا بالنسبة للمتاجر بالمخدرات والمروج لها ونحوهما من باب أولى إذ الضرر المترتب على ذلك ضرر عام، لا تقتصر آثاره على فرد معين. ٤ - أن التجربة أثبتت عدم نجاعة العقوبات التي طبقت على هؤلاء ومن على شاكلتهم في كثير من البلدان التي لم تصل إلى حد القتل بينما نجحت عقوبة القتل التي طبقت في بلاد أخرى في الحد من هذه الظاهرة وحصرها في أضيق نطاق طبقا لما كشفت عنه الإحصائيات الصادرة عن تلك البلاد

стр. 14159

وقد أفتى بذلك مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في قراره الصادر برقم ١٣٨ وتاريخ ٢٠/ ٦ / ١٤٠٧ هـ متضمنا ما يلي: أولا: بالنسبة لمهرب المخدرات فإن عقوبته القتل لما يسببه تهريب المخدرات وإدخالها البلاد من فساد عظيم لا يقتصر على المهرب نفسه وأضرار جسيمة وأخطار بليغة على الأمة بمجموعها ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج يمون بها المروجين. ثانيا: أما بالنسبة لمروج المخدرات فقد أكد المجلس قراره رقم (٨٥) بتاريخ ١١/ ١١ / ١٤٠١هـ الذي نص على أن: " من يروج المخدرات فإن كان للمرة الأولى فيعزر تعزيرا بليغا بالحبس أو الجلد أو الغرامة أو بها جميعا حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان بالقتل، لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين وممن تأصل الإجرام في نفوسهم ". وبناء عليه فقد صدر أمر خادم الحرمين الشريفين المبلغ لكل من وزارة العدل ووزارة الداخلية برقم ٤ / ب / ٩٦٦٦ وبتاريخ ١٠/ ٧ / ١٤٠٧ هـ بالعمل بموجبه وتعميمه على المحاكم. ووفق النظام الخاص بجرائم المخدرات المعمول به حاليا فإن العقوبة: ١ - بالنسبة للاتجار والترويج والإهداء: السجن خمسة عشر عاما وغرامة عشرين ألف ريال إلى جانب العقوبة التعزيرية التي يقررها الحاكم الشرعي. بالنسبة للاشتراك وتسهيل التهريب: السجن سبع سنوات والفصل من الخدمة إن كان موظفا. بالنسبة للاستعمال: السجن سنتان إلى جانب العقوبة التعزيرية التي يقررها الحاكم الشرعي (١)

стр. 14160

حادي عشر: الواجب الشرعي على المسلم إزاء مدمني ومهربي ومروجي المخدرات: كرم الله الإنسان ونأى به عن مواطن الريب والمهانة، وامتدح عباده المؤمنين الذين تجنبوا مجالس اللغو وأعرضوا عن عمل الجاهلين فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) وروى أبو داود في سننه عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر (٣)» ويستفاد من هذه النصوص أنه يحرم مجالسة مقترفي المعاصي أيا كان نوعها، لأن في مجالستهم إهدارا لحرمات الله وإعراضا عن شرعه؟ ولأن من يجلس مع العصاة يتخلق بأخلاقهم ويجري على لسانه ما يتناقلونه من ساقط القول وقبيح العبارات ويعتاد ما يفعلون من مآثم كشرب المسكرات والمخدرات ويشاركهم في عمل المنكرات. ومن هنا كان على الإنسان أن ينأى عن مجالس الشرب المحرم خمرا سائلا أو مخدرات مطعومة أو مشروبة أو مشمومة أو محقونة، فإنها مجالس الفسق والفساد وإضاعة الصحة والمال وعاقبتها الندم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٤) فمن جلس مع المدمن أو المهرب أو التاجر أو كل من له سبب في إشاعة

стр. 14161

هذه المنكرات فقد رضي بمنكرهم وأقر فعلتهم. والمؤمن الحق مأمور بإزالة الباطل متى استطاع بالوسيلة المشروعة. وقد أفتى مجلس هيئة كبار العلماء بدورته السابعة والعشرين بتاريخ ٦/ ٦ / ١٤٠٦هـ بأن الإخبار عن مهربي المخدرات ومروجيها وغيرهم من المفسدين واجب على كل من عرف ذلك، وأنه من التعاون على البر والتقوى المأمور به في الكتاب العزيز والسنة المطهرة. فقد قال الله جل شأنه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢)» فلا يجوز للمسلم أن يتخلف عن أداء هذا الواجب تعاونا مع إخوانه في مكافحة هذه الجريمة الخطيرة والقضاء على هذا الشر المستطير، وبهذا يعلم أن السكوت عنهم أو التستر عليهم يعتبر من أعظم التعاون على الإثم والعدوان. وبهذا فإن عليك يا أخي المسلم أن تبلغ السلطات بالمعلومات التي تتوافر لديك عن أولئك المفسدين في الأرض من مهربي ومروجي ومدمني وتجار المخدرات والمسكرات والدلالة عليهم للإحاطة بهم والقضاء على شرهم وتضييق الخناق عليهم والله نسأل أن يوفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما يحبه ويرضاه.

стр. 14162

ثاني عشر: أسباب تعاطي المخدرات وانتشارها (١): هناك أسباب كثيرة قد تدفع إلى تعاطي المخدرات، وفي الغالب يكون هناك أكثر من سبب واحد يشكل مشكلة نفسية أو مرضية تعترض الإنسان وتشجعه

стр. 14163

على تعاطي المخدر أو العقار لأول مرة ثم يعتاده ويتعود عليه، من هذه الأسباب: أولا: تأثير الحالة الاقتصادية وضغوط المعيشة، فالفقر والحرمان والجوع قد يدفع أحيانا بالإنسان إلى تعاطي المخدر هربا من الآلام وقسوة الحياة. ثانيا: وفرة المال مع الشباب قد تدفعه إلى تعاطي المخدر من قبيل البذخ واللهو. ثالثا: حب الاستطلاع والتجربة، ولكن حذار فالتجربة هنا مدمرة. رابعا: قد يكون السبب في ذلك حب الظهور والميل إلى تقليد الرجال. خامسا: شغل أوقات الفراغ ومجاراة أصدقاء السوء والصحبة السيئة. سادسا: المعالجة لبعض الأمراض دون مشورة طبية. سابعا: الرغبة في زيادة القدرة على العمل أو السهر للمذاكرة وغيرها. ثامنا: الاعتقاد الخاطئ بعلاقة المخدرات بالجنس. تاسعا: الاعتقاد الخاطئ بأن المخدرات ليست محرمة شرعا. عاشرا: وهو السبب الأهم. . ضعف الوازع الديني وعدم اللجوء إلى الله في الشدائد والمحن، فلو تمسك المسلم بدينه وقوي إيمانه بالله لما أقدم على ارتكاب هذه المعصية مهما كانت الظروف ومهما اعترضه من مشاكل الحياة، ففي الإسلام الدواء الناجع لكل مشكلة والشفاء لكل داء.

стр. 14164

ثالث عشر: الآثار السلبية المترتبة على تعاطي المخدرات: المخدرات داء وبيل وشر مستطير وسم ناقع، يفترس كل من يقع في حبائله ويقضي على كثير من مقدرات الأمة وينشر فيها الشر والفساد. ولم يعد خافيا ما أحدثته المخدرات من آثار سلبية في المجتمعات التي استشرت فيها وسوف نوضح في هذه العجالة الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد دينيا واجتماعيا وسلوكيا وصحيا واقتصاديا. ثم الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأسرة، ومن ثم على المجتمع كله. أولا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد دينيا: جنح الإسلام

стр. 14165

في أصوله إلى التزام مبدأ العناية بتهذيب الفرد خاصة حتى يكون مصدر خير للجماعة؛ لأنه إذا صلح الفرد صلحت الجماعة. يقول تعالى مخاطبا رسوله وأنصاره: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). وعنوان صلاح الفرد المسلم إنما يكون بامتثاله الأوامر واجتنابه النواهي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). وتناول المخدرات يعطل القيام بهذا الأمر العظيم إذ هي صادة عن ذكر الله مانعة من أداء الواجبات الشرعية من صلاة وصيام وغيرهما: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣). فأي ضرر أعظم من هذا الضرر الذي يصيب الإنسان في دينه ويصده عن عبادة ربه؟ ويكفي متناول المخدرات عقوبة وذنبا أنه لا يحل له قربان المسجد حتى يصحو ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولا تقبل منه حتى يتوب. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال (٤)» قيل: يا أبا عبد الرحمن وما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار. أخرجه الترمذي وقال حديث حسن (٥).

стр. 14166

إن الدين أعز ما يملكه الإنسان؛ لأنه الثروة الحقيقية التي ينال بها الإنسان سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، والإنسان الذي يعتني بدينه ويحافظ عليه سيكون في منأى عن تأثير الشيطان وأعوانه، ولا يمكن أن يقع في شرك المخدرات إلا إنسان ضعفت صلته بالله ، فإذا سقط في مستنقعها أفسدت عليه دينه وعقله، لأنه وقع فريسة لإبليس الذي يحرص على إغوائه فيصبح شخصا لا خلاق له ولا دين له، لأن عقله بات أسير شهواته فلا يردعه وازع من دين أو ضمير لأن إحساسه يتلاشى، وغيرته الدينية تموت بمخالفته أمر الله تعالى وتنكبه الطريق السوي الذي كان يجب عليه أن يسلكه. ولا ريب أن الدين والعقل من أهم الضرورات التي يحافظ عليها الإسلام، فكل منهما مرتبط بالآخر، فباستقامة العقل يستقيم للإنسان دينه فإذا فسد العقل أدى ذلك بالضرورة إلى فساد الدين، وإذا فسد دين الإنسان لم يعد له وازع يزعه ولا منهج سليم يسلكه ويختل تفكيره ولا يتورع أن يرتكب أية جريمة أو يمارس أية معصية في سبيل إشباع نزواته. روي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: "اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبد فعلقته امرأة أغوته، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنها تدعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفق كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر. فقالت: والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام. قال فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته كأسا فقال زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها وقتل الغلام. . فاجتنبوا الخمر فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ويوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ". . أخرجه النسائي موقوفا على عثمان بن عفان وإسناده

стр. 14167

صحيح (١) وإذا كان هذا من تأثير الخمر، فإن المخدرات تأثيرها على العقل أبشع من تأثير الخمر وما في الخمر من مضار دينية وفكرية يوجد في المخدرات ما هو أشد وأنكى.

стр. 14168

ثانيا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اجتماعيا: "إن تعاطي المخدرات يؤدي إلى نتائج سيئة للفرد بالنسبة لإرادته وعمله وإنتاجه ووضعه الاجتماعي وثقة الناس به. والأفراد الذين اعتادوا النشاط وكانوا موضع الثقة بغيرهم، تتأثر أخلاقهم وتضعف كفايتهم الإنتاجية يتحولون بفعل المخدر إلى أفراد يفتقرون إلى الكفاية الإنتاجية والمهنية وتقل لديهم الإرادة ويضعف الحماس وينعدم النشاط اللازم لتحقيق واجباتهم العادية المألوفة، لأن تعاطي المخدرات يجعلهم كسالى، تفكيرهم سطحي لا يوثق فيهم، يهملون أداء مسئولياتهم، انفعالاتهم سريعة لأتفه الأسباب. منحرفون في أمزجتهم وفي تعاملهم مع الناس وغالبا ما يتم طرد المتعاطي من عمله أو يجازى ماديا أو يقل دخله وإيراده " (١)

стр. 14169

ثالثا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد سلوكيا: لتعاطي المخدرات والعقاقير المخدرة آثار سلبية سيئة على السلوك الإنساني نتج عنها كثير من الانحرافات، وارتكاب كثير من الجرائم، ومنها: ١ - ازدياد العلاقة بين تعاطي المخدرات وجريمة إزهاق الأرواح وجرائم هتك الأعراض، والسرقة والغش، والتزوير والنصب والاحتيال واقتراف أبشع الجرائم (١). ٢ - نقص الشعور بالمسئولية أو انعدامه بالمرة وإيجاد ميل قوي إلى الكذب

стр. 14170

والنفاق وفتور الهمة وعدم الاكتراث بالواجبات وقلة الرغبة في الحياة وانهيار الحياة الزوجية خاصة، وقد يدفع إدمان هذه السموم إلى الانتحار في كثير من الأحيان أو الزج بالمدمن في أحد السجون أو أحد مستشفيات المجاذيب (١). ٣ - فساد الطباع والغرائز وشراسة الخلق ومعاشرة الأدنياء والسفهاء وفقد الغيرة على العرض، وسوء السلوك بين الفرد المتعاطي للمخدرات والمسكرات وبين رؤسائه في العمل مما يؤثر على مستقبله الوظيفي. ٤ - لا يقتصر الضرر على الفرد المتعاطي وحده، وإنما يشمل بقية أفراد المجتمع ذلك أنه إذا تعاطى المخدرات واعتاد عليها سهل عليه ارتكاب أبشع الجرائم كما أسلفت وهنا يتزعزع الأمن ويضطرب الاستقرار في نفوس الأفراد وتكثر الخصومات والمنازعات لأتفه الأسباب مما يخلخل قاعدة المجتمع ويفكك بنيته ويجعل أبناءه غير مترابطين. وبذا تسود الفوضى وتعم البلوى. ٥ - تعاطي المخدرات بين صفوف الطلبة يؤدي إلى التدهور في التحصيل العلمي ويبعث على القلق. وقد أثبتت الدراسات التي أجريت على الطلبة أن الذين يتعاطون المخدرات أكثر قلقا وانفعالا من الطلاب الذين لا يتعاطونها، واتضح أيضا وجود ارتباط بين هؤلاء المتعاطين والتردد على الأطباء النفسيين للعلاج (٢). ٦ - ومن الآثار الضارة الناجمة عن تعاطي المخدرات كذلك الاضطرابات العاطفية والعقلية والسلوكية، حيث إن المخدرات تخرب الشخصية وتشوش الإدراك وتبدل الألفة وتزعزع الملكات العقلية، حيث أثبت بعض العلماء أن العقار المخدر يحرر الإنسان من بعض الاعتبارات التي

стр. 14171

تحدد صفاته الشخصية مما يؤدي إلى الاضطراب الفكري والعاطفي والسلوكي (١). ونخلص من هذا أن السلوك الاجتماعي لدى الأفراد عند تعاطيهم للمخدرات يتغير تغيرا جذريا مقارنا بحالات عدم التعاطي ويبرز النواحي الشريرة ومكامن حب الجريمة في النفس وممارسة الأفعال الشاذة والتصرفات المشينة. ومن هنا كانت المخدرات تمثل خطرا داهما على الأمم والشعوب والعلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الأفراد (٢)

стр. 14172

رابعا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد صحيا: يؤدي تعاطي المخدرات إلى عدة أمراض نفسية وعقلية وبدنية للشخص المتعاطي أو المدمن، وتفاصيل تلك الأضرار وما تنطوي عليه من أخطار تهدد كيان البشرية أفرادا ومجتمعات قد تحدث عنها بإسهاب كثير من الباحثين المتخصصين في المجالات الصحية. ولكن نظرة فاحصة في أبحاثهم التي أعدوها وبينوا فيها أخطار المخدرات وما تحويه من نتائج مرعبة كفيلة بمعرفة الخطر الداهم والمستقبل المظلم الذي ينتظر كل من سقط في هوة المخدرات ووقع في شراكها، وقد أجمعت كل الدراسات على أن المخدرات تؤثر في أجهزة البدن من حيث القوة والحيوية والنشاط. ومن حيث المستوى الوظيفي لأعضاء الجسم وحواسه المختلفة وأن التأثير يتفاوت مداه وقوته تبعا لاختلاف المخدرات ودرجة وطريقة تعاطيها مع اشتراكها في بعض خصائص التأثير، وفي إيضاح الآثار الصحية وغيرها للمخدرات يقول الدكتور علي البدري: هناك آثار بعيدة المدى للمخدرات في التدمير والتخريب لعقول مدمنيها وصحتهم النفسية والجسمية؛ إذا سقطوا عبيدا للمسكرات والمخدرات، حيث يفقد المريض عقله ولا يرى لنفسه قدرة على العمل والإنتاج فيترك المدرسة- إن كان طالبا أو مدرسا- ويترك تجارته إن كان تاجرا- ويترك عمله بصفة عامة- إن كان

стр. 14173

عاملا- ثم ينتابه شعور بأنه مسحور وأن الآخرين يحاربونه بالسحر ويشك في أقرب الناس إليه ويصل به الأمر إلى الشك في أمه التي ولدته وفي أبيه الذي رباه وفي الواقع ما لديه إلا الجنون وهلوسة المخدرات المدمرة الساحقة الماحقة (١). كما تؤثر المخدرات تأثيرا ضارا بالغا في الوظائف العقلية لمتعاطيها من حيث الإدراك والتفكر والتذكر والتخيل والقدرة على الابتكار، كما تؤثر على حواس الإنسان وعلى انفعاله الوجداني وعلاقته مع نفسه ومع الآخرين (٢). ولكن ذاك التأثير يتفاوت مداه وقوته تبعا لاختلاف المخدرات ودرجة وطريقة تعاطيها كما بينا سابقا. إن الإدمان على المخدرات يؤدي إلى اضطراب الإدراك الحسي واضطراب الشعور والتفكير والوجدان والإحساس بالتعب والجنون- والعياذ بالله- كما يؤثر تأثيرا صحيا ملحوظا على كافة أعضاء الجسم فتتأثر العيون ويتأثر الجدد والأسنان والشعر والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي وأمراض ضغط الدم وغيرها وكذا الضعف الجنسي المزمن. كما تحدث لمدمني الخمور والمخدرات نوبات إغماء متكررة وقرحة المعدة وسرطان المريء وسرطان المعدة والتهاب البنكرياس الدموي الحاد ومرض تشمع الكبد وأمراض القلب والدورة الدموية والتهاب عصب الرئة والمؤدي إلى العمى وأمراض السل الرئوي وأمراض فقر الدم وتشوهات الأجنة في بطون الحوامل المدمنات. كما يسبب الإدمان على المخدرات الإنتان الدموي وهو مرض خطير والأخطر من هذا كله أن المخدرات تعتبر سببا رئيسا في مرض " الإيدز" فقدان المناعة المكتسبة، هذا المرض الذي سبب من الرعب والقلق ما لم يسببه أي مرض آخر منذ قرن من الزمان (٣)

стр. 14174

خامسا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اقتصاديا: إن الإدمان على المخدرات يسبب اضطرابا في النواحي الاقتصادية بدءا من الفرد ثم الأسرة ونهاية بالمجتمع كله. فالفرد لبنة من لبنات تكوين المجتمع وانخفاض إنتاجية الفرد يؤدي لانخفاض إنتاجية المجتمع، فإذا استسلم الفرد للمخدرات وانغمس فيها: ١ - ضعف أمام مواجهة واقع الحياة، الأمر الذي يؤدي إلى تناقص كفاءته الإنتاجية مما يعوقه عن تنمية مهاراته وقدراته. ٢ - شرب المخدرات أو تعاطيها بأي شكل كان ينهك الجسم بوجه عام ويؤثر ذلك في قدرته على العمل أو الدراسة، فيعتريه حينئذ الكسل والخمول فيصبح بالتالي عاجزا عن القيام بكثير من الضروريات مما يجعله سلبيا في معظم أحواله (١) ٣ - شرب المخدرات والإدمان عليها يؤدي إلى هبوط إنتاجيته كما وكيفا (٢) فلقد اتضح أن أهم الاضطرابات التي تحدث لدى المتعاطي أثناء التخدير وترتبط بهبوط الجانب الكمي من الإنتاج: هي اضطراب إدراك الزمن ويليه في الأهمية اضطراب إدراك الأصوات، ثم اضطراب إدراك الألوان، ثم قلة وضوح الرؤية للأشخاص والأشياء، واضطراب إدراك المسافات واختلال إدراك الحجوم كما أن اضطراب الذاكرة وانخفاض كفاءة التفكر يرتبطان بانخفاض الجانب الكيفي من الإنتاج [جودة الإنتاج]، (٣) ٤ - إن الأموال الباهظة التي ينفقها المتعاطي على شراء المخدر تمثل خسارة

стр. 14175

كبيرة على نفسه وعلى أسرته ومجتمعه فهو مستعد للتضحية حتى بقوته الضروري الذي يقيم صلبه وهو لا يحسن التصرف في ميزانية منزله وهدفه الوحيد والمفضل هو شراء المخدرات بأي ثمن مهما كانت حاجة الأسرة فهو مستعد كذلك بأن يضحي بقوت أولاده إرضاء لغريزته. وتمثل المخدرات خسارة على المجتمع أيضا، وتسبب اضطرابا في جميع أجهزته ومؤسساته وكلما زادت ظاهرة استعمال المخدرات ارتفعت معدلات الجرائم الخطيرة مما يقتضي بالضرورة تدعيم أجهزة الرقابة في الدولة وتشجيعهم لمكافآت مالية وغير مالية على القيام بهذا العمل وهذا بالتالي يؤدي إلى مضاعفة الإنفاق المالي للدولة على هؤلاء العاملين في مكافحة المخدرات وهذا لا شك يشكل عبئا اقتصاديا على الدولة. مما سبقا يتضح أن المخدرات تؤدي إلى فقد الكليات الخمس التي يحرص الإسلام على الحفاظ عليها. أما الكليات الخمس التي اتفق الفقهاء عليها فهي: (١) الدين (٢) النفس (٣) العقل (٤) العرض (٥) المال. فسرعان ما يفقد متعاطي المخدرات دينه إذ يقدم على محرم شرعا ويترك الصلاة عمدا ثم تأتي بقية الأركان. وينهدم البناء من أساسه. وثاني هذه الكليات هو الحفاظ على النفس. ولا شك أن المخدرات تؤدي إلى أضرار جسيمة بالنفس صحيا أوقد أوضحنا آثارها على الصحة، واجتماعيا، حيث الحوادث المروعة التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح بسبب هذا الداء الخبيث. وثالث هذه الكليات: العقل، ووظيفة المخدرات أساسا هي إزالة العقل أو المناطق العليا التي تتحكم في سلوك الإنسان وتعطيه الانضباط. ورابع هذه الكليات هو العرض، ومدمن المخدرات وضيع المنزلة، فاقد السمعة الطيبة بين قرنائه، ليس له من تقدير الناس واحترامهم وحبهم حظ ولا نصيب. فضلا عن أنه من الممكن أن يبيع زوجته وابنته وأخته من أجل الحصول

стр. 14176

على شمة أو حقنة، بل إنه يفقد غيرته مع فقدان عقله منذ اللحظات الأولى. وأما الكلية الخامسة وهي المال: فالمخدرات تأتي عليها وتأكلها أكلا وكم من أشخاص فقدوا ثرواتهم وأعمالهم بسبب إدمانهم للمخدرات، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الإجرام والسرقة واللصوصية من أجل الحصول على المال اللازم لشرائها. وهكذا تؤدي المخدرات وإدمانها إلى فقدان الكليات الخمس التي يحرص الإسلام أشد الحرص على الحفاظ عليها (١)

стр. 14177

رابع عشر: طرق الوقاية من المخدرات وعوامل مكافحتها: ليس هناك من عمل دون هدف أو قصد. والعمل الهادف يحقق نتائج إيجابية فعالة. والوقاية من الإدمان ليست بالمشكلة الاجتماعية السهلة التي يمكن حلها دون وضع مخطط شامل تتضامن فيه الهيئات المسئولة في الدولة حتى لا يفقد العمل قيمته. والوقاية الهادفة من الإدمان على تعاطي المخدرات تتعدد أوجه سياستها وتتمثل فيما يأتي: ١ - التشريعات الوقائية. ٢ - التوعية الدينية. ٣ - مسئولية البيئة الاجتماعية (الأسرية- الصحية- المجتمع المحلي). ٤ - دور المؤسسات التربوية. ٥ - التوعية الإعلامية (١). سورة آية. أولا: سن التشريعات الوقائية: فتصدر المؤسسات الأمنية، والصحية، والهيئات القضائية، في بلد معين تشريعات لحماية أبناء ذلك البلد ومجانبة شبابه مخاطر التردي في السكر والخدر والإدمان.

стр. 14178

فالهيئات الأمنية المسئولة كوزارة الداخلية تضع الضوابط الأمنية التي تكفل عدم خروج الأفراد عن النظم المتبعة في الحظر أو التداول المشروع- للعقاقير المسموح بتداولها- أو الممنوعة منعا باتا من الاستخدام وتتضامن مع هذه الهيئات هيئات أخرى داخل الوطن تقوم بدور المراقبة لحظر دخول المخدرات والعقاقير الممنوعة إلى البلاد كسلاح الحدود، والإدارة العامة لمكافحة المخدرات ومصلحة الجمارك التي تعمل في المطارات والطرق البرية والموانئ الساحلية وغيرها مما يضمن الرقابة التامة على حماية ووقاية المجتمع من انتشار العقاقير المخدرة والمسكرات. وتتعاون هذه الهيئات فيما بينها؛ لتؤدي مهام متعددة منها: ١ - ملاحقة المهربين والتجار والمروجين والقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة وتطهير المجتمع من شرورها. ٢ - القبض على المتعاطين لهذه السموم وتطبيق الأنظمة الصادرة في حقهم بحسب كل حالة، ثم تحويلهم إلى المستشفيات المتخصصة لمساعدتهم على التخلص من هذه السموم القاتلة. ٣ - استلام البلاغات من الشعب عن أية حالة تعاطي أو تهريب أو تروج والقيام على الفور بما يتطلبه الأمر من إجراءات للقبض على المجرم وتحويله إلى الجهات المختصة بمحاكمته. ٤ - مراقبة كافة المواد التجارية الواردة إلى البلد والصادرة عنه. ٥ - فرض رقابة شديدة على الأماكن المتوقع وصول المخدرات منها وإليها ومعرفة أماكن تخبئتها والتعرف على كيفية التعامل مع مهربي هذه المواد. ٦ - فرض رقابة شديدة على الأماكن التي يرتادها الأحداث ومداهمتها بين حين وآخر ووضع أنظمة لمعاقبة من يضبط منهم وهو يتعاطى المخدرات أو يستنشق الغازات، وكذا مراقبة الأماكن المهجورة مراقبة شديدة ووضع روادها في مؤسسات خاصة لرعايتهم. والهيئات الوقائية الصحية والمتمثلة في وزارات: الصحة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تنشر التحذيرات الوقائية والأضرار المترتبة على تداول وتناول

стр. 14179

العقاقير المخدرة وتقدم أيضا الرعاية الصحية والاجتماعية للخارجين على اتباع القواعد السلوكية الاجتماعية السليمة في المجتمع، لذا يجب التوسع في فتح مصحات متخصصة لمعالجة مدمني المخدرات من الناحية الجسمية والنفسية وتشجيع المدمنين على مراجعتها بشتى الوسائل، ولا بد من وجود الهيئة الطبية والتمريضية التي لديها المهارة الطبية والتمريضية التي تمكنها من التعامل مع المدمنين. هذا بالإضافة إلى التشريعات الوقائية الأخرى التي تتكاتف وتتعاون فجها هيئات أخرى داخل المجتمع وخارجه من أجل القضاء على هذه الآفات الخبيثة.

стр. 14180

ثانيا: التوعية الدينية . إن تقوية الإيمان في نفس المسلم هي السبيل الأمثل والطريق الأقوم لتحصينه من الوقوع في شرك المخدرات والمسكرات وهي السد المنيع لحمايته من التقليد الأعمى للمدنية الوافدة الزائفة. والتوعية الدينية في المجتمعات الإسلامية تستمد من هدي النبوة وقيم الدين الإسلامي الحنيف، وتقوم على الإقناع بأن الإسلام هو طريق الحياة المستقرة الآمنة والتي لا ضرر فيها ولا ضرار، وتسعى إلى تعميق وإرساء المبادئ الأخلاقية والالتزام بالضوابط السلوكية والنفسية والاجتماعية، وترسم خطى النمو الديني في مراحل العمر وإعداد الفرد المسلم إعدادا متكاملا يتوافق سلوكه مع عقيدة الإسلام وتخضع جميع تصرفاته لقواعد الدين الحنيف. ويتولى التوعية الدينية فريق متكامل من علماء الشريعة بالتعاون مع علماء النفس والاجتماع والأطباء وغيرهم ممن لهم صلة بهذه المشاكل الاجتماعية والصحية والاقتصادية والاجتماعية.
следующие страницы →