عبد الله خياط
حركة الإصلاح الديني
في القرن الثاني عشر
في كل فترة من الزمن، وكلما تقادم العهد على إشعاع نور العرفان على الإنسانية، وأخذت الشموع بعد طول اتقادها تذبل وتتلاشى، يبدأ إشراق جديد لنجوم أخرى تلمع في سماء البشرية، فيستضيء البشر بلألائها، ويهتدي إلى الطريق بسطوع أنوارها، فتحيا في نفوس أفراده المعرفة بعد اضمحلالها وينتبه الوعي بعد خموله.
ولقد كان مصلح القرن الثاني عشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب نجما من تلك النجوم اللامعة التي استضاءت بنورها الإنسانية بعد ما خبت فيها جذوة التفكير، وأظلم أمامها سبيل الحق وغشيتها غاشية من الجهل فجاء ظهوره في الوقت المناسب.
ميلاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ولد هذا المصلح عام ١١١٥ هـ - ١٧٠٣ م في بلدة العيينة وفي قلب الجزيرة العربية من بيت علم محافظ متمسك، وترعرع في أحضان العلم حيث كان أبوه وجده علمين من أعلام زمانهما، وارتشف من
стр. 177
مناهل العلم على والده ثم سعى إلى طلب المعرفة في الحجاز والعراق وبلغ من طموحه أن فكر في التطواف في البلاد رغبة في الكشف عن معالم الحقيقة، ولكن إمكانياته وقفت به عند هذا الحد، وقد حصل على رصيد كبير في علوم الدين وما يتصل بها من علوم اللغة العربية، مما هيأه للاضطلاع بمهمة الزعامة الدينية والقيام بواجب المصلح، الذي ينير السبيل ويهدي إلى النور ويحمل على الرجعية، ويصلح ما أفسده تقادم العهد على شريعة السماء، التي جاء بها رسول الإنسانية محمد ﷺ ويبعد عنها الزيف. ويبرزها واضحة المعالم، وإن المصلحين والمجددين في كل زمان ومكان كثيرا ما يصطدمون - بأطماع المغرضين وأصحاب النزوات الطائشة الذين يكرهون الحد من أطماعهم ونزواتهم فيحتالون بكل الوسائل لإحباط مجهود المصلحين وإيقاف حملة الإنقاذ التي يقودها المجددون، وقد لقي مصلح القرن الثاني عشر من العنت والإرهاق والتضييق ومصادرة الحرية، لقي من ذلك كله الشيء الكثير فصبر وجالد شأن كل مؤمن بمبدئه مقتنع بسلامة قضيته وصحة نظرياته.
لقد خشي خصوم المصلح من امتداد مبادئه وذلك طبيعي ومنطقي أيضا إذ أن البقاء للأصلح فجندوا له كل الإمكانيات للقضاء عليه حتى رموه بالأطماع السياسية ليوغروا الصدور عليه في داخل الجزيرة وخارجها ولدى سلاطين الدولة العثمانية، ووصفوا دعوته (بالوهابية) إمعانا في التنفير منها لاعتبارها خارجة على تعاليم الإسلام ونظريات أئمة المذاهب الإسلامية المجتهدين.
وفي ظروف غير اعتيادية، وتحت تأثير سلسلة من الاضطهادات المتعاقبة قرر المصلح النزوح إلى بلدة الدرعية عاصمة ملك آل سعود شمال الرياض (العاصمة الحالية للمملكة العربية السعودية) وتعاقد المصلح مع أميرها محمد بن سعود على نشر تعاليمه التي هي في الواقع تعاليم الإسلام الصحيح، وكان للأمير محمد ولأولاده من بعده مع المصلح وأبنائه وأحفاده مواقف حميدة اتسع بها نطاق الإصلاح حيث تضامن السيف مع الكتاب لإظهار الحق تحت ظلال علم الدولة الأخضر الذي يحمل شعار الإسلام وكلمة الإسلام.
* * *
لا إله إلا الله محمد رسول الله: هذا الشعار في هذا العلم البارز الخفاق اجتذب إليه القلوب ونبه الوعي الإسلامي فأدرك بعد طول سبات أن هذا الصوت المدوي المنبعث من قلب الجزيرة مهد الفطرة هو صوت الحرية، صوت النذير باضمحلال سحب الباطل، صوت التحرير يقود حملته مصلح الجزيرة في القرن الثاني عشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ومات المصلح سنة١٢٠٦ هـ - ١٧٨٧ م - بعد أن قرت عينه بانتشار تعاليمه إلى أبعد مدى أمكن أن تنتشر إليه في الجزيرة وبعد أن خلفه من ذريته من حمل على عاتقه القيام بالدعوة إلى مبادئه التي هي في الواقع مبادئ
стр. 178
أفضل شريعة جاءت من السماء عن طريق منقذ البشرية محمد ﷺ . والذي بشرت به الكتب السماوية.
ومات قبل المصلح رأس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود - رحمه الله تعالى - ولكن سيفه لم يزل مسلولا - بيد أبنائه من بعده يناصرون به الحركة الإصلاحية الدينية ويعاضدون خلفاء المصلح حتى الوقت الحاضر.
стр. 179
النظريات التي قامت عليها الدعوة
النظرية الأولى
تنظيم: العلاقة بين الخالق والمخلوق. بحيث يعترف المخلوق بسلطان الإله والهيمنة عليه في جميع أموره وله في عنقه حق التقديس والتأليه والعبودية المطلقة، فلا يلتفت إلا إليه ولا يتعلق إلا به ولا يعترف لسلطة غيبية وقدرة فعالة إلا لسلطته وقدرته. حتى السلطة التنفيذية التي تكون عادة للملوك والهيئات التنفيذية يجعلها الشيخ خاضعة لنظام التشريع الإلهي فلا يجوز الانصياع والإذعان لهذه السلطات ولا يحقق رغباتها إلا في حدود تشريع السماء وهذه هي نظرية الإسلام حيث يقول رسول الله محمد ﷺ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١)» ولا يجوز الشيخ أن تتطامن النفوس إلا لخالقها أو تذل وتستكين إلا لمن له حق الهيمنة عليها والتصرف المطلق فيها وهو الله ويؤيد هذه النظرية بقول رسول الإسلام ﷺ في خطبته التي قرر فيها قواعد العدالة الإنسانية يقول.
«إن دينكم واحد، وإن أباكم واحد، الناس من آدم، وآدم من تراب».
وتمشيا مع واقع هذه النظرية وتحقيقا لأهدافها طالب الشيخ بما يأتي:
١ - الإخلاص: في عبادة الواحد الأحد، المالك لأمور عباده، فهو وحده الذي يستحق التأليه والتوجه إليه، وقصده في جلب النفع ودفع الضر.
٢ - الإعراض: عن عبادة الطواغيت، وكل ما توجه إليه الناس بلون التقديس والعبادة فهو طاغوت، سواء كان قبرا أو شجرا أو حجرا أو جنيبا أو غير ذلك.
٣ - قطع: الصلة بالقبور والمقبورين إلا في زورات خاصة، يقوم بها الرجال لا تتقيد بزمن ولا تتحدد بوقت معين، والغرض من هذه الزيارة مصلحة الأموات؛ لاستنزال الرحمة لهم، والدعاء والاستغفار، ولأخذ العبرة من مصيرهم لا لغرض التبرك بهم، والتمسح بقبورهم وطلب العون منهم.
٤ - التنكر: لمبدأ اتخاذ الموتى من صالحين وأولياء وأنبياء شفعاء ووسطاء بين الخالق والمخلوق قياسا على الوساطة المعروفة بين المخلوقين بعضهم مع بعض لدى الملوك والعظماء، إذ أن ذلك قياس مع الفارق وباطل لا تقره التعاليم الإسلامية.
٥ - تسوية: القبور المشرفة بالأرض، لا فرق في ذلك بين قبر نبي أو ولي أو رجل صالح أو غيره - ذلك لأن في رفع القبور والبناء عليها وإشعال السرج عندها تحذيرا شديدا من حامي
стр. 180
حمى الدين النبي محمد ﷺ ؛ ولأن هذا الصنيع خطوة للوثنية.
стр. 181
النظرية الثانية
تركيز: النشاط الإنساني للقيام بأداء الشعائر الإسلامية المفروضة بكل دقة دون زيادة أو نقص فالصلاة والزكاة والصوم والحج والأذان وغير ذلك من شرائع الإسلام، التي جاءت بها شريعة السماء عن طريق رسول الإسلام النبي محمد ﷺ .
وكل ذلك يجب عدم الإخلال به كفريضة، ويجب الانصياع إليه عن طيب نفس واقتناع واستسلام تام وإذعان شامل بحيث تعتقد القلوب وجوب الإيمان بهذه الشعائر وبحيث تعمل الجوارح على أدائها دون ضجر أو ملل وسآمة.
стр. 182
النظرية الثالثة:
إقامة: الحدود التي فرضتها شريعة السماء على المخالفات التي تصدر من بعض أفراد الجماعة الإسلامية، كعقوبة زاجرة، أو كضمان لحفظ التوازن، وصيانة الحقوق الفردية، وتقويم المعوج من الأخلاق، والترفع عن الرذيلة في كل مجالاتها - فالمجترئ على سفك الدم الحرام يقتل إذا ثبتت إدانته - والذي يعتدي على الغير ويسرق المال تقطع يده إذا ثبتت إدانته، واستوفيت شروط القطع. والخيانة الزوجية في شتى ملابساتها ترتفع فيها العقوبة لدرجة الرجم بالحجارة وتنخفض فيكتفى فيها بالضرب البسيط مع الاعتقال أو بدونه، حسب مقياس الجرم وبقدر ثبوت الإدانة، وهكذا كل مخالفة رتبت عليها الشريعة الإسلامية عقوبة يجب أن تطبق العقوبة بكل دقة، ويستوي في تطبيقها الشريف والوضيع والأمير والمأمور دون فرق أو محاباة.
ذلك لأن الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق في نظر العدالة بين أبيض وأسود ولا بين شريف ووضيع وتلك هي تعاليم رسول الإسلام محمد ﷺ فقد قطع يد امرأة شريفة في سرقة سرقتها رغم الوساطات المتكررة لديه، والشفاعات في قضيتها من أحب الناس إليه، بل قال: للشفعاء «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها (١)» على هذه النظريات الثلاث قام البرنامج الإصلاحي لحركة التجديد في القرن الثاني عشر هـ ١٨ م، أما النظرية المذهبية فلم تكن للمصلح نظرية مستقلة ينفرد بها عن نظريات أئمة المذاهب المعترف بها لدى الجماعة الإسلامية، فهو محتضن مذهب الإمام أحمد بن حنبل رابع الأئمة المتبوعين والمشهور بإمام أهل السنة؛ لأن مذهبه يرتكز على الأدلة النقلية من (القرآن) أو على أحاديث رسول الإسلام المدونة الصحيحة والمجموعة في أشهر كتب الحديث - فالشيخ في هذه الناحية متبع لا متبوع ومنتسب لا ينسب إليه أحد.
أما الوهابية المزعومة فهي صفة وصف بها كل من يدين بالدين الصحيح، والغرض منها تضليل الرأي
стр. 183
العام والتلبيس على ضعاف التفكير وحجب الحقيقة عن الظهور، فقد وصف بهذه الصفة ابن تيمية وهو مصلح القرن السادس هـ - ١٢ م - وهو يبعد كثيرا عن عهد حركة الإصلاح في القرن الثاني عشر، ووصف بها كل مصلح يقوم بعملية التطهير ودفع الزيف عن الإسلام لمجرد التنفير منه واعتباره صاحب نظريات متطرفة تناهض الإسلام.
١ - تفاعل النفوس مع دعوة الشيخ في البلاد السعودية.
٢ - تأثر بعض البلدان بها خارج الجزيرة.
أما تفاعل النفوس مع دعوة الشيخ فالحديث عنه طويل مديد وقصارى ما يمكن أن يقال عن ذلك: أن ما كان بالأمس خيالا لا يصدق به، أصبح بعد نجاح حركة الإصلاح وفي أخريات أيام المصلح وفي عهد الحكام المتعاقدين من آل سعود وعلى يد خلفاء المصلح أصبح حقيقة واقعة فلم يكن أحد يحلم أن تعود للإسلام جدته، وتزاح عنه الأضاليل ويطهر من البدع، ثم تقام الشعائر الإسلامية في طول البلاد التي شملتها حركة الإصلاح كما كانت في عهد رسول الله ﵇ وعهد خلفائه الراشدين، ومن تلك البلاد مكة المكرمة التي يحج إلى بيت الله فيها كل عام مئات الألوف من المسلمين من أقاصي الدنيا، والمدينة التي تضم قبر النبي محمد ﷺ . - وما ذاك إلا أثر من آثار تفاعل النفوس مع دعوة الشيخ وهضم التعليمات الإسلامية التي قام بنشرها بعد دروسها وإهمال الكثير منها، وما كان يجول في تفكير أحد أن هذه الحركة سوف تتأثر بها الأوساط الإسلامية خارج الجزيرة فتقوم في مصر والهند وإندونيسيا وغيرها من أقاصي البلاد تقوم جمعيات إسلامية تدعو إلى دعوة الشيخ باسم العقيدة السلفية نسبة إلى السلف في صدر الإسلام ومن تبعهم على نهجهم - يقول المؤرخ الأمريكي لوثروب صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي (قد استطاع الوهابيون أن يبذروا بذورا تلاها الاختصار الشديد للثورة الوهابية في كل فج إسلامي حتى بلغت دعوتهم الدينية أقصى المعمور).
وهكذا استمر التفاعل مع دعوة الشيخ حتى غدت المبدأ الثابت الذي لا يتزعزع بعد أن كانت منبوذة مقهورة يعتبرها دعاة الرجعية آراء متطرفة، وأصبحت العقيدة الراسخة التي لا تنفك عن القلوب، وأخذت الأيدي تعمل لنشرها والجهود تتضافر على إذاعتها عن طريق وسائل الإعلام، وتغذية الأطفال بها منذ نعومة أظفارهم في شكل مقررات تدرس في المدارس ويحتضنها الشباب كدين، وليتحصن بها من أعاصير الباطل ومن المبادئ الهدامة الخطرة.
стр. 184
آراء بعض المستشرقين في حركته الإصلاحية
قال المؤرخ الأمريكي لوثر ستودارد صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي:
(. . . فالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة. غرضها إصلاح الخرق ونسخ الشبهات وإبطال الأوهام ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصور الإسلام الوسطى ودحض البدع وعبادة الأولياء، وعلى الجملة هي الرجوع إلى الإسلام والأخذ به على أوله وأصله ولبابه وجوهره، أي: أنها الاستمساك بالوحدانية التي أوحي الله بها إلى صاحب الرسالة صافية نقية، والاهتداء والائتمام بالقرآن المنزل مجردا، وأما ما سوى ذلك فباطل وليس في شيء من الإسلام).
وقال وليمز ارمسترونج في كتاب (ابن سعود. . .): كذلك لما شاع الفساد في بلاد المسلمين قام في جزيرة العرب محمد بن عبد الوهاب يحارب البدع ويدعو إلى جمع الصفوف لإعادة مجد الإسلام وعبادة الله بقلب سليم ولكنه كغيره من المصلحين اضطهد واتهم بالإلحاد والزندقة.
стр. 185
كتابات عن الحركة لقادة الفكر في الشرق
قال: الأستاذ أحمد أمين ﵀ زعماء الإصلاح في العصر الحديث - أهم مسألة شغلت ذهنه (يقصد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في درسه ورحلاته مسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام والتي تبلورت في (لا إله إلا الله) والتي تميز الإسلام بها عما عداه والتي دعا إليها محمد ﷺ وأصدق دعوة وأحرها فلا أصنام ولا أوثان ولا عبادة آباء وأجداد ولا أحجار ولا نحو ذلك، ومن أجل هذا سمي هو وأتباعه أنفسهم (بالموحدين) أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليهم خصومهم واستعمله الأوروبيون ثم جرى على الألسن.
وقال الدكتور طه حسين في كتابه - الحياة الأدبية في جزيرة العرب -: إن هذا المذهب جديد وقديم معا. والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين ولكنه قديم في حقيقة الأمر، لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية. هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي ﷺ خالصا لله وحده ملغيا لكل واسطة بين الله والناس.
هو إحياء للإسلام وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة.
стр. 186
مراجع عن الحركة
... الكتب ... إيضاحات
* ... روضة الأفكار والأفهام ... لحسين بن غنام وهو أقدم كتاب وأصح مرجع لحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقد كان مؤلفه من تلامذة المصلح وممن شاهد كثيرا من الحوادث.
* ... عنوان المجد في تاريخ نجد ... لعثمان بن بشر النجدي وقد أدرك المؤلف أولاد المصلح.
* ... مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد ... لرشيد بن علي الحنبلي وقد أشار المستشرق " كارلمان " في دائرة المعارف الإسلامية إلى هذا الكتاب.
* ... البدر الطالع ... لمحمد بن علي الشوكاني اليمني الزبيدي.
* ... تاريخ نجد ... للألوسي.
* ... حاضر العالم الإسلامي ... للوثر ستودارد الأمريكي.
* ... الدعوة الوهابية ... لعبد الله بن علي القصيمي.
* ... الوهابيون والحجاز ... للسيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار.
* ... تاريخ نجد ... لأمين الريحاني.
* ... جزيرة العرب في القرن العشرين ... للشيخ حافظ وهبه.
* ... قلب الجزيرة ... لفؤاد حمزة.
* ... أثر الوهابية في جزيرة العرب ... للأستاذ حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة بمصر.
* ... زعماء الإصلاح ... للأستاذ أحمد أمين.
* ... الحياة الأدبية في جزيرة العرب ... للدكتور طه حسين.
* ... إتحاف النبلاء ... لصديق حسن خان (باللغة الفارسية).
* ... رحلة نيبور ...
стр. 187
وهو أول رحالة أوروبي تعرض لحركة المصلح ورحلته أقدم مصدر أوروبي عن تاريخ المصلح إلا أنها لا تخلو من بعض الأخطاء لأنه استقى معلوماته من كتب الأولين.
* ... رحلة باديا ... وهو أول رحالة أوروبي تكلم عن حركة الوهابية في نجد وعن عاصمتهم الدرعية بإسهاب.
* ... رحلة بوركهات ... كتب هذا الرحالة بحثا جغرافيا مفصلا عن نجد وبلدة الدرعية وإقليم العارض.
* ... مختصر تاريخ الوهابية ... لهارفورد جون برجس وهو ضابط بريطاني وقد وصل إلى بلاد العرب في حياة المصلح واستطاع أن يشاهد فتوحات سعود بن عبد العزيز عن كثب.
* ... مستقبل الإسلام ... ل ولفود.
* ... قاموس الإسلام ... لتوماس ب. وهذا المؤلف مبشر بروتستاني.
* ... الجزيرة مهد الإسلام ... لزويمر وقد حاول فيه رغم تعصبه فهم حقيقة الدعوة التي قام بها الشيخ فوصف حالة العرب في الجزيرة قبل الدعوة وصفا دقيقا.
* ... اختراق الجزيرة العربية ... لداود جورج.
* ... البلاد العربية ... مستر فلبي.
* ... مقالة مورت مان ... مستشرق ألماني وردت مقالته في دائرة المعارف الإسلامية.
* ... مركز العرب في الشمس ... ريتشارد كوك.
стр. 188
كتب صنفها الشيخ ﵀ وأبناؤه وأحفاده
الكتب ... إيضاحات
* كتاب الأصول الثلاثة ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* كتاب كشف الشبهات ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* رسالة رسائل الجاهلية ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* رسالة تفسير كلمة التوحيد ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* رسالة الأربع القواعد في الدين ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* رسالة في معنى الطاغوت ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* كتاب مجموعة الحديث على أبواب الفقه ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* مختصر الشرح الكبير والأنصاف ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* كتاب السيرة المطولة ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* كتاب مختصر الهدي النبوي ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* أربع رسائل في الأحكام العملية والردة وبعض فوائد التفسير ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* تفسير سور أجزاء من القرآن ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* رسالة فوائد الفاتحة ... للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب
* رسالة أصل دين الإسلام ... للشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد المصلح
* كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ... للشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد المصلح.
* قرة عيون الموحدين تعليقات على كتاب التوحيد ... للشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد المصلح.
* كتاب الكلمات النافعة ... للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد
* رسالة أوثق عرى الإيمان ... للشيخ سليمان بن عبد الله حفيد الشيخ.
* رسالة أنواع التوحيد وأنواع الشرك ... للشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد الشيخ.
* رسالتان في معنى كلمة التوحيد ... للشيخ عبد الله بن بطين من علماء نجد.
* أربعة مجلدات ضخمة تسمى مجموعة الرسائل والمسائل النجدية تجمع أصنافا من الرسائل في العقائد والفقه والفتوى وغير ذلك. ... وهي لجماعة من المؤلفين بما فيهم الشيخ وأبناؤه وأحفاده وتلامذتهم.
عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة
المفتي في الشريعة الإسلامية
لا: يخلو أي عصر من العصور - مهما كان ما يسير عليه من أنظمة دينية وسياسية واقتصادية، وغيرها من ظواهر اجتماعية: تبرز في محيطه، ويكون لها الأثر القوي في سلوكه، والهيمنة الكاملة في توجيه طاقاته نحو ما يعود عليها بالخدمة، للحفاظ عليها وتنميتها إن كانت ظواهر محمودة، وبإزالتها إن كان يمكن ذلك - أو إيجاد ما قد يحد من خطرها - حين لا يمكن ذلك - إن كانت ظواهر سيئة.
والباحث النابه يكون واجبه تجاه ذلك، ملاحقة تلك الظواهر، والتحدث فيها، والمشاركة في بحثها على النحو الملائم لها، شأنه في ذلك شأن الطبيب الماهر الذي يتتبع الأمراض البدنية ليطبق عليها ما جد في دنيا الطب من علاج، ويعصر ذهنه بالمقارنة والتجربة لما لم يجد له قبل ذلك نظيرا، ويتتبع الظواهر الصحية، فيهديها لمجتمعه، ويعين على تنميتها إلى أرفع مستوى يستطيع الوصول إليه بها.
ومن هذه الظواهر الاجتماعية غير المحمودة، التي برزت في المجتمعات الإسلامية في هذا العصر، الجهل بكثير من أحكام دينها، حتى صار كثير من الناس يسير في أمور دينه على غير هدى، وصار الحصيف فيهم من يسأل العلماء عما يحتاج إليه في ذلك.
ومن هنا برزت قضية الفتوى من العالم للجاهل، علاجا لتلك الظاهرة، أو مواجهة لها بما قد يحد من آثارها على المتصف بها.
стр. 191
غير أن هذا العلاج - وإن كان هو العلاج الوحيد لهذه الظاهرة - لم يسر سيره الذي ينبغي أن يسيره في كثير من الشعوب الإسلامية؛ حيث تصدى للفتوى كثير ممن لا تتوفر فيهم شروط المفتي، ولا تكتمل فيهم كثير من الأمور التي ينبغي لمن نصب نفسه لهذا المنصب أن يتفطن لها، وذلك ناتج في كثير من الأحوال عن قلة من هو أهل لهذا المنصب، وانغماره في خضم هذه الأمواج الهائلة من الجهلة بأحكام دينها؛ وحب كثير ممن شدا بقسط قليل من العلم للظهور والتبوء للمكان الذي لم يتأهل بعد لأن يتسنم ذروته.
ومن أجل ذلك كله آثرت أن يكون هذا البحث متناولا للمفتي في الشريعة الإسلامية.
ولن يخفى على رواد هذا الميدان أن الإلمام به، والتعمق في جزيئاته - في بحث قصير كهذا - بعيد، إن لم يكن مستحيلا.
لذا فإنني سأقتصر فيه على:
التعرف على المفتي.
أقسام المفتين.
منزلة المفتي في الشريعة الإسلامية.
شروط من يتصدى لهذا المنصب العظيم.
وجملة أمور مما ينبغي له أن يتفطن لها حينما يمارس الفتوى، وأختمه بخاتمة ألخص فيها ما أنتهي إليه من نتائج، مذيلة باقتراحات تهدي إليها تلك النتائج، وتؤكد ضرورتها، سائلا الله (سبحانه) أن يمدني بعونه فيما أترسمه من خطوات، وإلهامه فيما أقرره من حقائق، وتوفيقه فيما أصل إليه من نتائج ومقترحات.
* * *
стр. 192
تعريف المفتي
الحروف: الأصلية التي قامت عليها هذه الكلمة، هي الفاء، والتاء، والحرف المعتل، ولها مدلولان:
أحدهما: الطراوة والجدة، والآخر: تبين الحكم، والذي يناسب هذه الكلمة في موضوعنا المدلول الأخير، وإذن فالمفتي اسم فاعل على وزن " مفعل " مشتق من الإفتاء بمعنى الإبانة، يقال: " أفتاه في
стр. 193
الأمر، أبانه له (١) ويقال: " أفتى الفقيه في المسألة، إذا بين حكمها (٢).
وأما في الإصلاح، فقد اختلف العلماء في تعريفه على آراء أهمها:
١ - أن المفتي هو المجتهد المطلق، وهو الفقيه، على حد تعبير صاحب " تحرير الكمال " (٣)، ولهذا يقول " الصيرفي " (٤) إنه " موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم، وعلم جمل عموم القرآن، وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السنن والاستنباط، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها " ويقول " ابن السمعاني " (٥): " هو من استكمل فيه ثلاثة شروط: الاجتهاد، والعدالة، والكف عن الترخيص والتساهل. وللمتساهل حالتان: إحداهما: أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام، ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر، وهذا مقصر في حق الاجتهاد، ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز. والثانية: أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة، فهذا متجوز في دينه، وهو آثم من الأول ".
٢ - ويذهب بعض العلماء إلى أن المفتي يكفي فيه أن يكون متبحرا في مذهب إمامه، فاهما لكلامه، عالما لراجحه من مرجوحه، خبيرا بالمرجوع عنه من المرجوع إليه، فلا يشترط فيه أن يكون مستطيعا لاستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، ولا متبحرا في الكتاب والسنة، عالما بوجوه مباحثهما.
وقد أيد أصحاب هذا القول كلامهم بأن اشتراط الاجتهاد المطلق في المفتي، يفضي إلى حرج عظيم، واسترسال الخلق في أهوائهم (٦)، ثم إن المفتي حينما يكون متبحرا في مذهب إمامه يكون ذلك كافيا؛ حيث إنه يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده (٧)، والقضاء - وهو مركز عظيم - قد أطبق الناس فيه على تنفيذ أحكام من تولاه دون مراعاة لحصول شرط الاجتهاد فيه (٨)، فليكن للمفتي ما للقاضي من حيث عدم اشتراط الاجتهاد فيه، بل إنه قد انعقد الإجماع على جواز الإفتاء لمن يتوفر فيه هذا الشرط، فقد قال الشيخ " تاج الدين السبكي (٩) ": " وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا ".
وإذا أضفنا إلى ما تقدم ما يحدثنا به التاريخ من أن أناسا برزوا في العصور الزاهية للإسلام وملأوا الدنيا بعلومهم وآرائهم الصائبة، وادعوا الاجتهاد المطلق تبعا لذلك، ومع ذلك لم يسلم لهم أهل عصرهم به،
стр. 194
وإذا أضفنا - أيضا - إلى ذلك، ما نشاهده في واقع الأمة الإسلامية، من كثرة الجهل بأحكام الدين في كثير من أفرادها، وكثرة المشاغل التي تنتاب الفئة المتخصصة في أحكام الشريعة الإسلامية مما قد يحول بينهم وبين الوصول إلى درجة الاجتهاد المطلق في أحكام شريعتها، إذا أضفنا ذلك كله إلى ما تقدم، تبين لنا أنه لا يشترط لمن يتبوأ هذا المنصب أن تتوفر فيه صفة الاجتهاد المطلق.
ولعل من نافلة القول أنه جاز لمن هذه صفته أن يتصدى للفتيا، فإنه يجوز بالأولى لمن كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهدا مقيدا في مذهب من ائتم به " بأن يعرف قواعده، وتفصيل مذهبه، ويقوى على استخراج الأحكام فيما لم ينص عليه إمامه، مراعيا قواعد إمامه، وعلى ترجيح قول على آخر داخل المذهب، حينما يجهل المتقدم منها من المتأخر " (١).
ولهذا نرى الإمام " ابن القيم " (المتوفى سنة ٧٥١ هـ ﵀ (٢) حين تحدث عمن يجوز لهم أن ينتصبوا للفتيا، ويجوز للعامة أن يتجهوا إليهم بالأسئلة عن أحكام دينهم - يقسمهم إلى أربعة أقسام:
أحدهم: العالم بكتاب الله، وسنة رسوله، وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا. فلا تجد أحدا من الأئمة إلا هو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام. . .
النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلدا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه، ورتبه، وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معا. . .
النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه، ولا يخالفها إذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة. . .
النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يوما في مسألة، فعلى وجه التبرك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا حديثا صحيحا مخالفا لقول من انتسبوا إليه، أخذوا بقوله،
стр. 195
وتركوا الحديث، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابة ﵃ قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها، أخذوا بفتيا إمامهم، وتركوا فتاوى الصحابة قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قد قلدناه، فلا نتعداه ولا نتخطاه، بل هو أعلم بما نذهب إليه منا، ومن عدا هؤلاء، فمتكلف متخلف، قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصر عن درجة المحصلين، فهو مكذلك مع المكذلكين، وإن ساعد القدر واستقل بالجواب، قال: يجوز بشرطه، ويصح بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ذلك من الأجوبة، التي يستحسنها كل جاهل، ويستحي منها كل فاضل ".
* * *
стр. 196
منزلة المفتي
والإفتاء: منصب عظيم، به يتصدى صاحبه لتوضيح ما يغمض على العامة من أمور دينهم، ويرشدهم إلى المناهج المستقيمة، التي في سلوكهم لها فلاحهم ونجاحهم، ولهذا سموا أولي الأمر، وأمر الناس بطاعتهم بل قرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله ﷺ حيث يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١).
بل هو المنصب الذي تولاه الله (سبحانه) بنفسه حيث يقول (تعالى): ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢)، ويقول أيضا: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣)، وكفى بهذا المنصب عظما وجلالة أن يتولاه رب السماوات والأرض، وكفى بمن يتولاه شرفا ومنزلة عالية أن يكون نائبا عن الله في هذا المنصب (٤) والمفتي - أيضا - قائم مقام النبي ﷺ في وراثته لعلم الشريعة منه ﷺ ، وإبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والإنذار بها.
فأما قيامه مقامه ﷺ في وراثة الشريعة، فيدل له قوله ﷺ فيما رواه عنه أبو داود والترمذي بسنديهما: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم (٥)»، وما رواه عنه البخاري ومسلم بسنديهما: «بينا أنا نائم، أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم (٦)»، وقال الله (تعالى):
стр. 197
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (١).
وأما قيامه مقامه ﷺ في إبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل، فيدل له قوله ﷺ فيما رواه البخاري بسنده: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (٢)»، وما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي أنه ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية (٣)»، وما رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «تسمعون، ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم (٤)».
وأما قيامه مقامه ﷺ في الإنذار بها، فيدل له قول الله (تعالى): ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ (٥) مع قوله (تعالى): ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٦).
وبهذا يتضح لنا ما للمفتي في الشريعة الإسلامية من منزلة عظمى، حيث كان يتبوأ مقام النبي ﷺ فيما قدمناه من أمور، ويخبر عن الله (سبحانه)، ويوقع شريعته على أفعال المكلفين (٧).
* * *
стр. 198
شروط المفتي
يشترط العلماء في المفتي بمعناه الاصطلاحي - الذي رجحناه فيما مضى - شروطا كثيرة، وأهمها ما يأتي:
١ - الإسلام: فلا يمكن لأحد أن يتبوأ منصب الإفتاء إلا حين يكون مسلما، وهذا الشرط مما أجمع الناس عليه (١)؛ إذ أنه يخبر عن الله، وينوب عن رسوله ﷺ ويتلقى الناس ما يقوله على أنه دين الله (تعالى)، ولا يتصف بذلك إلا من كان مسلما.
٢ - التكليف: وذلك بأن يكون المتولي لهذا المنصب بالغا عاقلا، وهذا الشرط مما أجمع عليه أيضا (٢)، فإن الصبي لا حكم لقوله في مثل هذا، والمجنون مرفوع عنه القلم، فلا يتسنى له أن يحتل مكانة الإفتاء.
стр. 199
٣ - العلم: وهو شرط أساسي لمن تقلد هذا المنصب؛ إذ أنه مبلغ عن الله أحكامه، ولا يبلغ عنه من جهل أحكامه، ولهذا يروي الخطيب البغداي (المتوفى سنة ٤٦٢ هـ) بسنده (١) أن رسول الله ﷺ قال: «من أفتى بغير علم لعنته الملائكة»، ويروى أيضا (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «من أفتى بفتيا بغير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه (٣)».
٤ - العدالة: في الأقوال والأفعال وذلك بأن يكون مستقيما في أحواله، محافظا على مروءته، صادقا فيها بقوله، موثوقا به، ويفسر لنا الشيخ " أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي " (٤) (المتوفى سنة ٦٩٥ هـ) المتصف بالعدالة، فيقول: " والعدل من استمر على فعل الواجب والمندوب والصدق وترك الحرام والمكروه والكذب، مع حفظ مروءته ومجانبة الريب والتهم. . . " وهذا الشرط قد دل عليه الإجماع؛ حيث إن المفتي يخبر عن الله (تعالى) بحكمه، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالعدالة (٥)، ثم إن " علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين، وإن كان بصيرا بها " كما صرح بذلك الخطيب البغدادي (٦) وأما حين تظهر عليه صفة " العدالة "، لكن باطنه مجهول في ذلك، فلعلمائنا ﵏ قولان في وصفه بالعدالة أو عدم وصفه بها أظهرهما عدم وصفه بها (٧).
٥ - حسن الطريقة، وسلامة المسلك، ورضا السيرة: فلا بد لمن تقلد هذا المنصب أن يتصف بذلك، فيكون حسن الطريقة، سليم المسلك، مرضي السيرة، حتى يثق الناس بأقواله، ويقبلوا ما يقوله لهم؛ حيث إنهم يتلقون منه أمورا هي أعظم شيء في نفوسهم، وهي أحكام الدين، ومن المعلوم أنهم لا يتلقون ذلك إلا ممن تحروا فيه هذه الأوصاف، وأما من يتحلى بها، فهم يعرضون عنه مهما كانت درجته الكبرى في الناحية العلمية، لذلك نرى الإمام القرافي (المتوفى سنة ٦٨٤ هـ) يؤكد هذا الشرط ويوضحه أتم إيضاح حيث يقول " وينبغي للمفتي أن يكون. . . حسن السيرة. . . ويقصد بجميع ذلك التوسل إلى تنفيذ الحق وهداية الخلق، فتصير هذه الأمور كلها قربات عظيمة، وإليه الإشارة بقوله (تعالى) حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨). قال العلماء:
стр. 200
معناه، ثناء جميل، حتى يقتدي بي الناس. . "
٦ - الورع والعفة عن كل ما يخدش الكرامة، والحرص على استطابة المأكل:
فحري بمن انتصب لهذا الأمر العظيم ألا يقوم به حق القيام إلا حين يكون متصفا بالورع، جاعلا نصوص الوعيد والتهديد لمن خالف أوامر الله بين عينيه، وحري به ألا يقوم به حق القيام إلا حين يكون عفيفا عما في أيدي الناس، وعما يعتبر في عرفهم من صفات الدناءة والضعة، وإلا حين يكون حريصا أشد الحرص على أن يكون مكسبه حلالا، وطرق معاملته مع الناس قائمة في أصولها وفروعها على وفق منهج الله، وفي حدود ما رسمه في شرعه، وأن يكون مأكله حلالا خالصا؛ بأن يكون قد عرف طرق حصوله وأيقن بحلها؛ فهذه صفات لا بد من حصولها في المفتي كي يوفق في أداء رسالته؛ إذ أن من لا يتورع عن الشبهات، ولا يعف عما في أيدي الناس، ولا يرعى العرف في تقويم الأمور وتنزيلها منازلها، من حيث الإقدام عليها، أو الإحجام عنها، ولا يحرص على أن يكون ما يتناوله طيبا وحلالا خالصا، إن من لا يرعى ذلك كله حري به ألا يوفق فيما يفتي به، وألا يصيب حكم الله فيما يسأل عنه، وألا يسمع منه حين يفتي، ولا يستجاب لقوله حين يقول، ولهذا نرى الخطيب البغدادي (١) يؤكد اشتراط هذه المعاني، فيقول في معرض ذكره لما يشترط في المفتي: " وينبغي أن يكون المفتي. . . حريصا على استطابة مأكله، فإن ذلك أول أسباب التوفيق، متورعا عن الشبهات ". ويتابعه القرافي ﵀ (٢) في ذلك فيقول: ". . . وأن يكون (المفتي) قليل الطمع، كثير الورع، فما أفلح مستكثر من الدنيا، ومعظم أهلها وحطامها ".
٧ - رصانة الفكر وجودة الملاحظة، والتأني في الفتوى، والتثبت فيما يفتي به:
فهذه صفات يلزم وجودها فيمن يتصدى للفتيا؛ إذ أن من كان ناقصا في فهمه، أو متصفا بالغفلة، أو معروفا بالعجلة في فتواه والتسرع بالإجابة عما يسأل عنه - دون أن يتثبت من ذلك - إذ أن من كانت أوصافه كذلك، قد فقد أول أسباب التوفيق، وحري بمن فقد أولها ألا يحالفه الحظ في وجدان آخرها، وألا ينال في آخر المطاف غايته التي قصدها (٣).
٨ - طلب المشورة من ذوي الدين والعلم والرأي:
وهذا شرط مأخوذ من عمومات الشريعة في غير موضوع الفتوى، ومما درج عليه السلف الصالح فيها، حيث كانوا يستشيرون حين تعرض لهم المشكلة، أو يسألون عنها، ودليل ما نقوله أن الله أثنى على المؤمنين؛ حيث كان أمرهم شورى بينهم، وأمر نبيه ﷺ بأن يشاورهم في الأمر، وما كان من شأن عمر بن الخطاب ﵁، حيث كانت المسألة تنزل عليه، فيستشير فيها من حضر من الصحابة
стр. 201
بل ربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابن عباس ﵄ وهو إذ ذاك أحدث القوم سنا.
وينبغي أن يعلم أن هذا الشرط مقيد بما إذا " لم يعارضه مفسدة؛ من إفشاء سر السائل، أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين " (١)؛ فإنه إن عارضه ذلك، فلا ينبغي أن يرتكب؛ دفعا لتلك المفاسد.
٩ - رؤيته لنفسه بأنه أهل لهذا المنصب، وشهادة الناس له بالأهلية له:
فهذا شرط يورثه اليقين بصلاحيته للفتيا فيمضي فيها، ويرشحه في نظر العامة لهذا المقام، فيقدمون عليه يتلقون عنه أحكام دينهم، وما لم يعزز الإنسان بهذين الوصفين، فلن يكون صالحا لتبوء هذا المنصب، ولن يكون موثوقا بما يفتي به، ولا مقبولا عند العامة في سماع ما يقوله لهم في أمر دينهم، ولمالك بن أنس ﵀ نصوص تدل لذلك، فقد ذكر القرافي عنه (٢)، أنه قال: " لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك، ويرى هو نفسه أهلا لذلك، يريد تثبت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين، مطلعا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية؛ لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على ضد ما هو عليه، فإذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس، حصل اليقين في ذلك، وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا " (٣)، كما روى الخطيب البغدادي (٤) بسنده، أن مالك بن أنس يقول: " ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك " وروى (٥) بسنده أيضا إلى خلف بن عمر - صديق كان لمالك - قال: " سمعت مالكا يقول: " ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعا لذلك؟؛ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله: لو نهوك؟ قال: كنت أنتهي؛ لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء، حتى يسأل من هو أعلم منه ".
* * *
стр. 202
أمور ينبغي للمفتي أن يتفطن لها
هناك أمور كثيرة ينبغي لمن تقلد منصب الإفتاء أن يتفطن لها، وأن يأخذ نفسه بها؛ إذ هي لا تقل أهمية عما ذكرناه من الأمور التي تشترط له كي يتقلد هذا المنصب العظيم. ومن العسير جدا أن نلم بها في بحث كهذا - في قصره -، ولكن حسبنا من ذلك معظمها مما نرى أنه يحتل المكانة الكبرى بالنسبة لغيره.
стр. 203
ومن هنا يمكننا أن نلخصها فيما يأتي:
١ - جمال المظهر وحسن الزي على الطريقة التي تتناسب مع الوضع الشرعي:
وإنما كان هذا الأمر مطلوبا؛ لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولأن الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة، والمفتي مطلوب منه أن يعمل ما يجعله عظيما في قلوب العامة حتى يقتدوا به، ويستنيروا بأقواله، ولهذا كان اتصافه بهذا الأمر قربة لله ينال بها الثواب حيث قصد بذلك التوسل إلى تنفيذ الحق وهداية الخلق (١) ولهذا قال عمر ﵁: " أحب إلى أن أنظر القارئ أبيض الثياب. أي ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق " (٢).
ويدخل في هذا الأمر اتصافه بالسكينة والوقار، وظهوره بمظهر الاحتشام والأدب؛ فإن ذلك مما يؤدي إلى أن يرغب المستمع في قبول ما يقول " (٣)، ومما يكون سببا فيما يقصده من وصول القول الحق إلى العامة وعملهم به.
٢ - البداءة بالنفس في كل خير يفتي به: فذلك أمر مطلوب من المفتي؛ إذ هو علامة صدقه في فتواه، وهو السبيل لوضع البركة في قوله، وتيسير قبوله في نفوس مستمعيه، ولذا نجد القرآن يعتبر في الصدق مطابقة القول والفعل، وفي الكذب مخالفته له، وذلك كقول الله (تعالى):
﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٤) ويقول (تعالى): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٦) ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٧) وقد سلك الرسول ﷺ هذا المسلك، فجاءت أقواله مطابقة لأفعاله، وسيرته ممتلئة بالشواهد لذلك.
ومنها ما أخرجه " مسلم " من أن «عمر بن أبي سلمة " سأل النبي ﷺ عن تقبيل الصائم.
فقال له: " سل هذه (لأم سلمة) فأخبرته أن رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
стр. 204
فقال له: والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له (١)» (٢)، وروى مسلم، أيضا أنه ﷺ لما نهى عن الربا في خطبة حجة الوداع، قال: «وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب (٣)»، وروى الخمسة (٤)، أنه ﷺ قال «حين شفع عنده في حد السرقة: " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها (٥)»، فهذا منه ﷺ ظاهر في المحافظة على مطابقة القول للفعل بالنسبة إليه وإلى قرابته، وهكذا ينبغي لمن تصدى لأحكام الله من الناس.
كما جاء الشرع ذاما للفاعل بخلاف ما يقول، فقال الله (تعالى): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦) وقال أيضا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٧) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا﴾ (٨).
ومما ينبغي التنبيه إليه، أن هذا الأمر يعتبر وجوده أكمل في انتفاع المستفتي، وقبوله لما يقوله المفتي وليس معناه أنه لا بد من وجوده من أجل صحة الفتوى من الناحية الشرعية، اللهم إلا إذا سقطت درجة المفتي إلى مرحلة الفسق، فإنه حينئذ لا تقبل فتواه؛ لاختلال شرط العدالة فيه، ولهذا يقول الشاطبي (المتوفى سنة ٧٩٠ هـ) في ذلك (٩): " والمراد بما سقنا من عدم مخالفة المفتي لما يفتي به، أن هذا أكمل في الانتفاع ولا يعني هذا عدم صحة الفتوى من الناحية الشرعية، ما لم ينحط المفتي إلى رتبة الفسق بالمخالفة ".
٣ - معرفة أحوال الناس والتفطن لتصرفاتهم، واليقظة التامة للطرق التي يسلكونها:
وذلك لينكشف للمفتي مكر بعض المستفتين وخداعهم، فلا يغتر بظواهر ما يدلون به فيفتيهم تبعا لها، كما ينبغي له أن يسلك الطريق المستقيم، فيفتي في القضية حيث ظهر له أنه جوابها، دون أن يسلك طريقا معوجا، يحتال به على إسقاط واجب، أو تحليل محرم؛ فإن ذلك مكر وخداع، وقد عاقب الله من فعل ذلك أشد العقاب، وأحل عليهم لعنته، وتوعدهم بالنار، فقد قال (تعالى):
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١٠) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١١) وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به (١٢)» وقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقال: «المكر والخديعة في النار».
стр. 205
٤ - الكف عن النظر في الفتوى حينما يكون مع المستفتي فتوى قد كتبها من لا يصلح لذلك، وعدم الكتابة معه حينما يكون الأمر كذلك، ولو كان جواب المفتي له صحيحا؛ إذ أن في الكتابة معه والحالة هذه تقريرا لصنيعه، وتساهلا عظيما في شأن الفتوى؛ حيث يتصدى لها ناقص العلم أو الدين أو غيرهما مما يشترط في المفتي (١).
٥ - النظر في السؤال والسائل قبل الفتوى، وعقد المقارنة بين مستوى السؤال من الناحية العلمية ومستوى السائل، فإن كان السائل على مستوى السؤال، أجابه المفتي بما يراه الحق، وإن كان السؤال أعلى مستوى من مستوى السائل من الناحية العلمية؛ حيث يكون من العوام، أو يكون السؤال من المعضلات، أو من دقائق الأمور، أو متشابه الآيات، ونحو ذلك مما لا يخوض فيه إلا أكابر العلماء (٢)، فينبغي للمفتي أن ينظر في حال المستفتي: هل هذا السؤال منه نتيجة شبهة عرضت له، يريد إزالتها، أو أن ذلك نتيجة ترف فكري وفراغ وقتي جعلاه يتأمل في أشياء ليس هو من أهلها؟ فإن كان الأول وجب على المفتي أن يقبل على مستفتيه ويتلطف معه، ويحاول بقدر ما أمكنه أن يزيل ما اشتبه عليه، وإن كان الثاني، فينبغي له أن يمتنع عن إجابته، بل ينبغي له أن ينكر عليه سؤاله، ويوجهه نحو ما ينفعه، ويقول له: " اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك ولا تخض فيما عساه يهلكك؛ لعدم استعدادك له (٣).
٦ - الشعور بالافتقار إلى الله (سبحانه) في إلهام الصواب، والدعاء بما يناسب
فينبغي للمفتي أن ينبعث من قلبه شعور صحيح بالافتقار إلى الله في أن يلهمه الصواب، ويوفقه لطريق الخير، ويهديه للجواب الصحيح.
وحري بمن اتصف بذلك أن يوفقه الله في مراده، وأن يدله على طريق الخير، كما ينبغي له - أيضا - أن يدعو بما يناسب المقام، ومن ذلك الحديث الصحيح.
«اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم (٤)».
وقد كان ابن تيمية (المتوفى سنة ٧٢٨ هـ ﵀ كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل، يقول: يا معلم إبراهيم علمني. . . " (٥).
стр. 206
٧ - مراعاة العرف والعادة؛ إذ إن اختلافهما له أثر في اختلاف الحكم (١):
وهذا يستوجب من المفتي أن يسأل - أول ما يسأل _ المستفتي - حين يجهل بلده عنها، وعن عرف أهلها في مثل هذا اللفظ، وعلى ضوء ذلك يجيب عما سأله " وهذا (السؤال من المفتي) أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء، أن حكمهما ليس سواء " (٢).
وأما حين يكون اللفظ صريحا في مدلوله من جهة اللغة، فقد اختلف العلماء في مراعاة العرف في ذلك، حيث يكون له مدلول غير مدلول اللغة، فقيل: يقدم المدلول اللغوي للفظ، وقيل يقدم العرف عليه، وقد رجح الإمام القرافي (٣) تقديم العرف قائلا: " والصحيح تقديمه؛ لأنه ناسخ، والناسخ مقدم على المنسوخ إجماعا، فكذلك هاهنا ".
٨ - التريث في الفتوى حين يشتمل اللفظ على بعض الملابسات التي تجعل المفتي يغلب على ظنه أن صيغة السؤال لا تعبر عن حقيقة الواقع تماما:
وذلك كأن يكون السائل عاميا لا يدري مدلول اللفظ، فنجده يطلق اللفظ الصريح على غير مدلوله، ويأتي باللفظ الخاص على مدلول عام، فينبغي للمفتي إذا غلب على ظنه أن مثل ذلك لا يقع له، أن يتأنى في شأن الفتيا حتى يتفقد قرائن أحوال المستفتي، وحتى ينكشف له واقع الحال، فيفتيه في ضوء ما تبين له، لا في حدود ما أطلقه من لفظ، وإن لم يصل المفتي إلى كشف الواقع، فلا يحل له أن يفتيه (٤).
ومن الملابسات التي تجعل المفتي يغلب على ظنه أن صيغة السؤال لا تعبر عن حقيقة الواقع، أن يكون المسئول عنه ما مثله لا يسأل عنه، فالغالب على الظن حينئذ أنه يقصد بالسؤال أمر لو صرح به، لامتنعت الفتيا به، ولهذا ينبغي للمفتي أن يتأنى في الفتيا، ويستكشف حال المستفتي ويبحث عن حقيقة سؤاله.
ويروي لنا القرافي (٥)، قصة حصلت له، تمثل ذلك أتم التمثيل، فيقول: " ولقد سئلت مرة عن عقد النكاح بالقاهرة: هل يجوز أم لا؟ فارتبت وقلت له: ما أفتيك حتى تبين لي: ما المقصود بهذا الكلام؟ فإن كل أحد يعلم أن عقد النكاح بالقاهرة جائز، فلم أزل به حتى قال: إنا أردنا أن نعقده خارج القاهرة فمنعنا؛ لأنه استحلال، فجئنا للقاهرة (فعقدناه)، فقلت له: هذا لا يجوز بالقاهرة، ولا بغيرها ".
٩ - النصح والشفقة على المستفتي: ولذلك صور كثيرة، ووجوده متعددة؛ إلا أن أبرزها دلالته على الأمر المباح، وتوجيهه للطريق المستقيم، وذلك حين يستفتي عن أمر محرم فيمنعه المفتي منه وحاجته
стр. 207
تدعوه إليه، ومصلحته تستدعي أن يكون مباحا تناوله، فمن تمام النصح والشفقة للمستفتي، أن يدله المفتي على الأمر المباح، الذي يكون عوضا عن الممنوع، وقائما في سد الحاجة مقام ذلك المحرم، وهو حين يسلك هذا المسلك، يكون مثله مثل طبيب الأبدان: يحمي العليل مما يضره، ويصف له ما ينفعه.
وقد جاءت أقوال الرسول ﷺ وأحكامه بهذا، ففي الصحيح أنه ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم (١)»، كما يروي البخاري أنه ﷺ منع عامله على خيبر من شراء الصاع من التمر الجيد بالصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح؛ فقال: «بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا (٢)».
وكان العلماء ﵏ يسلكون ذلك الطريق، ويتحرونه في فتاويهم " ومن تأمل فتاوى ابن تيمية، وجد ذلك ظاهرا فيها " (٣).
١٠ - مراعاة الحكم الشرعي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، وحمل المستفتي على الأخذ به: ومعلوم أن الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، ما كان من الأحكام جاريا على المعهود والوسط بين الشدة والخفة؛ فلا يحمل المستفتي على الشديد، ولا يفتح له باب الخفة المفضي إلى التحلل من أحكام الشرع.
ودليل قولنا، أن من تتبع الشريعة في مصادرها ومواردها، وجدها تنحو المنحي الوسط في الأمور، وتقصد الاعتدال في كل ما يقوم به المكلفون من أعمال، فالخروج عن ذلك إلى التشديد والتخفيف المفرط، خروج عن مقصد الشريعة.
ثم إن ذلك مفهوم من أمر رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، والوقائع الصحيحة التي وصلت إلينا أخبارها مما لا يحصيه العد، تدل على صحة ما ذكر، ومن ذلك ما رواه البخاري وأحمد ومسلم من " أنه ﷺ «رد على عثمان بن مظعون التبتل (٤)»، (٥) وما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من " أنه ﷺ «قال لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ (٦)»، وما رواه البخاري من أنه ﷺ قال: «إن منكم منفرين (٧)» وما رواه البخاري (٨) من أنه ﷺ قال: «سددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة (٩)». إلى غير ذلك مما يدل على أن الشريعة، قد بنيت على القصد والاعتدال، وروعي فيها اجتناب التشديد، أو التخفيف الذي يؤدي إلى التحلل من أحكام الإسلام.
ولما تقدم " كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء والراسخين (١٠).
стр. 208
١١ - حسن النية، وسلامة القصد من المفتي: وذلك بأن يكون الهدف الأساسي له في فتواه الإرشاد إلى الحق، وهداية العامة طريق الرشاد، والعمل بأحكام الشرع الحنيف،
فلا يداخله رياء أو سمعة، أو حب للظهور بين الناس بمظهر العالم الجليل، أو الغيرة على شريعة الله، دون أن يكون لذلك رصيد في قلبه: من حسن في النية، وحب لإسداء الخير للناس، كما لا يجوز أن يداخله قصد لحطام الدنيا أو عرض من أعراضها (١).
١٢ - الاحتراز وأخذ الحيطة في الفتوى: ويتجلى ذلك في صور متعددة، تختلف في مقاصدها لكنه يجمعها معنى الاحتراز والحيطة اللذين تشتمل عليها.
ومن هذه الصور أن يكون السؤال محتملا لصور متعددة، ولا يخلو الأمر في هذه الحالة من أن يكون المفتي عالما بالصورة التي يقصدها المستفتي بسؤاله أو لا؟ فإن لم يكن عالما بذلك لم يجب عن أي صورة منها (٢)، وإن كان عالما بما يقصده المستفتي، فقد اختلف العلماء ﵏ في الطريقة التي يسوغ للمفتي أن يسلكها في إجابته. فذهب بعضهم إلى أنه يسوغ له أن يخصها وحدها بالجواب، ولكن يحتاط في نفي توهم أن الإجابة عن غيرها؛ بأن يضع قيودا تدل دلالة واضحة على أنها هي المقصودة بالجواب، وأنها المخصوصة به دون غيرها، كأنه يقول: " إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسئول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا وكذا " (٣)، كما يسوغ له عند هؤلاء طريق آخر، وذلك بأن يذكر جميع الصور المحتملة في المقام، ثم يذكر حكم كل صورة من هذه الصور على حدة. ويرى فريق آخر من العلماء، أنه لا يسوغ للمفتي إلا أن يتبع الطريقة الأولى - طريقة تخصيص الصورة المسئول عنها بالجواب - ولا يسوغ له ذكر جميع الصور، وذكر أحكامها.
ويعضد رأيه بما يأتي:
أولا:
أن في ذلك تعليما للحيل، وفتح أبواب كثيرة، يستطيع المستفتي أن يدخل ويخرج من أيها شاء.
ثانيا:
أن ذلك قد يؤدي إلى ضياع مقصود من سؤاله؛ إذ أنه يقصد به الوصول إلى جواب يعمل به في واقعته التي سأل عنها، فإذا وجد نفسه أمام أحكام متعددة لصور مختلفة لا تعنيه ولا يهمه أمرها، ازدحمت عنده الأحكام، وصعب عليه فهمها، واستخلاص ما يحتاج إليه منها، ومن هنا يكون هذا المسلك
стр. 209
سببا لفوات مقصوده.
وبينما نجد العلماء يختلفون فيما بينهم على هذا النحو الذي بينا، نجد الإمام ابن القيم يرى مذهبا وسطا بين المذهبين، فيقول (١): " والحق التفصيل؛ فيكره حيث استلزم ذلك (ضياع مقصود العامي) ولا يكره - بل يستحب - إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان إزالة لبس ".
وأيد رأيه (٢) بما ورد عن النبي ﷺ من التفصيل في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا، فالأمر كذا، وذكر من ذلك قصة الذي وقع على جارة امرأته، فقال ﷺ : " إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة، فهي له، وعليه لسيدتها مثلها ".
ومن هذه الصور التي يتجلى فيها معنى الاحتراز والحيطة ما إذا كانت الفتوى قد يفهم منها أنها بنيت على معنى من المعاني، فقد يذهب نظر المستفتي إلى أنه هو العمدة في هذا الحكم، فيراعيه في القضايا التي يوجد فيها، وحين يكون هناك مانع يمنع من هذا، ينبغي التنبيه إليه، والاحتراز مما قد يؤدي إليه الفهم منه، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود أن النبي ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها (٣)» (٤)، ففي النهي عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها، وحيث خشي ﷺ أن يراعى تعظيمها فيعمل كل ما كان من شأنه خدمة هذا المعنى، ومن ذلك الصلاة إليها - لما خشي ذلك، صرح بالنهي عن المبالغة في تعظيمها، حتى تجعل قبلة يصلى إليها (٥).
ومن هذه الصور أيضا أن المفتي حينما يلقي الحكم على المستفتي، فمن اللائق به أن يذكر دليل الحكم ومأخذه؛ فإن في هذه الطريقة احتياطيا لكسب ثقة المستفتي بمفتيه، واطمئنان نفسه بالحكم الذي تلقاه منه، وفيها احتياطيا للمفتي بحيث يبرهن لغيره أنه إنما أفتاه عن علم ويقين لا عن تخرص وتخمين (٦).
والناظر في فتاوى النبي ﷺ الذي قوله حجة بنفسه، لا يحتاج إلى شيء يعضده ويسانده، يجدها مشتملة على التنبيه إلى حكمة الحكم، ووجه مشروعيته، ونظيره من الأحكام حتى يتأيد بها.
стр. 210
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص قال: «سمعت النبي ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (١)» (٢) فمن المعلوم يقينا أنه ﷺ يعلم نقصان الرطب بعد يبسه، ولكنه أراد بهذا السؤال أن ينبههم إلى علة تحريم بيعه بالتمر.
ومن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود من «قوله ﷺ لعمر حين سأله عن حكم تقبيل الصائم لامرأته: " أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك؟ قال ﷺ : ففيم (٣)»؛ فهو أتى بين يدي الفتوى بمقدمة الشرب للصائم وهي المضمضة، وسأله عن حكمها ليتوصل من هذا إلى نقل مثل هذا الحكم إلى تقبيل الصائم لامرأته؛ إذ هما نظيران فكل واحد منهما مقدمة لمحظور، ولا يلزم من ذلك أن يكونا محظورين.
ومن هذه الصور - أيضا - أن المسألة حينما يكون في حكمها خلاف بين العلماء، فإن المفتي ينظر فيها على أساس من الاحتياط والاحتراز، فإن رأى أن الفتوى فيها ستثير استنكار بعض العلماء، وتوقع في التنازع، وتؤدي إلى الطعن فيه، فإن الاحتراز من ذلك يقضي بأن يحكى ما فيها من خلاف، ويورد ما لكل مذهب من أدلة، وينقل من الكتب ما يلائم المقام من نصوص. وبذلك يبين وجه الصواب لغيره ممن نازعه من العلماء، ويصون عرضه مما قد يحتمل من الطعن فيه.
وإن رأى أن الفتوى لا يقصد بها إلا مجرد الاسترشاد، ولا يحتمل من ورائها أن تثير استنكارا، ولا أن توقع في نزاع، أو تؤدي إلى طعن، فإنه يقتصر حينئذ على الجواب عن السؤال مجردا عن ذكر الخلافات وما يصاحبها من أدلة متباينة ونقول مختلفة، وهذا هو ما تقضي به مراعاة الاحتراز في الفتوى عن التشويش على المستفتي، والخوف من وقوعه في بلبلة فكرية من كثرة الآراء التي ألقيت عليه، فلا يدري بأيها يأخذ (٤). ومن صور الاحتراز التي ينبغي للمفتي التفطن لها أن لا يترك شيئا مما تلفظ به المستفتي مما له تأثير في الحكم إلا كتبه؛ وذلك أن المستفتي قد يأتي بفتوى محررة، لكنه يتلفظ بأمور ليست مكتوبة، وهي لها أثر في الحكم، فحينئذ ينبغي للمفتي أن يكتبها " بخطه بين الأسطر، أو يقول: قال المستفتي من لفظه كذا " (٥)؛ لأن في ترك ذلك - مع أنه قد راعاه في الفتيا - طعنا عليه في فتياه، فينبغي له أن يتحرز من هذا الطعن.
كما ينبغي له أن يتفقد أسطر الورقة تفقدا تاما، فإذا رأى في السطر بياضا سدده، وإذا رأى في السطر الأخير نقصا أكمله بخطه بما يكتبه في الفتيا؛ وذلك لأن مثل هذه الفراغات تكون مجالا للتوصل للباطل
стр. 211
والتتميم بما يخالف الحكم، فينشأ عن ذلك فتن عظيمة بين العلماء، وطعن أليم على المفتين، ويروي " القرافي " (١) قصة حصل فيها هذا المحذور؛ بسبب إهمال هذا المفتي لهذه الفراغات، وإكمال المستفتي لها بما يخالف حكم المفتي، فيقول " وقد استفتي بعض العلماء المشهورين عن رجل مات وترك أما وأخا لأم، وترك الكاتب في آخر السطر بياضا ثم قال: وابن عم، فكتب المفتي: للأم الثلث، وللأخ لأم السدس، والباقي لابن العم، فلما أخذ المستفتي الفتيا، كتب في ذلك البياض: وأبا، ثم دور الفتيا على الناس بالكوفة، وقال انظروا فلانا كيف حجب الأب بابن العم، فقال له أصحابه: مثله ما يجهل هذا، فقال: هذا خطه شاهد عليه، فوقعت فتنة عظيمة بين فئتين عظيمتين من الفقهاء ".
وأمثال هذه القصة كثير بسبب ما تزين للمستفتي نفسه أن يضيفه حين يجد المجال مفتوحا أمامه للإضافة، ولهذا فإنه ينبغي للمفتي التفطن التام لذلك " فإذا رأى فرجة يمكن أن يكتب فيها شيء، فليملأها بلفظ " صح، صح " ونحوها مما يشغل به تلك الفرجة، وإذا بقيت فرجة في آخر السطر، فليسدها بمثل " والحمد لله " أو " حسبنا الله "، ولينو بها ذكر الله تعالى. . . " (٢).
١٣ - تأدبه في صورة وضع الفتيا، حين يكون قد أفتى في القضية غيره ممن هو أعلى منه منزلة في العلم: ذلك أن في هذا تواضعا، والله يحب من اتصف بهذه الصفة، وفيه احتراما لذوي المنزلة العلمية، واعترافا بفضلهم ومكانتهم.
والتأدب في صورة وضع الفتيا له ناحيتان: ناحية من حيث التلفظ بالفتوى، وناحية من حيث الموضع الذي يكتبها فيه، ولكل من الناحيتين درجات تختلف قربا وبعدا عن التواضع.
وقد أوضح " القرافي " (٣) هذه الدرجات مبينا علل قربها أو بعدها عن التواضع، فقال: " فإن كان الذي تقدمه، في غاية الجلالة، فليقل: " كذلك جوابي " إن كان يعتقد صحة ما قاله من تقدمه، ودون ذلك في التواضع " جوابي كذلك "؛ لأن تقديم لفظ الجواب قبل التشبيه، تقديم لجوابه على جواب من تقدمه الكائن في التشبيه، وإن قال: " كذلك جوابي "، فالإشارة ب " ذلك " الذي دخلت عليه كاف التشبيه، هو جواب من تقدمه، فيكون قد قدم جواب السابق عليه قبل ذكر جوابه، والتقديم تعظيم واهتمام، فهو أدخل في الأدب.
ودون هاتين المرتبتين في التواضع، وأقرب إلى الترفع أن يكتب مثل الجواب بعبارة أخرى، ولا يشبه جوابه بجواب من تقدمه أصلا، وأرفع من ذلك وأبعد عن التواضع، أن يقول: " الجواب صواب " أو " الجواب صحيح " وهذا لا يستعمل إلا لمن يصلح للثاني أن يجيزه في الفتيا أو يزكيه في
стр. 212
قوله، وأن يكون معه في معنى التلميذ والتبع؛ لأنه أظهر أن جواب السابق في صورة من يشهد له هو بالصحة، أو بالصواب من جهة الثاني، وهذه أدنى الرتب لخلو اللفظ عن التعظيم بالكلية.
هذا من حيث اللفظ.
وأما من حيث الموضع الذي يكتب فيه، فإن اتضع، كتب خطه تحت خط الأول، وإن ترفع، كتب قبالته في يمين الخط أو شماله، وكذلك الجهة اليمنى أشرف من الجهة اليسرى، فالمتواضع يضع في اليسرى، والذي لا يقصد التواضع، ويقصد التعظيم للجهة اليمنى لكونها يمنى يضع فيها ".
* * *
стр. 213
خاتمة
كان للواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في أفرادها، ومن يتصدر للفتيا في دين الله، سبب قوي جعلني أفكر في موضوع هذا البحث، وأطلب العون من الله في استجلاء كثير من حقائقه كما كان لبعض جوانبه أثر في نفسي أقوى من الجوانب الأخرى، تلك هي ما يتصل بالأسس الأصيلة، التي ينبنى عليها تكوين المفتي، والمطالب الهامة التي ينبغي أن يتصف بها ويترسمها في حياته العامة وأثناء قيامه بمهمة الفتيا، والمكانة العظيمة التي قد منحها مما يدل على عظم شأنه، وعلو منزلته.
لذلك حاولت - بقدر ما أمدني الله به من عون - أن أستجلي من هذه الجوانب ما رأيته في المنزلة الأولى بين جوانبه المتعددة.
ومن هنا جاء البحث قائما على الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى: أن قدمت له بتمهيد؛ بينت فيه مكانة هذا البحث في ميدان البحوث العلمية، والمدى البالغ لأهميته في عصرنا الحاضر؛ حيث فشا الجهل في أفراد الأمة بأحكام دينها وصار الكثير ممن يتصدر الفتيا لا ينطبق عليهم ما هو مشترط لمن يتصدى لهذا المنصب العظيم.
الحقيقة الثانية: أن أوضحت معناه في اللغة، وعرضت الخلاف بين العلماء في تعريفه اصطلاحا، ورجحت بالأدلة ما تبين لي رجحانه، وذيلت هذه الحقيقة بعرض لأقسام المفتين، وتعريف مختصر بهم.
الحقيقة الثالثة: أن بينت المنزلة الرفيعة التي يحتلها المفتي؛ حيث كان قائما مقام النبي ﷺ في وراثته لعلم الشريعة منه ﷺ ، وإبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والإنذار بها، وأقمت الأدلة الناصعة لذلك من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة.
стр. 214
الحقيقة الرابعة: أن ذكرت الشروط التي ينبغي أن تتوفر فيمن اصطلحنا سابقا على تسميته بالمفتي الذي تؤخذ الفتوى عنه، وإن كان غيره ممن هو أعلى مرتبة في العلم، وأرسخ قدما في الفهم والاستنباط، تؤخذ عنه من باب أولى؛ فكانت على النحو التالي:
الإسلام والتكليف، والعلم، والعدالة، وحسن الطريقة ورضا السيرة، والورع والعفة والحرص على استطابة المأكل، ورصانة الفكر وجودة الملاحظة، والتأني في الفتوى والتثبت فيما يفتى به، وطلب المشورة، ورؤية المفتي لنفسه بأنه أهل لهذا المنصب، وشهادة الناس له بذلك.
وقد ذكرت بعد كل شرط ما يدل على اشتراطه، فبان بذلك تحتم وجودها فيمن نصب نفسه للإفتاء " وتحتم امتناع من لم تتوفر فيه عن ذلك.
الحقيقة الخامسة: أن سجلت في هذا البحث أهم الأمور التي ينبغي لمن تصدى للفتيا بأن يتحلى بها، ويأخذ نفسه بها، فاجتمع لنا منها ما يأتي:
جمال المظهر وحسن الزي على الطريقة التي تتناسب مع الوضع الشرعي، والبداءة بالنفس في كل خير يفتى به، ومعرفة أحوال الناس والتفطن لتصرفاتهم، والكف عن النظر في الفتوى حينما يكون مع المستفتي فتوى قد كتبها من لا يصلح لذلك، وعدم الكتابة مع المستفتي حينما تكون حاله مثل ذلك، والنظر في سؤال السائل من حيث مطابقته لمستوى السائل وعدم مطابقته لذلك، وإعطاء كل حالة حكمها المناسب لها؛ من حيث إفتاؤه وعدم إفتائه، والشعور بالافتقار إلى الله (سبحانه) في إلهام الصواب، والدعاء بما يتناسب مع هذا المقام، ومراعاة العرف والعادة في الفتوى حيث تختلف بلدان المستفتين، وعرض الخلاف حين يتعارض العرف مع المدلول اللغوي للفظ الصريح، والتريث في الفتوى حين يشتمل اللفظ على بعض الملابسات التي تجعل المفتي يغلب على ظنه أن صيغة السؤال لا تعبر عن حقيقة الواقع تماما، والنصح والشفقة على المستفتي؛ إما بتوجيهه للطرق المباحة حين يستفتي عن أمر محرم، فيمنعه المفتي منه، وإما غير ذلك مما يدخل في معنى النصح والشفقة، ومراعاة الحكم الشرعي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، وهو ما كان جاريا على المعهود الوسط بين الشدة والخفة، وحسن النية، وسلامة القصد من المفتي، والاحتراز وأخذ الحيطة في الفتوى - وقد ذكرت لذلك صورا كثيرة متنوعة بجمعها هذا المعنى - وختمت هذه الأمور بأمر يتصل بالتواضع المشروع في الإسلام، وهو تأدب المفتي في صورة وضع الفتيا حين يكون قد أفتى في القضية غيره ممن هو أعلى منه منزلة في العلم.
وقد سلكت في بحث هذه الأمور ذكر الأدلة الشرعية لها، وعرض الخلاف حيث يوجد فيها، وتفصيل الحالات المحتملة حيث يوجد الاحتمال، وإيراد الحكم لكل حالة مقرونا بدليله.
стр. 215
تلك: هي مكانة المفتي في الإسلام، وهذه هي الحقائق التي ينبغي لمن تصدى للإفتاء بأن تتوفر فيه، ويتجلى بها.
فما مدى انطباقها على المفتين في العالم الإسلامي المعاصر؟ إننا نقرر - والأسى يحز في نفوسنا - واقعا مريرا تعيشه الأمة الإسلامية في هذا الجانب؛ ذلك أن كثيرا من أولئك المفتين لا تتوفر فيه تلك الشروط، ولا تجتمع فيه الأمور التي ينبغي لمن أفتى أن يتحلى بها، ولا شك أن هذا كان له الأثر السيئ في المجتمع الإسلامي؛ فأحكام الدين تؤخذ - في كثير من الأحيان - عن أفواه من لا يصلح للفتيا، والثقة بما يقال في ذلك انتزعت؛ لكون القائل ليس أهلا لما يقول، والاضطراب في الفتاوي بين العامة انتشر حتى صار سببا للفوضى بينهم، والتشويش عليهم فيما يأخذون أنفسهم به.
والشيء الذي يتبادر إلى الذهن اقتراحه إزاء هذه المشكلة؛ للقضاء عليها، أو الحد من خطرها، أن لا يترك الباب للإفتاء مفتوحا لمن أراد أن يلج منه، بل ينبغي لولاة الأمور ومن يعنيهم هذا الشأن أن يضعوا قواعد أساسية بها يقومون الشخص، ويعلمون مدى صلاحيته لذلك، فيرشحوه لهذا الأمر، ويوجهوا عامة الناس نحوه في أخذ الأحكام، حين يحتاجون لذلك، وأن يمنعوا عن الإفتاء من لا يصلح لذلك، وينذروه إن لم ينته عنه، ويعاقبوه بما يتناسب مع حاله حين يتصدى له، ولو أصاب في ذلك، فإن إصابته مرة سيتبعها خطؤه مرات كثيرة في حالات أخرى، وليس فيما نقول تحجير لواسع؛ فإنه لا مانع من أن يختار في كل بلد من يصلح لذلك؛ حتى يفتيها في أمور دينها، ويخلصها مما قد ينبهم عليها في صلتها مع ربها، كما أنه ليس فيما نقول ابتكار لقول لم نسبق إليه وإلى العمل به؛ فقد قال الخطيب البغدادي (١): " قلت ينبغي لإمام المسلمين، أن يتصفح أحوال المفتين؛ فمن كان يصلح للفتوى، أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها، وأوعده بالعقوبة، إن لم ينته عنها ".
ويستأنس في عرض رأيه هذا بما حصل من خلفاء بني أمية في تعيينهم من يتصدى للفتيا بمكة، ومنعهم لغيرهم منها، فيقول (٢): " وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قوما يعينونهم، ويأمرون بأن لا يستفتي غيرهم (ويروي بسنده) إلى أبي يزيد الصنعاني عن أبيه قال: كان يصيح الصائح في الحاج: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن فعبد الله بن أبي نجيح ".