← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.

стр. 14876

وقال: على أحاديث النهي عن صبر البهائم واتخاذ ما فيه الروح غرضا، صبر البهائم: حبسها لتقتل برمي ونحوه، وهو معنى «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا (١)» أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود ونحوها: وهذا النهي للتحريم ولهذا قال ﷺ في رواية ابن عمر التي بعد هذه «لعن الله من فعل هذا، (٢)» ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته إن كان مذكى، ولمنفعته إن لم يكن مذكى " (٣). أقول: وهذا من أعظم ما ينافي الإحسان والرحمة والشفقة بالحيوان ومن أكبر الظلم والتعذيب الذي حرمه الدين الإسلامي. وجاء في تحفة الأحوذي: على حديث نهيه ﵊ عن التحريش بين البهائم والضرب في الوجه. قوله: " التحريش بين البهائم " هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها، ووجه النهي عن ذلك أنه إيلام للحيوانات وإتعاب لها بدون فائدة بل مجرد عبث. وعن الوسم في الوجه: أي يحرم الوسم في الوجه وكذا " الضرب في الوجه " من كل حيوان محترم فيحرم ولو غير آدمي لأنه مجمع المحاسن مع أنه لطيف يظهر فيه أثر الضرب، وربما شانه وربما آذى بعض الحواس. قال النووي: وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل الحيوان المحترم من الآدمي والحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها. لكنه في الآدمي أشد لأنه مجمع المحاسن مع أنه لطيف لأنه يظهر فيه أثر الضرب وربما شانه وربما آذى بعض الحواس. اهـ وفي تحفة الأحوذي قال: أيضا في موضع آخر عند قوله " باب ما جاء في كراهية التحريش " إذا أطلقت الكراهة فالمراد بها التحريم. أهـ (٤).

стр. 14877

فالضرب في الوجه محرم لما فيه من الآثار السابق ذكرها ولما فيه من التعذيب والإيلام الشديد والظلم العظيم وعدم الشفقة والرحمة والإحسان للبهائم وغيرها. وقال في عون المعبود على سنن أبي داود: "عن التحريش بين البهائم " هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها، ووجه النهي أنه إيلام للحيوانات وإعنات لها بدون فائدة بل مجرد عبث (١). وعن الوسم والضرب في الوجه قال: فيه دليل على تحريم الوسم في الوجه، لأنه ﵊ لا يلعن إلا من فعل محرما. وكذلك ضرب الوجه قال النووي: ثم ذكر كلام النووي المتقدم ذكره. وقد عد الذهبي: رحمه الله تعالى الاستطالة على الدابة من الكبائر فقال: الكبيرة الحادية والخمسون: الاستطالة على الضعيف والمملوك والجارية والزوجة والدابة؛ لأن الله تعالى قد أمر بالإحسان إليهم في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٢). وأخذ رحمه الله تعالى يتكلم عن الحديث ويشرح جزئياته إلى أن قال: ومن ذلك أي من عظم الإساءة أن يجوع المملوك أو الجارية أو الدابة، يقول رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته (٣)». ومن ذلك أن يضرب الدابة ضربا وجيعا، أو يحبسها ولا يقوم

стр. 14878

بكفايتها أو يحملها فوق طاقتها فقد روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١) الآية قيل: يؤتى بهم. الناس وقوف يوم القيامة فيقضى بينهم حتى أنه ليؤخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء حتى يقاد للذرة من الذرة ثم يقال لهم كونوا ترابا فهنالك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا وهذا من الدليل على القضاء بين البهائم، بينها وبين بني آدم حتى أن الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوعها أو عطشها أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بقدر ما ظلمها أو جوعها والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (٢)» أي من حشراتها. وفي الصحيح «أنه ﷺ رأى امرأة معلقة في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها وهي تعذبها كما عذبتها في الدنيا بالحبس والجوع». وهذا عام في سائر الحيوان وكذلك إذا حملها فوق طاقتها تقتص منه يوم القيامة لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث (٣)» فهذه بقرة أنطقها الله في الدنيا تدافع عن نفسها بأنها لا تؤذى ولا تستعمل في غير ما خلقت له، فمن كلفها غير طاقتها أو ضربها بغير حق فيوم القيامة تقتص منه بقدر ضربه وتعذيبه. قال أبو سليمان الداراني: ركبت مرة حمارا فضربته مرتين أو ثلاثا فرفع رأسه ونظر إلي وقال: يا أبا سليمان هو القصاص يوم القيامة فإن شئت فأقلل وإن شئت فأكثر قال: فقلت: لا أضرب شيئا بعده أبدا، «ومر ابن عمر بصبيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (٤)»، والغرض كالهدف وما يرمى إليه ونهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم يعني

стр. 14879

(أن تحبس للقتل) وإن كان مما أذن الشرع بقتله كالحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور قتله بأول دفع ولا يعذبه لقوله ﵊: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته (١)» ثم ذكر عدم جواز تحريق الحيوان بالنار وذكر حديث ابن مسعود في قصة الحمرة وفرخيها. . إلخ (٢). ويقول ابن حجر الهيتمي: رحمه الله تعالى- الكبيرة الثامنة، والتاسعة، والعاشرة، والحادية عشرة، والثانية عشرة بعد الثلاثمائة، امتناع القن مما يلزمه من خدمة سيده وامتناع السيد مما يلزمه من مؤونة قنه، وتكليفه إياه عملا لا يطيقه، وضربه على الدوام، وتعذيب القن بالخصاء ولو صغيرا أو بغيره أو الدابة وغيرها بغير سبب شرعي، والتحريش بين البهائم. ثم أخذ رحمه الله تعالى يتكلم عن القن وما يجب له أو عليه وما يجب نحوه. . إلى أن قال: (٣). والشيخان: «من لا يرحم لا يرحم (٤)» ". والبخاري وغيره «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض (٥)» وفي رواية «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (٦)» زاد أحمد " فوجبت لها النار بذلك، وابن حبان في صحيحه «دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء وأطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، ورأيت فيها ثلاثة يعذبون امرأة من حمير طوالة ربطت هرة لم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض فهي تنهش قبلها ودبرها (٧)». . وذكر هذا الحديث بطرق وروايات أخرى. . إلى أن قال: وعن ابن عباس ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم (٨)».

стр. 14880

وقد قال الأذرعي: ويشبه أن يكون قتل الهر الذي ليس بمؤذ عمدا من الكبائر لأن امرأة دخلت النار في هرة الحديث ويلحق بها ما في معناها. . انتهى. والقتل ليس بشرط بل الإيذاء الشديد كالضرب المؤلم كذلك، ثم رأيت بعضهم صرح بأن تعذيب الحيوان من غير موجب، وخصاء العبد وتعذيبه ظلما أو بغيا من الكبائر، ويقاس بالعبد غيره.

стр. 14881

ولما فرغت من هذا البحث رأيت بعضهم أطال فيه فأحببت تلخيص ما زاد به على ما قدمته وإن كان في خلاله شيء مما قدمته قال: الكبيرة الحادية والخمسون الاستطالة على الضعيف والمملوك والجارية والزوجة والدابة، لأن الله تعالى قد أمر بالإحسان إليهم بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (١) فالإحسان للوالدين والأقارب بالبر. . . إلى أن قال: ومن أعظم الإساءة على الجارية أو العبد أو الدابة أن تجوعه لقوله ﷺ «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته (٢)» ومن ذلك أن يضرب الدابة ضربا وجيعا أو يحبسها أو لا يقوم بكفايتها أو يحملها فوق طاقتها فقد روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣) قيل ورد في السنة: «يؤتى بهم والناس وقوف يوم القيام فيقضى بينهم حتى أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء حتى يقاد للذرة من الذرة، ثم يقال كونوا ترابا فهناك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (٤)» فهذا من الدليل على القصاص بين البهائم وبينها وبين بني آدم، (٥) حتى الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوعها أو عطشها أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بنظير ما

стр. 14882

ظلمها أو جوعها، ويدل على ذلك حديث الهرة السابق بطرقه، وفي الصحيح «أنه رأى المرأة معلقة في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها وتعذبها كما عذبتها في الدنيا بالحبس والجوع» وهذا عام في سائر الحيوانات، وكذلك إذا حملها فوق طاقتها تقتص منه يوم القيامة" لحديث الصحيحين «بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث (١)» فهذه بقرة أنطقها الله في الدنيا تدافع عن نفسها بأنها لا تؤذى ولا تستعمل في غير ما خلقت له فمن كلفها فوق طاقتها أو ضربها بغير حق، فيوم القيامة يقتص منه بقدر ضربه وتعذيبه قال أبو سليمان الداراني: ركبت مرة حمارا فضربته مرتين أو ثلاثا فرفع رأسه ونظر إلي وقال: يا أبا سليمان هو القصاص يوم القيامة، فإن شئت فأقلل وإن شئت فأكثر، قال: فقلت: لا أضرب شيئا بعده أبدا، «ومر ابن عمر ﵄ بصبيان من قريش قد نصبوا طائرا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا: إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (٢)» أي هدفا يرمي إليه «ونهى ﷺ "أن تصبر البهائم (٣)» أي تحبس للقتل، ثم ساق حديث ابن مسعود في قصة الحمرة وفرخيها «وأنه رأى قرية نمل قد حرقت فقال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار (٤)» وأنه فيه النهي عن التعذيب بالنار. وذكر ابن رجب: رحمه الله تعالى حديث أبي يعلى " شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته (٥)». . رواه مسلم. ثم أخذ في الكلام عنه وشرحه إلى أن قال: وظاهره يقتضي أنه كتب على كل مخلوق الإحسان، فيكون كل شيء أو كل مخلوق هو المكتوب عليه، والمكتوب هو الإحسان، وقيل: إن المعنى أن الله كتب الإحسان إلى كل شيء أو في كل شيء

стр. 14883

أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء فيكون المكتوب عليه غير مذكور وإنما المذكور المحسن إليه، ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافا لبعضهم، وإنما استعمال لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم. . وأخذ ﵀ في التفصيلات الأصولية إلى أن قال: وحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ثم قال: وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال لكن إحسان كل شيء بحسبه. . إلى أن قال: والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم، القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك الواجب في ولاية الخلق وسياستهم القيام بواجبات الولاية كلها. . والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب - إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه. أقول: - القائل كاتب هذا البحث- والرفق بالحيوان والدواب وعدم ظلمه أو تعذيبه أو تحميله فوق طاقته أو تجويعه هو عين الإحسان الذي أوجبه الخالق ، ولذلك فقد أمر ﵊ بإحسان هيئة الذبح وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه: يقول ابن رجب أيضا: وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة- أقول: وفي هذا دلالة أيضا على وجوب الرفق بالحيوان حتى في حالة إزهاق روحه، وقال ابن رجب أيضا: وقد ثبت عن النبي ﷺ «أنه نهى عن صبر البهائم (٣)» وهو أن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت، ففي الصحيحين عن أنس «أن النبي ﷺ نهى أن تصبر البهائم (٤)» وفيهما أيضا «عن ابن عمر أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ "لعن من فعل هذا (٥)» " وخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ «أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا، (٦)» والغرض هو الذي يرمى بالسهام، فيه،

стр. 14884

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ نهى عن الرمية أن ترمى الدابة ثم تؤكل، ولكن تذبح ثم يرموا إن شاءوا (١)» وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة فلهذا أمر النبي ﷺ بإحسان القتل والذبح وأمر أن تحد الشفرة، وأن تراح الذبيحة يشير إلى أن الذبح بآلة حادة تريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها، وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: «أمر رسول الله ﷺ بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز يعني فليسرع الذبح (٢)» وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها، وخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال: «مر رسول الله برجل وهو يجر شاة بأذنها، فقال رسول الله ﷺ دع أذنها وخذ بسالفتها والسالفة مقدمة العنق (٣)». . . ثم أخذ ﵀ يسوق أحاديث وآثارا كلها تحث على الرفق بالبهيمة والإحسان إليها عند الذبح (٤). أقول: ومن باب أولى الرفق بالبهائم والدواب في غير هذه الحالة وتكلم محمد بن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية عن وسم الحيوان فقال: فصل في النهي عن الوسم ولا سيما الوجه. لا يسم في الوجه ولا بأس به في غيره وقال جابر ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن ضرب الوجه وعن وسم الوجه (٥)» وفي لفظ «مر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه، (٦)» وعن ابن عباس قال: «رأى رسول الله ﷺ حمارا موسوما في الوجه فأنكر ذلك فقال: فوالله لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه (٧)» وأمر بحماره فكوي على جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين، روى ذلك مسلم، ولأحمد وأبي داود من حديث جابر «أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها وضربها في وجهها. فنهى عن ذلك (٨)». ثم أخذ يتكلم ويسوق الأحاديث والآثار في ذلك إلى أن قال: وقال النووي: الضرب في الوجه منهي عنه في كل حيوان لكنه في الآدمي أشد قال: والوسم في الوجه منهي عنه إجماعا (٩) اهـ. هذا والله أعلم لما فيه من إيلام الحيوان وتشويهه.

стр. 14885

وفي موضوع آخر؟ قال: ويكره التحريش بين الناس وكل حيوان بهيم ككباش وديكة وغيرهما ذكره في الرعاية الكبرى، وذكر في المستوعب أنه لا يجوز التحريش بين البهائم، انتهى كلامه فهذان وجهان في التحريش بين البهائم انتهى كلامه، وكلام الإمام أحمد يحتملهما قال ابن منصور لأبي عبد الله يكره التحريش بين البهائم؟ قال: سبحان الله إي لعمري. . وعن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم (١)» رواه أبو داود والترمذي " (٢). وذكر البيحاني: رحمه الله تعالى في كتابه إصلاح المجتمع هذين الحديثين وهما: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها وشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثلما ما بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء فأمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله: وإن لنا في هذه البهائم لأجرا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر (٣)». رواه البخاري ومسلم. ٢ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (٤)». . رواه البخاري ومسلم، ثم تكلم عن هذين الحديثين وبين فضل المعروف والصدقة والإحسان لمن فعل ذلك لوجه الله فقد يدفع الله بذلك البلاء ويجبر بها من سوء القضاء، ويجعلها حجابا وسترا من النار، وبين كيف شكر الله لهذا الرجل الذي رحم

стр. 14886

الكلب ورق له حينما رآه يلهث عطشا فنزل البئر وملأ خفه ثم سقى الكلب العاجز عن النزول إلى البئر والوصول إلى مائها حيث غفر الله ذنبه وأجاره من النار. وقد عجب الصحابة ﵃ من هذا؟ وسألوه عن الإحسان إلى البهائم وهل يكون فيه أجر؟ فأخبرهم نبي الرحمة، وصاحب الشفقة بخلق الله. أن لهم في كل كبد رطبة أجرا، كما أنه عليهم إذا أساءوا إلى البهائم ومنعوها حقها الإثم والوزر العظيم. وذكر في الحديث الآخر أن الله قد عذب امرأة بالنار جزاء لها على إساءتها إلى هرة حبستها ولم تؤد لها ما يجب لها عليها، ولا هي خلت سبيلها فتأكل من حشرات الأرض وتطلب رزقها حيث كان. . إلى أن قال: وفي الحديثين: وما جاء على مثالهما من التعاليم المحمدية ما لو عمل الناس بها لأغنى عن جمعية الرفق بالحيوان، ولسد أفواه الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا أنه دين القسوة، واحتقار الضعيف، وما علموا عن رسول الله ﷺ أنه كان أرحم الناس بالضعفاء وأكثرهم رفقا بالبهائم وكل ذي روح، يفتح للهرة الباب وهو يصلي حين سمعها تحكه بأظفارها، «وينظر إلى حمار قد وسيم في وجهه فيقول: لعن الله من فعل به هذا (١)». . وروي «أنه عالج كلبا أجرب، وديكا مريضا،» وأنه أمر قوما من الأنصار بالتخفيف عن بعيرهم الذي كبر في خدمتهم وقال ﵊: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (٢)» وقال ابن مسعود «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجة، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فجاء النبي ﷺ فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار (٣)». . إلى أن قال: «ومر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبالهم، فلما رأوا ابن عمر

стр. 14887

تفرقوا، فقال ابن عمر؟ من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (١)». ويحرم تكليف الدواب فوق طاقتها من شدة السير، وثقل الحمول، وضربها بالسياط الموجعة، والأخشاب الغليظة، والتقصير في علفها وسقيها، واستخدامها إذا كبرت أو مرضت فيما لا تطيق، كما يفعل كثير من أصحابها الذين لا يخافون الله، ولا يرحمون ضعيفا، ومن لا تفيده الموعظة، ولا تنفعه النصيحة فواجب أن يخاطب باللغة التي يفهمها لغة الوعيد والتهديد، والعقوبة العاجلة الصارمة فيخسر أو يسجن، أو تخلص دابته من تعذيبه وسوء معاملته، وحرام على أحد أن يسيب البهائم التي ينتفع بها، ومن عجز عن حقها فليبعها أو يذبحها أو يهبها لإنسان آخر. . إلى أن قال: وإذا رجعنا إلى الحديثين: وجدناهما يدلان على وجوب الرفق بالحيوان الذي لا ينتفع به إلا قليلا، ولا يرغب في اقتنائه واتخاذه إلا قوم دون آخرين وفي بلاد دون أخرى أما البهائم التي تحلب وتركب وتتخذ للسقي والحرث والنسل، وتربى لصوفها وشعرها ووبرها وريشها وجلدها، ولحمها وعظمها ولبنها فإن الوازع الطبيعي يغني عن الأمر بالإحسان إليها، والعناية بشأنها، وبما أنها تعد من النعم العظيمة لله على خلقه، فشكره عليها الاهتمام بها وتشغيلها فيما هو من شأنها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (٢) ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (٤) (٥). وذكر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: رحمه الله تعالى في كتابه " بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار " حديث شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته (٦)». رواه مسلم.

стр. 14888

وقال: إن الإحسان نوعان: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في حقوق الخلق ثم تكلم عن هذا بكلام جيد. . إلى أن قال: ويدخل في ذلك الإحسان إلى جميع نوع الإنسان، والإحسان إلى البهائم في جميع الحالات حتى في الحالة التي تزهق فيها نفوسها - ولهذا قال ﷺ «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة (١)» فمن استحق القتل لموجب قتل بضرب عنقه بالسيف من دون تعزير ولا تمثيل، وقوله ﷺ «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة (٢)» أي هيئة الذبح وصفته. . ولهذا قال: «وليحد أحدكم شفرته -أي سكينه. - وليرح ذبيحته (٣)» فإذا كان العبد مأمورا بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان فكيف بغير هذه الحالة؟. . . إلى أن قال: واعلم أن الإحسان المأمور به نوعان: أحدهما: واجب وهو الإنصاف والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجبه عليك من الحقوق. اهـ. يقول كاتب هذا البحث: ومن الإحسان الواجب والإنصاف: الرفق بالحيوان وعدم تعذيبه أو ظلمه بأي شكل من الأشكال. الثاني: إحسان مستحب: وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني أو مالي أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان، وكل ما أزال عنهم ما يكرهون ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير فهو صدقة وإحسان (٤). وقال الدكتور أحمد الشرباصي: ولا ريب أن الإنسان سيحاسبه ربه على معاملته للحيوان، لأن الإسلام يأمر بالرفق بهذه الحيوانات، وحسن معاملتها وينهى عن تعذيبها أو تضييعها أو إرهاقها، وحسبنا أن نتذكر قول رسول الله ﷺ «دخلت النار امرأة في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (٥)» (٦)

стр. 14889

أقول: ومن مجموع ما تقدم من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومن كلام العلماء رحمهم الله تعالى نستفيد ما خلاصته: ١ - وجوب الإحسان إلى البهائم والدواب والشفقة بها ورحمتها. ٢ - وجوب الرفق بالحيوان وتحريم ظلمه أو تعذيبه، أو حبسه بدون طعام أو شراب، سواء كان الظلم بالضرب الشديد، أو التجويع، أو بثقل الحمل، أو تكليفه ما لا يستطيع من السير بسرعة فوق طاقته وغير ذلك مما يفعله بعض الجزارين من الصعق أو الضرب الشديد. ٣ - أن ذلك من تعذيب خلق الله وقد نهى عنه الشارع الحكيم. ٤ - الوعيد الشديد لمن ظلم الحيوان أو عذبه وأنه سيحاسب عن ذلك، ويقتص منه يوم القيامة. هذا ما يسر الله لي الإطلاع عليه وجمعه في هذا البحث القصير راجيا أن يكون فيه الكفاية المطلوبة. . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 14890

مصادر البحث ١ - القرآن الكريم. ٢ - صحيح البخاري. ٣ - صحيح مسلم. ٤ - سنن أبي داود. ٥ - سنن ابن ماجه. ٦ - الترغيب والترهيب- للمنذري. ٧ - فتح الباري للحافظ ابن حجر. ٨ - النووي على مسلم. ٩ - تحفة الأحوذي على جامع الترمذي. ١٠ - عون المعبود على سنن أبي داود. ١١ - الكبائر للذهبي. ١٢ - الزواجر عن اقتراف الكبائر. ١٣ - جامع العلوم والحكم لابن رجب. ١٤ - الآداب الشرعية لمحمد بن مفلح الحنبلي. ١٥ - إصلاح المجتمع لمحمد بن سالم البيحاني. ١٦ - بهجة قلوب الأبرار للشيخ عبد الرحمن السعدي. ١٧ - يسألونك في الدين والحياة للدكتور أحمد الشرباصي.

стр. 14891

بيان الحكمة في التشريع الإسلامي د. محمد بن محمد شتا أبو سعد مستشار بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بالرياض المطلب الأول: مقدمات: أولا: ضرورة بيان الحكمة في التشريع الإسلامي: ١ - بين العلة والحكمة: لا يوجد حكم شرعي في كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه ﷺ ، إلا وله علة دفعت إلى تشريعه، وحكمة مقصودة أو متغيأة من هذا التشريع، وقد

стр. 14892

ترتبط العلة بالحكمة ارتباطا وثيقا، ولكنهما في الأغلب الأعم من الأحوال مستقلان، ولكي يتضح الفارق بين العلة والحكمة على نحو جلي محسوس، بعيدا عن التجريد فإنه يمكن القول: إن الله ، قد شرع قصر الصلاة في السفر دفعا للمشقة، ولذا يقال إن علة قصر الصلاة هي السفر، والحكمة من قصر الصلاة هي دفع المشقة، وسواء بانت العلة أو لم تبن، وظهرت الحكمة أو لم تظهر، فإن الدعاة إلى الله يجب أن يستفرغوا جهودهم في سبيل جلاء كل منهما، وطرحهما على بساط التفكر والتدبر أمام المسلمين عامة، ومن توجه إليهم سهام التغريب والاستشراق والعلمانية والماسونية ودعاة المدنية المادية الزائفة، والمشككين، ومن يعبدون الله على حرف، والمنافقين، وطلاب الدنيا، والباحثين عن زخارفها، بصفة خاصة، لأن المستهدف أولى بالرعاية. ويقول ثقات الباحثين إن "جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، ذهبوا إلى أن أحكام الشرع معللة بجلب المصالح للعبد، دنيوية أو أخروية، ودرء المفاسد بكل أنواعها، وسواء منها ما كان معقول المعنى، وما لم يكن كذلك، ولم يخالف هذا إلا بعض الظاهرية ". ولسنا الآن بصدد تعريف العلة والحكمة ووضع الضوابط الدقيقة للتمييز بينهما، وذلك هدف نظري يتجاوز المنظور العملي لهذه الدراسة، وحسبنا القول: إن العلة قد تكون وسيلة للوقوف على الحكمة، حين تكون العلة علامة من "العلامات المعرفة للحكم الخاص " (١) وأداة للحيلولة دون استباحة المحارم، حين تؤدي في القياس الشرعي دور وجه الشبه بين الأصل، أي المقيس عليه وبين الفرع، أي المقيس، وحيث يتم إنزال حكم الأصل على الفرع،

стр. 14893

للاشتراك في العلة، من خلال ما يعرف بقياس التعليل المحض (١)، أملا في حكمة الله تعالى من التشريع، وهي حكمة عبادية في جوهرها، وإن تعددت صورها، قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). وقد ارتبط التعليل بالحكمة في كث ير من آيات الأحكام الشرعية الغراء. قال تعالى في حض البشر على الطهر: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) وفي التماس الفتوى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) وفي الإقدام على العبادات التي تنأى بالإنسان عن المنكر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥) واستعمال الحق المأذون فيه لدفع الظلم ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٦) وفي ربط القصاص بالحكمة منه ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٧) والآيات في هذا الصدد كثيرة. وقد ربط بعض فقهاء الشريعة بين العلة والحكمة وجعلوهما مترادفين في عموم إطلاقهما. وإن كانت النظرة الفاحصة تشف عن أنهم تدرجوا في تعبيراتهم تدرجا يبدأ بالعلة وينتهي بالحكمة، فالشيخ محمد رشيد رضا يطلق لفظ العلة قاصدا منه الحكمة وذلك بمناسبة بيانه لمفهوم قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٨) حيث يقول إن "هذا تعليل للحد، أي اقطعوا

стр. 14894

أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيء ونكالا وعبرة لغيرهما" (١) وفي إطلاق العلة مع ربطها بالباعث أو الدافع الشخصي للسارق دون ذكر الحكمة ذاتها اكتفاء بذكر أحد مستلزماتها وهو قمع الدافع السيء يقول عبد القادر عوده ﵀: "وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق. . . . . يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق. . . . ليرتاح من عناء الكد والعمل. . . وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. . . . وهذا يؤدي إلى نقص الثراء. . . . ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد من المستقبل " (٢). أما الشيخ سيد سابق فقد علل مباشرة بالحكمة فقال إن في قطع يد السارق "حكمة بينة إذ اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره. . . كما أن في قطع يد السارق عبرة" (٣) لغير السارق. وقد ربط صدر الشريعة (٤) بين العلة والحكمة، وجعلهما مترادفين فقال: بعض الناس عرفوا العلة بالباعث، يعنى ما يكون باعثا للشارع على شرع الحكم. . . . فالقتل العمد باعث للشارع على شرع القصاص صيانة للنفوس. . . . والمراد من الحكمة المصلحة. . . . والمراد من كون الباعث مشتملا على الحكمة أن ترتب الحكم على هذه العلة محصل للحكمة، فإن العلة لوجوب القصاص القتل العمد العدوان " وبالتالي لا يتصور اشتمال الباعث على الحكمة إلا بجلب النفع للعباد أو دفع الضر عنهم "وهذا مبني على أن أفعال الله تعالى معللة بمصالح العباد. . . . " والعلة ترد بمعنى الحكمة في إطلاقين من الإطلاقات الثلاثة للعلة عند الأصوليين. فهم يقولون أولا: إن العلة قد تعني ما يترتب على الفعل من نفع

стр. 14895

أو ضرر، مثل ذلك ما يترتب على، القتل من ضياع النفوس، وما يترتب على الزنا من اختلاط الأنساب. ويعبر عن هذا النوع بالمصالح والمفاسد، وبعض الأصوليين يسميه حكمة. وهم يقولون ثانيا: إن العلة قد تعني ما يترتب على تشريع الحكم من تحقيق. مصلحة أو دفع مفسدة، مثل حفظ الأنساب الذي يترتب على تحريم الزنا ووجوب الحد فيه. ويعبر عن هذا النوع أيضا بالمصلحة أو مقصد التشريع أو الحكمة. وفي إطلاق ثالث: يقال: إن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يترتب على ربط الحكم به جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وفي هذا الصدد قيل إن المظنة هي، مكان ظن وجود الحكمة والمئنة هي نفس الحكمة. وقيل إن الحكمة الظاهرة المنضبطة يصدق عليها أنها وصف ظاهر منضبط. وفي ضوء استعراض الآراء انتهى البعض إلى التفرقة بين الوصف والحكمة " بأن الحكمة هي التعليل بالمصالح والمفاسد أي بنوعي الحكمة كالحرج والمشقة والزجر والردع. وبأن الوصف هو التعليل بغير المصالح والمفاسد، أي التعليل بالكيل أو الصغر، وغيرها من العلل التي سموا كل واحدة منها ضابطا أو مظنة أو إمارة أو سببا " والتعليل في مسائل القياس قد يكون بالوصف وقد يكون بالحكمة. ففيما يتعلق بالتعليل بالوصف المناسب أو المؤثر فإن جمهور الأصوليين على جوازه، فهم يتفقون على التعليل بهذا الوصف، وأساس ذلك أن الوصف المؤثر يشتمل على جلب منفعة أو دفع مضرة فإن علم الإنسان هذا الوصف المناسب أو هذه الحكمة المخصوصة، كان ذلك الوصف علة، وأمكن بالتالي نقل حكم الأصل الذي وردت فيه هذه العلة إلى الفرع الذي تأكد للمجتهد أنه تتوافر فيه هذه العلة؛ أملا في تحقيق الحكمة التشريعية الإلهية.

стр. 14896

وفيما يتعلق بالتعليل بالحكمة، فهو عند بعض علماء الأصول جائز مطلقا، وراجح عند البعض الآخر، ونقل الآمدي أن الأكثرين يمنعونه مطلقا، ولكن الآمدي اختار أنه إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها وإلا فلا. ومن يرون عدم التعليل بالحكمة يقولون إن الحكمة تابعة للحكم، وعلة الشيء يستحيل تأخرها عن الشيء، ولذا فإن الحكمة لا تكون علة، والحكمة هي المؤثر الحقيقي، وإنما جعل الوصف مؤثرا لاشتماله عليها، واستقراء الشريعة يدل على أن الأحكام معللة بالأوصاف لا بالحكم، ولو جاز التعليل بالحكمة لما اعتبر الشارع المظان عند تحقق خلوها عن الحكمة. رأينا: وإذا كان هذا القول يتعلق بمباحث العلة في القياس، فإنه لا يجوز نقل أي خلاف فيه إلى مجال البحث عن الحكم التشريعية في نصوص الكتاب والسنة، لأن من الممكن في غالب الأحوال، ربط الحكم بالحكمة في كثير من الأحكام الشرعية، وحسب المؤمن الصادق أن يكتفي بذلك، كما أن الخلاف الأصولي قد انحسم لمصلحة إمكان تعليل الأحكام بالحكمة، في الحالات غير الشائكة، وهو ما يعنينا الآن، ولذا يمكن القول: ١ - إن التعليل بالحكمة موجود ويمكن الوقوف عليه في كثير من نصوص الكتاب والسنة. ٢ - كما أن الشارع الحكيم أقام أحكام المعاملات على المصلحة حيث وجدت، حتى وإن أفضى ذلك إلى عدم اعتبار الأوصاف، وهذا يجعلنا نؤمن بأنه بعيدا عن دائرة الجدل المحسوم غالبا لصالح الحكمة، فإن التعليل

стр. 14897

بالحكمة جائز، فلقد وقع التعليل بالحكمة في الشرع، سواء من حيث ربط الحكم بالحكمة، أو من حيث تعليل الشارع أحكامه بالحكمة، أو من حيث قدرة المجتهدين على تعليل أحكام الشرع بالحكمة ابتغاء بناء الأحكام عليها، ومن قبيل الأول أن الله أمر بالعدل والإحسان، وأن رسوله ﷺ قال «لا ضرر ولا ضرار (١)»، ومن الثاني أنه سبحانه قد علل النهي عن شرب الخمر ولعب الميسر بقوله جل شأنه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) (المائدة: ٩١).

стр. 14898

٢ - الحكمة قد لا يدركها العقل: والحكمة قد تكون جلية في الكتاب والسنة، وعندئذ يتعين رعايتها وإعمالها، وقد تكون خفية لا يعلمها إلا علام الغيوب ومطبب القلوب، وعندئذ يلزم الانصياع للشرع فيما أتى به، دون مكابرة أو مجادلة، أو الزعم بأن ما لا يدركه العقل لا يمكن الإيمان به والبقاء عليه فذلك كفر بواح، وهدفه الآن عند القرآنيين بوجه خاص هو صد الناس عن السنة المطهرة.

стр. 14899

وبيانا لما تقدم فلا شك أن الإيمان بالله هو البداية الصحيحة لوقوف الإنسان على حكم حقائق الكون، ودقائق الحياة (١) التي أتى التشريع لكمال سيرها؛ ذلك أن نواميس الكون قد تفزع الإنسان فيتخبط في ظلمات الضلال، ولذا كان لا بد له أن يؤمن، حتى يتبين حقائق الوجود، من غير اصطدام أو تخبط، ولقد تعوز إلى ذلك أيضا ضرورة فطرية، وضرورة حسية، وضرورة عقلية (٢)، فبالعقل يمكن إدراك حقائق هذه الحياة، وهذا العقل ذاته هو مناط التكليف. وإذا صح أن العقل يمكن أن يفضي إلى إدراك حقائق الوجود، عند ما يكون عقلا محايدا ومتجردا، لا عقلا ميكانيكيا أو آليا متعصبا، لذا فإنه من المعقول قبول الوحي سبيلا أول قبله لإدراك الحقائق الإيمانية، وبالتالي الوقوف على مفهوم الإسلام، وشريعة الإسلام والحكم التشريعية أو الحكم التي وردت في البنيان التشريعي في الإسلام مع الإيمان بأن قصور العقل وارد، لأن الإنسان لا يمكن أن يدرك كل الحكم التي بنى عليها الحكيم العليم أحكامه وجعلها بواعث للاطمئنان، ودوافع للتيقن، إن حكم الشارع محايدة، وتشريعه سام سموا مطلقا، ولذلك يجب الإيمان بحكم التشريع ظهرت أو لم تظهر. من الواضح، إذن، أن إعمال العقل في ظل الشرع لإدراك حقائق الكون، ومنه الحقيقة التشريعية وحكمها الجلية أو الخفية ما أمكن، يفضي إلى إحساس المسلم بالرضا، فإن غلب عليه هذا الإحساس اطمأن، وإذا اطمأن رضي، وإذا رضي أنتج ما يبقى بعد أن يفني كل ما لا يبقى، أي يبقي حضارة وعمرانا أساسهما العلم الإيماني الذي يقود الناس إلى مزيد من الإيمان، ومن هنا أمكن القول أنه إذا كان العقل في الإسلام أساس بناء الحضارة في ظل شرع الله، فإن هذه الحضارة تكون حضارة عقلية إيمانية، تسطر للتاريخ ما لا تستطيع أن

стр. 14900

تنقش حرفا واحدا منه أية حضارة لا أخلاقية، ولقد اتسمت حضارة الإسلام، بأنها، رغم صبغتها الدينية، تستجيب لنداء العقل، بدليل أنها كانت دائما حضارة متفتحة، تقبل كافة الثمرات الروحية والعقلية والمادية كعناصر جوهرية، تفضي إلى انتشارها بصورة تلقائية، طالما لم تخالف الحكم التشريعية الإلهية، ومن هنا كرم الله الإنسان بالعقل، وكان أسلافنا على مستوى تكريم الله لهم؛ ذلك أنهم حيث وجدوا أنه لا يفيد إلا العقل. . . بمفهومه الدال على القدرة الإيمانية على التجريد والجمع والتفريق والتصنيف والحكم، فقد استعملوا هذا العقل في حدود معطياته وفي إطار قدراته، بيد أنهم استنفروا طاقة أخرى من متعلقاته وهي البصيرة أو الحدس، فتزاوج العقل مع العاطفة، والتقى الوجدان مع المعرفة (١) التقاء حق انعكس أثره خيرا وبركة على فهم حكم التشريع الإسلامي.

стр. 14901

٣ - لماذا يجب بيان الحكمة في التشريعات الإسلامية: وعلى ما تقدم فإنه يجب أن يعتبر بيان الحكمة في التشريعات الإسلامية، واحدا من أهم موضوعات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، لأنه من الناحية الوصفية، يمكن أن يعدد الحكم التي تدور في فلكها تشريعات الإسلام، وهو دور يعين على بث اليقين في نفس المسلم فيثق أنه في جانب الله، الحكيم المتعال، ويضع بالحياد العلمي أقدام غير المسلمين على دروب الإسلام الحقة، من أول منطلقاتها المحايدة. ولأنه من الناحية التأصيلية يجمع شتات الأفكار حول فكرة محورية تدور في فلكها كافة الأصول الإسلامية، على نحو ييسر تجاوز فكرة الوقوف عند العلل الجزئية، من أجل الاهتمام " بالمقاصد العامة، والمصالح الكلية التي جاءت الشريعة لرعايتها والمحافظة عليها والتي تصرف الشارع على وفقها،

стр. 14902

وفرع الفروع بناء عليها. . " (١). كما أنه من الناحية العملية والغائية يساعد على حسن سير العدالة عن طريق تبصير القاضي بالأسلوب الأمثل لتطبيق القاعدة الشرعية من خلال مسلمة عالمية علمية، قوامها إدراك الغاية التي ينبغي تحقيقها من وراء التشريع، وهي غاية مستقرة في التشريعات الإسلامية. وقلقة في القوانين الوضعية (٢)، وسبب استقرار هذه الغاية في التشريعات الإسلامية، على ما يبين من الاستقراء الشامل والكلي لها، أن غاية التشريع الإسلامي- في ضوء الحكمة التي تواكبه- هي غاية محايدة ومثالية، وذلك الحياد وهذه المثالية، يقودان فكر القاضي وهو ينظر في كل قواعد التشريع، فيلتقي سكون القاعدة التشريعية مع حركتها، على نحو لا يمكن أن يقوم في ظل القانون الوضعي، الذي يفصل فصلا جامدا بين النتيجة النهائية للنشاط العلمي القانوني وغير القانوني، ويسبغ عليها وصف الفكرة الساكنة للعلم La notion statique de la science وبين العلم وهو في حالة نشاط محدد، ويسبغ عليه وصف الفكرة المتحركة أو الديناميكية للعلم la notion dynamique de la science، وهذا خطأ جسيم، لأن العلم الحقيقي وهو العلم الإلهي، واحد في مصدره، واحد في غايته، واحد في سكونه، واحد في حركته، على نحو لا وجود له في ظل القانون الوضعي.

стр. 14903

ثانيا: بين الحكمة والمصلحة: لكن دراسة الحكمة في التشريعات الإسلامية، ليست من قبيل الفروض العلمية الجدلية، التي تنأى عن الغايات الواقعية في الذات الإنسانية، بل إنها ترتبط بالمصلحة، كفكرة إسلامية منضبطة، لا كفكرة مادية منفلتة، ولعل مما يؤكد ذلك، ما انتهت إليه بعض البحوث العلمية من أن الشارع قد ينص " على حكم واقعة معينة، دون أن يدل النص على المصلحة التي قصد النص تحقيقها، ويجد الفقيه أن فهم النص، وتحديد مضمونه، ونطاق تطبيقه، يتوقف على معرفة هذه المصلحة، فعند ذلك يجتهد الفقيه، في التعرف على هذه المصلحة، أو الحكمة، أو العلة، أو الوصف المناسب، مسترشدا بما عرف من عادة الشرع، وتصرفه في الأحكام، مستعينا بروح الشريعة، وعللها المنصوصة، وقواعدها أو مصالحها المستنبطة، فإذا ما توصل إلى هذه الحكمة، وتعرف على تلك المصلحة، فسر النص في ضوئها، وحدد نطاق تطبيقه على أساسها. . . . " (١). فالربط واضح، إذن، في هذا الصدد، بين المصلحة والحكمة والعلة؛ وإذا كانت العلة وصفا ظاهرا منضبطا، يبنى الحكم عليه، ويربط وجودا وعدما به، فإن من شأن ذلك تحقيق " حكمة تشريع الحكم "، ذلك أن الله ، ما شرع حكما إلا لمصلحة عباده، وأن هذه المصلحة قد تكون جلب

стр. 14904

نفع، وقد تكون دفع ضرر، بحيث يمكن القول، إن الباعث على تشريع الحكم هو الغاية المقصودة من استنانه، وهي حكمة الحكم ذاته، فدفع المشقة عن المريض حكمة مبتغاة من إباحة افطاره، وحفظ أموال الناس حكمة مقصودة من ايجاب قطع يد السارق، ودفع الحرج عن الناس حكمة مقصودة من إباحة المعاوضات، ودفع الضرر عن الجار حكمة مرنو إليها من استحقاقه الشفعة، وبالجملة، فإن حكمة كل حكم شرعي، قد تكون تحقيق مصلحة أو دفع مضرة، فإذا أطلق ذلك على العلة، فإن الأمر يكون أمر اصطلاح ليس إلا، ولا مشاحة في الاصطلاحات.

стр. 14905

ثالثا: إدراك الحكمة يقضي على كل خلاف: ولعدم ادراك بعض أرباب الأقلام في مصر، الآن، الحكمة في التشريع الإسلامي، فقد حدثت تجاوزات فكرية، فأحد أساتذة الفلسفة (١)، متدثرا بدثار الإسلام، يريد باسم المعاصرة، إلباس ثوابت الإسلام عباءة الغرب المادية المدمرة، قولا منه " إن الأمر مرهون بالتجربة خلال الممارسة العملية " وهو قول يتجاهل كلية حكم التشريع الإسلامي، ويؤلب النفوس القلقة على أحكام شرعية، ليس فيها إلا كل خير وهداية للبشر، وكيف لا وشرع الله لا يريد للعباد إلا الرشاد! إن الأمر يحتاج إلى إحياء هذه النفوس، عن طريق إرشادها إلى حكمة التشريع الإسلامي، وقد تكون وسيلة ذلك، قال بعض العلماء.، الوقوف

стр. 14906

على الحكم التشريعية، وعدم الوقوف بدراسة المشكلات الفقهية الإسلامية عند حد الدراسات التحليلية والتجميعية، بل يجب رد معظم هذه المفاهيم إلى أصول فكرية، ومبادئ أساسية، تسهل انتشار حركة فقهية معاصرة، تتجاوز الأساليب التقليدية التي نعيشها، دون أن تؤثر في السلامة المطلقة والمستمرة لجوهرها، ولجوهر التشريع الإسلامي الذي يشف عنها، وحكمته الجلية فيها. إن الدراسات التي تقارن فيها حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته بفلسفة القوانين أو الأنظمة الوضعية لإظهار محاسن الشريعة جد متواضعة، ومظنة أن الشريعة لا تنطوي على تقسيمات معاصرة كتلك التي توجد في القوانين الوضعية اللاتينية والجرمانية والانجلوسكسونية خطأ؛ فهذه الفكرة المسبقة تنطوي على مصادرة على المطلوب، إن اختلاف الصياغة وارد، واختلاف الحلول وارد أيضا، بل مفروض، لأن حكمة أو فلسفة التشريع الإسلامي الذي يقوم على مبدأ السمو المطلق للتشريع الإسلامي سموا ناشئا عن سمو مصدره، لا يمكن ولا يجب أن تكون صورة أخرى لفلسفة قوانين وضعية قاصرة في مصدرها، وتصورها، ووسائلها، وغاياتها. ولم يدرك كاتب علماني آخر هذه الحقيقة (١) عندما هاجم التشريع الإسلامي بكلام منمق، لا حكمة فيه، ولا رغبة منه سوى الهدم، إذ يقول " إن الشريعة حق. . . . ولكن من يطبق الشريعة؟. . . إنهم البشر وأهواء البشر. . . " إن هذا القول يجمع كل سموم المستشرقين في كلمة واحدة، كلها وهم وباطل وضلال، وأبسط ما يقال له، ما دام البشر قد يخطئون في تطبيق شرع الله، وقد يخطئون في تطبيق القانون الوضعي، فلماذا نضيف إلى خطئهم المحتمل، خطأ تشريعهم المؤكد الذي هو من صنعهم، ولا نطبق شرع الله الذي لا

стр. 14907

يمكن أن ينطوي على حكم واحد خاطئ، بدليل ثمرة استقراء الحكمة في التشريعات الإسلامية، وبدليل ما تنعم به البلاد الإسلامية التي طبقت الشريعة الإسلامية، في شتى مناحي الحياة، تطبيقا هادئا يتفق وحكمة النصوص وغاياتها والمصالح المبتغاة منها. ولقد نلمح، بسبب عدم ادراك حكمة نصوص التشريع الإسلامي، حملة ظالمة على العالم الإسلامي، وتسخيرا لبعض الأقلام المتشحة بوشاح الإسلام لكي تنهش في جوهر التشريع الإسلامي. ولقد يمكن ضرب مثال لذلك بالمرتد محمود محمد طه في السودان، الذي ذهب به الغلو في الردة، إلى حد إهدار الصلاة والقول بما أسماه صلاة الأصالة، والقول إن الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين، أو قول القانوني السوداني، جلال علي لطفي: إن الربا حلال، ولذلك أمثلة كثيرة في بلدان عربية كثيرة، كمسلك القاضي المصري محمد سعيد العشماوي، الذي كتب عن أصول الإسلام كتابا في بيروت كله هدم لهذه الأصول، ونقل لفكر المستشرق اليهودي جولدتسيهر الذي شكك حتى في العقيدة ذاتها، باسم الدراسة العلمية المحايدة، والحياد منها براء، وإذن ففهم الحكمة من التشريعات الإسلامية سيساعد لا محالة على الرد المفحم والسريع على من باعوا أقلامهم لكل من يعادون القيم الدينية، ويبغون إهدارها، والتحلل منها. " والطيب في الأمر أن هؤلاء. . . . قلة. وهم يتقلصون مع ارتفاع

стр. 14908

نسبة الوعي الثقافي والفكري بين العرب والمسلمين ". . ولكن هذا لا ينفي أن أصحاب هذه الأقلام يريدون إطفاء نور الله وطمس حكمه التشريعية وقسر الأمور الإسلامية حتى توافق أهواء من يستهينون بشرع الله ومن يشككون في الشريعة الغراء ويحاولون ضرب الحكمة التشريعية من قوامة الرجل ومن التعدد الشرعي للزوجات ومحاولة نفث سموم الرذيلة في آذان النساء وحضهن على الاختلاط البغيض. كما أن هؤلاء المارقين يحاربون اللغة العربية ويرغبون الشباب في الملذات المردية ويوجدون هوة سحيقة بين الأبناء وآبائهم وبين المسلمين ودينهم من خلال تيارات فكرية هدامة، لا نجاة منها إلا بالوقوف على حكم التشريع الإسلامي.

стр. 14909

رابعا: إدراك الحكمة في التشريعات وسيلة لضبط المصالح: ولعل الجديد المفيد من إدراك الحكمة في التشريعات الإسلامية، يتمثل في جعل الحكمة وسيلة لضبط فكرة المصلحة، يستوي في ذلك أن تكون الحكمة جلية في نصوص الكتاب والسنة، أو تكون غير ظاهرة، وتحتاج إلى يقين إيماني في الوقوف عليها والالتزام بها. ولا خلاف حول جلاء الحكمة في المصالح التي شهد الشرع لاعتبارها كتضمين السارق قيمة المسروق وإن أقيم عليه الحد زجرا له عن العدوان. كما أنه لا خلاف حول جلاء الحكمة في حالة المصالح التي شهد الشرع لبطلانها، فمثلا لا يجوز القول بمساواة البنت بالولد في الميراث قولا من القائل أن المصلحة تستلزم ذلك للتساوي في القرابة والمشاركة في أعباء الحياة فتلك مصلحة شهد الشرع لبطلانها (١)؛ إعمالا لقوله سبحانه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) (النساء: من الآية ١١) فللنص حكمة تكمن في أن الرجل قوام على المرأة، وهو المسئول عن الإنفاق

стр. 14910

عليها، دون أن تكون المرأة مسئولة عن ذلك مطلقا، فهي مستقلة في ذمتها المالية، ولا تلزم كما في الغرب بدفع الدوطة أو البائنة، وهذا دليل على تقدم التشريع الإسلامي الذي احتفظ للمرأة بذمتها المالية المستقلة بعد الزواج. كذلك فإن إدراك الحكمة في التشريعات يفيد في الترجيح بين المصالح؛ ذلك أن المصلحة من حيث قوتها تنقسم إلى مصلحة ضرورية، وأخرى تحسينية، وثالثة حاجية. فأما المصلحة الضرورية فهي " ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين " (١).، وتكمن هذه المصالح أو المقاصد الضرورية في أمور خمسة هي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. وأما المصالح الحاجية فهي " ما افتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع، دخل على المكلفين. . . الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة ". ومثالها الرخص في العبادات، والإباحات في المعاملات، والقسامة وضرب الدية على العاقلة في الجنايات. وأما المصالح التحسينية فهي " الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق " (٢) ومثالها الطهارات في العبادات، ورعاية الآداب في العادات، ومنع بيع النجاسات في المعاملات، ومنع قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد بالنسبة للجنايات. فلا شك أن حكمة التشريعات الإسلامية

стр. 14911

هي التي تقتضي الترجيح بين المصالح عند تعارضها عندما تكون الواقعة مناطا لمصلحتين، حيث تقدم المصلحة الضرورية على المصلحة الحاجية، وتقدم المصلحة الحاجية على المصلحة التحسينية، كما ترتب المصالح الضرورية باعتبار الأولى في التقديم، فتقدم مصلحة الدين على النفس، وتقدم مصلحة النفس على العقل، وتقدم مصلحة العقل على النسل، وتقدم مصلحة النسل على المال. كما يراعى أن المصلحة الحاجية تكمل المصلحة الضرورية، والتحسينية تكمل الحاجية " فإذا أدى اعتبار المكمل إلى فوات المكمل سقط اعتباره " (١). وهكذا فإن إدراك الحكمة في التشريعات يساعد على ضبط فكرة المصلحة، على نحو يحول دون الشطط في التخريج، أو الافتيات على الأصول الشرعية، بقالة مواكبة الحياة العصرية أو ما إلى ذلك من واهي التعلات، مما ينم عن جهل وحماقة أعداء الإسلام عندما يحاربونه من داخله ويستشهدون لمسالكهم بالنصوص التي تشهد عليهم لا لهم، عند الوقوف على الحكمة منها، والمصالح المبتغاة من ورائها.

стр. 14912

خامسا: معرفة الحكمة تقتضي الأخذ بأسباب العلم: وتجدر الإشارة إلى أن العلم بالحكمة في التشريعات الإسلامية، لا يتأتى للكافة، بل هو وقف على مجتهدي علماء الشريعة الغراء (١).، ومن درسوا العلوم من منطلقات الإسلام، ولذا فإن الحكمة هي روح نصوص الشريعة، لا يقف على سرها إلا من هداه الله إليها، ولا يهتدي بها إلا من هيأه الله لفهم هديها.

стр. 14913

يقول أبو حامد الغزالي ". . . . العلوم ما عددناها وما لم نعدها، ليست أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد، فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (١) (الشعراء: ٨٠) وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله. . . . ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٢) (الرحمن: الآية ٥) وقال: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣) (يونس من الآية ٥) وقال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤) (يس: الآية ٣٨) ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما، وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض، وهو علم برأسه، ولا يعرف كمال معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٥) ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (٦) ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٧) (الانفطار ٦ - ٨) إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها. . . . وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين، وكذلك لا يعرف كمال معنى قوله: ﴿سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (٨) (ص: من الآية ٧٢) ما لم يعلم التسوية والنفخ والروح، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها ". معنى ذلك أن الإسلام يدعونا لا إلى العلم فحسب، بل إلى التبصر والوقوف على أسرار العلم، ودقائقها، وبالجملة فهم حكمتها، وأهم حكمة يتعين الوقوف أمامها هي حكمة التشريعات الإسلامية، بحسبانها مجامع العلوم

стр. 14914

الدينية التي تحتاج في تدبرها " فطنة وقادة وقريحة منقادة وذكاء بليغا وفهما صافيا "، على نحو ييسر جعل العلم بها سمة شائعة في الأمة بأسرها، فلا تأخذ من علوم غيرها ما يتنافى معها (١).، فهذا هو مقتضى العقل الذي يستلزم معرفة الصواب وسلوك سبيله، ومعرفة الخطأ واجتناب دروبه (٢).، كما أن العلم بحكمة التشريع هو رسالة إسلامية تيسر نجاح الدعوة إلى الله (٣).، وتيسر بالدليل العقلي صدق هذه الدعوة (٤).

стр. 14915

١ - حكمة التشريع الإسلامي وحاجة الناس إلى الدين: حاجة الناس إلى التدين هي حاجة ضرورية، فلا قوام لحياة الناس بدون هذه الحاجة، لأنها نداء الفطرة السليمة، ومبعث السعادة والطمأنينة، ومناط الأمل في رضا الله وثوابه (١)، ويمكن القول، استهداء بحكمة التشريع الإسلامي بصدد حاجة الناس إلى الدين، القول: إن الدين التفصيلات. ينقذ البشرية من هول الضياع والضلال الناجمين عن اتخاذ ما يعرف بالأديان الوضعية، ويسمو بالبشرية من مرحلة الشك الظني إلى مرتبة الإيمان اليقيني، ويرجع البشرية صوب المدنية العاقلة، ويجلي لنا الحكمة من خلقنا ويستجيب لخواص الإنسان السامي في إنسانيته، ويجسد الحقيقة الإيمانية للناس فيرونها كاملة فتطمئن
следующие страницы →