← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14911–14950 · переход к 14916.

стр. 14911

هي التي تقتضي الترجيح بين المصالح عند تعارضها عندما تكون الواقعة مناطا لمصلحتين، حيث تقدم المصلحة الضرورية على المصلحة الحاجية، وتقدم المصلحة الحاجية على المصلحة التحسينية، كما ترتب المصالح الضرورية باعتبار الأولى في التقديم، فتقدم مصلحة الدين على النفس، وتقدم مصلحة النفس على العقل، وتقدم مصلحة العقل على النسل، وتقدم مصلحة النسل على المال. كما يراعى أن المصلحة الحاجية تكمل المصلحة الضرورية، والتحسينية تكمل الحاجية " فإذا أدى اعتبار المكمل إلى فوات المكمل سقط اعتباره " (١). وهكذا فإن إدراك الحكمة في التشريعات يساعد على ضبط فكرة المصلحة، على نحو يحول دون الشطط في التخريج، أو الافتيات على الأصول الشرعية، بقالة مواكبة الحياة العصرية أو ما إلى ذلك من واهي التعلات، مما ينم عن جهل وحماقة أعداء الإسلام عندما يحاربونه من داخله ويستشهدون لمسالكهم بالنصوص التي تشهد عليهم لا لهم، عند الوقوف على الحكمة منها، والمصالح المبتغاة من ورائها.

стр. 14912

خامسا: معرفة الحكمة تقتضي الأخذ بأسباب العلم: وتجدر الإشارة إلى أن العلم بالحكمة في التشريعات الإسلامية، لا يتأتى للكافة، بل هو وقف على مجتهدي علماء الشريعة الغراء (١).، ومن درسوا العلوم من منطلقات الإسلام، ولذا فإن الحكمة هي روح نصوص الشريعة، لا يقف على سرها إلا من هداه الله إليها، ولا يهتدي بها إلا من هيأه الله لفهم هديها.

стр. 14913

يقول أبو حامد الغزالي ". . . . العلوم ما عددناها وما لم نعدها، ليست أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد، فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (١) (الشعراء: ٨٠) وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله. . . . ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٢) (الرحمن: الآية ٥) وقال: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣) (يونس من الآية ٥) وقال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤) (يس: الآية ٣٨) ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما، وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض، وهو علم برأسه، ولا يعرف كمال معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٥) ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (٦) ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٧) (الانفطار ٦ - ٨) إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها. . . . وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين، وكذلك لا يعرف كمال معنى قوله: ﴿سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (٨) (ص: من الآية ٧٢) ما لم يعلم التسوية والنفخ والروح، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها ". معنى ذلك أن الإسلام يدعونا لا إلى العلم فحسب، بل إلى التبصر والوقوف على أسرار العلم، ودقائقها، وبالجملة فهم حكمتها، وأهم حكمة يتعين الوقوف أمامها هي حكمة التشريعات الإسلامية، بحسبانها مجامع العلوم

стр. 14914

الدينية التي تحتاج في تدبرها " فطنة وقادة وقريحة منقادة وذكاء بليغا وفهما صافيا "، على نحو ييسر جعل العلم بها سمة شائعة في الأمة بأسرها، فلا تأخذ من علوم غيرها ما يتنافى معها (١).، فهذا هو مقتضى العقل الذي يستلزم معرفة الصواب وسلوك سبيله، ومعرفة الخطأ واجتناب دروبه (٢).، كما أن العلم بحكمة التشريع هو رسالة إسلامية تيسر نجاح الدعوة إلى الله (٣).، وتيسر بالدليل العقلي صدق هذه الدعوة (٤).

стр. 14915

١ - حكمة التشريع الإسلامي وحاجة الناس إلى الدين: حاجة الناس إلى التدين هي حاجة ضرورية، فلا قوام لحياة الناس بدون هذه الحاجة، لأنها نداء الفطرة السليمة، ومبعث السعادة والطمأنينة، ومناط الأمل في رضا الله وثوابه (١)، ويمكن القول، استهداء بحكمة التشريع الإسلامي بصدد حاجة الناس إلى الدين، القول: إن الدين التفصيلات. ينقذ البشرية من هول الضياع والضلال الناجمين عن اتخاذ ما يعرف بالأديان الوضعية، ويسمو بالبشرية من مرحلة الشك الظني إلى مرتبة الإيمان اليقيني، ويرجع البشرية صوب المدنية العاقلة، ويجلي لنا الحكمة من خلقنا ويستجيب لخواص الإنسان السامي في إنسانيته، ويجسد الحقيقة الإيمانية للناس فيرونها كاملة فتطمئن

стр. 14916

نفوسهم وتستقر أفئدتهم، كما أن الدين هو التجسيد الحي لقيمة العقل البشري، وهو الملاذ الأخير للإنسان عندما تعصف به مشكلات الحياة، وذلك على تفصيل ليس هذا مجاله الآن، فحسبنا من الفكرة أسسها العامة التي تبين مدى الحكمة الإلهية من إنزال الشرائع الدينية.

стр. 14917

٢ - حكمة التشريع الإسلامي والدعوة الإسلامية: والحق أن الدعوة الإسلامية في حاجة إلى دراسات محايدة من منظور المخاطبين بها أي من توجه إليهم هذه الدعوة، ويكون الحياد العلمي أكثر ضرورة، عندما تتحول لغة الدعوة من لغة عربية إلى لغة أخرى تترجم عنها، لأنها عندئذ لن تعتمد على الإطار والمؤثر المحلي المحسوس، بل تتشح بوشاح المنطق الذي يواكب الفكر العالمي المعاصر. ووضوح حكمة التشريع الإسلامي يقتضي قيام الدعاة بتقنين استعمال الإطار اللغوي، ليكون منطبق الدلالة على المفهوم الفكري، دون مجازات لفظية، أو محسنات بديعية لغوية، مع استعراض الأفكار على أساس ترابط السياق في المعنى، حتى تتأكد الفكرة المحورية التي يريد الداعية بثها لمن سواه.، من خلال جوهر الإسلام كدين للبحث عن الحياة الأرقى والأخلد، ووفق منهج يتسم بالبساطة، وفي ضوء كتاب موثق توثيقا يقينيا، ويتفق في كل ما ورد فيه مع حقائق الكون المادية دون أن يتعارض مع العقول، بل يتفق معها ويستوعب كل قضايا الحياة دائما (١).؛ لأنه دين منهج الوسطية الذي يوازن بين واقع المادية وجوهر الطاقة الروحية. وحكمة التشريع الإسلامي، إذا تجلت في دعوة الداعية، فإنها ستكون

стр. 14918

مصداقا لحقيقة أن الدعوة الإسلامية منزهة عن الغرض، ومبرأة من الهوى، تسمو على المصالح الخاصة، وتستغرق الغايات المؤقتة، لأن بدايتها تسليم لله، وإذعان للخالق، وخضوع لمدبر الكون وحده، وإفراده بالعبادة المشروعة نزولا على مقتضى الفطرة، وبذا يتحقق من خلال الدعوة أحد مفاهيمها بحسبانها، نداء الأفراد والجماعات، إلى عبادة الله الواحد الأحد، والتخلق بالفضائل، ونبذ الرذائل وتطبيق ما شرعه الله للناس من تعاليم وشرائع وأحكام (١).، وبذا يتحقق التجديد الحقيقي للدين برفع ما علق به من بدع على نحو ما جاهد من أجله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.، كما يتحقق معنى النشر ومعنى الدين في الدعوة، فكل منهما يقتضي بيان حكمة التشريع، فالثابت أن الدعوة قد تكون بمعنى النشر وعندئذ ينصرف مفهومها إلى العلم الذي تعرف به كافة المحاولات المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى ليس من أخلاق وعقيدة فقط، بل بما انطوى عليه من شريعة أيضا (٢).، كما أن الثابت أن الدعوة كدين، هي الخضوع لله والانقياد لتعاليمه، بلا قيد ولا شرط، ولما كان الانقياد لله دليلا على الخضوع له، لذا لزم الاختيار الحر في هذا الانقياد ليتحقق الخضوع التام (٣). . والدعوة إلى الله، بهذه المثابة، هي جزء من التكاليف في منهاج الله، ولذا يجب أن يصدر الداعية عن منهاج الله في الدعوة والعمل. وبيان الحكمة في التشريعات يثبت العقيدة، وعلى ذلك فلا يجوز أن يقف الداعية عند حد تصوراته البشرية، ومناهجها في ميدان الحركة (٤)؛ ذلك أن الدعوة الإسلامية

стр. 14919

هي سبيل المسلمين الذي لا سبيل سواه لعمارة هذه الأرض، بواسطة جهود الإنسان المؤمن الذي يسلم وجهه لله وهو محسن، ولقد أخذت حركة البناء والعمل هذه شوطا بعيدا في الدراسة والتوصيف والتخطيط والإعداد (١).، ولا شك أن الدعوة الإسلامية ستبقى مدى الدهر أساسا للهداية، وجوهرا لمقتضى التدين، ولذا فإن بقاءها يستند إلى أمرين هما: أنها تنبع من عند الله رب العالمين- وكونها تبعا لذلك تواكب التطور في كل زمان ومكان (٢)، ولا شك أن إدراك الحكمة في التشريعات الإسلامية يؤكد ذلك. ويجعل المستقبل لنا لا علينا، وأن حكمنا الذي انهار في بعض الدول سيقوم مرة أخرى عزيزا شامخا، بإذن الله وأن المد الشيوعي والصليبي والصهيوني ستتبدد قواه، ويعقبه جزر عميق، نعم فللإسلام جولة أخرى، بدأت تتضح معالمها في ظل أعنف الهجمات ضد المسلمين. ولا جرم أن الاقتداء بصاحب الدعوة يمكن أن يبين أن انتصار الشريعة حتمي، وأن حكمة التشريع الإسلامي، ستساعد لا محالة على جعل الدعوة الإسلامية ذات جوهر مرتبط بجوهر الإنسان ذاته كمتطلع للحق الذي لا وجود له بمنأى عنه.

стр. 14920

المطلب الثاني: حكمة التشريع الإسلامي في تشريع أصول العبادات وأركان الإسلام: ولما كان الدين يحتل. تلك المكانة في نفوس البشر، فقد شرع الله أصول العبادات، كأركان الإسلام: النطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان والإحسان من أجل تحقيق حكمة جلية، يستجيب لها فؤاد الإنسان، وتتمثل هذه الحكمة في حفظ " الدين من جانب الوجود، أي لإقامة أركانه، وتثبيت قواعده، حتى يكون هناك تدين في الواقع " (١).، فالله فطر النفوس على التدين، ويستحيل أن يتركها بلا دين يهديها أو يستمر به هداها، وتلك حكمة بالغة، يجب أن يظهرها العلماء للناس كافة، بحسبانهم " أمناء الشرع ونور سراجه، ومصابيح علومه وحفاظ سياجه " (٢). ومن أجل ذلك كانت حكمة إنزال الكتاب، التي تتمثل في إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهدايتهم للتي هي أقوم، وتبيان كل شيء لهم حتى لا يقعوا فريسة الضلال. قال تعالى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٣). وقال سبحانه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٤). وقال جل شأنه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥). وقال رسول الله ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله (٦)». ويرتبط بحكمة تشريع أصول

стр. 14921

العبادات ما يقوم عليه الإسلام من وسطية وتوازن بين كافة العلاقات؛ فالمادة لا تطغى على الروح كما في اليهودية، ولا الجانب الروحي يطغى على الجانب المادي كما في النصرانية، ولا انتصار للفرد على حساب المجتمع كما في الأنظمة الرأسمالية، ولا تسييد للمجتمع على حساب الفرد كما في الأنظمة الشيوعية (١)، بل وسطية إلهية معجزة. ولما كانت حكمة التشريع الإسلامي من شرع العبادات لا تخاطب الوجدان بل تخاطب العقل قبل ذلك، لذلك كان إيمان كبار المفكرين في العالم وإسلامهم، ثم دفاعهم عنه بالحق شهادة على سمو الإسلام، وأبديته، يقول رجاء جارودي "الإسلام كقوة حية ليس كامنا فقط في ماضيه، إنما فيما يمكن أن يقدمه لصنع المستقبل، فهو دين وأمة، إيمان ونظام حياة متكاملان، وهو النظرة إلى الله تعالى والعالم والإنسان "، وهذه النظرة إلى الله هي نظرية عبودية حقة قوامها التوحيد: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، أما النظرة إلى العالم فهي نظرة التفكر والتدبر، وأما النظرة إلى الإنسان فهي نظرة الأخوة الكاملة في ظل شرع الله الحكيم ودينه المتين، ويستلزم ذلك الإشارة إلى بعض حكم التشريع الإسلامي، المتعلقة بأركان الإسلام. أولا: الشهادتان: وقبل الحديث عن بعض حكم الصلاة والزكاة والصيام والحج، فإنه قد يكون من الضروري الإشارة في البداية بكلمة عن حكمة التوحيد المنبثق من

стр. 14922

أول أركان الإسلام وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذه الحكمة تتجلى في عبارة واحدة هي أن تحرر الإنسان منوط بتوحيد الديان، وبيان ذلك أن العقيدة هي " لب الدين وأصل الشريعة" (١) وقد أتت الرسل بالتوحيد لإبعاد الناس عن عبادة الطاغوت (٢)، وتهيئة نفوسهم وعقولهم لتقبل الحقيقة الأبدية وهي الوحدانية (٣) التي ما أتى رسول إلا ليدعو إليها (٤). من خلال شهادة أن لا إله إلا الله واقترنت في رسالة خاتم المرسلين بأن محمدا رسول الله، وبالنطق بالشهادتين لا يعبد الإنسان إلا خالقا واحدا ولا يكون عبدا إلا للخلاق العليم، ومن عبد الله لم يعبد أبدا من سواه من مخلوقات، فالله خالق كل شيء وما سواه مخلوق، وإذا كان كل مخلوق يعبد الخلاق فإنه يستحيل على مخلوق يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أن يركع لغير الله أو يعبد غير الله أو يوحد غير الله، وعندئذ تتحقق الحرية الكاملة لكل البشر، فالكل عباد الله وفيما عدا ذلك تشيع بينهم قاعدة المساواة فلا تفاضل إلا بالتقوى.

стр. 14923

ثانيا: حكم الصلاة: للصلاة حكم نفسية وأخرى خلقية واجتماعية (١)، ففيما يتعلق بالجانب النفسي، فإن الصلاة مناجاة تشعر المرء بقرب الله، فتتيقظ قواه الروحية، وتقوى عزيمته، وتشتد إرادته، كما أن الصلاة بهذه المثابة تنتزع النفس من ماديات الحياة وآلامها، فيتوجه الإنسان إلى الله خاضعا لكبريائه، فتصفو النفس

стр. 14924

وتخلد إلى السكينة، وكان رسول الله ﷺ يقول لبلال ﵁ " «أقم الصلاة أرحنا بها (١)». ويقول «وجعل قرة عيني في الصلاة (٢)»، وفيما يتعلق بالحكم الخلقية للصلاة، فإن الصلاة وسيلة التطهر. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٣) ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٤). والصلاة مبعث الضمير الحي، قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥)، والصلاة تحول دون الهلع والجزع. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ (٦) ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ (٧) ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٨) ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ (٩) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (١٠). ومن الحكم الاجتماعية للصلاة، أنها تخلق من المسلم خلية حية تنتج للمجتمع، وهي تهيئ سبيل الاجتماع بين المصلين، فتقوي الروابط الاجتماعية، وتنمو المساواة الحقيقية، وتنتفي فوارق اللون والثراء والدم بين الناس، طالما كان المؤمن مقبلا على صلاته بوعي ويقظة وخشوع قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١٢). كذلك تتجلى الحكمة في ختم النبوة بمحمد ﷺ ، في أن الأسباب التي كانت تستلزم إرسال الأنبياء قد زالت بمجيء نبي الهدى والرحمة ﷺ ، فالقرآن الكريم محفوظ بحول الله وقدرته ولن يمسه تحريف أو نسيان أو تغيير مثلما حدث للكتب السابقة. والهداية الإسلامية باقية حية مصونة وستبقى إلى أبد الدهر، ولم تتوقف بسبب النسيان والتحريف الذي حدث للأديان السابقة، كذلك فإن الله تعالى قد أكمل دينه بواسطة محمد ﷺ ، وليس بعد الكمال المطلق من كمال آخر، وليس الكامل في حاجة إلى ما يؤيده أو يعضده، لذا

стр. 14925

" كانت نبوة محمد ﷺ خاتمة للنبوات، لأنه بعث للناس كافة إلى أن تقوم الساعة. . . . وإذا كانت رسالته عامة لكل الناس، فلا بد أن تكون شريعته كاملة شاملة لمصالح البشر، لا يحتاج معها إلي شريعة أخرى وبعثة نبي آخر" كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) (المائدة: من الآية ٣). وارتباط الخشوع بشكر المنعم كمظهر آخر من مظاهر حكم الصلاة يقتضيه ما يحققه إقام الصلاة من عبادة مثلى لله، والعبادة هي الحكمة من خلق الجن والإنس، فهم بالصلاة يستجيبون لشكر الله ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (٢)، وللمسلمين في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة في الشكر، ففي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أنه قال: «قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه. فقيل له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا (٣)» وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا (٤)». الصلاة إذن شكر للمنان واعتراف بفضل الديان وانقياد واستسلام لإرادة الواحد الأحد، انقياد قوامه التصديق واستسلام أساسه الإيمان العميق، نأيا عن الشرك واقترابا من لوازم التوحيد مصداقا لقوله ﷺ «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٥)». فعند ما تشرق أنوار هداية الله، تستجيب الفطرة،

стр. 14926

ويستقيم العقل ويتفكر المسلم في ملكوت السماوات والأرض، ويعي مقدار نعم الله على عباده.، بإيمان راسخ ويقبل الإنسان على "ربه وجلا خاضعا خاشعا مسكينا ذليلا ضارعا ". وعندئذ تتحقق أعظم حكم الصلاة، فيمن يقيمون الصلاة. فالخاشع. المقيم للصلاة يستجيب لفطرة الله، فلا يعبد إلا إياه، فإن كان أبوا الإنسان قد خرجا به عن فطرة التوحيد، فعليه أن يتدبر حكم الصلاة، التي لا يسجد فيها إلا لله وأنه لا يسجد لبشر أو مخلوق أيا كان، ولا ينحني مجرد الانحناء لأي إنسان، بل يسجد لله الذي خلقه من العدم، وأفاء عليه من صور الكمال ما يعجز الإنسان عن وصفه، سمعا وبصرا وحسا وفؤادا وعقلا وجسدا وتكفل بالرزق والأمن، عندئذ سيعرف أنه لا سبيل له سوى سبيل الله ويقيم له الصلاة في خشوع يتفق مع مقدار نعم الله. فلا تكون صلاته مجرد حركات خالية من المضمون العقدي. وفي ربط هذه النعم بحكم الصلاة يقول، بعض الفقهاء "من منا يستطيع أن يسير جسده وحده بدون فضل الله. قلبك الذي لا تملك منه شيئا لا يزال يدق ويدق السنوات الطوال، فهل تملك من دقاته واحدة. وتنفسك في قدرتك شيء من التحكم فيه، لكنها قدرة لا تلبث أن تسهو وتكل وتسلمه إلى صاحب النعمة العظمى، فتنام وتستيقظ وصدرك يعلو تارة وينخفض أخرى برتابة محكمة ونظام دقيق. بصرك نعمة كبرى وصيانته والمحافظة عليه نعمة أكبر، غدد تدمع، وأجفان تمسح، ورموش تدفع. وسمعك كذلك نعمة تحتاج إلى حارس من عدو يقتحم فيتلف، فكان الخلق المحكم، وما تفرزه الأذن من مادة

стр. 14927

صمغية طاردة للعدو نعمة أخرى ما تزال تتجدد. ولسانك الذي في فيك قطعة من اللحم لينة لا يعتريها اهتراء، وقوية لا تؤذي، تلوك الطعام يمنة ويسرة، وتخرج الحروف حرفا حرفا، هو نعمة كبرى ومع ليونته ورقته لا يبلى فهو نعمة متجددة" لذا كانت "الصلاة شكرا لله واعترافا بفضله وانقيادا لحكمه واستسلاما لإرادته وتوحيدا لألوهيته (١) وربوبيته وتصديقا لوعده وإيمانا بقدرته. . . تلكم هي حكمة الصلاة العظمى" وهكذا تتجلى للمؤمن بعض مظاهر حكمة الصلاة، في شتى المجالات، لا سيما ما تعلق منها بنفس الإنسان وأخلاق العبد، وضمير الجماعة، ولكن حكم الصلاة لا تقف عند حد الهدي النفسي والخلقي والاجتماعي، وإنما تتسع لتشمل كل حكم الدين، لأنها كما يقول الإمام أحمد ﵀ "أول فريضة فرضت، وهي آخر ما أوصى به ﷺ أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام. وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة وهي عمود الإسلام. وليس بعد ذهابها دين ولا إسلام ". لذا فإنها تحتاج إلى مطلق الخشوع (٢). وهو أعظم ما يكون في صلاة الجماعة التي من فوائدها "التعارف والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه. . . وإغاظة أهل النفاق. . . وإظهار شعار الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل " (٣) وبذا تتجلى حكمة الصلاة في اطمئنان الإنسان إلى أنه أدى أمانة الله بصدق وإخلاص، اعترافا بحق الخلاق العليم، وتأكيدا لشكر المنعم الكريم، وإفصاحا "عما ينطوي عليه القلب من محبة لله وتقدير" (٤).

стр. 14928

وانطلاقا من تلك الحكم يكون الخشوع في الصلاة علامة الفلاح ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢)، وتكون المحافظة عليها من عوامل الاستقامة والصلاح ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٣)، وإقامتها من أسباب الرحمة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤). وزيادة الفضل للمصلين ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٥) باعتبار أنها يسيرة بالنسبة للخاشعين دون سواهم ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٦) ومكفرة للسيئات ومدخلة الجنات ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٧).

стр. 14929

ثالثا: حكمة تشريع الزكاة: شرعت الزكاة فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركان الدين؛ لتحقيق حكم كثيرة نفسية وخلقية واجتماعية (١)، ففيما يتعلق بالحكم النفسية للزكاة، فإنها تتجلى من كون الزكاة بذلا وجودا، ولذا فهي تريح المعطي، وتسر المتلقي وقد «سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: إدخال السرور على المؤمن. قيل: وما إدخال السرور على المؤمن؟ قال: سد جوعته، وفك كربته، وقضاء دينه». وفيما يتعلق بأثر الزكاة في الأخلاق، فإنها تخلص الإنسان من البخل، وتنقذه من الشح، وتجعله يغالب النفس فيتطهر ويتزكى. وقد قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢). وبالزكاة تنقاد

стр. 14930

النفس لحكم العقل وتخضع لأوامر الله تعالى. ومن أسرار الزكاة الاجتماعية، أنها وسيلة المحافظة على العجزة والضعفاء، واجتثاث شأفة العداوة والبغضاء من نفوسهم، عن طريق البذل من الأمانة التي في يد الأغنياء، فتقوى الصلات الاجتماعية، وينمو التعاون، ويحدث التوازن بين المسلمين في المجتمع؛ امتثالا لأمره تعالى في قوله جل شأنه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (١). ففيما يتعلق بزكاة الفطر، فقد روى الجماعة «عن عبد الله بن عمر، ﵄ "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين (٢)»، وهي فريضة إسلامية، فتجب على كل مسلم. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها فرض ". وزكاة الفطر تجد حكمتها، فيما قاله ابن عباس: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين. . . (٣)»، فالصائم قد يشوب صيامه لغو قول غير مقصود، أو رفث كلام يسيء إلى أي كائن حي أو ميت في هذا الوجود. فلا يكتمل صيامه، لأن الصيام الكامل

стр. 14931

هو الذي يصوم فيه اللسان مثلما تصوم كافة الجوارح عن السيئات والفرج والبطن عن الشهوات، فتكون صدقة الفطر، التي هي امتثال في الأصل لأمر شرع الله، قد أدت غرضا إسلاميا وقصدا دينيا، هو تأكيد الامتثال بأداء ما يجبر هذا النقص ويطهر الصائم من لغوه ورفثه، ودفعه بعد ذلك إلى أن يكبح جماح لسانه فلا يتكلم إلا في خير ومعروف، ويسيطر على أذنيه فلا يدعهما تستمرئان سماع المنكر أيا كان مصدره وأيا كانت طبيعته، ويتحكم في عينيه فلا ينظر بهما إلى ما حرم الله، ويجعل فؤاده محكوما بإرادته. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١) ولا يكون ممن ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). والصائم عند ما يزكي فإنه يشيع المحبة والمسرة في نفوس أهل الحاجة، الذين تكفل الله تعالى برزقهم، ومن رزقهم عطاء الموسرين في أحد عيدي المسلمين "فاقتضت حكمة الشارع أن يفرض له (أي لذي الحاجة أو المسكين) في هذا اليوم ما يغنيه عن الحاجة. ويشعره بأن المجتمع لم يهمل أمره، ولم ينسه في أيام سروره وبهجته " (٣)، ولذا فإنه إذا كان مخرجها يقول "عند دفعها اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما" فإن آخذها يدعو له دعوة تجلي حكمة أخرى من حكمها قائلا "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا" (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٥).

стр. 14932

وفيما يتعلق بزكاة المال، فإن تعميق حكمتها المشار إليها بما يتسع له المقام، إنما هو أمر يقتضيه تثبيت عقيدة المؤمن على نحو يحول دون تزلزلها أو اهتزازها أمام دعوات الهدم ومحاولات الافتراء على شرع الله، وبالجملة فإنه إذا "كان بيان الحكمة من التشريع أمرا محمودا على كل حال فهو في عصرنا أمر لازم؛ لغلبة الأفكار المفسدة، والتيارات المضللة والوافدة من الشرق والغرب " (١). وكل ذلك في ضوء الحقيقة الإيمانية القائلة إن المؤمن إذا كان في مسائل معاملاته يحتاج إلى الالتفات إلى الحكم والمعاني (٢)، فإن أمور العبادات ومنها الزكاة، تحتاج إلى تصديق كامل دون بحث عن معنى أو علة أو حكمة فهذا هو مقتضى عقيدة التوحيد. ومع ذلك فإن أعداء الإسلام يقولون إن الزكاة تنقص مال المسلم وهذا خطأ لأسباب أهمها: أولا: أن تكاليف الله تعالى تزيد المؤمن ولا تنقصه وفي الزكاة ربط على قلوب المسلمين، ومنع لهم من أن تلهيهم أموال الله التي آتاهم، فإن الذي أعطى ابتداء قد أعطى عن غنى ولذا فإن عدله ورحمته لا تقبل الانتقاص مما أعطى، فالزكاة تثمر وتنمي (٣). وبها يطهر المال ويزداد (٤). وثانيا: إن الله تعالى لم يفرض الزكاة بقوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥) وقد فرضها على مالك (ملكا إضافيا فالمال مال الله) ملكا تاما لمال نام أو قابل للنماء، وأن يبلغ المال نصابا محددا، فلا زكاة عن الأنعام أو الذهب والفضة أو مال التجارة أو الزروع والثمار أو العسل ومثله أو كسب العمل أو الأسهم والسندات أو غير ذلك إلا إذا بلغ المال نصابا معينا، ولذا قال ﷺ : «ما

стр. 14933

نقص مال من صدقة (١)»، ولم يكتف الإسلام بذلك بل اشترط أن يفضل المال عن الحاجة الأصلية للمتصدق ومن يعول وأن يكون المال سالما من الدين المستغرق له أو المنقص للنصاب، وأن يحول عليه الحول وذلك على تفصيل ومع توافر شروط أخرى لبعض الأموال، فليست كل هذه القيود مما تنقص من المال الذي لن يبلغ مقدار الزكاة فيه إلا حدا محددا يذهب بكل أقاويل أعداء الإسلام، فإن المزكي "يعطي من فضل ماله قليلا من كثير"، أي أن الإنسان لا يزكي إلا بجزء منها فاض عن حاجته الأصلية، وقد فسر ابن عباس ﵄ كلمة العفو في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢) بقوله "العفو ما يفضل عن أهلك " (٣) قد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إنما الصدقة عن فضل غنى (٤)» وفي رواية «لا صدقة إلا عن ظهر غنى (٥)» ومعنى ذلك أن الله تعالى "جلت حكمته جعل وعاء الإنفاق ما زاد عن الكفاف وما فضل عن الحاجة. . . . فلم يطالبه الشرع بالإنفاق مما يحتاج إليه، لتعلق قلبه به، لمسيس حاجته إليه، لتطيب نفسه بإنفاقه " (٦). وهكذا فإن حكمة الزكاة في الإسلام تتمثل في كل ما تقدم، وفي أنها تطهير

стр. 14934

لنفس المسلم من أدران الشح، وتدريب له على حب الإنفاق في سبيل الله والبذل؛ طلبا لمرضاته، بما يعنيه ذلك من صفاء نفس المالك صفاء يجعله يتخلق بأخلاق الإسلام، ويشكر نعمة الملك العلام، فيعالج قلبه من حب الدنيا، فيجلب محبة الآخرين، ويطهر ماله بعد أن طهر نفسه بالزكاة وزكاها، نائيا عن الحرام: فالزكاة لا تطهر مالا حراما، وإنما تنمي المال الحلال وحده. كذلك فإن الزكاة تحرر نفس المحتاج من ذل الحاجة، وتنأى به عن مجرد حسد النعمة التي فضل الله بها غيره أو حتى مجرد الإحساس ببغضه، وكيف يبغض محتاج من أعطاه مفاتيح التضامن الاجتماعي والتكافل الإنساني انطلاقا من شرع رباني جعل الزكاة شرعا ملزما منظما لا يعتمد على مجرد التطوع، بل ترتكز على دعم الأسس الروحية للمجتمع وهي أسس تهدف إلى الارتفاع بالفقراء ليقتربوا من مكان الأغنياء، فتحارب تسولهم، وتربيهم على العمل المنتج حتى يكونوا معطين لا متلقين، وبذا تتحقق الأخوة الإسلامية الحقة من خلال شرع إلهي حكيم جعل شكر نعمة المال أحد المظاهر الأساسية لركن من أركان الإسلام ألا وهو الزكاة.

стр. 14935

رابعا: حكم الصيام: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). معنى ذلك أن الصيام كفرض يهيئ النفوس للخير والبر، ويورث خشية الله، ويوقظ الضمائر، ويقوي الإرادة، ويعود المسلم الصبر والاحتمال " وبقدر ما تقوى الإرادة، يضعف سلطان العادة " حيث يتم هجر كثير من العادات السيئة. هذا من الناحية النفسية. وأما من الناحية الخلقية فقد قال رسول الله ﷺ «. . . الصيام جنة (٢)». . . رواه أبو هريرة وأخرجه البخاري ومسلم في الصوم أي أنه يقي المسلم من المنكرات والشرور، ويأخذ النفس بالفضائل، فتزكو وتطهر، فلا تقول زورا، ولا تعمل به. قال ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (٣)». ومن حكم الصيام الاجتماعية، أنه مظهر فريد من مظاهر المساواة المطلقة بين الأغنياء والفقراء في الحرمان، كما أنه يفجر ينابيع الرحمة والعطف في النفوس والقلوب، فيولد الفرد المهذب، والمجتمع الفاضل، الذي يسمو بالأمة ويرفعها في سلم المجد. وتتجلى حكمة الصوم كذلك في أنه مجال لإظهار المسلم إرادته العازمة على الامتثال لأحكام الله، والجازمة على عدم مخالفة شرع ارتضاه، والمصرة على أن تتصل بالله اتصال طاعة وانقياد، وبعد عن كافة ضرورات الجسد طمعا في حسنات الله، وإيثارا لما عنده، ورغبة في تحصيل فوائد الصوم المعنوية

стр. 14936

والحسية التي قد تظهر وقد لا تظهر، فإن ظهرت كان الاطمئنان لها أداة للاندفاع مع تيار الإيمان، وإن خفيت ظلت النفس واثقة من أن الديان قد أعد للإنسان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فتتهيأ النفس به للكمال الإيماني، وتستجيب معه للهدي الإلهي. إن من الغايات الكبرى للصيام بلوغ درجة التقوى " فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي، هذه الفريضة طاعة لله وإيثارا لرضاه. والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله " (١) ووزنها في مجالا التكليف، إنها غاية المؤمنين، والصوم هو أهم مدارج الوصول إليها، لذا يتجه المسلمون لتحقيق هذه الغاية وهم معتمدون على ضمائرهم، فلا رقابة لأحد عليهم، وإنما توجد الرقابة في أعماقهم، فتمنعهم عن مخالفة أوامر الله، لأنه ملأ أعماقهم، وصارت مهابته هي الرقيب الوحيد عليهم، ولذا فإن المسلم لا يتكلم بفاحش الكلام، أي لا يرفث، وإذا سبه أحد قال إني صائم، وإذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح أعظم الفرح بصومه الذي كان صادقا في إتيانه، ففي رواية لمسلم «. . . . للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك (٢)»، على ما هو ثابت في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال الذي قال: «كل عمل

стр. 14937

ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به (١)» فلا غرو أن تتحقق التقوى من خلال الصوم مما له من هذه المكانة عند رب العرش الكريم. ولكي يصل المسلم بالصوم من مرتبة التقوى، فإنه يجتهد في طلب غفران الله لذا يجتهد في أن يكون صيامه على نحو ما أراده الله تعالى. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٢)» متفق عليه. وهكذا تتجلى أهم حكم الصيام في التقوى، وكما قرر علماء الشريعة الغراء ومنهم الشيخ عبد الرحمن السعدي، فإن التقوى "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من المحبوبات وترك المنهيات؛ فالصيام الطريق الأعظم للوصول إلى هذه الغاية التي هي غاية سعادة العبد في دينه ودنياه وآخرته، فالصائم يتقرب إلى الله بترك المشتهيات تقديما لمحبته على محبة النفس ولهذا اختصه الله من بين الأعمال، حيث أضافه إلى نفسه في الحديث الصحيح، وهو من أصول التقوى، إذ الإسلام لا يتم بدونه، وفيه من زيادة الإيمان وحصول الصبر والتمرن على المشقات المقربة إلى رب السماوات، وأنه سبب لكثرة الحسنات من صلاة وقراءة وذكر وصدقة وما يحقق التقوى،، فيه من ردع الأنفس عن الأمور المحرمة من الأفعال المحرمة والكلام المحرم ما هو عماد التقوى" (٣). والصوم يحقق مصالح العباد، ويؤكد المنافع لهم والفوائد لعامهم وخاصهم، إنه تحصيل للخيرات، ومدرسة إيمانية عظيمة من أجل التنافس للحصول على الأجر المضاعف ولذا شرعه الله تعالى لنا كما كتبه على من قبلنا، غير أنه في

стр. 14938

الشريعة الإسلامية الناسخة لما قبلها من شرائع يؤكد المساواة بين الأغنياء والفقراء، حيث يتعاطف الغني مع الفقير بإحساس الألم الواحد، ولا يتنازع معه من خلال الرغبات المتعددة، وحيث يضعف سلطان العادة، ويصمد الناس أمامها بما أمدهم الله به من قوة الإرادة، التي تسعى إلى تعميم فضيلة الخير من خلال الصيام، وهو خير إيجابي مشترك، دون أن يكون مقصوده الأصلي أو حكمته الأساسية هي "الحرمان والألم " (١) بل الصبر والعطاء، واستلهام التقوى كخير وجاء.

стр. 14939

خامسا: حكم الحج: والحج عبادة تنطوي على حكم وأسرار نفسيه وخلقية واجتماعية (١): من الناحية النفسية، فإن الحج يحيى في الأنفس ذكريات أبي الأنبياء إبراهيم ﵊ وخاتمهم محمد ﷺ . ولعل أعظم هذه الذكريات رفع القواعد وانتصار الدعوة الإسلامية، ولقد جاشت نفس النبي محمد ﷺ وانفعلت بذلك، فبكى وهو يقف أمام الكعبة وقال «يا عمر: هنا تسكب العبرات (٢)». ومن الناحية الخلقية: فإن الحج يدرب المسلم على مجاهدة النفس، والوصول إلى أسمى المراتب الروحية حيث تنطلق الحناجر هاتفة باسم الله مثنية عليه، بينما المرء في ملابس الإحرام التي تخلو من كل زينة وتتجرد من كل أسباب الخيلاء، فيعيش الإنسان جو العفاف حيث، لا رفث ولا فسوق ولا جدال. قال تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٣). ومن حكم الحج

стр. 14940

الاجتماعية، أنه تجمع عظيم تعدد كبير من أبناء الأمة الإسلامية، يلتقون ليشهدوا منافع روحية واقتصادية وسياسية لهم، وفيه تتوحد الغايات، ويتم تبادل الثقافات، ووضع أسس الالتقاء الدائم من أجل تحقيق منافع الأمة الإسلامية. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢). والحج بحكمه تلك هو حق لله وحده، به يعلن المسلم عن امتثاله لشرع الله تعالى، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية " ولله تعالى حق لا يشركه فيه مخلوق: كالعبادات والإخلاص والتوكل والخوف والرجاء والحج والصلاة والزكاة والصيام والصدقة" (٣) ولذا فإن من يخلص في أداء حق الله يكون متقيا إياه "والذين يتقون الله ويقومون بما أمرهم به من عبادته وطاعته يعزهم وينصرهم " (٤). وحسب الحج، بهذه المثابة، أن الله قد جعله قياما للناس، فيه تقوم أمور دينهم ودنياهم، كما أن الحج مبني على توحيد الله الذي هو أصل الأصول كلها، ولذا يبدأ بالتلبية، التي هي دليل التزام العبودية لله تعالى، من خلال نفس اطمأنت إلى شرع ربها، فانشرح به صدرها، وأثبتت جميع المحامد وأنواع الثناء لبارئها، وهكذا ينفي المسلم عن ربه العظيم أن يكون له شريك في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وبذلك يحظى المسلم بالوصول

стр. 14941

إلى بيت الله الحرام، ويتمتع "بالتنوع في عبوديته والذل له والانكسار بين يديه " ويسأل المسلمون ربهم "جميع مطالبهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية في تلك المشاعر العظام والمواقف الكرام ليجزل لهم من قراه وكرمه. . . . وليحط عنهم خطاياهم ويرجعهم كما ولدتهم أمهاتهم، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، فإن الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار إنما هي لإقامة ذكر الله، من خلال اجتماع المسلمين في مكان واحد، على شكل واحد، في عبادة واحدة، تتحقق فيها أسمى معاني الوحدة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، فيرتبط الجميع برباط الدين الشامل، ويشعر الجميع بأن دعاء الله من خلال أعظم مظاهر المساواة، غايته الفوز والرضوان، من الملك الديان. ولا يتسع المجال للتعرض لكافة حكم متعلقات الحج وحسبنا الإشارة إلى بعض متعلقات حكمه الأساسية فيما يلي: - إن الإحرام يستلزم حرمة اتخاذ المسلم أي وسيلة من وسائل الرفاهية والزينة "وحكمة الامتناع عن هذا. . . . أن الحج عبادة، الغرض منها التقرب إلى الله والوصول إلى ما أعده سبحانه للنفس المحسنة من خير الجزاء ولا يكون ذلك عادة إلا بإبعاد النفس عن شهواتها، وخروجها من مألوفها، وكفها عن لذائذها، ومظهر هذا الاقتصار على الضروريات من الحياة، والتجرد لله في جميع الحركات والسكنات " (١)، وعندئذ يجد الإنسان راحة نفسه في التقشف والزهد، والارتفاع فوق أدران المادة، وأوزار الجسد، فيحتمل المشاق راضيا، وكيف لا وهو في لباسه الموحد مع غيره، يستشرف عفو الرحمن، ويطمع في رضا الديان، فقد أطاعه مخلصا، وكل من تجرد عن

стр. 14942

مطالب الحياة؛ ابتغاء مرضاة الله، لا بد أن يفيء الله عليه من سابغ عطاياه. كذلك فإن حكمة الطواف حول الكعبة تتمثل في تكريمها عن يقين، وتحيتها عن عقيدة صافية، تثق في أن تكريم أول بيت وضع لعبادة الله في أرضه، هو أهم أسباب استجلاب الرحمة، فالمزور كريم، وبيته عظيم، ولذا فإن الزائر وهو يطوف حول الكعبة يتشبه "بالملائكة الحافين بعرش الله، الطائفين حوله، المسبحين له، لا يفترون. وفي هذا من سمو الروح ما فيه " (١). - ومن حكم السعي بين الصفا والمروة، تأكيد اللجوء إلى الله، لكي يكشف الضر عمن قصد مسعاه، طالبا غفران الذنوب، مبتهلا إليه بأصفى القلوب، وكيف لا وقرب هذا المكان بالذات، كشف الله الضر عن هاجر وولدها إسماعيل، وفجر لهما نبع ماء (زمزم)، بعد أن بلغ بهما العطش كل مبلغ، وكاد يودي بهما. - كذلك فإن من حكم الوقوف بعرفة، تجديد المسلم ذاته والانعتاق من ماضيه "المشوب بالإثم والباطل " (٢)، وقطع العهد أمام الله، على بدء حياة نظيفة بالإيمان، مستقيمة بالإحسان. - وعن الحكمة في الهدي والأضاحي، فإنه من المعلوم أن من الدماء دماء يقصد بها التقرب إلى الله تعالى كدماء الهدي والأضاحي، فالنحر لله من أشرف العبادات وأجلها. قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، فهذه الدماء عبادة شرعت لمحبة الله تعالى، والإخلاص له، والإحسان إلى الخلق، وقد اقترن الهدي والأضاحي بعيد النحر، حتى يتحقق الجمع بين

стр. 14943

الصلاة والنحر، وشرع الهدي، أن يهدي لخير البقاع في أشرف الأزمان في أجل العبادات، فصار الذبح أحد أنساكها، على أن يساق الهدي من الحل أو قبل ذلك، تعظيما لحرمات الله وشعائره وشرائعه، وفيه من الحكمة ما لا يخفى، فهو اقتداء بالخليل ﷺ حيث فدى ابنه إسماعيل بذبح عظيم، وأمر الله تعالى هذه الأمة بالاقتداء به، خصوصا في أحوال البيت الحرام، حيث تكفل الله بأرزاق سكانه، برهم وفاجرهم، ومن حكمة ذلك أيضا أنه شكر لنعمة الله تعالى بالتوفيق لحج بيته الحرام، ولهذا وجبت في حالتي التمتع والقران، وهذه العبادة شملت مشروعيتها جميع المسلمين في هذه الأيام فشرع الله لهم الأضاحي تحصيلا لفوائد هذه العبادة (١). - وأما عن الحكمة في إيجاب الهدي على المتمتع والقارن دون المفرد بالحج فإن دم النسك عبادة مستقلة من جملة عبادات النسك، فالمتمتع عليه دم المتعة، والقارن عليه دم القران، أما المفرد فلا دم عليه، وحكمة شرع الدم في حق المتمتع والقارن، أنه شكر لنعمة الله تعالى، حيث جمع العبد بين نسكين في سفر واحد وزمن واحد، ولذا يجب أن يكون كل من المتمتع والقارن قد أحرم بالعمرة في شهر الحج، ليكون كزمن واحد، كما يجب أن يكون من المسافرين وليس من حاضري المسجد الحرام، لأن حاضريه ليس عليهم هدي، ومن اللائق شرعا، أنه إذا قدم العبد بيت الله بنسكين كاملين أن يهدي لأهل البيت. أما المفرد فلا دم عليه لأنه لم يحصل له إلا نسك واحد، فلم يأت بالعمرة إلى الآن مثل المتمتع والقارن (٢).

стр. 14944

صفحة فارغة

стр. 14945

وسطية أهل السنة في القدر الدكتور: عواد بن عبد الله المعتق (١). المقدمة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. . فإنه من المعلوم أن الرسول ﷺ ترك المسلمين على المحجة البيضاء لكن نتيجة بعض العوامل داخل الدولة الإسلامية وخارجها حدث الخلاف بين المسلمين في بعض المسائل: منها ما حسم في حينه، كاختلافهم في الخلافة وموضع دفنه ﵊، ومنها ما بقي حتى انقرض وانتهى، ومنها ما هو باق إلى الآن، وإن من أشهر المسائل التي اختلف فيها مسألة القدر. فقد انقسم الناس فيها إلى غلاة في الإثبات، وهم من يسمون بالجبرية، وإلى غلاة في النفي، وهم من يسمون بالقدرية. وإلى متوسطين، وهم أهل السنة والجماعة. ونظرا لأهمية بيان وسطية أهل السنة في هذه المسألة، وانحراف الفرق المخالفة، فقد رأيت أن أكتب بحثا موجزا يتلخص فيما يلي: الفصل الأول: في التعريف بالقدر ومراتبه. الفصل الثاني: في انقسام الناس في القدر. وفيه مباحث: المبحث الأول: الذين غلوا في إثبات القدر. المبحث الثاني: الذين غلوا في نفي القدر.

стр. 14946

المبحث الثالث: الذين توسطوا في القدر. الخاتمة: في بيان بعض آثار الإيمان بالقدر في حياة المسلم. وأخيرا أسأله تعالى أن يتقبل صوابه ويتجاوز عن خطئه إنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 14947

الفصل الأول: تعريف القدر ومراتبه: القدر لغة: بتحريك الدال وتسكن مصدر قدرت الشيء بفتح الدال مخففة أقدر قدرا. ويقال فيه: قدرت أقدر تقديرا بتشديد الدال. ومعناه: القضاء والحكم، ومبلغ الشيء. والقدر، كالقدر: جمعهما جميعا أقدار. وقيل القدر: الاسم. والقدر: المصدر وهو يأتي مرادا به المصدر: وهو التقدير. ويأتي مرادا به المفعول وهو المقدر. وفي الاصطلاح: ما يقدره الله من القضاء ويحكم به من الأمور. قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) أي الحكم. كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٢) فإذا قلنا إن الله تعالى قدر الأشياء فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه.

стр. 14948

مراتب القدر: الإيمان بالقدر لا يتم حتى نؤمن بأربع مراتب وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.

стр. 14949

المرتبة الأولى: وهي الإيمان بعلم الرب المحيط بكل شيء، فإنه سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. ومن ذلك الخلق فإنه سبحانه علم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار علم كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير. وهذه المرتبة قد اتفق عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليها جميع السلف ومن تبعهم ولم يخالف فيها إلا مجوس (١) هذه الأمة. وإليك بعض الأدلة من الكتاب والسنة التي تقرر هذه المرتبة: أولا: الأدلة من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ (٤) الآية. ثانيا: الأدلة من السنة. ومن ذلك ما يلي: ١ - ما روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس

стр. 14950

بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله (١)». ٢ - ما روى البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: (ما من نفس منفوسة إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار)، قالوا: يا رسول الله فلم نعمل، أفلا نتكل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، ثم قرأ إلى قوله: (٥)». ٣ - ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين (٦)». ٤ - روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال: «قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له (٧)». وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي يضيق عنها المقام.
следующие страницы →