← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 14981–15020 · переход к 14986.

стр. 14981

الشبهة الأولى: قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) الآية. وجه الاستدلال بالآية: يقول القاضي عبد الجبار - بعد أن أورد هذه الآية للاستدلال - ". . . إن الله بين أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الأحكام والحسن جميعا - حتى لو كان محكما، ولو لم يكن حسنا لكان لا يوصف بالإتقان، ألا ترى أن أحدنا لو تكلم بكلام فصيح يشتمل على الفحش. . .، فإنه وإن وصف بالإحكام لا يوصف بالإتقان، ثم قال: إذا ثبت هذا ومعلوم أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود والتنصر والتمجس، وليس شيء من ذلك متقنا، فلا يجوز أن يكون الله تعالى خالقا لها " (٢). الجواب: يقال لهم إن هذا الاستدلال باطل لما يلي: أولا: إن الإتقان لا يحصل إلا في المركبات، فيمتنع وصف الأعراض به (٣). وإذا لم توصف الأعراض بالإتقان، بطل الاستدلال بالآية لأن الاستدلال بها ينبني على أن الإتقان يكون في الأعراض. ثانيا: يقول الإمام ابن حزم: " إن هذه الآية حجة عليهم لا لهم لأن الله تعالى أخبر أنه بصنعه أتقن كل شيء، وهذا على عمومه وظاهره، فالله تعالى صانع كل شيء، وإتقانه له أن خلقه جوهرا أو عرضا جاريين على رتبة واحدة أبدا، وهذا عين الإتقان (٤). وبهذا يظهر بطلان الاستدلال بالآية والله أعلم. الشبهة الثانية: يقول القاضي عبد الجبار. " ومن الأدلة على أن العباد خالقون أفعالهم قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ (٥) الآية. ثم قال: فقد نفى الله تعالى أن يكون في خلقه باطل، فلولا أن هذه القبائح

стр. 14982

وغيرها من التصرفات من جهتنا ومتعلقة بنا، وإلا كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله، فيكون مبطلا كاذبا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا " (١). الجواب: يقال لهم: إن معنى الآية أن الله تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما - عبثا ولعبا - على ما يتوهمه من زعم أنه لا حشر، ولا نشر، ولا ثواب، ولا عقاب، بل خلقهما بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما، ومن ثم إثابة المتقين الطائعين، ومجازاة المذنبين والكافرين، ولذلك قال تعالى - بعدها - ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (٢). يعني من إنكارهم الثواب والجزاء والعقاب. وعلى ذلك فقولهم: إن معنى الآية " نفي أن يكون في خلقه باطل " غير صحيح، وإذا كان غير صحيح بطل بالاستدلال بالآية. الشبهة الثالثة: قالت القدرية: وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا، فوجب أن تكون خلقا لنا، وفعلا لنا، قالوا: وبيان ذلك؛ أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام، وإذا أراد أن يقعد قعد، وإذا أراد أن يتحرك تحرك، وإذا أراد أن يسكن سكن، وغير ذلك. فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته، دل ذلك على أن أفعاله خلق له وفعل له (٣). الجواب: يقال لهم: إن هذه الشبهة باطلة وبيان ذلك من وجوه منها: أولا: قولكم: " إن أفعال العباد تحصل بحسب قصودهم. . . " غير صحيح على إطلاقه فإنا نرى من يريد شيئا ويقصده، ولا يحصل له ذلك فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة فيضعف ويمرض،

стр. 14983

وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه إلى غير ذلك فبطل ما ذكرتموه، وصح أن فعله خلق لغيره يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة والخلق من الخالق (١). ثانيا: أن وقوع الكسب من الخلق على حساب القصد منهم، لا يدل على أنه خلق لهم. . . ودليل ذلك أن مشي الفرس مثلا، يحصل على قصد الراكب وإرادته من عدو وتقريب. . . ووقوف إلى غير ذلك ولا يقول عاقل: أن الراكب خلق جري الفرس ولا سرعتها ولا غير ذلك من أفعالها، فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل دليلا على أنه خلقه. ومثل ذلك السفن يحصل سيرها وتوجهها. . على حسب قصد الملاح ولا يدل ذلك على أن الملاح خلق سير السفن ولا توجهها. فان كابروا الحقائق وقالوا: نقول: إن ذلك خلقه الملاح والفارس، فقد خرجوا عن الدين، وسووا بين الخالق والعباد في أن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات، وهذا كفر صراح. وإن قالوا: حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح، وليست بخلق له، قلنا: فكذلك أفعال أحدنا تقع - ولا نقول: إنها تقع في كل حال - على حسب قصده، ولا يدل ذلك على أنه خلقها. . . بل الخالق لها هو الله تعالى (٢). ثالثا: نحن لا نقول: إن العبد مجبور على أفعاله، بل نقول: إن العبد له قدرة ومشيئة لكنها تحت قدرة الله ومشيئته (٣). وإذا كان كذلك، فإن ما يحصل منه من تصرفات قد تقع على حسب قصده لا يمنع أن تكون بهذه القدرة التي أعطاه الله إياها، والتي لا تخرج عن قدرة الله الشاملة. وعلى ذلك فكون العبد يحصل له بعض التصرفات على حسب قصده لا يدل على أنه هو الخالق لأفعاله وعليه فتبطل هذه الشبهة والله أعلم.

стр. 14984

ثالثا: موقف أهل السنة والجماعة من هذه البدعة لقد رفض أهل السنة والجماعة هذه البدعة وأنكروها بقوة الدليل والبرهان لكن اختلف حكمهم باختلاف هؤلاء القدرية. فأما القدرية الأولى أصحاب معبد وغيلان القائلون بإنكار العلم المتقدم وأن الأمر أنف أي مستأنف فقد حكموا عليهم بالكفر. روى مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والأخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويتقفرون العلم - وذكر من شأنهم - وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم ساق حديث جبريل، وفيه «. . . وتؤمن بالقدر خيره وشره (١)». قال وكيع الجراح: " القدرية يقولون الأمر مستقبل وأن الله لم يقدر الكتابة والأعمال. . . إلى أن قال: هو كله كفر " (٢). وقال الشافعي: " ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا " (٣).

стр. 14985

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ". . . وقد نص الأئمة كمالك والشافعي وأحمد على كفر هؤلاء الذين ينكرون علم الله القديم " (١). وأما القدرية الثانية المثبتون للعلم والكتابة لكنهم يقولون إن العبد يخلق فعل نفسه فقد حكموا عليهم بأنهم مبتدعة ضالون. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ". . . وأما جمهور القدرية فهم يقرون بالعلم والكتاب المتقدم لكن ينكرون أن الله خلق أفعال العباد. . إلى أن قال: وكل هؤلاء مبتدعة ضالون " (٢). ويقول في موضع آخر: ". . . وأما هؤلاء - يعني الفرقة الثانية من القدرية - فإنهم مبتدعون ضالون لكن ليسوا بمنزلة أولئك (٣). . . " (٤). ويقول الإمام ابن القيم: " وأما الفرقة الضالة: فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق ثم صاروا إلى أنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله والرب كاره له فكان العبد على هذا الرأي الفاسد مزاحما لربه في التدبير موقعا ما أراد إيقاعه شاء الرب أو كره " (٥). ويقول الإمام شارح الطحاوية: " والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس من حيث إن المجوس أثبتوا خالقين وهم أثبتوا خالقين!! " (٦).

стр. 14986

المبحث الثالث: المتوسطون في القدر وهم أهل السنة والجماعة أولا: في بيان معنى التوسط ، والمراد بأهل السنة والجماعة، ولم سموا بذلك ؟ أ - في بيان معنى التوسط: التوسط لغة: الاعتدال، يقول ابن منظور في اللسان: وسط الشيء وأوسطه: أعدله. وفي التنزيل قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) الآية. قال الزجاج: فيه قولان؛ قال بعضهم: وسطا أي عدلا. وقال بعضهم: خيارا، واللفظتان: وإن اختلفتا، فالمعنى واحد لأن العدل: خير، والخير: عدل (٢). والأظهر تفسير الوسط في الآية: بمعنى عدلا، لما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) الآية قال: عدلا ". والمراد بالتوسط هنا: هو الاعتدال بين الإفراط والتفريط. فالمتوسطون: هم المعتدلون لا إفراط عندهم ولا تفريط. ولما كان التوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا (٤).

стр. 14987

ب - المراد بأهل السنة والجماعة، ولم سموا بذلك ؟ السنة لغة: الطريقة والسيرة (١). والمراد بها هنا: هي طريقة الرسول ﷺ (٢). والجماعة لغة: اسم للقوم المجتمعين من الاجتماع: وهو نقيض الفرقة (٣). والمراد بها هنا: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين (٤). والمراد بأهل السنة والجماعة: هم الذين تمسكوا بالإسلام المحض الخالص عن الشوب حيث التزموا طريقة الرسول ﷺ وأصحابه في الإيمان والعمل واجتمعوا على الحق وهم المعنيون بقوله ﷺ «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة (٥)». وفي رواية «قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (٧)». وسموا بأهل السنة والجماعة: لتمسكهم بسنة الرسول ﷺ وتقديمها على غيرها من السنن، ولاجتماعهم على الحق، وقيل للزومهم جماعة المسلمين (٨).

стр. 14988

ثانيا: مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب سلف هذه الأمة وأئمة المسلمين كافة. وليتضح نضع أمامنا بعض النصوص من أقوال أئمة المسلمين، لنستنبط منها مذهب أهل السنة في هذه المسألة. يقول ابن تيمية ﵀ وهو يتكلم عن وسطية أهل السنة بين الفرق - ". . . وهم في باب خلق الله وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) الآية فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير يقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبورا إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله " (٢). ويقول في موضع آخر: " ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شي قدير وأنه هو الذي خلق العبد هلوعا. . . ونحو ذلك، أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة. قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٣) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) (٥) ".

стр. 14989

ويقول في موضع آخر: ". . . الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها ولها مع ذلك أضداد تمانعها والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه أضداده المعارضة له وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب وفعل العبد لا يكون بها وحدها بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة. وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان، فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك. . . " (١). وقال الإمام ابن القيم - بعد أن حكى رأي الجبرية والقدرية -: ". . . فإن قيل فما تقولون أنتم في هذا المقام؟ قلنا: لا نقول بواحد من القولين: نقول هي أفعال العباد حقيقة ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول وهو إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره، فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته. . . " (٢). وقال في موضع آخر: " والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة المسبب إلى سببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق. . . إلى أن قال: وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرب خلقا وتكوينا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه وبقدرة العبد سببا ومباشرة، والله خلق الفعل والعبد فعله وباشره، والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته. . . . " (٣).

стр. 14990

ويقول شارح الطحاوية: ". . . وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق سبحانه منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه، فالجبرية غلو في إثبات القدر. . . والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى. . . وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فكل دليل صحيح يقيمه الجبري فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء. . . وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة وأنه مريد له مختار. . . فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم " (١). من هذه النصوص يتضح أن أهل السنة يرون أن الله على كل شيء قدير فيقدر أن يهدي العباد ويقلب أفئدتهم، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء. ويؤمنون بأن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار فيما يفعله، والله خالقه وخالق قدرته ومشيئته وعمله واختياره، فعمل العبد فعل له حقيقة ومفعول لله تعالى، فهو يضاف إلى العبد إضافة المسبب إلى السبب ويضاف إلى الله إضافة المخلوق إلى الخالق والله أعلم.

стр. 14991

الخاتمة في آثار الإيمان بالقدر في حياة المسلم الإيمان بالقدر أحد أصول العقيدة الإسلامية التي يجب على كل مسلم الإيمان بها، وله آثار محسوسة في حياة المسلم نشير إلى بعض منها: ١ - الإيمان بالقدر من أكبر الدواعي التي تدعو المؤمن إلى العمل كما أنه يبعث في القلوب الشجاعة والإقدام على عظائم الأمور بثبات وعزم. ويدل على ذلك واقع السلف الذين كانوا خير هذه الأمة بعد نبيها وأفهم هذه الأمة لهذه العقيدة وأكملهم تطبيقا لها نرى واقعهم قبل الإسلام وبعد الإسلام، وما قاموا به من نشاط في تأسيس هذه الدولة المترامية الأطراف، كل ذلك بالله ثم بإيمانهم بهذه العقيدة التي تتضمن أنه لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، وأن لهم آجالا مكتوبة لن يتجاوزوها. يقول : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وحكى الله عن المنافقين قولهم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ (٢). فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٣). ٢ - ومن آثار الإيمان بالقدر أن يعرف الإنسان قدر نفسه فلا يتعالى لأنه عاجز عن معرفة المقدور ومستقبل ما هو حادث، ومن ثم يقر الإنسان بعجزه وحاجته إلى ربه (٤).

стр. 14992

٣ - الإنسان خلق محبا الخير لنفسه، كارها الشر لنفسه، يجزع منه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ (١) ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ (٢) ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٣). فإذا أصابه الخير بطر واغتر به، وإذا أصابه الشر جزع وحزن، ولا يعصم الإنسان من البطر إذا أصابه الخير والحزن إذا أصابه الشر إلا الإيمان بالقدر وأن ما وقع فقد جرت به المقادير وسبق به علم الله. ٤ - الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات وتزرع الأحقاد بينها وذلك مثل رذيلة الحسد. فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله لإيمانه بأن الله هو الذي رزقهم، وقدر لهم ذلك فأعطى من شاء ومنع من شاء ابتلاء وامتحانا منه سبحانه لخلقه، وأنه حين يحسد غيره إنما يعترض على المقدور. ٥ - الإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببا في استقامة المسلم وخاصة في معاملته مع الآخرين فحين يتنقصه أحد أو يسيء إليه أو يرد إحسانه بالإساءة، أو ينال من عرضه بغير حق تجده يعفو؛ لأنه يعلم أن ذلك مقدور وهذا يحسن في حق نفسه، أما في حق الله فلا يجوز العفو والتعلل بالمقدور، لأن القدر يحتج به في المصائب لا في المعايب. ٦ - الإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن حقائق الإيمان المتعددة، فهو دائم الاستعانة بالله يعتمد على الله ويتوكل عليه مع فعل الأسباب، وهو أيضا دائم الافتقار إلى ربه تعالى يستمد منه العون على الثبات ويطلب منه المزيد، وهو

стр. 14993

أيضا كريم يحب الإحسان إلى الآخرين فتجده يعطف عليهم، والإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن الانكسار والاعتراف لله تعالى حين يقع منه الذنب ومن ثم يطلب من الله العفو والمغفرة، ولا يحتج بالقدر على ذنوبه - وإن كانت مقدرة عليه - لأنه يعلم أن الاحتجاج بالقدر على فعل الذنب باطل ومخالف للشرع. ٧ - ومن آثار الإيمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته ويجهر بها أمام الكافرين والظالمين، لا يخاف في الله لومة لائم، ويفضح ما هم فيه من كفر وظلم وما يقومون به من إفساد وتضليل، يفعل المؤمن كل ذلك بعد اتخاذ الأسباب الواقية بإذن الله، وهو راسخ الإيمان واثق بالله متوكل عليه صابر على كل ما يحصل له في سبيله، لأنه مؤمن أن الآجال بيد الله وحده، والأرزاق عنده وحده، وما قدر الله سيكون وما لم يقدره لن يكون، وأن العباد لا يملكون من ذلك شيئا مهما وجد لهم من قوة وعون (١). هذه بعض آثار الإيمان بالقدر في حياة المسلم، ذكرتها باختصار ليسهل الاطلاع عليها. وهناك من الآثار ما لا يمكن حصره، وقد اكتفيت بما ذكرته إيثارا للإيجاز.

стр. 14994

صفحة فارغة

стр. 14995

بعض ما يلاحظ على كتاب مفتاح كنوز السنة بقلم: د. محمد عبد الله حياني. أستاذ مساعد جامعة الملك فيصل المقدمة: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. . وبعد: فإن صنع الفهارس الحديثية لا يتوقف على أطراف متن الحديث أو على مضمونه ومعناه أو على ألفاظه المشهورة فحسب، بل هناك فهارس لرجال الإسناد كفهارس الأسماء والكنى والألقاب والأبناء، وللرجال والنساء وللأسماء الصريحة والمبهمة والمشتبه منها. ولم يكن صنع الفهارس بأنواعها وليد هذا العصر وإنما قام به المسلمون منذ القديم عبر قرون متلاحقة، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، بل إن هذا الموضوع جدير بأن يفرد بالتأليف.

стр. 14996

فكتب الرجال بأنواعها المختلفة برع المسلمون في فهرستها منذ عهد الإمام البخاري رحمه الله تعالى ت ٢٥٦ هـ حتى عصرنا الحاضر. فقد ألف الإمام البخاري كتابه التاريخ الكبير والأوسط والصغير - وهي كتب في تاريخ الرجال وجرحهم وتعديلهم - مرتبا تراجمها حسب حروف الهجاء مما ييسر على الباحث الحصول على المراد منها. ثم نسج على منواله كل من ألف في تاريخ الرجال سواء على مستوى رجال الأمصار دون تحديد مثل كتاب الجرح والتعديل للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ت ٣٢٧ هـ، أو بخصوص بلد معين أمثال تاريخ بغداد للإمام أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ت ٤٦٣ هـ، وكتاب تاريخ دمشق للإمام أبي القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر ت ٥٧١ هـ، وسواء كان مقتصرا على قرن معين ككتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، وكتاب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت ٩٠٢ هـ، وغير هذه الكتب كثير جدا مما صنف في تاريخ الرجال بشتى أنواع التصنيف فيهم، سواء كانت فهرسة تلك الكتب حسب تسلسل حروف الهجاء أو سني الوفيات أو الطبقات. أما متون الأحاديث ففي استخراجها من مظانها فهرس على طريقة الأطراف وفهرس على طريقة المضمون والمعاني وفهرس على طريقة ألفاظها المشهورة. أما فهرسة الأطراف وهو أن يقتصر على ذكر طرف الحديث الدال على بقيته مرتبا حسب حروف الهجاء مع الجمع لأسانيده، إما على سبيل الاستيعاب أو على جهة التقيد بكتب مخصوصة (١). هذا النوع من الفهارس صنفه المحدثون في أواخر القرن الأول وذلك قبل سنة ٩٦ للهجرة، فقد أخرج الإمام الدارمي بإسناده عن ابن عون قوله:

стр. 14997

رأيت حمادا - يعني ابن أبي سليمان الكوفي ت ١٢٠ هـ - يكتب عن إبراهيم النخعي - ت ٩٦ هـ - فقال له إبراهيم: ألم أنهك - يعني عن الكتابة -؟ قال: إنما هي أطراف (١). أهـ. وقد تلاحق صنع هذا النوع من الفهارس حتى صار في القرن الرابع وما بعده عملا مستقلا كأطراف الصحيحين لأبي مسعود الدمشقي: إبراهيم بن محمد بن عبيد ت ٤٠١ هـ، وأطراف الكتب الخمسة - البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي - لأبي العباس أحمد بن ثابت بن محمد الطرقي الأصبهاني ت بعد ٥٢٠ هـ. وكتاب تحفة الأشراف بمعرفة الطراف للحافظ أبي الحجاج المزي ت ٧٤٢ هـ وهو بأطراف الكتب الستة، وكتاب ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث للشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي ت ١١٤١هـ، وهو بأطراف الكتب الستة وموطأ الإمام مالك (٢). وهكذا تلاحقت هذه النوعية من الفهارس حتى زمننا الحاضر، فقل كتاب من كتب الستة ليس له فهرسة لأطراف أحاديثه. أما فهرس المعنى والمضمون وهو: أن يستخلص معاني الأحاديث ومضمونها وتجعل كعنوان للباب ثم ترتب تلك المعاني ترتيبا هجائيا، ثم تذكر الأحاديث التي تنطوي تحت ذلك الباب مع العزو إلى أماكن وجودها في كتب السنة، وهو أصل منهج كتاب مفتاح كنوز السنة، وقد قام بهذا النوع من الفهرس الإمام مجد الدين أبو السعادات مبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير ت ٦٠٦ هـ في كتابه جامع الأصول (٣). أما فهرس الألفاظ المشهورة وهو: انتقاء الكلمة المشهورة من الحديث

стр. 14998

بحيث يسهل على من حفظ الحديث أو قرأه معرفة تلك الكلمة، فتؤخذ تلك الكلمات المشهورة وترتب ترتيبا هجائيا، ثم يعزى الحديث الذي انتقيت منه تلك الكلمة إلى مواطنه من كتب السنة، وهو منهج المعجم المفهرس لألفاظ الحديث. وقد قام بهذا النوع من الفهارس الإمام ابن الأثير الجزري أيضا في كتابه جامع الأصول، وقد جعل ذلك في الأحاديث المجهولة الموضع التي يمكن أن تنطوي تحت أبواب متعددة، فاستخلص منها الكلمات المشهورة ورسمها في آخر الكتاب الفقهي - ككتاب الطهارة مثلا - مرتبة حسب حروف الهجاء، ثم عزا بإزاء كل كلمة منها الحديث إلى أماكنه (١). وإذا علمنا قيام الإمام ابن الأثير بهذا النوع من الفهرسة فإن ذلك لا يمنع أن يكون هناك أحد من المحدثين قد تقدم عليه في صنع ذلك مما لم يصل إلينا خبره، لأنه قد عرف عن المحدثين صنع فهرس أطراف الحديث منذ القرن الأول الهجري فلا يبعد أن يكونوا قد طوروا عمل الفهارس إلى مستوى المعاني والألفاظ المشهورة قبل عهد الإمام ابن الأثير، وخاصة عندما كثرت دواوين السنة كمسند الإمام أحمد والكتب الستة في القرن الثالث وما بعده. بعد هذا نخلص إلى أن الفهارس الحديثية صنعها المسلمون منذ القرن الأول الهجري وطوروها إلى أنواع مختلفة فيما بعد ذلك على صعيد الإسناد والمتن. أما كتاب مفتاح كنوز السنة الذي طبع لأول مرة باللغة الإنجليزية سنة ١٩٢٧م وترجمه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي إلى اللغة العربية سنة ١٩٣٤م،

стр. 14999

وكتاب المعجم المفهرس الذي ظهر بمجلده السابع سنة ١٩٦٩م، فيعتبران جهدا كبيرا نادرا قام به المستشرقون في هذا القرن. هذا ولما ظهر كتاب مفتاح كنوز السنة باللغة العربية سنة ١٩٣٤هـ لقي ترحيبا حارا من كل طالب علم في العالم الإسلامي منذ ذلك الحين وحتى اليوم لأنه يسر عليهم استخراج الحديث من أربعة عشر كتابا من كتب السنة بعد أن كان يعوزهم الجهد المتواصل والزمن الطويل لاستخراج الحديث الواحد أحيانا، بينما أصبح يسيرا لديهم بعد أن أصبح - كتاب - المفتاح بين أيديهم. وهذا الأمر له أثره الكبير في تعميق جذور الثقة بالكتاب ولربما إلى حد كبير عند بعض طلاب العلم بحيث إنه إذا لم يجد الحديث في كتاب المفتاح آيس من وجوده في كتب السنة المعتمدة في التخريج لدى الكتاب، وهذا يعني أنه لم يفت كتاب المفتاح أي حديث من أحاديث كتب السنة المعتمدة لديه. وهذا الموقف له خطره على السنة لو استمر الحال دون تنبيه وكشف النقاب عن النقص في الكتاب، فكشف النقاب عن ثغرات هذا الكتاب يضع الثقة به في الحدود المناسبة له دون زيادة. ولما كنت أقوم بموازنة - في بحث الدكتوراه - بين رواية الإمام يحيى الليثي لموطأ الإمام مالك ﵀ وبين رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني له، وكانت رواية الإمام يحيى الليثي بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي هي المعتمدة في التخريج لدى كتاب المفتاح أولا ثم لدى كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث بعد ذلك، تبين لي آنذاك خلل في ترقيم أحاديث الكتاب لم أعرف مسوغا له، وكان مفاد هذا الخلل: الإهمال لبعض الآثار من الترقيم من جهة، ثم الترقيم لبعض فقه الإمام مالك من جهة أخرى، مما يدل على أن كتاب المفتاح قد أهمل بعض أحاديث الموطأ من التخريج، كما خرج مما ليس من موضوع التخريج وهو فقه الإمام مالك ﵀، فنبهت إلى هذا الخلل في مقدمة الرسالة، دون أن أعرف جذور الموضوع.

стр. 15000

وفي هذه الأيام أحببت أن أتعرف حقيقة الأمر، فهل ترقيم الموطأ وكتب السنة المعتمدة في التخريج لدى كتاب المفتاح هي من ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، أم من ترقيم صاحب المفتاح؟ وما هو مدى تأثر عملية العزو في كتاب المفتاح بذلك الخلل في الترقيم؟ وهل هناك خلل آخر في ترقيم أحاديث الموطأ؟ وهل هناك سلبيات في منهج العزو في كتاب المفتاح لا علاقة لها بالخلل في ترقيم كتب السنة؟ فقمت بالكشف عن ذلك والحمد لله في هذا البحث مما جعلني أعتقد بعد الكشف عن حقيقة الأمر بضرورة عدم منح الثقة الكاملة بالكتاب كما وقع في ذلك كثير من طلاب العلم. بل قد تتبعت جذور ذلك أيضا في كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث فخلصت إلى نفس النتيجة، وسوف أنشر ما يتعلق بالمعجم المفهرس في بحث مستقل بعد هذا البحث إن شاء الله تعالى. وإني عندما أقوم بمثل هذا العمل فلا أعني بذلك الطعن والتجريح في واضعي الكتابين، وإنما المراد هو تنبيه طالب الحديث إلى عدم الاقتصار في التخريج على الكتابين وعدم التسليم الكامل لما فيهما لأن العصمة عن الخطأ والزلل ليست إلا للأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. وهذا مع كامل التقدير والاعتراف بفضل هذا العمل الجليل والجهد المشكور لأهله. والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 15001

ضرورة ترقيم كتب السنة ودور صاحب مفتاح كنوز السنة ومحمد فؤاد عبد الباقي في ذلك: إن من أراد فهرسة كتب السنة سواء على طريقة المعاني والمضمون أو على طريقة الألفاظ المشهورة فإنه سيلجأ إلى ترقيم الكتب والأبواب والأحاديث وذلك توفيرا لحجم الفهرسة وتيسير الدلالة على موطن الحديث. إذ لو لم يرقم ذلك لأضطر في العزو إلى ذكر عنوان الكتاب والباب مهما كان طول ترجمته. يضاف إلى ذلك أنه إذا كانت أحاديث الباب كثيرة ففي هذه الحال سيضطر طالب الحديث - عن طريق مثل هذا الفهرس - إلى تتبع أحاديث الباب كله أو بعضه حتى يصل إلى المقصود. بينما لو كانت الكتب والأبواب والأحاديث مرقمة فلا شك أن ذلك سيوفر حجما من الفهرسة نفسها كما يوفر جهدا وطاقة على طالب الحديث حيث إنه يستخرج الحديث بطريق الرقم المتسلسل وهذا أسرع. أما دور صاحب مفتاح كنوز السنة آرنت بان فنسنك في هذا المجال فإنه لما عمد إلى فهرسة كتب السنة عن طريق كتابه مفتاح كنوز السنة ثم كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث قام بترقيم كتب السنة التي اعتمدها في التخريج عن طريق كتابه المفتاح وهي ١٤ كتابا: الصحيحان، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه، مسند الإمام أحمد بن حنبل، موطأ الإمام مالك، سنن الدارمي، مسند أبي داود الطيالسي، سيرة ابن هشام، المغازي للواقدي، الطبقات الكبرى لابن سعد، المسند المنسوب للإمام زيد بن علي. أما مسند الطيالسي فقد اعتمد فيه على طبعة حيدر أباد سنة ١٣٢١هـ وكتاب مسند زيد بن علي على طبعة ميلانو سنة ١٩١٩م وأحاديث الكتابين لها أرقام متسلسلة فأشار إلى أرقامها فيهما.

стр. 15002

واعتمد في مسند الإمام أحمد على طبعة القاهرة سنة ١٣١٣هـ وأحال فيها إلى الجزء والصفحة، وفي طبقات ابن سعد على طبعة ليدن سنة ١٩٠٤م، وفي سيرة ابن هشام على طبعة غوتنغن سنة ١٨٥٩م، وفي مغازي الواقدي على ترجمتها المطبوعة في برلين سنة ١٨٨٢م. وقد أشار إلى أرقام الصفحات في كل منها، ولكثرة الطبعات في باقي الكتب وهي: الستة والموطأ والدارمي اعتمد على أرقام اخترعها لكل واحد منها باصطلاح له أبان عنه في مقدمة كتابه المفتاح وذلك أنه قسم كلا منها ما عدا صحيحي البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك إلى كتب أو مجموعات للأبواب وكل كتاب إلى الأبواب التي ذكرها مؤلفة فيها وجعل لكل كتاب منها رقما متتابعا، ثم لكل باب من كتاب رقما متتابعا أيضا، وأشار إلى مواضع الأحاديث بأرقام الكتب والأبواب إلا في كتاب التفسير من صحيح البخاري وهو المرقوم برقم ٦٥، ومن صحيح مسلم وهو برقم ٥٤، ومن سنن الترمذي وهو برقم ٤٤، فاعتمد على عدد سور القرآن وأشار إلى كل سورة برقمها في موضعها من المصحف. أما صحيح البخاري فإن طبعة ليدن فيها أرقام الكتب والأبواب من عمل مصححها، وأما صحيح مسلم فإنه ليس فيه تراجم للأبواب من عمل مؤلفه بل التراجم التي كتبت على حاشيته من وضع الشراح الذين جاءوا بعده وأهمهم الإمام النووي ﵀. ويوجد في صحيح مسلم كثير من المتابعات وهي الأسانيد التي يروي بها حديثا تأكيدا للإسناد الأول الذي رواه به، فالراوي الثاني يتابع الراوي الذي ذكره قبله في روايته ويؤيده. فرأى صاحب المفتاح أن يعتبر الأحاديث الأصول في الأبواب ويدع الإشارة إلى المتابعات، ورقم الأحاديث الأصول في كل كتاب من كتب صحيح مسلم بأرقام متتابعة يشير إليها في كتابه. وأما موطأ الإمام مالك فإن صاحب المفتاح قسمه إلى كتب لأنه لم يكن مقسما تقسيما واضحا، ثم وضع أرقاما متتابعة للكتب وللأحاديث فقط وترك

стр. 15003

ما لا يحتوي إلا على آراء مالك وغيره من الأئمة لأنها ليست من مقاصد هذا الفهرس. والطبعات التي اعتمد عليها في تقسيم الكتب والأبواب في الكتب الثمانية هي البخاري طبعة ليدن سنة ١٨٦٢م، ١٨٦٨م، ١٩٠٧م، ١٩٠٨م، ومسلم طبعة بولاق ١٢٩٠هـ، والنسائي طبعة القاهرة سنة ١٣١٢هـ، وابن ماجه طبعة القاهرة سنة ١٣١٣هـ، والدارمي طبعة دلهي سنة ١٣٣٧هـ، والموطأ طبعة القاهرة سنة ١٢٧٩هـ (١). اهـ. من كلام الشيخ أحمد شاكر بتصرف يسير. أما دور الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في الترقيم فإنه لما كان ترقيم صاحب المفتاح لكتب السنة باللغة الإنجليزية قام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي بترجمة تلك الأرقام إلى اللغة العربية على نسخ من كتب السنة المطبوعة لتكون مطابقة تماما للأرقام التي اعتمدها صاحب المفتاح. قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: اعلموا أيها الإخوان أن كتابي مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي يتفقان في أن الغرض من وضعهما تيسير الاهتداء إلى الحديث النبوي الشريف في كتاب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والطبقات، ويختلفان في أن الأول منهما مرتب حسب الأغراض والمعاني والموضوعات، ويتناول البحث في أربعة عشر كتابا، وقد وضع بالإنجليزية عام ١٩٢٧م ونقل إلى اللغة العربية، وأن الثاني منهما مرتب حسب الألفاظ وهو يوضع باللغة العربية ويتناول البحث في تسعة كتب من الأربعة عشر وقد ابتدئ في نشره عام ١٩٣٣م فصدر منه إلى الآن ثلاثة أجزاء ويشتغلون الآن في طبع الجزء الرابع وقد وصلوا إلى حرف الثاء، ويتفقان في أنهما يدلان على موضع كل حديث في الصحاح والسنن ببيان رقم الكتاب أو اسمه وبيان رقم الباب.

стр. 15004

ولما كانت هذه الأصول غير معدودة الكتب والأبواب ما عدا صحيح البخاري فقد دعت الحاجة إلى تقسيم كل أصل من الأصول السبعة الباقية إلى كتب ووضع رقم متتابع لكل كتاب منها، ثم تقسيم كل كتاب إلى أبواب، ووضع رقم متتابع لكل باب منها كذلك، اللهم إلا في صحيح مسلم وموطأ مالك، فقد قسم كل كتاب فيها إلى أحاديث ووضع لكل حديث رقم متتابع. هذا ولما كانت طبعات كل أصل من هذه الأصول تختلف فيما بينها في عدد الكتب والأبواب، ولما كان تقسيمها وترقيمها جاء على غير مثال يحتذى فقد نشأت صعوبات جمة لا يمكن تلافيها إلا بنشر فهارس لكل أصل من الأصول الثمانية تكون أرقام كتبها وأبوابها وأحاديثها مطابقة لأرقام كتب وأبواب وأحاديث النسخ الأصلية التي قسمها وعدها واضعو المعجمين المذكورين (١). اهـ. وقال أيضا في مقدمته لكتاب الموطأ بتحقيقه وترقيمه: لما اتجهت نية جماعة المستشرقين إلى وضع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي واختارت لذلك من كتب السنة الكتب الستة مع مسند الدارمي وموطأ مالك، رأت أن الدلالة على موضع الحديث بذكر اسم الكتاب أو الباب أو الحديث من هذه الأصول الثمانية فيه إطالة وإضاعة وقت وإسراف يمكن تحاشيه بالإشارة إلى اسم الكتاب أو الباب أو الحديث برقم يدل على كل منها، لهذا عمدت إلى وضع أرقام مسلسلة لكل كتاب ولكل باب من هذه الأصول وزادت على ذلك بترقيم أحاديث كل كتاب في صحيح مسلم وموطأ مالك. وعلى هذا النظام اعتمد الدكتور أ. ي. ونسنك في كتابه مفتاح كنوز

стр. 15005

السنة الذي أخرجه بالإنجليزية عام ١٩٢٧م ونقلته إلى العربية عام ١٩٣٤م، لهذا رقمت كل كتاب من كتب الموطأ وكل باب وكل حديث من كل باب، بأرقام مسلسلة مطابقة لأرقام النسخة التي اعتمد عليها في العمل في مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث (١). اهـ. فصريح كلامه هذا والذي قبله يدل على أن ترقيمه لكتب وأبواب وأحاديث كتب السنة مطابق تماما للأرقام التي اعتمدها واضعو كتاب مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث، علما أن المطابقة هي الأصل ولولاها لضر ذلك في الانتفاع بالمعجمين. هذا وقد قمت بالمقابلة بين أرقام الكتب والأبواب والأحاديث لكتب السنة الثمانية التي وضعها صاحب المفتاح وذكر فهرسها في مقدمة كتابه وبين الأرقام التي وضعها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي المطابقة لأرقام صاحب المفتاح والتي فهرسها في كتابه تيسير المنفعة، كي يتبين للقارئ مدى التطابق بين الترقيمين الذي تعهده الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. وقد تبين لي التطابق بينهما إلا في النزر اليسير جدا حيث حصل اختلاف يسير بينهما في ترقيم بعض الكتب والأبواب والأحاديث، أما أرقام الكتب فلم يحصل بينهما اختلاف إلا في بعضها من صحيح مسلم فحسب، أما الاختلاف في الأبواب والأحاديث فقد حصل في الكتب الثمانية ما عدا صحيح الإمام البخاري، هذا وسوف أوضح ذلك الاختلاف عن طريق جداول. وقبل أن أذكر الجداول أحب أن أنبه إلى أن الترقيم اختص بالكتب الستة وموطأ الإمام مالك وسنن الدارمي، وكان الترقيم لصحيح مسلم وموطأ مالك قد اختص بالكتب والأحاديث دون الأبواب أما باقي الكتب الثمانية فكان للكتب والأبواب، وقد تقدم تفصيل ذلك.

стр. 15006

(الجداول) (١) صحيح الإمام مسلم: اسم الكتاب ... أحاديث الكتاب عند محمد فؤاد عبد الباقي ثم رقم الصفحة من تيسير المنفعة ... عدد أحاديث الكتاب عند صاحب المفتاح ثم رمز الصفحة الجنائز ... ١٠٧/ ٣٥ ... ١٠٨ - هـ ١٦ النكاح ... ١٤٣/ ٥٥ ... ١١٠ - هـ ١٧ الرضاع (١) ... ٦٣/ ٥٦ ... ١٣٤ - هـ ١٨ الطلاق ... ٦٧/ ٥٨ ... ٣٢ - هـ اللعان ... ٢٠/ ٥٨ ... ١٩ - هـ الفرائض ... ١٨/ ٦٣ ... ٢١ - هـ التوبة ... ٥٩/ ١٠٤ ... ٦٠ - د (٢) موطأ الإمام مالك: اسم الكتاب ... عدد أحاديث الكتاب عند محمد فؤاد عبد الباقي ثم رقم الصفحة من تيسير المنفعة ... عدد أحاديث الكتاب عند صاحب المفتاح ثم رمز الصفحة الصلاة في رمضان ... ٧/ ٧ ... ٦ - ل القبلة ... ١٥/ ١٢ ... ١٤ - ل القرآن ... ٥٠/ ١٤ ... ٤٩ - ل الزكاة ... ٥٦/ ١٧ ... ٥٥ - ل الاعتكاف ... ١٦/ ١٩ ... ١٧ - ل الرضاع ... ١٧/ ٣٥ ... ١٨ - ل الحدود ... ٣٥/ ٤٣ ... ٢٣ - م

стр. 15007

(٣) سنن الإمام أبي داود اسم الكتاب ... عدد أحاديث الكتاب عند محمد فؤاد عبد الباقي ثم رقم الصفحة من تيسير المنفعة ... عدد أحاديث الكتاب عند صاحب المفتاح ثم رمز الصفحة الحروف والقراءات ... ٤٠/ ٣٤ ... ٣٩ - ز (٤) سنن الإمام النسائي: اسم الكتاب ... عدد أحاديث الكتاب عند محمد فؤاد عبد الباقي ثم رقم الصفحة من تيسير المنفعة ... عدد أحاديث الكتاب عند صاحب المفتاح ثم رمز الصفحة الرقى ... ٢/ ٤٢ ... ١ - ط الزينة ... ١٢٣/ ٥٤ ... ١٢٢ - ي (٥) سنن الإمام ابن ماجه: اسم الكتاب ... عدد أحاديث الكتاب عند محمد فؤاد عبد الباقي ثم رقم الصفحة من تيسير المنفعة ... عدد أحاديث الكتاب عند صاحب المفتاح ثم رمز الصفحة أبواب الأذان ... ٧/ ٥ ... ٦ - ي الزكاة ... ٢٨/ ١٤ ... ٢٧ - ي اللباس ... ٤٧/ ٣٠ ... ٣٦ - ك

стр. 15008

(٦) سنن الإمام الدارمي: اسم الكتاب ... عدد أحاديث الكتاب عند محمد فؤاد عبد الباقي ثم رقم الصفحة من تيسير المنفعة ... عدد أحاديث الكتاب عند صاحب المفتاح ثم رمز الصفحة الزكاة ... ٣٨/ ١٠ ... ٣٧ - ك الأطعمة ... ٤٢/ ١٥ ... ٤١ - ك النذور والإيمان ... ١٢/ ١٨ ... ١١ - ك الجهاد ... ٤٠/ ١٩ ... ٣٩ - ك السير ... ٨٣/ ١ ... ٨١ - ك الفرائض ... ٥٦/ ٢٨ ... ٥٥ - ك ولدى النظر في هذه الجداول يظهر أن الاختلاف بين ترقيم صاحب المفتاح وبين ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي كان في التقديم والتأخير بين كتاب الرضاع وكتاب الطلاق من صحيح مسلم مع التصرف زيادة ونقصا في عدد أحاديثهما. كما أن هناك تفاوتا ملحوظا بين عدد الأحاديث في كتاب الحدود من الموطأ، أما باقي الاختلاف فيما بين الترقيمين فقد كان في حديث واحد أو اثنين أو ثلاثة، أو في باب واحد من الأبواب، ويمكن تعليل ذلك كالآتي: أما الاختلاف في تقديم وتأخير كتاب الطلاق والرضاع فإنه ناتج عن اجتهاد أو اختلاف النسخ ولا يضر ذلك إذا لم يحذف من الأحاديث شيء. والواقع هناك تفاوت كبير بين عدد أحاديث النكاح والطلاق والرضاع إذ أن عدد أحاديثها عند صاحب المفتاح: النكاح = ١١٠، الطلاق =٣٢، الرضاع = ١٣٤.

стр. 15009

وعند محمد فؤاد عبد الباقي: النكاح = ١٤٣، الطلاق= ٦٧، الرضاع = ٦٣، وهكذا تفاوت كبير في عدد الأحاديث غير أنه لا يضر وذلك لأنه تبين أن مجموع أحاديث النكاح والطلاق والرضاع عند الطرفين متفق إلا في ثلاثة أحاديث يحتمل أنه قد حصل التفاوت فيها بسبب الاختلاف في أسلوب العد، إذ المجموع عند صاحب المفتاح ٢٧٦ حديثا وعند محمد فؤاد عبد الباقي ٢٧٣ حديثا. فلو اعتبرنا ترتيب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي فيكون صاحب المفتاح قد اجتزأ (٣٣) حديثا من النكاح، وعدده عند الآخر (١٤٣) حديثا وضمها إلى الرضاع، كما اجتزأ من الطلاق (٣٨) حديثا وعدده عند الآخر (٦٧) وضمها إلى الرضاع أيضا، كي يصبح عدد أحاديثه عنده (١٣٤) علما أن عدد أحاديثه عند الآخر (٦٣). وإن اعتبرنا ترتيب وتقسيم صاحب المفتاح فيكون الآخر قد اجتزأ من الرضاع (٣٣) حديثا، وعدد أحاديثه عند صاحب المفتاح (١٣٤) وضمها إلى النكاح، ثم اجتزأ من الرضاع أيضا (٣٨) حديثا وضمها إلى الطلاق. والمهم في المسالة أن عدد الأحاديث لم يتغير عند الطرفين فكان الاختلاف شكليا لا أكثر. أما التفاوت الملحوظ في عدد أحاديث كتاب الحدود من الموطأ فعدد أحاديثه عند صاحب المفتاح (٢٣) حديثا وعند الآخر (٣٥) حديثا ولكن لدى النظر في كتاب المفتاح تبين أن صاحب المفتاح قد عزا إلى أحاديث من كتاب الحدود بعد رقم (٢٣) وهي: ٢٨ (١)، ٢٩ (٢)، ٣٠ (٣)، ٣٤ (٤)، مما

стр. 15010

يدل على أن نقل الرقم من الإنجليزية إلى العربية كان فيه سهو، أو كان خطئا مطبعيا والله أعلم. أما الاختلاف بينهما في حديث أو ثلاثة أو في باب واحد، فإن ذلك يعود إلى الاختلاف في أسلوب العد والاجتهاد فيه في بعض الأحيان لا أكثر فإذا حصل اختلاف في أسلوب العد في كتاب النكاح والرضاع والطلاق - كما سبق بيانه - فلا يبعد أن يطرأ في باب واحد أو حديث واحد، إذ من غير المستبعد أن يضم بابان تقاربت معانيهما تحت باب واحد، أو يفرق باب واحد إلى بابين كذلك. ولعل هذا الاختلاف النسبي والذي حدث عن اجتهاد من محمد فؤاد عبد الباقي هو مما عناه الأستاذ محمد رشيد رضا في تقريظه لكتاب المفتاح، فبعد أن نوه فيه بدور محمد فؤاد عبد الباقي في نقله الكتاب وترقيم أصوله من الإنجليزية إلى العربية حيث قال: تلافى به - محمد فؤاد عبد الباقي - تقصير المؤلف فصحح ما فطن له من الأصل من خطأ بمراجعة تلك الكتب كلها في مظانها بعد وضع الأرقام لما بين يديه من نسخها (١). اهـ. بعد هذا لو أردنا أن نقارن ما اختلف فيه من الأبواب وهي (١٢) بابا بالرقم المتفق عليه وهو حوالي (١٥٠٠٠) باب في كتب السنة الثمانية لأيقنا أن نسبة الاختلاف ضئيلة جدا ولا تذكر نسبتها برقم صحيح. وكذا لو قارنا ما اختلف فيه في عدد الأحاديث وهي في صحيح مسلم (٧) أحاديث بما رقمه صاحب المفتاح من صحيح مسلم وهو يزيد على أربعة آلاف حديث لأيقنا أن (٧) أحاديث إزاء هذا الرقم ليس اختلافا، وهكذا الشان في الموطأ إذ الاختلاف، بينهما في (٦) أحاديث، علما أن مجموع ما رقمه صاحب المفتاح من أحاديث الموطأ يزيد على (١٧٠٠) حديث، هذا مع ملاحظة أن الاختلاف أمر اجتهادي شكلي لا يؤثر على المادة الأصل.

стр. 15011

وإذا علمنا ذلك أيقنا أن المطابقة في الترقيم بين ترقيم صاحب المفتاح وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي هي مطابقة كاملة، وهذا يعني بدوره أننا عندما نعتمد ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي فإننا نعتمد في الحقيقة ترقيم صاحب المفتاح، وإذا كان الأمر كذلك فقول صاحب المفتاح في مقدمة كتابه: إذا لم يجد الباحث طلبته في الباب المدلول عليه بالعدد فليتقدمه بباب أو بابين أو ليتأخر عنه بباب أو بابين فإنه لا بد ظافر بالذي يريد، ومنشأ ذلك اختلاف عدد الأبواب باختلاف الطبعات اللهم إلا في صحيح البخاري إذا ما رقمت نسخته طبق النسخة المطبوعة في ليدن فإنها معدودة الكتب والأبواب (١). اهـ. فهذا القول إنما ينسحب على النسخ التي هي بغير ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي المطابق لترقيم صاحب المفتاح. وينسحب عرضا - لا قصدا من صاحب المفتاح - على يسير الاختلاف الذي حصل بين ترقيم صاحب المفتاح ومحمد فؤاد عبد الباقي والله أعلم.

стр. 15012

تعريف عام بكتاب الموطأ: إن كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس هو كتاب حديث وفقه، جمع فيه بين الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع وما استنبطه هو من فقه من تلك الأحاديث. وكان الإمام مالك متحريا في الرواية منتقيا للرجال أحسن الانتقاء منتقدا للرجال أشد الانتقاد، لذلك جعله أهل الحديث آنذاك مصدرا حديثيا معتمدا عليه في الاحتجاج بأحاديثه من حيث الجملة - مع أن فيه المرسل والبلاغ - حتى ظهر صحيح الإمام البخاري الذي تقدم على الموطأ في الصحة وذلك لأن الإمام البخاري جرد صلب الكتاب من البلاغات والمراسيل وإنما ذكرها في تراجم الأبواب على سبيل الاستشهاد بها لا أكثر، والمعول في كتابه على أحاديث الصلب لا التراجم.

стр. 15013

ومع تقدم صحيح البخاري في الصحة لم يفقد الموطأ تلك المكانة كمصدر من مصادر السنة المشهورة ذات المكانة المرموقة. هذا وقد ضم الموطأ نحوا من (١٨٤٣) حديثا ما بين مرفوع وموقوف ومقطوع وزعها الإمام مالك في الكتب والأبواب التي اجتهد في تصنيفها. وقد بلغ عدد الكتب (٦١) كتابا وعدد الأبواب (٨٠٣) أبواب، وهذه الأبواب لا تخلو من أحاديث مرفوعة أو موقوفة أو مقطوعة. ومن عادة الإمام مالك في الغالب أن يذكر عقب تلك الأحاديث ما استنبطه منها من فقه، ولكن هناك ما يقرب من ١٠٠ باب خلت أصلا من أي حديث وإنما خصها الإمام مالك لفقهه. كما أن من عادة الإمام مالك حينما يذكر فقهه يستدل لذلك بعمل أهل المدينة قائلا: " وهذا أحسن ما سمعت من أهل العلم " أو " وهذا عليه العمل عندنا "، وما أشبه ذلك، وهذا الجانب يزيد على ٣٠٠ موطن في الكتاب. بعد هذا العرض يتبين لنا أن الذي يهم طالب الحديث من الموطأ هو ما أخرجه الإمام مالك من الحديث لا ما ذكره من فقهه ولا ما احتج به من عمل أهل المدينة. هذا وسوف يظهر للقارئ هل نهج صاحب مفتاح كنوز السنة وصانعو المعجم المفهرس على تخريج أحاديث الكتاب فحسب، أم أنهم أدخلوا في التخريج ما ليس من موضوعه؟

стр. 15014

منهج كتاب مفتاح كنوز السنة: صدر كتاب مفتاح كنوز السنة للأستاذ آرنت يان ونسنك سنة

стр. 15015

١٩٢٧ م باللغة الإنجليزية، ونقله إلى العربية الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي سنة ١٩٣٤ (١)، ومنهج الكتاب يتضح بالتالي: أولا: إن صاحب الكتاب عول في فهرسة الأحاديث على كتب السنة الآتية وهي: الكتب الستة، مسند الإمام أحمد، موطأ الإمام مالك، مسند أبي داود الطيالسي، سنن الدارمي، سيرة ابن هشام، مغازي الواقدي، طبقات ابن سعد، المسند المنسوب لزيد بن علي (٢). ثانيا: لم يذكر كل حديث من أحاديث الكتب المذكورة للإحالة إلى مواطنها في الكتب المذكورة ولو فعل ذلك لجاء كتابه ضعف كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ولكنه نظر في أصول تلك الأحاديث التي يجمعها باب واحد فصاغ لها معنى عاما يمكن أن ينطوي تحته أحاديث متعددة فأثبته في المفتاح ثم جعل يشير إلى أماكن وجود تلك الأحاديث التي انطوت تحته في كتب السنة السالفة الذكر، كما رتب تلك المعاني العامة على حروف المعجم. قال الشيخ أحمد شاكر في تعريفه بكتاب مفتاح كنوز السنة: وقد رتب الأستاذ ونسنك كتابه على المعاني والمسائل العلمية والأعلام التاريخية وقسم كل معنى أو ترجمة إلى الموضوعات التفصيلية المتعلقة بذلك ثم رتب عناوين الكتاب على حروف المعجم، واجتهد في جمع ما يتعلق بكل مسالة من الأحاديث والآثار الواردة في هذه الكتب (٣) ٠ اهـ. وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: اعلموا أيها الإخوان أن كتابي مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث يتفقان في أن الغرض من

стр. 15016

وضعهما تيسير الاهتداء إلى الحديث النبوي الشريف في كتاب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والطبقات ويختلفان في أن الأول منهما مرتب حسب الأغراض والمعاني والموضوعات، وأن الثاني منهما مرتب حسب الألفاظ (١). اهـ. بتصرف يسير. ثالثا: وضع صاحب الكتاب أرقاما متسلسلة للكتب والأبواب، وأرقاما متسلسلة للأحاديث في كتاب صحيح مسلم والموطأ، أما باقي الكتب التي اعتمدها في الفهرسة فرقم كتبها وأبوابها فقط، وقد تقدم توضيح ذلك والدليل عليه مفصلا (٢). لذلك يعزو كتاب مفتاح كنوز السنة إلى أرقام الكتب والأحاديث من الموطأ وصحيح مسلم أما باقي الكتب فإنه يعزو إلى أرقام الكتب والأبواب. ولا يفوتني أن أنبه إلى أن واضعي المعجم المفهرس لألفاظ الحديث اعتمدوا ترقيم صاحب المفتاح في عملهم وقد نص على ذلك أحد المشاركين في عمل المعجم المفهرس وهو الأستاذ يان يوست ويتكام الذي صنع فهرس المعجم المفهرس وهو المجلد الثامن يقول: إن نفس الجذاذات التي استخدمت كأساس في تأليف المفتاح استخدمت في تأليف المعجم على السواء (٣). اهـ. بتصرف يسير. وسوف يأتي مزيد إيضاح لذلك إن شاء الله في بحثي: بعض ما يلاحظ على كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.

стр. 15017

الدليل على أن كتاب مفتاح كنوز السنة لم يستوعب جميع أحاديث الكتب التي اعتمدها في التخريج: لا شك أن المقصود من ترقيم أحاديث كتب السنة هو معرفة مجموع الأحاديث الواردة في تلك الكتب أولا. وثانيا: تيسير استخراج تلك الأحاديث من أماكن وجودها في تلك الكتب عن طريق الفهارس الحديثية. وأن كتاب الموطأ بما اشتمل عليه من أحاديث مرفوعة وموقوفة ومقطوعة وفقه الإمام مالك فالمقصود من ترقيمه هو الحصول على الفائدتين المذكورتين آنفا، ويتم ذلك عن طريق ترقيم أحاديثه فقط طالما كان عمل الفهارس من أجل تيسير استخراج الأحاديث من الموطأ لا استخراج فقه الإمام مالك. وأنه لدى النظر في ترقيم صاحب المفتاح للموطأ تبين أن المقصود الأول من ترقيم الأحاديث -وهو معرفة مجموع أحاديث الكتاب- غير حاصل مطلقا وذلك لأنه أهمل من الترقيم ٨٧ أثرا، أربعة منها مرفوعة والباقي بين الموقوف والمقطوع. أما الفائدة الثانية من الترقيم فإنها محققة فيما عدا الـ ٨٧ أثرا المهملة وأن صاحب المفتاح معذور في إهماله لهذا الكم من الآثار لأنه يتفق مع منهجه، لأنه لما كانت طريقته في الفهرسة على المعاني فإنه يكتفي عندئذ ولو بترقيم حديث واحد من أحاديث متعددة كلها تتفق في أصل المعنى وتحت باب واحد وخاصة إذا كانت القصة واحدة، فإذا عزا إلى ذلك الحديث المرقم فتدخل عندئذ باقي الأحاديث التي لم يرقمها في التخريج تبعا. غير أنه لا يعذر في إهماله لبعض الآثار التي تنتظم معنى وبابا مستقلا كما لا يعذر في إدخاله في حلقات التخريج فقه الإمام مالك. هذا ولمزيد من التثبت من أنه لم يذكر في المفتاح جميع الآثار المهملة من

стр. 15018

الترقيم فقد قمت بالتفتيش عنها في كتاب المفتاح فلم أجد لها ذكرا. بعد هذا فعلى طالب الحديث أن يقلص من نسبة اليقين باستيعاب كتاب المفتاح لجميع أحاديث الموطأ. وسأذكر مواطن تلك الآثار المهملة من الترقيم، ثم أذكر عقب ذلك الآثار التي أهملها ولا يعذر في إهمالها.

стр. 15019

الآثار التي أهملها صاحب المفتاح من الترقيم من كتاب الموطأ: بما أن ذكر تلك الآثار يطول؛ لذلك سوف أقتصر على ذكر اسم الكتاب والباب ورقم الصفحة التي ورد فيها الأثر. الآثار المرفوعة صفحة ١ - كتاب الصلاة، باب ما جاء في التامين خلف الإمام ٨٧ ٢ - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ١٤٥ ٣ - الجنائز، باب جامع الجنائز ٢٤٢ ٤ - الرؤيا، باب ما جاء في الرؤيا ٩٥٦ ٥ - كتاب الطهارة، باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة ٢٢ ٦ - كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار ٢٦ ٧ - كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة ٧٧ ٨ - كتاب الصلاة، باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته ٩٦ ٩ - كتاب الجمعة، باب الهيئة وتخطى الرقاب واستقبال الإمام يوم الجمعة ١١٠ الآثار الموقوفة: ١٠ - كتاب الصلاة في رمضان، باب ما جاء في قيام رمضان ١١٦ ١١ - كتاب صلاة الجماعة، باب ما جاء في العتمة والصبح ١٣٢ ١٢ - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ما يجب فيه قصر الصلاة ١٤٧

стр. 15020

١٣ - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة المسافر إذا كان إماما أو كان وراء الإمام ١٤٩ ١٤ - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة النافلة في السفر بالنهار والليل والصلاة على الدابة ١٥١ ١٥ - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الرخصة في المرور بين يدي المصلي ١٥٦ ١٦ - كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة ١٧٣ ١٧ - كتاب صلاة العيدين، باب ترك الصلاة قبل العيدين وبعدهما ١٨١ ١٨ - كتاب الزكاة، باب النهي عن التضييق على الناس في الصدقة ٢٦٧ ١٩ - كتاب الصوم، باب من أجمع الصيام قبل الفجر ٢٨٨ ٢٠ - كتاب الحج، باب قطع التلبية في العمرة ٣٤٣ ٢١ - كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أحصر بغير عدو ٢٦٢ ٢٢ - كتاب الحج، باب العمل في الهدي حين يساق ٣٧٩ ٢٣ - كتاب الحج، باب العمل في الهدي حين يساق (أثر آخر) ٣٧٩ ٢٤ - كتاب الحج، باب العمل في الهدي حين يساق (أثر آخر) ٣٧٩ ٢٥ - كتاب الحج، باب العمل في الهدي إذا عطب أو ضل ٣٨١ ٢٦ - كتاب الحج، باب العمل في الهدي إذا عطب أو ضل (أثر آخر) ٣٨١ ٢٧ - كتاب الحج، باب صيام التمتع ٤٢٦ ٢٨ - كتاب الأيمان والنذور، باب العمل في كفارة اليمين ٤٧٩ ٢٩ - كتاب الطلاق، باب عدة التي تفقد زوجها ٥٧٦ ٣٠ - كتاب الطلاق، باب يمين الرجل بطلاق ما لم ينكح ٥٨٥ ٣١ - كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل ٥٩٢ ٣٢ - كتاب الحدود، باب الحد في القذف والنفي والتعريض ٨٢٩ ٣٣ - كتاب العقول، باب ما جاء في عقل الشجاج ٨٥٩ ٣٤ - كتاب العقول، باب جامع عقل الأسنان ٨٦١
следующие страницы →