← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 15086–15125 · переход к 15091.

стр. 15086

للعالمين، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، بعثه معلما ومرشدا وهاديا إلى طريق النجاة، معلما لهم كل ما فيه صلاحهم ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وجعله خاتم الأنبياء. ليس بعده نبي ولا رسول، ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر، بإجماع أهل العلم والإيمان، فمن ادعى أنه نبي أو أنه أوحي إليه بشيء كالقاديانية فهو كافر بالله، ضال مضل، مرتد عن دين الإسلام، إذا كان يدعي الإسلام، فهو ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). وقد تواترت عنه ﵊ الأحاديث الصحيحة، بأنه خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، فالواجب على جميع الثقلين اتباعه، والاستقامة على دينه، والتفقه في ذلك، والسير على ذلك حتى الموت، وهذه العبادة التي خلقوا لها، لا بد أن يتفقهوا فيها، ولا بد أن يعرفوها بالأدلة من الكتاب والسنة، فهم خلقوا ليعبدوا الله، وتفسير هذه العبادة يؤخذ عن الله، وعن رسوله ﷺ . وقد فسرها الله في كتابه العظيم، وفسرها نبينا ﵊، فأصلها توحيد الله والإخلاص له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣). هذا أصل هذه العبادة، فأصلها توحيد الله وتخصيصه بالعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) وبهذا أنزلت الكتب جميعها من الله ، لبيان هذه العبادة، كما قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٥) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦).

стр. 15087

فالكتب المنزلة من السماء، وآخرها القرآن، كلها تدعو إلى توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه. والرسل كلهم جميعا كذلك يدعون إلى توحيد الله وطاعة أوامره، وترك نواهيه، واتباع شريعته والحذر مما نهى عنه . فعلى جميع المكلفين من إنس وجن، وعرب وعجم، ورجال ونساء، عليهم جميعا أن يعبدوا الله وحده وأن ينقادوا لما جاء به نبيه محمد ﷺ ، قولا وعملا، فعلا وتركا. فأصل الدين وأساسه هو شهادة أن لا إله ألا الله. وأن محمدا رسول الله. وهذا هو أصل هذه العبادة وأساسها، أن يعبد الله وحده. دون كل ما سواه: بالدعاء والرجاء والخوف، والنذر والذبح، وسائر العبادات، كما قال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٧). فالعبادة حق الله لا تصلح لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لصنم ولا لجن ولا لوثن، ولا غير ذلك، بل هو حق الله عليك أن تعبده وحده بدعائك ورجائك، وخوفك وذبحك ونذرك وصلاتك، وصومك وحجك وصدقاتك، وغير ذلك، لأنه سبحانه هو المعبود بالحق، وما سواه معبود

стр. 15088

بالباطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) وكان العرب وغيرهم من الأمم، إلا من رحم الله، وهم قليل حين بعث محمد ﷺ ، كانوا على الشرك بالله، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء. ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة على صورة فلان وفلان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد النجوم، ويستغيث بها، وينذر لها إلى غير ذلك. فبعث الله هذا النبي العظيم، ﷺ ، يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم من هذا الشرك الوخيم، فقام بذلك أكمل قيام ﵊. ودعا إلى الله وأرشد إلى دينه جل وعلا، الذي رضيه للناس، وعلم الناس توحيد الله.

стр. 15089

مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، يدعو فيها إلى توحيد الله والإخلاص لله، وترك عبادة ما سواه جل وعلا. ويعد مضي عشر سنين فرض الله عليه الصلوات الخمس، قبل أن يهاجر أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء، وتجاوز السماوات السبع جميعا، ورفع إلى مستوى فوق ذلك ﵊، وكلمه الله جل وعلا، وأوحى إليه الصلوات الخمس، فنزل بها ﵊، وعلمها الناس، وقام بها المسلمون في مكة، ثم هاجر ﵊ إلى المدينة وفرض الله عليه بقية أمور الدين من زكاة وصيام وحج وغير ذلك. فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، والحكام والمحكومين، والأغنياء والفقراء، الواجب عليهم جميعا في وقته، وبعد وقته، وفي وقتنا هذا وإلى يوم القيامة، الواجب على

стр. 15090

الجميع أن يعبدوا الله وحده، وأن ينقادوا لشرعه، وأن يتبعوا ما جاء به نبيه محمد ﷺ ، قولا وعملا، وعقيدة. هذا واجب الجميع نحو دينهم، يجب عليهم أن يعبدوا الله ويطيعوا أوامره ويتركوا نواهيه، فالعبادة هي طاعة الأوامر إخلاصا لله ومحبة له وتعظيما له، من صلاة وزكاة وحج، وبر بالوالدين، وصلة للرحم، وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وصدق في الحديث، وغير هذا مع ترك كل ما حرم الله من الشرك بالله، وهو أعظم الذنوب، فالشرك الذي هو صرف العبادة، أو بعضها لغير الله أعظم الذنوب، وهو الشرك الأكبر: كدعاء الملائكة أو الأنبياء، أو الجن أو أصحاب القبور فيستغيث بهم " أو ينذر لهم، أو يذبح لهم، وهذا ينافي قول لا إله إلا الله. فإن قول لا إله إلا الله، معناها لا معبود بحق إلا الله، وهي كلمة التوحيد، وهي أصل الدين وأساس الملة، فدعاء الأموات والأصنام وغيرهم. والاستغاثة بهم، والنذر لهم ينقض هذه الكلمة وينافيها. وهو الشرك الأكبر، والذي يأتي الأموات ويدعوهم، ويستغيث بهم، وينذر لهم أو يسألهم النصر على الأعداء، أو شفاء المرضى، أو يدعو الملائكة أو الرسل، أو يدعو الجن ويستغيث بهم، أو ينذر لهم ويذبح لهم، كل هذا من الشرك بالله، وكل هذا يناقض قول: لا إله إلا الله، ويخالف قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) ويناقض قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢). وبهذا يعلم كل مسلم أن ما يفعله بعض الجهال عند بعض القبور، فيأتي إلى القبر، ويقول يا سيدي فلان اشف مرضي، أو انصرني على عدوي، أو أنت تعلم ما نحن فيه انصرنا، أو ما أشبه ذلك.

стр. 15091

هذا من الشرك الأكبر، وهذا هو دين الجاهلية، نسأل الله السلامة والعافية. ولا بد أيضا مع توحيد الله، والإخلاص له، والحذر من الكفر به، لا بد من الشهادة بأن محمدا رسول الله. هاتان الشهادتان هما أصل الدين، وأساس الملة. فعلى كل مكلف أن يؤمن بأن محمدا رسول الله، هو عبده ورسوله إلى الثقلين الإنس والجن، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني، أرسله الله حقا إلى جميع الثقلين يجب الإيمان به بالقلب واللسان والعمل، فيؤمن المكلف بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي، هو رسول الله حقا إلى جميع الناس، وهو خاتم الأنبياء، إيمانا صادقا، لا نفاق فيه، ويحققه بالعمل بطاعة الأوامر، وترك النواهي، بطاعة أوامر الله من صلاة وزكاة، وصوم وحج وغير ذلك، وترك محارم الله من الشرك بالله، والزنا والسرقة، وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، إلى غير ذلك مما حرم الله، تحقق هاتين الشهادتين يا عبد الله، بطاعة الأوامر، وترك النواهي هذا حق الله عليك أيها العبد، أما حق الرسول عليك، فعليك أن تعبد الله وحده بطاعة الأوامر، وترك النواهي والإيمان بأنه ربك، وإلهك الحق، وأنه إله الجميع، وأنه سبحانه خالق الكون. ومصرف أحوال الجميع، وأنه ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلا، كل هذا داخل في الإيمان بالله وحده، فهو سبحانه رب الجميع وخالقهم ومصرف أحوال العباد فهو سبحانه: الخلاق الرزاق مدبر الأمور، مصرف الأشياء، ليس للعباد خالق سواه، ولا مدبر سواه، فهو النافع الضار، المانع المعطي، الخالق لكل شيء، القادر على كل شيء، الرزاق للعباد، بيده تصريف الأمور كلها، . وهذا يسمى توحيد الربوبية، وهو وحده لا يدخل في الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإيمان بأنه هو المستحق للعبادة، فلا يستحقها سواه، وهذا هو

стр. 15092

معنى لا اله إلا الله. أي لا معبود حق إلا الله. وهذا هو توحيد العبادة، وهو تخصيصه سبحانه بالعبادة، وإفراده بها من دعاء وخوف، ورجاء وتوكل، وصلاة وصوم. وغير ذلك، مع الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأنه سبحانه هو الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا كفؤ له . وهذا هو توحيد الأسماء والصفات كما تقدم. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥). فعلى جميع المكلفين من الثقلين، الإيمان بأسماء الله وصفاته الواردة في القرآن الكريم، كالعزيز الحكيم، والسميع والبصير، والخلاق والرزاق، والرحمن الرحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته ، وعلى الجميع أيضا الإيمان بما ثبت في السنة، سنة النبي ﷺ ، من أسماء الله " وصفاته، ثم إمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تأويل، ولا زيادة ولا نقصان، بل نؤمن بها ونقرها ونمرها كما جاءت "، لا نحرف ولا نغير، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نئول شيئا من صفات الله، بل هي حق كلها يجب إثباتها لله، على الوجه اللائق بالله، مع الإيمان القطعي بأنه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا، كما أنه لا يشبههم في ذاته، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهو الذي أجمعت عليه الرسل، ونزلت به الكتب، التي أعظمها وأكملها القرآن الكريم، وهو الحق لا ريب فيه، فعليك يا عبد الله أن تؤمن

стр. 15093

به. وأن تعض عليه بالنواجذ ولا بد مع هذا كله، من الإيمان بالرسول محمد ﷺ واتباعه، مع الإيمان بجميع المرسلين، ولا بد أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله، من الملائكة والكتب، وأمر الجنة والنار، والبعث والنشور، والحساب والجزاء، وعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بالقدر خيره وشره. لا بد من الإيمان بهذا كله من جميع المكلفين من الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، والعرب والعجم، والأغنياء والفقراء، والحكام والمحكومين، والجن والإنس، على الجميع الإيمان بكل ما أخبر الله به، ورسوله. هذا واجبهم نحو دينهم، وواجب عليهم جميعا أن يؤمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان في الدنيا من الرسل الماضين من آدم ومن بعده من الرسل، وما جاءوا به من الهدى، وأن الله جل وعلا بعثهم لدعوة الناس إلى الخير والهدى والتوحيد، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة عليهم الصلاة والسلام، ولا بد من الإيمان أيضا بكل ما مضى من أخبار الماضين، مما جرى على قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم ممن قص الله علينا أخبارهم. فعليك يا عبد الله أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله. في كتابه العزيز، وفيما جاءت به سنة رسوله ﷺ ، لا بد من هذا الإيمان، ومن ذلك الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، كما تقدم فإن القبر إما روضة من رياض الجنة للمؤمن، أو حفرة من حفر النار للكافر. أما العاصي فهو على خطر، وقد يناله في قبره ما شاء الله من العذاب، إلا من رحم الله، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه مر على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أما

стр. 15094

أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من البول (١)». الحديث. ومعنى لا يستتر من البول، أي لا يتنزه منه كما جاء ذلك في رواية أخرى. فعذبا في قبريهما بهاتين المعصيتين، وهذا عذاب معجل. وهذا الحديث يبين لنا أن أمر المعاصي خطير، وأن الواجب على المؤمن أن يستقيم على دين الله، قولا وعملا وعقيدة، وأن يحافظ على ما أوجب الله عليه، وأن يحذر ما نهى الله عنه ، وأن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ، ومن ذلك ما يتعلق بأحوال القبر، وأحوال الناس في قبورهم، فالقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار. والميت أول ما يوضع في قبره يسأله ملكان عن ربه، وعن دينه وعن نبيه. فالمؤمن يثبته الله فيقول: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي، لأنه كان ثابتا في الدنيا على الحق، قبل أن يموت، فكان بصيرا بدينه، ثابتا عليه، فلهذا يثبته الله في القبر، وأما الكافر والمنافق إذا سئل فإنه يقول: هاه هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه الإنسان لصعق. وهكذا يحاسبهم الله، ويجازيهم بأعمالهم. فالناس يبعثون ويجازون بأعمالهم بعد قيام الساعة، وقد دل الكتاب والسنة على أن إسرافيل ﵇، ينفخ في الصور، فيموت الناس الموجودون، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى بعد ذلك، فيبعثهم الله، ويقومون من قبورهم، ومن كل مكان من البحار وغيرها، ويجمعهم الله ويجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. هذا حق لا ريب فيه، فلا بد من الإيمان بهذا كله، والإعداد له العدة الصالحة، بتوحيد الله وطاعته، واتباع شريعته، والحذر من معصيته ثم بعد هذا المحشر والقيام بين يدي رب العالمين، ومجازاة الناس بأعمالهم، جنهم وإنسهم ينصب الله الموازين، ويزن بها أعمال العباد، فهذا يرجح ميزانه وهو السعيد، وهذا يخف ميزانه وهو

стр. 15095

الهالك، وهذا يعطى كتابه بيمينه وهو السعيد، وهذا يعطى كتابه بشماله وهو الشقي، نسأل الله السلامة والعافية. فهذا المقام العظيم. وهذا الأمر الجلل، لا بد من أن نستحضره، وأن نعد له عدته، فيوم القيامة يوم عظيم، وهو يوم الأهوال والشدائد، ومقداره خمسون ألف سنة، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (٣) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٤). فلا بد من الإعداد لهذا اليوم، والإيمان بأنه حق. فعليك يا عبد الله أن تعد له العدة الصالحة، بتوحيد الله وطاعته، واتباع شريعته، وتعظيم أمره، واجتناب نهيه، والتعاون على البر والتقوى مع إخوانك المسلمين، والتواصي بالحق والصبر عليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل، إلى غير ذلك من وجوه الخير والنصح. فعليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله، العناية بهذا الأمر والإعداد له، وعلى الجميع أن يتقوا الله، ويطيعوا أمره، ويتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يعلموا الجاهل، ويرشدوا الضال، وينصحوا لله، ولعباده، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، كما قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) ويقول سبحانه وبحمده:

стр. 15096

﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) ويقول ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).

стр. 15097

و المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة رؤية حقيقية ، يكلمهم سبحانه، ويريهم وجهه الكريم. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة: أجمع أهل السنة والجماعة، على أن الله سبحانه يراه المؤمنون يوم القيامة، يريهم وجهه الكريم جل وعلا، ويحجب عنه الكفار، كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١). فالمؤمنون يرونه سبحانه، والكفار محجوبون عنه، هذه الرؤية العظيمة آمن بها أهل السنة والجماعة، وأجمعوا عليها. وهكذا في الجنة يراه المؤمنون، وذلك أعلى نعيمهم، كما قال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢). فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ، مع ما يزيدهم الله به من الخير والنعيم المقيم، الذي فوق ما يخطر ببالهم. وقال : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٣) ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٤) ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٥). وقال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٦) ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٧). فالمؤمنون يرون الله سبحانه في القيامة، وفي الجنة رؤية عظيمة حقيقية. لكن من دون إحاطة لأنه سبحانه أجل وأعظم من أن تحيط به الأبصار من خلقه، كما قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٨)، والمعنى أنها لا تحيط به، لأن الإدراك أخص والرؤية أعم، كما قال تعالى في قصة موسى وفرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٩) فأوضح سبحانه، أن الترائي

стр. 15098

غير الإدراك وقال جمع من السلف. في تفسير الآية المذكورة، منهم عائشة ﵂: إن المراد أنهم لا يرونه في الدنيا. وعلى كلا القولين، فليس فيها حجة لمن أنكر الرؤية من أهل البدع لأن الآيات القرآنية الأخرى، التي سبق بيانها مع الأحاديث الصحيحة المتواترة كلها قد دلت على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفي الجنة. وأجمع على ذلك الصحابة ﵃، وأتباعهم من أهل السنة وشذت الجهمية والمعتزلة والأباضية فأنكروها، وقولهم من أبطل الباطل، ومن أضل الضلال، نسأل الله العافية والسلامة مما ابتلاهم به، ونسأل الله لنا وللموجودين منهم الهداية والرجوع إلى الحق. وصح عن النبي ﷺ أنه يقول: «يقول الله جل وعلا يوم القيامة، لأهل الجنة: هل تريدون شيئا أزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ألم تبيض وجوهنا، ألم تثقل موازيننا، ألم تدخلنا الجنة، ألم تنجنا من النار. فيقول الله سبحانه: إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيكشف لهم الحجاب عن وجهه الكريم، فيرونه ، رؤية حقيقية وذلك أعلى نعيمهم، وأحب شيء إليهم (١)»، جعلنا الله وإياكم منهم. وقد أجمع أهل الحق من أهل السنة والجماعة على هذه الرؤية، كما تقدم، وقد حكى ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري في كتابه: مقالات الإسلاميين، وحكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكر إجماع أهل السنة على ذلك. وذكر أن جمهور أهل السنة يكفرون من أنكر هذه الرؤية. فجمهور أهل السنة والجماعة، يرون أن من أنكر هذه الرؤية فهو كافر، نسأل الله السلامة والعافية. أما في الدنيا فإنه سبحانه لا يرى فيها، فالرؤية نعيم عظيم، والدنيا ليست دار نعيم، ولكنها دار ابتلاء وامتحان، ودار عمل. فلهذا ادخر الله سبحانه رؤيته، ادخرها لعباده في الدار الآخرة. حتى النبي ﷺ لم ير ربه في

стр. 15099

الدنيا عند جمهور العلماء، كما سئل عن ذلك فقال: «رأيت نورا (١)» فلم ير ﵊ ربه يقظة. وقال ﵊: «اعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت (٢)» أخرجه مسلم في صحيحه. فليس أحد يرى ربه في الدنيا أبدا، لا الأنبياء ولا غيرهم، وإنما يرى في الآخرة . فعلى المسلم أن يؤمن بهذا. وبكل ما جاء به النبي ﷺ ، وأن الجنة حق والنار حق، وأن أهل الإيمان يدخلون الجنة، ويرون ربهم سبحانه في القيامة، وفي الجنة، كما يشاء سبحانه، وأن الكفار يصيرون إلى النار مخلدين فيها، نعوذ بالله من ذلك. وأنهم عن ربهم محجوبون لا يرونه لا في القيامة ولا في غيرها. بل هم عن الله محجوبون لكفرهم وضلالهم. وأما العاصي فهو على خطر، لكنه مآله إلى الجنة وإن دخل النار بسبب معصيته فإنه لا يخلد فيها، بل يخرج منها فيصير إلى الجنة، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ وأجمع عليه أهل السنة، خلافا للخوارج ومن تابعهم. وأما المسلم الموحد العاصي فهو على خطر من دخول النار بمعاصيه، ومن تعذيبه في القبر بمعاصيه كما تقدم. ولكنه مصيره إلى الجنة بعد ذلك وإن دخل النار، وإن جرى عليه بعض العذاب. فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن العصاة لا يخلدون في النار، خلافا للخوارج والمعتزلة، ومن سار على نهجهم. فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن العاصي الموحد، المؤمن لا يخلد في النار، بل هو تحت مشيئة الله كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) الآية فإن شاء الله عفا عنه ودخل مع إخوانه في الجنة، من أول وهلة، وإن لم يعف عنه صار إلى النار، وعذب فيها على قدر معاصيه، ثم بعد التعذيب

стр. 15100

والتطهير يصير إلى الجنة كما تواترت بذلك الأحاديث. عن رسول الله ﷺ . هكذا قال أهل السنة والجماعة، وقد يعذب العاصي في قبره، وقد يعذب في النار، لأنه مات على الزنى، أو على شرب الخمر، أو على عقوق الوالدين، أو على الربا، أو على غير ذلك من الكبائر إن لم يعف الله عنه، وقد أخبر الله سبحانه في الآية السابقة، أن الشرك لا يغفر لمن مات عليه، كما أخبر الله سبحانه في آية أخرى، أن من مات عليه فله النار، والعياذ بالله، مخلدا فيها. لا يغفر له. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٢). وأما العاصي فهو تحت مشيئة الله، إن شاء ربنا غفر له، وعفا عنه، فضلا منه وجودا، وكرما بسبب أعماله الصالحة، أو بشفاعة الشفعاء، أو بمجرد فضله وإحسانه بدون شفاعة أحد، أو بأسباب أخرى من أعمال صالحة تكون سببا لعفو الله، إلى غير ذلك من الأسباب هذا إذا لم يتب. أما من تاب فإن الله جل وعلا يلحقه بإخوانه المؤمنين، من أول وهلة فضلا منه وإحسانا. ومن تمام حق الله عليك يا عبد الله في هذه الدار أن تعتني بصلاتك، وتحافظ عليها في جماعة مع إخوانك المسلمين، وأن تبتعد عن مشابهة المنافقين المتكاسلين عنها، الذين ذمهم الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).

стр. 15101

و من حق الله عليك أن تؤدي الزكاة ، زكاة مالك بكل عناية، طيبة بها نفسك، وأن تصوم رمضان كما أمرك الله، وأن تحج البيت مرة واحدة في

стр. 15102

العمر، لأن الله سبحانه أوجب عليك ذلك، مع الاستطاعة، وأن تؤدي ما أوجب الله عليك من بر والديك، وصلة أرحامك، وصدق الحديث، وأداء الأمانة والجهاد في سبيل الله، إذا تيسر ذلك بالنفس وبالمال واللسان وأنتم الآن عندكم جهاد. جهاد إخوانكم الأفغان للشرك بالله والشيوعية، هؤلاء الإخوان المجاهدون لهم حق عليكم أن تساعدوهم بالنفس والمال واللسان، فهم مجاهدون للشرك والإلحاد والشيوعية، فنوصيكم جميعا بمساعدتهم بالنفس والمال واللسان، ومن قال: إنه لا يساعد إلا فلانا منهم، أو فلانا فقد غلط وأخطأ، بل الواجب أن يساعد الجميع حتى يفتح الله عليهم، ويمكنهم من عدوهم، ومن جملتهم الشيخ جميل الرحمن، وفقهم الله جميعا، ونصرهم على عدوهم. فكلهم مستحقون للمساعدة، وكلهم يجب أن يساعد، وكلهم بحمد الله على جهاد شرعي. وجهاد إسلامي. وما قد يقع من بعضهم من الخطأ والغلط يعالج بالتي هي أحسن، فكل بني آدم خطاء، فإذا وقع الخطأ والغلط من بعض القادة أو غيرهم، ينبه إلى خطئه، وليس أحد منهم معصوما، بل يجب أن يبين له ما قد أخطأ فيه، ويوجه إلى الخير، ويجب أن يعان الجميع على البر والتقوى، وأن يجاهد مع الجميع بالنفس والمال واللسان، لأن جهادهم جهاد عظيم، وجهاد شرعي لأكفر دولة، وأخبثها. وهكذا إخواننا في فلسطين لهم حق على جميع الدول الإسلامية وأغنياء المسلمين أن يساعدوهم في جهادهم، وأن يقوموا حتى يتخلصوا من عدو الله اليهود. فاليهود شرهم عظيم، وبلاؤهم كبير، وقد آذوا إخواننا المسلمين في فلسطين، فالواجب على الدول الإسلامية، وعلى جميع المسلمين القادرين، أن يساعدوهم في جهاد أعداء الله من اليهود، حتى يحكم الله بينهم وبين المسلمين، وهو خير الحاكمين، وذلك بنصر الله لهم على اليهود، وإخراجهم من بلاد المسلمين، أو الصلح بينهم وبين دولة فلسطين. صلحا ينفع

стр. 15103

المسلمين، ويحصل به للفلسطينيين، إقامة دولتهم، وقرارهم في بلادهم، وسلامتهم من الأذى والظلم، فيجب على الدول الإسلامية أن تقوم بهذا الأمر حسب الطاقة والإمكان. وأما بقاؤهم في حرب مع اليهود، وفي أذى عظيم، وضرر كبير على رجالهم ونسائهم وأطفالهم، فهذا لا يسوغ شرعا، بل يجب على الدول الإسلامية والأغنياء والمسئولين من المسلمين أن يبذلوا جهودهم ووسعهم في جهاد أعداء الله اليهود، أو فيما يتيسر من الصلح، إن لم يتيسر الجهاد، صلحا عادلا، يحصل به للفلسطينيين إقامة دولتهم على أرضهم، وسلامتهم من الأذى من عدو الله اليهود، مثلما صالح النبي ﷺ أهل مكة. وأهل مكة ذلك الوقت أكثر من اليهود لأن المشركين الوثنيين أكفر من أهل الكتاب، فقد أباح الله طعام أهل الكتاب، والمحصنات من نسائهم، ولم يبح طعام الكفار من المشركين، ولا نساءهم وصالحهم النبي ﷺ على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس. ويكف بعضهم عن بعض، وكان في هذا الصلح خير عظيم للمسلمين، وإن كان فيه غضاضة عليهم بعض الشيء، لكن رضيه النبي ﷺ للمصلحة العامة. فإذا لم يتيسر الاستيلاء على الكفرة، والقضاء عليهم، فالصلح جائز لمصلحة المسلمين، وأمنهم وإعطائهم بعض حقوقهم. وهذا أمر مطلوب، وقد علم في الأصول المعتبرة، أن ما لا يدرك كله، لا يترك جله، ولهذا صالحهم ﷺ عشر سنين، على وضع الحرب. وصبر على بعض الغضاضة في ذلك، لمصلحة المسلمين وأمنهم، حتى يتصلوا بالنبي ﷺ ، وحتى يسمعوا القرآن. ولهذا كان صلحا عظيما، وفتحا مبينا، نفع الله به، وصار الناس يتصلون بالنبي ﷺ وبالصحابة ودخل بسبب هذا الصلح جمع غفير، وأمم كثيرة في الإسلام، دخلوا في دين الله، وتركوا الكفر بالله ، فعلى جميع

стр. 15104

المسلمين أيضا، أن يتعاونوا على البر والتقوى، ويتواصوا بالحق والصبر عليه، ويتعلموا دينهم ويتفقهوا فيه، حتى يكونوا على بصيرة بجهادهم، وسلمهم وصلحهم وحربهم.

стр. 15105

هكذا يجب على المسلمين أن يتعلموا فالإنسان ما خلق عالما، بل خلق جاهلا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). فالواجب على الجميع من الرجال والنساء التعلم والتفقه في الدين، من طريق المكاتبة، ومن طريق سماع المقالات العلمية في إذاعة القرآن الكريم، وغيرها، ومن برنامج نور على الدرب، فهو برنامج مفيد عظيم. وهو يذاع كل ليلة مرتين في نداء الإسلام، وفي إذاعة القرآن الكريم، وهذا البرنامج له فائدته العظيمة، وكذلك سماع المواعظ والمحاضرات التي تذاع في إذاعة القرآن الكريم وغيرها. وكذا العناية بخطب الجمعة، والاستفادة منها ومن المحاضرات والندوات التي يقوم بها العلماء، وحضور حلقات العلم والاستفادة منها. وهذا واجب على الجميع، على الرجال والنساء أن يتعلموا ويتفقهوا في دينهم، لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٢)». فخيار الناس أهل القرآن الذين يتعلمونه ويعلمونه الناس ويعملون به. وقال ﷺ في الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين (٣)» وهذا يدل على أن الذي لا يتفقه في الدين، ما أراد الله به خيرا. نسأل الله العافية. فالواجب التعلم والتفقه في الدين، على الرجال والنساء، قال ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٤)».

стр. 15106

فأوصيكم جميعا أيها الأخوة من الرجال والنساء، وأوصي جميع من تبلغه هذه الكلمة أن يتقي الله، وأن يتعلم ويتفقه في الدين، وأن يعتني بكتاب الله القرآن الكريم، وأن يكثر من تلاوته، ويحفظ ما تيسر منه، فإنه كتاب الله، فيه الهدى والنور، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣). ويقول جل وعلا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٤). ويقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥). فالوصية للجميع العناية بالقرآن الكريم، والإكثار من تلاوته، وتدبر معانيه، والسؤال عما أشكل عليك، وإذا كنت طالب علم، وهكذا المرأة إذا كانت طالبة علم، فعلى كل منهما أن يطالع ويراجع كتب التفسير فيما أشكل عليه، كتفسير ابن كثير، والبغوي وغيرهما من كتب التفسير المعروفة التي تذكر الأدلة. فعلى طالب العلم من الرجال والنساء. أن يتأمل ويتدبر ويتفقه ويتعلم، وهكذا العامة عليهم أن يسألوا، ويسمعوا خطب الجمعة والمحاضرات، والندوات ونور على الدرب، الذي يسره الله في كل ليلة، ففيه سؤالات وأجوبة مهمة تفيد من يسمعها إذا قصد الفائدة. أما التهاون والإعراض فهذا من عمل الكفار. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (٧)، فالواجب التعلم

стр. 15107

والتفقه في الدين، وسؤال أهل العلم عما أشكل. وهذا كتاب الله بين أيدينا فيه الهدى النور. وهكذا سنة الرسول ﷺ بين أيدينا، تدل على الحق وترشد إليه، وتبين ما قد يخفى من كتاب الله ، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). والعلماء موجودون بحمد الله، نسأل الله أن يبارك فيهم، ويعينهم على أداء الواجب، ويكثرهم ويمنحهم التوفيق، ويوفقهم لكل خير، ويعينهم على ما ينفع الأمة في دينها ودنياها إنه جواد كريم. وقد أخذ الله الميثاق بذلك، وعلى الناس أن يتعلموا ويتبصروا، ويسألوا ولا يستحيوا من طلب العلم، فإن الله لا يستحي من الحق، فأم سليم امرأة أبي طلحة ﵂ قالت والناس يسمعون: «يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق. فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟. فقال النبي ﷺ : نعم إذا هي رأت الماء (٢)»، يعني المني. فإذا احتلم الرجل أو المرأة في النوم في الليل أو النهار فعليهما الغسل إذا رأيا المني. فإذا لم يريا المني فلا غسل عليها. وهكذا إذا قبل زوجته، أو نظر إليها، أو تفكر وأنزل المني عليه الغسل، وهكذا المرأة إذا قبلت زوجها، أو نظرت إليه أو تفكرت، ثم أنزلت المني فعليها الغسل. فالتعلم والتفقه في الدين من أهم الواجبات. ولا سيما في عصرنا هذا عصر الغربة وقلة العلم والعلماء. فالواجب التعلم والتفقه في الدين لقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٣)» متفق على صحته.

стр. 15108

ومما يبشر بالخير أن في كل مكان بحمد الله، يقظة عظيمة، وصحوة ظاهرة، ورغبة في التعلم والتفقه في الدين، في هذه البلاد وفي أوروبا وفي

стр. 15109

أمريكا وفي آسيا وفي أفريقيا. ففي كل بحمد الله حركة إسلامية، أو نشاط إسلامي، نسأل الله أن يسدد رأيهم، وأن يعينهم على كل خير، ونسأل الله أن يصلح القائمين على كل نشاط إسلامي، كما نسأله تعالى أن يمنحهم القادة الصالحين، والعلماء الموفقين، حتى يقودوا هذه الحركات الطيبة إلى الهدى وإلى الأمام، على الوجه الذي يرضي الله . وعلى كل منا أن يعتني بهذا الأمر، ويساهم فيه بقدر طاقته في تعليم الناس وتوجيههم إلى الخير بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن والإخلاص لله ، وعلى كل منا أن ينصح لله ولعباده عملا بقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (١)» رواه مسلم في صحيحه. فكل واحد منا من الرجال والنساء عليه النصيحة لله، ولعباده، ومن النصيحة لله وللعباد تعليم الجاهل، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالحكمة والكلام الطيب، والأسلوب الحسن، لا بالعنف والشدة، إلا من ظلم كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢). والظالم المعتدي له شأن آخر من جهة ولاة الأمور، لكن أنت أيها الناصح تدعو إلى الله بالتي هي أحسن، فتعلم وتوجه، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بالحكمة والكلام الطيب، وبالأسلوب الحسن، عملا بالآية السابقة، وبقوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤) الآية.

стр. 15110

ومن النصيحة لله ولعباده الدعاء لولاة أمور المسلمين، وحكامهم بالتوفيق والهداية والصلاح في النية والعمل، وأن يمنحهم الله البطانة الصالحة، التي تعينهم على الخير، وتذكرهم به. وهذا حق على كل مسلم في كل مكان، في هذه البلاد وفي غيرها، الدعوة لولاة الأمر بالتوفيق والهداية، وحسن الاستقامة، وصلاح البطانة، وأن يعينهم الله على كل خير، وأن يسدد خطاهم ويمنحهم التوفيق لما فيه صلاح العباد والبلاد. فكل مسلم يدعو لولاة أمور المسلمين بأن يصلحهم الله وأن يردهم للصواب، وأن يهديهم. لما يرضيه سبحانه هكذا يجب عليك يا عبد الله أن تدعو لولاة الأمور، بأن يهديهم الله ويردهم للصواب، إذا كانوا على غير الهدى، تدعو الله لهم بالهداية والصلاح، حتى يستقيموا على أمر الله، وحتى يحكموا شريعة الله ففي تحكيم شريعة الله صلاح الجميع في كل مكان، وفي تحكيم شريعة الله، واتباع كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، صلاح الدنيا والآخرة، لأن الله إذا عرف من عبده نية صالحة وعزيمة صادقة، سدد رأيه وأعانه على كل عمل يرضيه، في أي مكان لأن في اتباع الشريعة، وتعظيم أمر الله ورسوله صلاح أمر الدنيا والآخرة. فكل مسلم في دولته عليه أن يسأل الله لها التوفيق والهداية، وينصح لها، ويعينها على الخير، ويسأل الله لها التوفيق والسداد، ولا يسأم ولا يضعف عليه أن يستعمل الحكمة والأسلوب الحسن، والكلام الطيب، لعل الله يجعله مباركا في دعوته ونصيحته، فيكون سببا لهداية من أراد الله له الهداية، من أمير أو حاكم أو غيرهما، ممن له شأن في الأمة، لأن هداية المسئول وهداية من له شأن في الأمة، ينفع الله بها العباد والبلاد ويقتدي به الكثير من الأمة، يقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١)». وصح عنه ﷺ أنه قال لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢)». .

стр. 15111

وهذه نعمة عظيمة، لا تتم إلا بالصدق والإخلاص والصبر، والحذر من الأسلوب الشديد العنيف، الذي ينفر الناس من الحق، ويسبب الفتن والشرور، بل على الداعي إلى الله، والناصح لدين الله أن يتحرى الأساليب المناسبة التي تعين على قبول الحق، وعلى الرضا به وتنفيذه، وعلى المسلم أيضا أن يجتهد فيما يصلح دنياه، كما يجتهد في صلاح دينه، وصلاح أهل بيته، فأهل البيت لهم حق عليك كبير، بأن تجتهد في إصلاحهم وتوجيههم إلى الخير، لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١). فعليك أن تجتهد في إصلاح أهل بيتك، وهم زوجتك وأولادك الذكور والإناث، وإخوانك فجميع أهل البيت تجتهد في تعليمهم وتوجيههم وإرشادهم وتحذيرهم مما حرم الله، لأنك مسئول عنهم لقول النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٢)» فالإمام راع ومسئول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ثم قال ﷺ : «ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣)». فعلينا أن نجتهد في صلاحهم، من جهة الإخلاص لله في جميع الأعمال، والصدق في متابعة رسول الله ﷺ ، والإيمان به، ومن جهة الصلاة وغيرها مما أمر الله به سبحانه، ومن جهة البعد عن محارم الله. فعلى كل واحد من الرجال والنساء النصح في أداء ما يجب عليه، المرأة عليها أن تجتهد. والرجل كذلك، إذ صلاح البيوت من أهم الأمور، قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٤) وقال سبحانه عن نبيه إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٥) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٦).

стр. 15112

فينبغي التأسي بالأنبياء والأخيار، والعناية بأهل البيت، لا تغفل عنهم يا عبد الله، من زوجة أو أم، أو أب أو جد، أو جدة أو إخوة، أو أولاد. عليك أن تجتهد في صلاحهم، وأن تأمر بنيك وبناتك بالصلاة لسبع، وتضربهم عليها لعشر ضربا خفيفا يعينهم على طاعة الله، ويعودهم أداء الصلاة في وقتها حتى يستقيموا على دين الله ويعرفوا الحق كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ . فكل واحد منا عليه ذلك الدور، وكل امرأة عليها ذلك، فعلى المرأة والرجل جميعا التعاون على البر والتقوى في صلاح البيوت، وتحذير الأولاد مما يضرهم، فيعلمون ما أوجب الله عليهم ذكورا وإناثا، وينهون عما حرم الله عليهم، كالتخلف عن الصلوات، وشرب المسكر، وتعاطي المخدرات والتدخين، وحلق اللحى أو تقصيرها، وإسبال الثياب، والنميمة والغيبة، وسماع الأغاني والملاهي، وغير ذلك من المعاصي. هذا مما يجب عليك نحو ولدك وأختك، وغيرهما من أهل البيت. فالتعاون واجب على البر والتقوى، لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١). ويقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤). هؤلاء الرابحون من الرجال والنساء في سابق الزمان، وفي الزمان الحاضر، وفيما يأتي من الزمان، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا، ثم نفذوا الإيمان وحققوه بالأعمال الصالحة، بفعل ما أوجب الله، وترك ما حرم الله، ثم تواصوا بالحق، فدعوا إلى الله، وعلموا الناس وأرشدوهم وتواصوا بالصبر. هؤلاء هم الناجون، وهم الرابحون وهم السعداء في الدنيا والآخرة،

стр. 15113

وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١)، يعني أنهم أحبة فيما بينهم، لا يغتاب بعضهم بعضا، ولا ينم بعضهم على بعض، ولا يخونه في الأمانة، ولا يؤذيه ولا يظلمه، ولا يشهد عليه بالزور، إلى غير ذلك من الأعمال والأقوال، التي تنافي الولاية والمحبة. فهم إخوة أحباب. متعاونون على كل خير ثم قال سبحانه وبحمده: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، والمعنى أنهم لا يسكتون عن إنكار المنكر، ولا يداهنون بل كل منهم يأمر أخاه بالمعروف، وينهاه عن المنكر، بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، ثم قال سبحانه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣). هكذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات، هذا شأنهم، يستقيمون على دين الله، ويتباعدون عن محارم الله، ويقفون عند حدود الله، ويرشدون الناس إلى الخير، وينصحونهم بعبارات حسنة، وأسلوب جيد، مع الإخلاص لله، والصبر والمصابرة. وهكذا المؤمن يسعى في أمور دنياه، لا يكون كلا على الناس، يكتسب الكسب الحلال، ويبيع ويشتري، ويفعل كل ما يصلح أمر دنياه، فيتخذ المزرعة، كما كان الأنصار ﵃، ويبيع ويشتري كما كان المهاجرون ﵃، لا يكون عالة على الآخرين يسألهم ويشق عليهم، بل يجتهد في أن يغنيه الله عن الناس يتعاطى الأسباب المشروعة، والكسب الحلال، ويجتهد في طلب الرزق بالطرق المباحة والشرعية، من بيع وشراء، وزراعة وحرفة أخرى مباحة، كالحدادة والنجارة والخرازة والخياطة، أو يشتغل عند الناس في مزارعهم وفي بنائهم، وفي غير ذلك من الأعمال المباحة، فيستخدم هذا الجسم الذي أنعم الله عليه به في طاعة الله ورسوله، وفي كسب الحلال الذي يغنيه الله به عن الناس، ويشرع له أن يتعاطى الأدوية المباحة، التي يعينه الله بها على بقاء صحته وسلامة جوارحه.

стр. 15114

الخلاصة: أن المشروع للمسلم أن يفعل الأسباب المباحة التي تنفعه في دنياه وأخراه، وفي صحة بدنه، وفي كسب الحلال، وترك الحرام، وفي الاستغناء عن الناس لقول النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير (١)». ثم قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان (٢)» رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقال ﷺ : «ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده (٣)». رواه البخاري في الصحيح. وسئل ﷺ : «أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور (٤)» أخرجه البزار وصححه الحاكم. فأنت يا عبد الله اجتهد في طلب الرزق، واكتسب الحلال واستغن عن الحاجة إلى الناس، وسؤالهم وعليك بالكسب الحلال، الطيب البعيد عن الغش والخيانة والكذب، واكتسب المباح بالصدق وأداء الأمانة سواء كان ذلك في بيع وشراء أو تجارة أو حدادة أو خرازة أو كتابة أو بناء أو غير ذلك من الأعمال المباحة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٥)» متفق على صحته. أسأل الله بأسمائه الحسنى أن يوفقنا وسائر المسلمين لما يرضيه، وأن يرزق الجميع الاستقامة على الحق، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين لكل ما فيه رضاه، ولكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، ويجعلهم هداة مهتدين، صالحين مصلحين، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده، وإلزام

стр. 15115

الشعوب بها، وأن يعيذهم من نزغات الشيطان، ومضلات الفتن إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يوفق المسلمين في كل مكان للفقه في الدين، والاستقامة عليه، والتعاون على البر والتقوى، وأن يعيننا وإخواننا المسلمين على كل ما فيه رضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 15116

حكم استعمال المياه النجسة إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: بناء على ما تقرر في الدورة الثانية لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض في النصف الثاني من ربيع الأول سنة ١٣٩٦ هـ من إعداد بحث في حكم استعمال المياه النجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على تمهيد في بيان معنى الاستحالة، وإيضاح هذا المعنى بكلام أهل العلم في حكم استحالة النجس إلى طاهر، بالإحراق أو غيره وهل تطهر الخمر بالاستحالة، ثم بيان كلام أهل العلم في حكم استعمال المياه المتنجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها. وبالله التوفيق. أولا: التمهيد: (أ) معنى الاستحالة لغة: جاء في معنى حال: كل شيء تغير عن الاستواء إلى العوج فقد حال في معنى واستحال وهو مستحيل (١). ومعناها اصطلاحا انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى (٢).

стр. 15117

(ب) استحالة النجس إلى حقيقة أخرى بالإحراق أو غيره هل تكسبه الطهارة: اختلف أهل العلم في ذلك فذهب قوم إلى القول بالطهارة، وممن قال

стр. 15118

بذلك أبو حنيفة ومحمد وأكثر الحنفية والمالكية، وسواء عندهم ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه، ووافقهم الشافعية في النجس لمعنى فيه، كجلد الميتة. وأما الحنابلة فمنهم من يقول بالطهارة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الظاهرية، وفيما يلي ذكر نصوصهم في ذلك وأدلتهم مع المناقشة. جاء في البحر الرائق: من الأمور التي يكون بها التطهير انقلاب العين - ومضى إلى أن قال - وإن كان في غيره - أي الخسر - كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا يؤكل، والسرجين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر عند محمد (١). وقال أيضا وضم إلى محمد أبا حنيفة في المحيط وكثير من المشائخ اختاروا قول محمد، وفي الخلاصة وعليه الفتوى وفي فتح القدير أنه المختار (٢). والمالكية يذهبون إلى أن ما استحال إلى صلاح فهو طاهر وأن ما استحال إلى فساد كان نجسا، جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه من الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا، لاستحالته إلى الصلاح (٣). ثم جاء في موضع آخر إذا تغير القيء، وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة، كان نجسا وعلة نجاسته الاستحالة إلى فساد، فإن لم يتغير كان طاهرا (٤). واعتبر المالكية كذلك أن المسك طاهر، ففي الحطاب الحكم بطهارة المسك؛ لأنها استحالة عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلى صفات وإلى اسم يختص به، وطهرت بذلك، كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم، فيكون طاهرا. انتهى (٥). وفرق الشافعية بين ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه؛ فأما الأشياء

стр. 15119

النجسة لمعنى فيها فإنها طاهرة قال في المهذب: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان أحدهما جلد الميتة إذا دبغ والثاني الخمر (١). وقال ابن قدامة: ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة (٢). وقال المرداوي: وعنه بل تطهر وهي مخرجة من الخمرة إذا انقلبت بنفسها خرجها المجد واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق؛ فحيوان متولد من نجاسة، كدود الجروح والقروح وصراصير الكنيف، طاهر نص عليه (٣) انتهى المقصود. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا في الملاحة، أو صارت رمادا، أو صارت - الميتة والدم والصديد ترابا كتراب المقبرة فهذا فيه خلاف - وبعد ذكره للخلاف قال: والصواب أن ذلك كله طاهر؛ إذ لم يبق شيء من النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها (٤). وقال ابن حزم: إذ استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا ذلك الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر (٥). وقال أيضا إذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر (٦). واستدل لذلك بالكتاب والسنة والاستقراء والمعنى؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٧) وجه الدلالة أن هذه الأشياء، بعد استحالتها وزوال أوصاف النجاسة عنها صارت - طيبة، فهي طاهرة، وقد يعارض ذلك بأن القول بأنها طيبة، وهو محل النزاع، ولا يصح الاستدلال بمحل الخلاف، وقد يجاب عن ذلك بأن العبرة بالواقع لا بالدعوى، وواقعها أنها طيبة، فيسلم الدليل. وأما السنة فما ورد من الأدلة في

стр. 15120

طهارة المسك وجلود الميتة مأكولة اللحم بعد الدبغ ونحو ذلك من الأدلة. وأما الاستقراء فقد ذكره شيخ الإسلام فقال بعد كلام سبق الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس، مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا، وكذلك بيضها ولبنها، والزرع المستسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر، وغير ذلك، فإنه يزول حكم التنجس، ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه؛ فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق، ولا التفات إلى موادها وعناصرها، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان؛ كإحراق الروث، حتى يصير رمادا، ووضع الخنزير في الملاحة، حتى يصير ملحا ففيه خلاف مشهور، وللقول بالتطهير اتجاه انتهى المقصود (١). وقد سبق أنه يختار القول بالطهارة. وأما المعنى فقد جاء في فتح القدير أن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل؟! فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح عليه (٢) انتهى المقصود. القول الثاني: أن استحالة النجس وزوال أعراض النجاسة عنه وتبدلها بأوصاف طيبة لا تصيره طاهرا، وممن قال بهذا القول أبو يوسف، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو قول الشافعي فيما كان نجسا نجاسة عينية. وإحدى الروايتين في مذهب أحمد وهي المقدمة، جاء في فتح القدير أن أبا يوسف يرى أن الأشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفي التنجيس اختار قول أبي يوسف، كذا قال: خشبة أصابها بول فاحترقت، ودفع رمادها في بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة والحمار إذا مات في مملحة لا يؤكل الملح، هذا قول أبي يوسف (٣) انتهى.

стр. 15121

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أحد قولي أصحاب مالك (١). وقال الشيرازي: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا شيئان أحدهما جلد الميتة إذا دبغ، والثاني الخمر - ثم قال صاحب المهذب: وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (٢) وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (٣). وقال المرداوي على قول ابن قدامة، ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة. قال: هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (٤). واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة، فتبقى النجاسة من وجه، فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (٥) وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستها - أي العذرة والسرجين - لعينهما (٦) وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة، فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا وصديدا (٧).

стр. 15122

(ج) هل تطهر الخمر بالاستحالة: اتفق أهل العلم - فيما نعلم - على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة، قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها، وصارت خلا أنها تطهر (١) وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من يقول بطهارتها، ومنهم من يقول بنجاستها، وممن قال بأنها طاهرة الحنفية والمالكية وابن حزم ومن وافقهم جاء في بداية المبتدي وشرحها

стр. 15123

الهداية: وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها ولا يكره تخليلها (١) وفي الحطاب: ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيها كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقي فيه (٢) وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر وخللت فالخل حلال (٣). واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى أما السنة فقوله ﷺ : «نعم الإدام الخل (٤)» رواه مسلم والأربعة من حديث جابر. وجه الدلالة أنه ﷺ عم ولم يخص. وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا قال: لا (٥)». أخرجه مسلم. وعن أنس أن أبا طلحة «سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال: أهرقها. قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا (٦)». ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها، والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قصدا، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا، وأما الدليل من جهة المعنى فقد جاء في البداية وشرحها، أنه بالتخليل يزول الوصف المفسد، وتثبت صفة الصلاح، من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه، وبالدباغ والأقرياب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل، وذلك لما فيه من احترام حال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به. وقد يجاب عن ذلك بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص، ولا اجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم «سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (٧)» الحديث وقد سبق (٨). القول الثاني: أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة وممن قال بهذا

стр. 15124

الشافعية والحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، قد جاء في المهذب وإن خللت بخل، أو ملح لم تطهر (١). وقال ابن قدامة (وإن خللت لم تطهر)، وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب (٢). وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٣)، واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى؛ أما السنة فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أنا أبا طلحة «سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها. فقال أفلا أخللها قال: لا (٤)». . وجه الدلالة أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز. وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام، كما ورد ذلك في سؤر الكلب، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان وتقطيع الزقاق رواه الطبراني في معجمه: حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة قال: «قلت: يا رسول الله، إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري. فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان (٥)». انتهى. ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في مسنده: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن حمزة بن حبيب، عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة» وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد؛ ليكون أبلغ في الردع انتهى بواسطة الزيلعي (٦). ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمله على التغليظ على خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يدل عليه ذلك، فإن وجد، وإلا فالأصل بقاء

стр. 15125

دلالة الحديث على التحريم (١) كما سبق. وأما الأثر فقول عمر ﵁: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري خل خمر أهل الكتاب ما لم يعلموا أنهم تعمدوا إفسادها انتهى. استدل به شيخ الإسلام وذكر أنه صحيح (٢). وأما المعنى فقال شيخ الإسلام: إن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة (٣).
следующие страницы →