وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أحد قولي أصحاب مالك (١).
وقال الشيرازي: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا شيئان أحدهما جلد الميتة إذا دبغ، والثاني الخمر - ثم قال صاحب المهذب: وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (٢) وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (٣).
وقال المرداوي على قول ابن قدامة، ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة. قال: هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (٤).
واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة، فتبقى النجاسة من وجه، فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (٥) وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستها - أي العذرة والسرجين - لعينهما (٦) وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة، فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا وصديدا (٧).
стр. 15122
(ج) هل تطهر الخمر بالاستحالة:
اتفق أهل العلم - فيما نعلم - على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة، قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها، وصارت خلا أنها تطهر (١) وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من يقول بطهارتها، ومنهم من يقول بنجاستها، وممن قال بأنها طاهرة الحنفية والمالكية وابن حزم ومن وافقهم جاء في بداية المبتدي وشرحها
стр. 15123
الهداية: وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها ولا يكره تخليلها (١) وفي الحطاب: ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيها كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقي فيه (٢) وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر وخللت فالخل حلال (٣).
واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى أما السنة فقوله ﷺ : «نعم الإدام الخل (٤)» رواه مسلم والأربعة من حديث جابر. وجه الدلالة أنه ﷺ عم ولم يخص.
وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا قال: لا (٥)». أخرجه مسلم. وعن أنس أن أبا طلحة «سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال: أهرقها. قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا (٦)».
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها، والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قصدا، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا، وأما الدليل من جهة المعنى فقد جاء في البداية وشرحها، أنه بالتخليل يزول الوصف المفسد، وتثبت صفة الصلاح، من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه، وبالدباغ والأقرياب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل، وذلك لما فيه من احترام حال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به.
وقد يجاب عن ذلك بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص، ولا اجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم «سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا (٧)» الحديث وقد سبق (٨).
القول الثاني: أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة وممن قال بهذا
стр. 15124
الشافعية والحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، قد جاء في المهذب وإن خللت بخل، أو ملح لم تطهر (١).
وقال ابن قدامة (وإن خللت لم تطهر)، وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب (٢).
وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٣)، واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى؛ أما السنة فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أنا أبا طلحة «سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها. فقال أفلا أخللها قال: لا (٤)». .
وجه الدلالة أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز.
وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام، كما ورد ذلك في سؤر الكلب، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان وتقطيع الزقاق رواه الطبراني في معجمه: حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة قال: «قلت: يا رسول الله، إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري. فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان (٥)». انتهى.
ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في مسنده: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن حمزة بن حبيب، عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة» وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد؛ ليكون أبلغ في الردع انتهى بواسطة الزيلعي (٦).
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن حمله على التغليظ على خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يدل عليه ذلك، فإن وجد، وإلا فالأصل بقاء
стр. 15125
دلالة الحديث على التحريم (١) كما سبق.
وأما الأثر فقول عمر ﵁: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري خل خمر أهل الكتاب ما لم يعلموا أنهم تعمدوا إفسادها انتهى. استدل به شيخ الإسلام وذكر أنه صحيح (٢).
وأما المعنى فقال شيخ الإسلام: إن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة (٣).
стр. 15126
ثانيا: استحالة المياه المتنجسة بسبب اختلاف أسبابها:
استحالة المياه المتنجسة قد تكون بصب ماء طهور عليها، أو نزح بعضه، أو زوال التغير بنفسه، وقد تكون برمي تراب ونحوه فيها، وقد تكون بسقي النباتات بها وشرب الحيوانات إياها، وقد تكون بتبخيره وتقطيره مثلا.
وفيما يلي الكلام على كل نوع:
أ - استحالة المياه المتنجسة بصب ماء طهور عليها، أو نزح بعضه، أو زوال التغير بنفسه - نذكر فيما يلي طريقة كل مذهب إجمالا، ثم نتبعها بالتفصيل؛ نظرا لاختلافهم من حيث الجملة في طريقة التطهير؛ فالحنفية يرون أن نزح مقدار من ماء البئر المتنجس مطهر لما بقي من الماء، لكن يختلف مقدار ما ينزح لتحصل به الطهارة للباقي اختلاف نوع النجاسة واختلاف أحوالها. وأما المالكية فإذا زال تغيره بمكاثرة ما لمادة فيه، أو بإدخال ماء آخر طهر، وإن زال بنفسه ففي الإرشاد الظاهر عودة إلى أصله، وقيل إن زال بالنقص المجرد فقولان أيضا.
وأما الشافعية فإنهم يقسمون الماء ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون أكثر من القلتين، والثاني أن يكون قلتين، والثالث أن يكون دون القلتين؛ فإن كان أكثر من قلتين فإنه يطهر بطرق ثلاثة: إضافة ماء إليه يزول به التغير، وهذا متفق عليه،
стр. 15127
أو بأخذ بعضه حتى يزول التغير، بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين، وهذا بلا خلاف أيضا، أو بزوال التغير بنفسه بطلوع الشمس والريح، أو بدور الزمان، وهذا هو المذهب.
وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكر، إلا بأخذ بعضه؛ فإنه لا يطهر محل اتفاق. وإن كان دون القلتين وكاثره بماء حتى بلغ قلتين طهر بلا خلاف عندهم.
وأما الحنابلة فهم كالشافعية في تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، فإن كان أكثر من قلتين وهو غير متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان متغيرا بها طهر بالمكاثرة، وبنزح كثير يزول معه التغير، ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا، وبزوال التغير بمكثه.
وإن كان قلتين وهو متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان متغيرا بها طهر بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير، أو بتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه، وإن كان دون القلتين وهو متغير طهر بالمكاثرة بقلتين طاهرتين يزول بهما التغير، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة.
أما طريقتهم تفصيلا فهي كما يلي:
стр. 15128
١ - طريقة الحنفية:
جاء في بداية المبتدي وشرحها: وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت، وكذا نزح ما فيها طهارة لها بإجماع السلف، ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس. وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين، بحسب كبر الدلو وصغرها، يعني بعد إخراج الفأرة؛ لحديث أنس ﵁ أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر، وأخرجت من ساعتها: نزح منها عشرون دلوا، والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة فأخذت حكمها، والعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب.
فإن ماتت فيها حمامة ونحوها كالدجاجة والسنور نزح ما بين أربعين دلوا إلى ستين، وفي الجامع الصغير أربعون أو خمسون وهو الأظهر؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال في الدجاجة: إذا ماتت في
стр. 15129
البئر نزح منها أربعون دلوا وهذا لبيان الإيجاب، والخمسون بطريق الاستحباب، ثم المعتبر في كل بئر دلوها الذي يستقى به منها، وقيل: دلو يسع فيها صاعا، ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز لحصول المقصود، وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمي نزح جميع ما فيها من الماء؛ لأن ابن عباس وابن الزبير ﵄ أفتيا بنزح الماء كله، حين مات زنجي في بئر زمزم، فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر؛ لانتشار البلة في أجزاء الماء.
وإن كانت البئر معينا لا يمكن نزحها: أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وطريقة معرفته أن تحفر حفرة مثل موضع الماء من البئر، ويصب فيها ما ينزح منها إلى أن تمتلئ، أو ترسل فيها قصبة، ويجعل المبلغ الماء علامة، ثم ينزح منه عشر دلاء مثلا، ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص؟ فينزح لكل قدر منها عشر دلاء، وهذان عند أبي يوسف ﵀، وعند محمد ﵀ نزح مائتي دلو إلى ثلاثمائة، فكأنه بنى قوله على ما شاهد في بلده، وعند أبي حنيفة ﵀ في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر القلة بشيء كما هو دأبه، وقيل: يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء، وهذا تشبه بالفقه.
стр. 15130
٢ - طريقة المالكية:
قال الشيخ خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق، فأستحسن الطهورية، وعدمها أرجح.
وقد شرح الحطاب ذلك فقال: يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره فلا يخلو إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه، أم لا؛ فالأول طهور باتفاق قاله في التوضيح، وذلك كالبئر ينزح منها حتى يزول التغير، وكالصهريج
стр. 15131
يتغير بميتة فيترك حتى يكثر ماؤه بمطر ونحوه، وقد جهل أبو محمد بعضهم في قوله في ماجل قليل الماء وقعت فيه فأرة، يطيق حتى يكثر ماؤه ثم يشرب، قال: فإن فعل شرب، وتجهيله في تأخير طرحه.
والثاني: إما أن يكون بإلقاء شيء فيه غير الماء، ولم يذكره المصنف وسيأتي حكمه، أو من نفسه فلا شيء، ومنه ما إذا نزع من الماء الذي لا مادة له بعضه، فزال تغيره، فذكر المصنف تبعا لابن الحاجب وابن شاس وابن بشير وغيرهم في طهوريته قولان: استحسن بعض الشيوخ القول بالطهورية، ورجح ابن يونس عدم الطهورية، فاعترض عليه ابن غازي فيما ذكره عن ابن يونس وفي التوضيح بأنه لم يوجد في كلامه إلا الكلام على حكم زوال النجاسة إذا زال عينها بالماء المضاف وسيأتي، وذكر ابن مرزوق في شرحه على المختصر نحو ذلك، وقال ما معناه: إن المصنف حمل كلام ابن يونس على نفس ما نحن فيه، فهو وهم، وإن أراد أن يقيسه عليه فبعيد، وقد رأيت كلام ابن مرزوق شرح المفصلين الأولين من المختصر، وفيه نحو ما ذكره ابن غازي، وقال ابن غازي: لم يعرفه ذلك الإمام ابن عرفة من نقل ابن يونس ولا غيره ممن قبل ابن بشير.
فقال: وقول ابن بشير في طهورية النجس يزول تغيره بلا نزح قولان، لا أعرفه فبقي وجدان القولين معا في المذهب، وإن كان لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود، ولا يلتفت لما حكى أبو زيد القابسي من رد بعضهم على ابن عرفة بقول ابن يونس، لا أن الراد مقلد لخليل في نقله كالشارح، نعم أغفل ابن عرفة ما ذكر ابن رشد في رسم القسمة من سماع عيسى، وذكر بعض كلام ابن رشد، ولنأت بأكثر مما يتضح به المقصود.
قال: وسئل ابن وهب عن الجب من ماء السماء تموت فيه الدابة، وننشق والماء كثير لم يتغير منه، إلا ما كان قريبا منها. فلما أخرجت وحرك الماء ذهبت الرائحة هل يتوضأ به ويشرب؟ قال: إذا خرجت الميتة، فلينزح منه حتى يذهب دسمها والرائحة واللون إن كان به لون، إذا كان الماء كثيرا على ما وصفت طاب إذا فعل ذلك به.
قال ابن القاسم: الأخير فيه، ولم أسمع مالكا رخص فيه قط، ابن رشد قول ابن وهب وهو الصحيح على أصل مذهب مالك الذي رواه المدنيون عنه أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه على ما جاء عنه ﵊ في بئر
стр. 15132
بضاعة وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك في جباب تحفر بالمغرب، فتسقط فيها الميتة، فيتغير لون الماء وريحه، ثم يطيب بعد ذلك، أنه لا بأس به. انتهى.
فظهر وجود القولين: أحدهما قول ابن القاسم فيما نزح بعضه، فأحرى إذا لم ينزح منه شيء؛ لأنه لما لم يعتبر ذهاب التغير مع النزح كان عدم اعتباره مع عدم النزح أولى؛ بناء على أن المعتبر مخالطة المغير فيجب بقاء حكمه، وإن زال التغير.
والثاني رواية ابن وهب وابن أبي أويس، وقد صححه ابن رشد، وهو الذي ارتضاه صاحب الطراز وشيخه أبو بكر الطرطوش، بضم الطاءين وبينهما راء، قال الطراز: ولقد عاينت في صهريج دار الشيخ أبي بكر هرا قد انتفخ وتزلع، وتغير منه ريح الماء وطمعه ولونه، فنزع الهر وترك الصهريج حتى ينزح، فأقام شهرا، ثم رفع منه الماء؛ فإذا هو سالم الأوصاف فشرب ذلك الماء في داره، وفيها ما يزيد على سبعين من أهل العلم وطلبته، ولم ينزح منه دلو. انتهى.
ولعل المصنف أشار إليهما بالاستحسان، ثم إن كلاهما فيما لا مادة له أو لم ينزح منه شيء؛ فما له مادة أو نزح بعضه أولى بالطهورية، وانظر ما الذي أنكره ابن عرفة: هل القول بالطهورية أو القول بعدمها؟ وليس في كلامه ما يدل على ذلك صريحا، غير أن المتبادر من كلامه إنما هو إنكار القول بالطهورية، كما يفهم ذلك من كلام ابن ناجي في شرح المدونة، في الكلام على من توضأ من ماء مات فيه دابة، وكذا ذكر ابن الفاكهاني في شرح الرسالة القولين، وشبهة من عدم الطهورية ونصه: وأما إن كان المخالط نجسا فإن غير أحد أوصاف الماء فلا خلاف في نجاسته قليلا كان أو كثيرا ما دام متغيرا، فإن زال تغيره بعد فقولان:
أحدهما: أنه كالبول، فلا ينتقل حكمه، وهو المشهور.
والثاني: أنه يرجع إلى أصله من الطهارة أو التطهير، وكذلك إن أزيل بعض الماء وسلمت أوصافه؛ فقولان. انتهى.
تنبيهات:
وبعد أن ذكر حكم الماء المتغير بطاهر قال: الثاني إن زال تغيره بمخالطة
стр. 15133
ماء مطلق قليل فظاهر كلام المصنف فيه قولان، وقال البساطي في شرحه: ولو جعل المصنف محل النزاع إذا زال التغير بنفسه سلم من المطالبة بالنقل، فيما إذا زال بقليل المطلق، وقال في المغني بعد أن ذكر الخلاف فيما زال تغيره بنفسه: وألحق الشيخ خليل في مختصره به إذا زال التغير بمطلق يسير، وهو في عهدته. انتهى.
قلت: وكلام ابن الإمام يقتضي ثبوت الخلاف فيه، فإنه قال: إذا كاثره الطهور حتى غلب عليه وزال به التغير فالأظهر نفي الخلاف فيه إن انتهى إلى ما لو رفع فيه جملة هذا التغير كان كثيرا، أو ثبوته إن انتهى إلى ما لو وقع فيه كان قليلا، وقد أطلق بعض من تكلم على هذه المسألة القول بطهوريته عند ذهاب التغير بالتكاثر ولا ينفى؛ لأن هذا الماء لما تغير لنجاسة كان نجسا، فطروء ماء عليه كطروئه عليه، فيجب لذلك أن يراعى كثرته وقلته انتهى المقصود (١).
وقال ابن المواق على قول خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق، فأستحسن الطهورية، وعدمها أرجح، قال ابن عرفة: قول ابن بشير في طهوريته: النجس يزول تغيره بلا نزح قولان لا أعرفه. والذي ينبغي أن تكون به الفتوى هو قول مالك في رواية ابن وهب وابن أبي أويس عنه في جباب تحفر بالمغرب، فتسقط فيها الميتة فتغير لونه وريحه، ثم يطيب الماء بعد ذلك أنه لا بأس به. انتهى، فترك نقل هذه الرواية ونقل غيرها قصور (٢).
стр. 15134
٣ - طريقة الشافعية:
قال الشيرازي: إذا أراد تطهير الماء النجس نظر؛ فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين طهر بأن يزول التغير بنفسه، وبأن يضاف إليه ماء آخر، وبأن يؤخذ بعضه؛ لأن النجاسة بالتغير وقد زال، وقال النووي شرحا لذلك: إذا زال تغير الماء النجس، وهو أكثر من قلتين نظر؛ إن زال بإضافة ماء آخر إليه طهر بلا خلاف، سواء كان الماء المضاف طاهرا أو نجسا، قليلا أو كثيرا، أو سواء صب الماء عليه أو نبع عليه، وإن زال بنفسه؛ أي بأن لم يحدث فيه
стр. 15135
شيئا، بل زال تغيره بطلوع الشمس أو الريح أو مرور الزمان طهر أيضا على المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى المتولي عن أبي سعيد الإصطخري أنه لا يطهر؛ لأنه شيء نجس، فلا يطهر بنفسه، وهذا ليس بشيء؛ لأن سبب النجاسة التغير فإذا زال طهر لقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس (١)»، وإن زال بأخذ بعضه طهر بلا خلاف بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف، ويتصور زوال تغيره بأخذ بعضه بأن يكون كثيرا لا يدخله الريح، فإذا نقص دخلته وقصرته وكذا الشمس فيطيب (٢).
وقال الشيرازي أيضا: وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه إلا بأخذ بعضه، فإن لم يطهر لأنه نقص عن القلتين وفيه نجاسة.
وعلق النووي عليه فقال: هذا الذي قاله متفق عليه.
وقال الشيرازي أيضا: وإن كانت نجاسته بالقلة، بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة، وإن لم يبلغ قلتين طهر كالأرض النجسة طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، ومن أصحابنا من قال: لا يطهر؛ لأنه دون القلتين وفيه نجاسة، والأول أصح لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، وهاهنا ورد الماء عليها فلم ينجس؛ إذ لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء.
وعلق النووي على ذلك فقال: أما المسألة الأولى، وهي إذا كاثره فبلغ قلتين فيصير طاهرا مطهرا بلا خلاف، سواء كان الذي أورده عليه طاهرا أو نجسا، قليلا أو كثيرا؛ لقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (٣)»، وأما المسألة الثانية، وهي إذا كوثر بالماء ولم يبلغ قلتين فهل يطهر؟ فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف، وذكر دليلهما، وهما مشهوران، لكن الأصح عند المصنف وسائر العراقيين أنه يطهر، وبه قطع منهم شيخهم أبو حامد وهو قول ابن سريج، والصحيح عند الخراسانيين لا يطهر، وبه قطع منهم القاضي حسين، وقال إمام الحرمين: وإن صح عند ابن سريج قوله بالطهارة، فهو من هفواته؛ إذ لا معنى لغسل الماء من غير أن يبلغ قلتين، قال: فلا يتمارى في فساده وكذا
٤ - طريقة الحنابلة:
قال عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة في تطهير الماء النجس: هو ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
أحدهما: ما دون القلتين؛ فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين؛ إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه؛ فيزول بها تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن القلتين لا تحمل الخبث ولا تنجس إلا بالتغير؛ ولذلك لو ورد عليها ماء نجس لم ينجسها، ما لم يتغير به، فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم بطهارتها طهارة ما اختلطتا به.
القسم الثاني:
أن يكون وفق القلتين؛ فلا يخلو من أن يكون غير متغير بالنجاسة، فيطهر بالمكاثرة المذكورة لا غير، الثاني أن يكون متغيرا فيطهر بأحد أمرين: بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير، وبتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه.
القسم الثالث:
الزائد عن القلتين فله حالان:
أحدهما: أن يكون نجسا بغير التغير: فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة.
الثاني: أن يكون متغيرا بالنجاسة؛ فتطهيره بأحد أمور ثلاثة: المكاثرة، أو زوال تغيره بمكثه وأن ينزح منه ما يزول به التغير ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا؛ فإنه إن بقي ما دون القلتين قبل زوال تغيره، لم يبق التغير علة تنجسه، لأنه تنجس بدونه، فلا يزول التنجيس بزواله، ولذلك طهر الكثير بالنزح وطول المكث، ولم يطهر القليل؛ فإن الكثير لما كانت علة تنجيسه التغير زال تنجيسه بزوال علته، كالخمرة إذا انقلبت خلا، والقليل علة تنجيسه الملاقاة
стр. 15138
لا التغير، فلم يؤثر زوال التنجيس انتهى.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام في قاعدة التطهير للمياه، وعدم الفرق بين المياه والمائع، والجواب على شبهة من فرق بينهما قال: إذا عرف أصل هذه المسألة، فالحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها؛ كالخمر لما كان الموج لتحريمها ونجاستها هي الشدة، فإذا زالت بفعل الله تعالى طهرت، بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري خل خمر من أهل الكتاب إذا لم يعلم أنهم تعمدوا فسادها؛ وذلك لأن اقتناء الخمر محرم فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة، وأما إذا اقتناها لشربها واستعمالها خمرا، فهو لا يريد تخليلها، وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده، فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة، وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها؛ لأن إفسادها ليس بمحرم، كما لا يحد شاربها لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها المحظور، كما يخاف من مقاربة الخمر؛ ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ جلود الميتة، وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار وغيرها.
والماء لنجاسته سببان: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه؛ فالمتفق عليه التغير بالنجاسة، فمتى كان الموجب لنجاسته التغير، فزال التغير كان طاهرا كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهرا (والثاني) القلة فإذا كان الماء قليلا، ووقعت فيه نجاسة؛ ففي نجاسته قولان للعلماء، فمذهب الشافعي وأحمد في أحد الروايات عنه أنه ينجس ما دون القلتين، وأحمد في الرواية المشهورة عنه يستثني البول والعذرة المائية، فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه، ومذهب أبي حنيفة ينجس ما وصلت إليه الحركة، ومذهب أهل المدينة وأحمد في الرواية الثالثة أنه لا ينجس، ولو لم يبلغ قلتين، واختار هذا القول بعض الشافعية كالروياني.
وقد نصر هذه الرواية بعض أصحاب الشافعي، كما نصر الأول طائفة كثيرة من أصحاب أحمد، لكن طائفة من أصحاب مالك قالوا: إن
стр. 15139
قليل الماء ينجس بقليل النجاسة، ولم يحدوا ذلك بقلتين.
وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول؛ فهؤلاء لا ينجسون شيئا إلا بالتغير، ومن سوى بين الماء والمائعات، كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد، قال في المائعات كذلك، كما قاله الزهري وغيره؛ فهؤلاء لا ينجسون شيئا من المائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري في صحيحه، لكن على المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء. وكذلك في المائعات إذا سويت به، فنقول: إذا وقع في المائع القليل نجاسة فصب عليه مائع كثير، فيكون الجميع طاهرا إذا لم يكن متغيرا، وإن صب عليه ماء قليل دون القلتين، وصار الجميع كثيرا فوق القلتين؛ ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد.
(أحدهما) وهو مذهب الشافعي في الماء: أن الجميع طاهر.
(والوجه الثاني) أنه لا يكون طاهرا، حتى يكون المضاف كثيرا، والمكاثرة المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس، ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا، وذلك مطهر له، إذا لم يكن متغيرا، وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة، وكان الجميع كثيرا فوق القلتين كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل.
وفي ذلك الوجهان المتقدمان، وهذا القول الذي ذكرناه في المائعات كالماء هو الأظهر في الدلالة، بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجس الأشربة والأطعمة، ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الماء القليل، كما جاء في الحديث، ولم يأمر مالك بإراقته من الأطعمة والأشربة، واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك، وذلك لأن الماء لا ثمن له في العادة، بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم؛ فإن في نجاستها من المشقة والحرج ما لا يخفى على الناس، وقد تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب، فإذا لم ينجسوا الماء الكثير للحرج فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة والحرج في ذلك أشق؟! ولعل المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة.
(فإن قيل): الماء يدفع النجاسة عن غيره، فعن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات.
(قيل): الجواب من وجوه (أحدها) أن الماء إنما دفعها عن غيره؛ لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه، فلا يبقى على المحل نجاسة، وأما إذا سقطت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه، لا لكونه أزالها عن
стр. 15140
نفسه، ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة: إن المائعات كالماء في الإزالة، وهي كالماء في التنجيس؛ فإذا كانت كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زال معها أن يزيلها إذا كانت فيه.
ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل، وتلك نجسة قبل طهارة المحل. وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه: هل هي طاهرة، أو مطهرة، أو نجسة. وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال: الماء ينجس بوقوعها فيه، وإن كان يزيلها عن غيره كما ذكرناه، فإذا كانت النصوص وقول الجمهور على أنها لا تنجس بمجرد الوقوع مع الكثرة، كما دل عليه قول النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (١)» وقوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢)» فإنه إذا كان طهورا يطهر به غيره، علم أنه لا ينجس بالملاقاة؛ إذ لو نجس بها لكان إذا صب على النجاسة ينجس بملاقاتها، فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، لكن إن بقيت عين النجاسة حرمت، وإن استحالت زالت فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس، وإن لم تكن قد زالت عن المحل، فإن من قال: إنه يدفعها عن نفسه، كما يزيلها عن غيره. فقد خالف المشاهدة. وهذا المعنى يوجد في سائر الأشربة من المائعات وغيرها.
الوجه الثاني: أن يقال: غاية هذا أنه يقتضي أنه يمكن إزالة النجاسة بالمائع، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره، وأحمد جعله لازما لمن قال: إن المائع لا ينجس بملاقاة النجاسة، وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره كما ذكروه في الماء، فيلزم جواز إزالة النجاسات بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول، وهذا هو القياس فنقول به على هذا التقدير: وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره؛ لكون الإحالة أقوى من الإزالة، فيلزم من قال: إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات أن تكون المائعات كالماء، فإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا، وإما مع الكثرة، فكذلك الصواب في المائعات.
وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين، وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات، وفي مسألة ملاقاتها للمائعات الماء وغير الماء، ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها، والمعاني الشرعية المعتبرة في
стр. 15141
الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال؛ فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة، وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس، ومن كان فقيها خبيرا بمأخذ الأحكام الشرعية، وأزال عنه الهوى تبين له ذلك، ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك، كما كان ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها، والبقر التي يحرث عليها ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ لما كان في بعض أسفاره مع الصحابة فنفدت أزوادهم، فاستأذنوه في نحر ظهورهم، فأذن لهم، ثم أتى عمر ﵁ فسأله أن يجمع الأزواد، فيدعو الله بالبركة فيها ويبقى الظهر، ففعل ذلك.
فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب، لا لأن الإبل محرمة؛ فلهذا ينهى عما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها، كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن، وعلف دواب الإنس والجن، ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها، بل لحرمتها بالقول في المائعات، كالقول في الجامدات.
الوجه الثالث: أن يقال: إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء، وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات، فإذا كان الماء لا ينجس بما لا يقع فيه من النجاسة؛ لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى.
الوجه الرابع: أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا لون ولا ريح فلا نسلم بأن يقال بنجاسته أصلا، كما في الخمر المنقلبة أو أبلغ وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة، فإن الجمهور على أن المستحيل من النجاسات طاهر، كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، ووجه في مذهب الشافعي.
الوجه الخامس: أن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها، كدفع الماء لا يختص بالماء، بل هذا الحكم ثابت في التراب وغيره؛ فإن العلماء اختلفوا في
стр. 15142
النجاسة إذا أصابت الأرض، وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة، هل تطهر الأرض على قولين:
أحدهما: تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل؛ فإنه قد ثبت عن ابن عمر أنه قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر، وتبول في مسجد النبي ﷺ ، ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك، وفي السنن أنه قال: «إذا أتى أحدكم المسجد لينظر في نعليه فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور (١)»، وكان الصحابة كعلي بن أبي طالب ﵁ وغيره يخوضون في الوحل، ثم يدخلون فيصلون بالناس ولا يغسلون أقدامهم.
وأوكد من هذا قوله ﷺ في ذيول النساء إذا أصابت أرضا طاهرة، بعد أرض خبيثة، «فتلك بتلك» وقال: «يطهره ما بعده (٢)» وهذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها كريم (٣) بن يعقوب الجوزجاني وهي من أجل المسائل، وهذا لأن الذيول تتكرر ملاقاتها للنجاسة، فصارت كأسفل الخف وكمحل الاستنجاء.
فإذا كان الشارع قد جعل الجامدات تزيل النجاسة عن غيرها لأجل الحاجة، كما في الاستنجاء بالأحجار، وجعل الجامد طهورا علم أن ذلك وصف لا يختص بالماء (٤). وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة، فالمائعات أولى وأحرى؛ لأن إحالتها أشد وأسرع.
стр. 15143
(ب) الاستحالة برمي تراب ونحوه فيها:
اختلف أهل العلم في ذلك؛ فمنهم من قال بعدم الطهارة، ومنهم من قال بالطهارة، وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة:
أما القائلون بأنه لا يطهر؛ فبعض الشافعية وبعض الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم، قال الشيرازي: وإن طرح فيه تراب أو جص فزال التغير ففيه قولان، وقال النووي في شرح المهذب: وصحح الأكثرون أنه لا يطهر، وهو
стр. 15144
المختار، وقيد النووي صورة المسألة بأن يكون بكدر، ولا تغير له، أما إذا صفا فلا يبقى خلاف، بل إن كان التغير موجودا فنجس قطعا، وإلا فطاهر قطعا، صرح به المتولى وغيره ولا فرق بين أن يكون التغير بالطعم أو اللون أو الرائحة ففي الجميع قولان (١).
وقال ابن قدامة: وإن كوثر بماء يسير، أو بغير الماء فأزال التغير لم يطهر.
قال في المبدع تعليقا على ذلك: أي طهور أو بغير الماء كالتراب والخل ونحوهما لا مسك فأزال التغير لم يطهر على المذهب (٢).
وقال المرداوي: اعلم أن الماء النجس تارة يكون كثيرا، وتارة يكون يسيرا؛ فإن كان كثيرا وكوثر بماء يسير، أو بغير الماء لم يطهر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب انتهى المقصود (٣).
واستدل لهذا بأنه كما أنه لا يطهر إذا طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحة النجاسة فلا يطهر هنا، ونوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكافور يجوز أن تكون الرائحة باقية فيه دائما، لم تظهر لغلبة رائحة الكافور والمسك، ذكر ذلك الشيرازي في المهذب.
واستدل أيضا بأنه وقع الشك في زوال التغير، وإذا وقع الشك في سبب الإباحة لم تثبت الإباحة، كما لو رأى شاة مذبوحة في موضع فيه مسلمون ومجوس، وشك هل ذبحها المجوسي أو المسلم لا تباح، ذكر ذلك النووي في شرح المهذب، وبأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه؛ فعن غيره من باب أولى، ذكره في المبدع.
وبأنه يستر النجاسة قاله ابن عقيل، نقله عنه صاحب المبدع.
القول الثاني: أنه طاهر، وهذا قول المالكية إذا لم تظهر فيه أوصاف الملقى، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد.
стр. 15145
جاء في مواهب الجليل: وأما إذا زال التغير بإلقاء تراب فيه أو طين فقال في الطراز: إن لم يظهر فيه لون الطين ولا ريحه ولا طعمه وجب أن يطهر انتهى (١).
وقال الشيرازي: وقال - أي: الشافعي - في حرملة يطهر، وهو الأرجح (٢)، وعلق النووي على ذلك فقال: اختلف المصنفون في الأصح من القولين فصحح المصنف هنا، وفي التنبيه وشيخه القاضي أبو الطيب وأبو العباس الجرجاني والشاشي وغيرهم الطهارة، وهو اختيار المزني والقاضي أبي حامد (٣).
وقال ابن قدامة: ويتخرج أن يطهر (٤).
وعلق على ذلك صاحب المبدع، فقال: وقاله بعض أصحابنا (٥).
واستدل لذلك بأن علة النجاسة زالت وهي التغير، أشبه ما لو زال بالمكاثرة (٦)، وبأنه لو زال بطول المكث طهر، فأولى أن يطهر إذا كان يطهر بمخالطته لما دون القلتين (٧).
стр. 15146
(ج) الاستحالة بسقي النباتات بها، وشرب الحيوانات إياها:
أما الاستحالة بسقي النبات بها فقد تكلم أهل العلم في حكم ذلك؛ فمنهم من قال: إن هذه الزروع طاهرة مباحة، ومنهم من قال أنها نجسة محرمة.
وممن قال بطهارتها أبو حنيفة وبعض المالكية والشافعي، وهو قول في مذهب أحمد، قال ابن المواق على قول خليل " وزرع بنجس "، ابن يونس القمح النجس يزرع فينبت هو طاهر، وكذلك الماء النجس يسقى به شجر أو بقل، فالثمرة والبقلة طاهرتان (١).
وقال ابن قدامة: قال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك، ولا يحرم، ولا يحكم بتنجيسها، وهذا قول أكثر الفقهاء؛ منهم أبو حنيفة والشافعي (٢).
стр. 15147
واستدل لهذا بالأثر والمعنى؛ أما الأثر فهو أن سعد بن أبي وقاص ﵁ كان يدمل أرضه بالعذرة، ويقول: مكتل عرة مكتل بر. قال ابن قدامة: والعرة عذرة الناس، استدل بهذا الأثر ابن قدامة (١) وأما المعنى فإن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان ويصير لبنا (٢).
القول الثاني: أنها لا تطهر، وهو المقدم عند الحنابلة، وبه قال من وافقهم من أهل العلم.
قال ابن قدامة: وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات وسمدت بها (٣).
وقال المرداوي، على قول ابن قدامة: " وما سقي بالماء النجس من الزروع والثمر محرم "، قال: وينجس بذلك، وهو المذهب نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب (٤).
وقيد ذلك بالمغني فقال: فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات؛ كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات (٥)، واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى.
أما السنة - فما ذكره ابن قدامة في المغني، قال: وروي عن ابن عباس ﵄، قال: كنا نكري أراضي رسول الله ﷺ ، ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس. وأما المعنى - فإنها تتغذى بالنجاسات، وتترقى فيها أجزاؤها، والاستحالة لا تطهر (٦).
وأما شرب الحيوانات إياها فإننا نذكر كلام العلماء وأدلتهم في حكم لحوم الجلالة وألبانها، مع المناقشة، ومن أوسع ما جاء في ذلك ما ذكره ابن قدامة
стр. 15148
رحمه الله قال: قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها، قال القاضي في المجرد: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان، وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكونه أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها، ويعفى عن اليسير. وقال الليث: إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع.
وقال ابن أبي موسى: في الجلالة روايتان؛ إحداهما: أنها محرمة والثانية: أنها مكروهة غير محرمة، وهذا قول الشافعي، وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس، ولنا ما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها (١)» رواه أبو داود، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال «نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة وأن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس، حتى تعلف أربعين ليلة» رواه الخلال بإسناده. ولأن لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة.
وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر في الغالب. وتزول الكراهة بحبسها اتفاقا، واختلف في قدره؛ فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثا، سواء أكانت طائرا أو بهيمة، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا، وهذا قول أبي ثور؛ لأن ما طهر حيوانا طهر الآخر، كالذي نجس ظاهره. والآخر تحبس الدجاجة ثلاثا، والبعيرة والبقرة ونحوها يحبس أربعين، وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو، ولأنها أعظم جسما، وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير (٢).
ومن هذا تبين أن القول بطهارة النجاسات والمياه بالاستحالة، في الحيوانات والنباتات إلى
стр. 15149
لحم وعظم ولبن وغير ذلك هو قول أكثر الفقهاء؛ لتغيرها من فساد إلى صلاح، وتبدل حقيقتها الخبيثة إلى حقيقة أخرى يشملها وصف الطيب، في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) فكان ما تولد عنها بالاستحالة طاهرا حلالا أكله وشربه.
стр. 15150
(د) حكم استعمال مياه المجاري بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة منها:
مما تقدم يتبين أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بصب ماء طهور فيه باتفاق، أو بطول مكث أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه، أو برمي تراب ونحوه فيه، على الراجح عند الفقهاء؛ لزوال الحكم بزوال علته.
وعلى هذا فإذا كانت مياه المجاري المتنجسة، وهي بلا شك كثيرة تتخلص بالطرق الفنية الحديثة مما طرأ عليها من النجاسات، فإنه يمكن حينئذ أن يحكم بطهارتها؛ لزوال علة تنجسها، وهي تغير لونها أو طعمها أو ريحها بالنجاسة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وبذلك تعود هذه المياه إلى أصلها، وهو الطهورية، ويجوز استعماله في الشرب ونحوه، وفي إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل بها الطهارة من الأحداث والأخباث، إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها، فيمتنع استعمالها فيما ذكر؛ محافظة على النفس وتفاديا للضرر، لا لنجاستها، ولكن لو استعملها في إزالة الأحداث أو الأخباث صحت الطهارة.
وينبغي للمسلمين أن يستغنوا عن ذلك ويجتنبوه؛ اكتفاء بالمياه الأخرى، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، احتياطا للصحة واتقاء للضرر وتنزها عما تستقذره النفوس، وتنفر منه الطباع والفطر السليمة، هذا ما تيسر، وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15151
صفحة فارغة
стр. 15152
الفتاوى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث
العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة
واستفتاءات تهم المسلمين في شئونهم الدينية والاجتماعية.
стр. 15153
من الفتوى رقم ٩٥٢٩
س: أنا بحمد الله أميل إلى الاقتداء بالرسول ﷺ وبالسلف الصالح، غير أني قد جلست في بعض الجلسات والحضرات الصوفية، من باب العلم بالشيء، وهالني أن رأيتهم يقومون بحركات ورقصات لا تتفق، في أسوأ الأوضاع، مع وقار الإنسان وحيائه وهيبته. ثم هم يقومون بتأويل أشياء ثابتة، ويركزون جل أعمالهم على تعذيب النفس بوسائل شتى، والعبادة عندهم تعتمد في أكثرها على الذكر، كما أنهم يكثرون من ذكر الأولياء والصالحين، والاعتقاد فيهم، أكثر مما يفعلون مع الله ورسوله، كما أن لهم بعض الآراء، وأكثر هذه الآراء ينهش في السلف الصالح المتمسك بسنة رسوله حق التمسك، على أن لهم بعض الآراء التي تتفق وصحيح السنة، وكما فهمها السلف الصالح، وقد جلست مع هؤلاء القوم أكثر من مرة؛ لمحاولة معرفة خبايا هذا العالم، وأكثر هؤلاء القوم من فئات اجتماعية ممتازة؛ فمنهم أساتذة الجامعة والأطباء والمهندسون والموظفون، ومنهم أناس عاديون، وبهم شباب كثيرون أيضا.
فهل أأثم بالجلوس معهم رغم ما أسلفت. .؟ كما أرجو من فضيلتكم أن توضحوا الصورة حول هذه المذاهب الصوفية واعتقاداتها، خاصة أنها أصبحت تتخذ صورا منظمة، ذات هيئات ومنظمات معترف بها من قبل الدولة.
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:
جـ: المعروف عن جميع طوائف الصوفية وفرقهم أنهم يذكرون الله أذكارا بدعية، فيرقصون ويترنحون ويتمايلون يمنة ويسرة وأعلى وأسفل، ويسمون الله في ذكرهم بغير ما سمى به نفسه، وبغير ما سماه رسوله ﷺ ؛ مثل: هو هو هو، ومثل آه آه، ويذكرونه بالاسم؛ مثل: الله الله الله، وبما يسمونه الذكر القلبي كما يفعله النقشبندية، ويذكرونه بما ذكر جماعة بصوت واحد، ويستغيثون في أذكارهم بالأموات والغائبين؛ فيقولون: مدد يا أبا
стр. 15154
العباس، مدد يا دسوقي، وذلك شرك يخرج من ملة الإسلام، ويعتقدون في مشايخهم أن لديهم علما لدنيا يطلعون به على الغيبيات، وأن لهم أسرارا يتصرفون بها وراء الأسباب العادية، وننصحك بقراءة كتاب (هذه هي الصوفية) للشيخ عبد الرحمن الوكيل لتعرف الكثير من بدعهم، وجالس من تعرف عنه أنه يتمسك بالكتاب والسنة، وينكر البدعة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15155
من الفتوى رقم ٩٧٧٢
س: لقد ظهرت الآن فرق كثيرة مثل: فرق الصوفية المتعددة: الشاذلية والإبراهيمية والقاديانية. . إلخ. فما موقف الإسلام من هذه الفرق؟ وما موقفنا نحن كمسلمين نحوها، ونحو ما ينشره أتباعها عن أفكار فاسدة تسيء إلى الدين الإسلامي؟
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:
جـ: نقرهم على ما وافقوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وننكر عليهم ما خالفوا فيه الكتاب والسنة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15156
فتوى رقم ٤٩١١
س: نحن نثق في سماحتكم، ونرتاح إلى فتواك، ونريد من سماحتكم أن تقرأ هذا الكتاب وتفتينا فيه؛ حيث إنه يوزع على كثير من الناس، ويتعبدون الله بما جاء فيه من أوراد وذكر، ونحن نريد: هل يجوز التعبد بما جاء فيه أم لا؟
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:
جـ: لا يجوز التعبد بما في هذا الكتاب - أوراد الطريقة البرهامية - لما في ذلك من قراءات القرآن للأموات، بل لأموات مخصوصين يتوقع أنها قرئت لهم رجاء بركتهم، كما في فواتح أهل السلسلة، وفيه من البدع جعل قراءة الفواتح لهؤلاء مفتاحا للأوراد، ولما في الأساس الذي يقرأ بعد الصبح وبعد العصر من بدعة تحديد الوقت لهذا الذكر، وتحديد عدد مائة مرة للبسملة، وعدد مائة مرة للذكر بكلمة - يا دائم - فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ أن جعل حدا لذلك من الوقت أو العدد، بل لم يثبت عنه أنه تقرب إلى الله بتكرار البسملة مجردة، ولا أنه ذكر الله بكلمة - يا دائم - مجردة.
ولما جاء فيه من التوسل بالعرش والكرسي والنور النبوي، في الدعاء، وذلك تحت عنوان التحصين الشريف والغوثية، ولما جاء في الحزب الكبير من ذكر وأدعية بدعية، ومن التوسل بالحروف المقطعة في أوائل السور، وبأسماء مجهولة المعنى غير عربية؛ مثل: كد كد، كردد كردد - كرده كرده - ده ده - بها بها بها - بهيا بهيا بهيا - بهيات بهيات بهيات، ولما جاء في صلاة ابن مشيش من الكلمات المنكرة؛ مثل قوله في النبي ﷺ : ولا شيء إلا وهو به منوط؛ إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، وقوله في الدعاء: (وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها.) إلى آخره.
ولما فيه من التوسل بالنبي ﷺ وآل بيته والشافعي والبدوي والرفاعي، والاستغاثة بغير الله، وذلك بمنظومة تحت عنوان (التوسل)، إلى غير ذلك من البدع الشركية، ووسائل الشرك والخرافات، وعلى هذا فلا يجوز التعبد بهذه
стр. 15157
الأوراد، وعلى كل مسلم أن يتعبد بما ثبت التعبد به عن النبي ﷺ من تلاوة القرآن والأذكار والدعوات الثابتة عنه في سننه.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15158
فتوى رقم ٤٣١٧
س: أرجو التكرم ببيان حكم الإسلام في جماعة القاديانية، ونبيهم المزعوم غلام أحمد القادياني ، كما أرجو التفضل بإرسال أي من الكتب التي تبحث في هذه الجماعة؛ حيث إنني من المهتمين بدراستها.
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:
جـ: ختمت النبوة بنبينا محمد ﷺ فلا نبي بعده؛ لثبوت ذلك بالكتاب والسنة، فمن ادعى النبوة بعد ذلك فهو كذاب، ومن أولئك غلام أحمد القادياني، فدعواه النبوة لنفسه كذب، وما زعمه القاديانيون من ثبوته - فهو زعم كاذب.
وقد صدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة باعتبار القاديانيين فرقة كافرة من أجل ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن حسن بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15159
من الفتوى رقم ٨٥٣٦
س: ما الفرق بين المسلمين والأحمديين ؟
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:
جـ: الفرق بينهما: أن المسلمين هم الذين يعبدون الله وحده، ويتبعون رسوله محمدا ﷺ ، ويؤمنون بأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، أما الأحمديون الذين هم أتباع مرزا غلام أحمد فهم كفار ليسوا مسلمين؛ لأنهم يزعمون أن مرزا غلام أحمد نبي، بعد محمد ﷺ ، ومن اعتقد هذه العقيدة فهو كافر، عند جميع علماء المسلمين؛ لقول الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ولما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي (٢)».
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن حسن بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 15160
الفتوى رقم ١١٧
س: مضمون السؤال أن المدعو عيسى جبريل يرغب في معرفة الكثير مما أنزل الله تعالى على نبينا محمد ﷺ ، ويرجو التكرم بإفادته: هل الورد الذي يقوم به التيجانيون والتيجانية صحيح في الإسلام؟ فقد سمع كثيرا من المدارس الإسلامية تعارضه، والتيجانيون يستعملونه بعد صلاة المغرب؛ فهم ينشرون