س: ما رأي سماحتكم في أن عمل الطبيب يتطلب في بعض الأحيان رؤية عورة المريض أو مسها للفحص، وفي بعض الأحيان أثناء العمليات يعمل الطبيب الجراح في وسط مليء بالدم والبول؛ فهل إعادة الوضوء واجبة في هذه الحالات، أم أنه من باب الأفضلية؟
стр. 15192
ج - لا حرج أن يمس الطبيب عورة الرجل للحاجة، وينظر إليها للعلاج، سواء العورة الدبر أو القبل؛ فله النظر والمس للحاجة والضرورة، ولا بأس أن يلمس الدم إذا دعت الحاجة للمسه في الجرح، لإزالته أو لمعرفة حال الجرح، ويغسل يده بعد ذلك عما أصابه، ولا ينتقض الوضوء بلمس الدم أو البول، لكن إذا مس العورة انتقض وضوءه، قبلا كانت أو دبرا، أما مس الدم أو البول، أو غيرهما من النجاسات فلا ينقض الوضوء، ولكن يغسل ما أصابه.
لكن من مس الفرج دون حائل؛ يعني مس اللحم اللحم فإنه ينتقض الوضوء؛ لقول النبي ﷺ «من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونهما ستر فقد وجب عليه الوضوء (١)»، وهكذا الطبيبة إذا مست فرج المرأة للحاجة فإنه ينتقض وضوءها بذلك، إذا كانت على طهارة كالرجل.
стр. 15193
س: ما هو الحكم في التداوي قبل وقوع الداء كالتطعيم ؟
ج - لا بأس بالتداوي، إذا خشي وقوع الداء؛ لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم (١)»، وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه، فهكذا إذا خشي من مرض، وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكان، لا بأس بذلك من باب الدفاع، وكما يعالج المرض النازل يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد المرض أو الجن أو العين؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، وقد أوضح ﵊ أن ذلك من الشرك الأصغر؛ فالواجب الحذر من ذلك.
стр. 15194
س: كيف نوفق بين الحديثين الشريفين «لا عدوى ولا طيرة (١)»، «وفر من المجذوم فرارك من الأسد (٢)».
ج - لا منافاة عند أهل العلم بين هذا وهذا، وكلاهما قاله النبي ﷺ .
«قال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول (٣)»، وذلك نفي لما يعتقده أهل الجاهلية، من أن الأمراض كالجرب
стр. 15195
تعدي بطبعها، وأن من خالط المريض أصابه ما أصاب المريض، وهذا باطل، بل ذلك بقدر الله ومشيئته، وقد يخالط الصحيح المريض المجذوم، ولا يصيبه شيء، كما هو واقع ومعروف؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمن سأله عن الإبل الصحيحة، يخالطها البعير الأجرب فتجرب كلها، قال له ﵊: «فمن أعدى الأول؟ (١)».
وأما قوله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٢)»، وقوله ﷺ في الحديث الآخر: «لا يورد ممرض على مصح (٣)» - فالجواب عن ذلك: أنه لا يجوز أن يعتقد العدوى، ولكن يشرع له أن يتعاطى الأسباب الواقية من وقوع الشر، وذلك بالبعد عمن أصيب بمرض يخشى انتقاله منه إلى الصحيح، بإذن الله ؛ كالجرب والجذام، ومن ذلك عدم إيراد الإبل الصحيحة على الإبل المريضة بالجرب ونحوه؛ توقيا لأسباب الشر، وحذرا من وساوس الشيطان الذي قد يملي عليه أن ما أصابه أو أصاب إبله هو بسبب العدوى.
стр. 15196
س: ما حكم مصافحة النساء ؟
ج - مصافحة النساء فيها تفصيل؛ فإن كانت النساء من محارم المصافح، كأمه وبنته وأخته وخالته وعمته وزوجته فلا بأس بها. وإن كانت لغير المحارم فلا تجوز لأن امرأة مدت للنبي ﷺ يدها لتصافحه، فقال: «إنني لا أصافح النساء (١)»، وقالت عائشة ﵂: «والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام ﵊ (٢)»؛ فلا يجوز للمرأة أن تصافح الرجال من غير محارمها، ولا يجوز للرجل أن يصافح النساء من غير محارمه؛ للحديثين المذكورين، ولأن ذلك لا تؤمن معه الفتنة.
стр. 15197
س: أمرتني والدتي بعدم طبخ نوع معين من الأعشاب، وأردفت قائلة: إذا طبخت هذه الأعشاب ممكن تسبب لي الوفاة؛ لعدم قدرتي على رائحتها، علما أن هذه الأعشاب مشروعة ومباحة، وبالفعل بعد أن تعشيت أنا ووالدتي من تلك الأعشاب توفت والدتي بعدها بعدة ساعات! فهل أنا آثمة في ذلك، وهل لي يد في وفاتها، وهل علي ذنب في ذلك. أفيدوني أفادكم الله؟
стр. 15198
ج - إذا كان الواقع هو ما ذكرت في السؤال فقد أثمت؛ لأن ذلك من العقوق والإساءة إليها، وعليك ذنب في ذلك، ما دمت تعلمين أن أمك تتأذى بها، وأنها نصحتك ونهتك. فأنت مجرمة في هذا العمل، عاصية، قاطعة للرحم، عاقة لوالدتك، وعليك الدية؛ لأن هذا العمل الذي فعلت يعتبر من القتل شبه العمد، وعليك أيضا الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة؛ فإن عجزت فصومي شهرين متتابعين ستين يوما، مع التوبة إلى الله . نسأل الله لنا ولك قبول التوبة، والتوفيق لكل خير.
стр. 15199
س: تقام في المستشفى عدة جماعات للصلاة، والمساجد قريبة، فهل يلزم من بقربها الذهاب للمسجد ، أم نكتفي بهذه الجماعات داخل المستشفى؟
ج - هذا فيه تفصيل. فالذي لا بد من وجوده في المستشفى، كالحارس ونحوه أو المريض الذي لا يستطيع الوصول إلى المسجد فإنه لا يجب عليه الخروج إلى المسجد، بل يصلي في محله مع الجماعة التي يستطيع الصلاة معها، أما من يستطيع الوصول إلى المسجد فإنه يجب عليه ذلك، عملا بالأدلة الشرعية، ومنها قوله ﷺ : «من سمع النداء، فلم يأت فلا صلاة له، إلا من عذر (١)»، قيل لابن عباس ﵁: ما هو العذر؟ قال: "خوف أو مرض ". رواه ابن ماجه والدارقطني، وصححه ابن حبان والحاكم، وإسناده صحيح.
стр. 15200
س: إذا ادخر المسلم مبلغا من المال، فكيف يكون حساب زكاته في نهاية العام ؟
ج - يزكي المسلم كل شيء ملكه، من النقود أو عروض التجارة إذا تم حوله؛ فالذي ملكه في رمضان يزكيه في رمضان، والذي ملكه في شعبان من راتبه أو غيره من النقود أو عروض التجارة يزكيه في شعبان، والذي ملكه في شوال يزكيه في شوال، والذي ملكه في ذي الحجة يزكيه في ذي الحجة، وهكذا كل مال من الأموال المذكورة تتم سنته يزكيه على رأس الحول. وإذا أحب أن يعجل الزكاة قبل تمام الحول لمصلحة شرعية فلا بأس، وله في ذلك أجر عظيم، أما
стр. 15201
اللزوم: فلا يلزمه الإخراج، إلا بعد تمام الحول.
стр. 15202
س: ما وجهة من يقول: إن الدخان محرم في شرع الله تعالى ؟
ج - وجهته: أنه مضر، ومخدر في بعض الأحيان، ومسكر في بعض الأحيان، والأصل فيه عموم الضرر، والنبي ﵊ قال: «لا ضرر ولا ضرار (١)»؛ فالمعنى: كل شيء يضر الشخص في دينه أو دنياه محرم عليه تعاطيه؛ من سم أو دخان أو غيرهما مما يضره؛ لقول الله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) وقوله ﷺ «لا ضرر ولا ضرار (٣)»؛ فمن أجل هذا حرم أهل التحقيق من أهل العلم التدخين؛ لما فيه من المضار العظيمة التي يعرفها المدخن نفسه، ويعرفها الأطباء، ويعرفها كل من خالط المدخنين.
وقد يسبب موت الفجاءة، وأمراضا أخرى، ويسبب السعال الكثير، والمرض الدائم اللازم، كل هذا قد عرفناه، وأخبرنا به جم غفير لا نحصيه ممن قد تعاطى شرب الدخان أو الشيشة أو غير ذلك من أنواع التدخين، فكله مضر، وكله يجب منعه، ويجب على الأطباء النصيحة لمن يتعاطاه، ويجب على الطبيب والمدرس أن يحذرا ذلك؛ لأنه يقتدى بهما.
стр. 15203
س: يوجد لدينا إمام قد أخذ إمامة ثلاثة مساجد بأسماء أولاده، وهم خارج المدينة، وقد جلب عمالا ليؤموا المسلمين في هذه المساجد بالإنابة، مقابل نصف الراتب، وعندما ناصحته قال: عندي فتوى، وكل الناس يفعلون ذلك، فقلت له: فعل الناس ليس حجة، فقال: أحضر لي فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حتى أقتنع فقلت له: سأحاول، وها أنذا أكتب إلى سماحتكم، راجيا بيان الحقيقة في هذا الموضوع؛ لأنه منتشر في كثير من المدن والقرى.
ج - هذا العمل غير جائز، بل هو منكر، لا يجوز للمسلم أن يكذب على
стр. 15204
الجهة المسئولة عن الإمامة أو الأذان، بأن يسمي أئمة أو مؤذنين لا وجود لهم، ثم يعين على رأيه من يقوم بذلك، بل يجب عليه أن يوضح الحقيقة للجهة المسئولة، حتى توافق على الشخص المعين، وهكذا النائب عنه: يجب أن يوضح للجهة المسئولة، حتى تعلم أنه أهل لذلك، وتوافق على قيامه بالعمل؛ لأن هذه العبادة، وهي عبادة الإمامة، وهكذا الأذان عبادة عظيمة، ويتعلق بها أعظم عبادة بعد الشهادتين، وهي الصلاة. فالواجب ألا يتولاها إلا من هو أهل لها، من جهة العقيدة والخلق الفاضل والاستقامة على الحق، وعلى المذكور أن يتوب إلى الله سبحانه، وأن يبلغ الجهة المسئولة عما عمله، وأن يتفق معها على الإمام الصالح للمساجد التي عين فيها أبناءه.
نسأل الله للجميع الهداية والعافية من طاعة الهوى والشيطان.
стр. 15205
المحاولات التوفيقية
لتأنيس الفائدة في المجتمع الإسلامي
الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين
مقدمة
في القرآن الكريم جاء ذم جريمة الربا، والتشنيع على مرتكبها، ربما بما لم يجئ مثله في حق جريمة أخرى؛ ففي مقابل وصف الزنا مثلا بأنه ﴿فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١) وصف المرابون بأنهم: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢)، وجاء: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣)، وتوعد المرابون بأنهم إن لم يذروا ما بقي من الربا، فليأذنوا بحرب من الله ورسوله، وبالإضافة إلى ما ورد في القرآن جاءت الأحاديث الكثيرة بالنهي عن الربا وعن شبهته، وإنذار الفرد والمجتمع الذي يمارسه بأعظم العقوبات.
وقد وقعت أغلب بلاد العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار الأوربي، ولما كان الاقتصاد دافعا رئيسيا للاستعمار كان من الطبيعي أن يرسخ الاستعمار في البلاد التي خضعت تحت نير النظام البنكي الغربي، القائم على " الفائدة الربوية "؛ إذ كان هذا النظام وسيلة فعالة للتحكم في أموال العالم الإسلامي المستعمر، والسيطرة على اقتصاده.
ومن البداية واجه المجتمع الإسلامي واقعا ذا مظهرين:
أولا: بسبب رادع تحريم الإسلام للربا، واعتباره كبيرة من كبائر الذنوب،
стр. 15206
بل من أكبرها على ما وصف آنفا، فقد امتنع المسلم التقي من الحصول على الفائدة الربوية عن إيداعاته، فحظي البنك الأجنبي - في الغالب - بالانتفاع بأموال المسلمين مجانا، وبدون تحمله دفع أي تعويض عن استغلاله لرأس المال الإسلامي.
ثانيا: بسبب الرادع المشار إليه - امتنع المسلم التقي عن الانتفاع بالتسهيلات الائتمانية التي تمنحها البنوك، فكانت الأموال والمدخرات الإسلامية المجمعة تضخ في الأسواق المالية الغربية، وتجري في شرايين الاقتصاد الغربي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ففي المجتمعات المختلطة بين المسلمين وغيرهم كالقارة الهندية كانت المجتمعات غير المسلمة تنفرد بالتمتع بمزايا التسهيلات الائتمانية، فيتنامى نشاطها الاقتصادي على حساب النشاط الاقتصادي للمجتمع الإسلامي.
وقد أذهلت هذه الظواهر رجال الفكر في العالم الإسلامي، فشغلتهم بالبحث عن سبيل للخروج بالمجتمع الإسلامي من ورطة هذا الواقع الأليم، إن هذا المأزق تصوره أوضح تصوير صيغ الاستفتاءات، التي كانت تنهال من الأفراد والمجتمعات الإسلامية، فيما يتعلق بهذه المشكلة وإجابات المفتين.
ولكن ربما كان من أبلغ الأمثلة في تصوير الشعور بهذا المأزق فتوى نشرت لأحد المفتين مضمونها أن أحاديث الربا من وضع اليهود، أدخلوها على المسلمين بقصد الإضرار بهم عن طريق تحريم التجارة عليهم؛ لتكون التجارة في يد اليهود، إن ما جعل المشكلة تبدو مستحيلة الحل غياب مؤسسات مصرفية لا تقوم على الربا، فكان يبدو أن لا بديل للنظام المصرفي الغربي، بل لا بديل للاقتصاد الغربي، وحتى بعد ظهور الشيوعية ومشاطرة المذهب الاقتصادي الشيوعي المذهب الرأسمالي الغربي كان يظهر أن لا فرصة للعالم للخروج عن الدوران في أحد الفلكين.
ونتيجة لذلك كان من الطبيعي أن يتجه الفكر الإسلامي إلى المحاولات التوفيقية بغرض تأنيس الفائدة لقبولها في المجتمع الإسلامي، ولكن كل هذه
стр. 15207
المحاولات قد فشلت في إقناع المسلم بأن يتقبل الواقع بطمأنينة الضمير وسكينة القلب، وتهدف هذه الورقة إلى إيضاح أسباب فشل تلك المحاولات التوفيقية.
стр. 15208
لماذا فشلت المحاولات التوفيقية ؟
أمام صراحة النصوص وثبوتها القطعي كان من الطبيعي أن تتجه المحاولات كليا إلى محاولة إخراج الفائدة البنكية من مفهوم (الربا) الوارد تحريمه بصريح النص، ومع أنه لا يبدو وجود إمكانية لوسيلة أخرى بديلة لهذه الوسيلة، فإن اتجاه المحاولات إليها هو سر فشل هذه المحاولات، توضيح ذلك أن للربا مفهوما أساسيا مشتركا بين الشعوب، وفي مختلف الشرائع والعصور، وهناك بالإضافة إلى هذا المفهوم المشترك مفاهيم خاصة ببعض الشرائع كالإسلام؛ لزيادة الإيضاح أن القاعدة الأساسية في تحديد الحكم الشرعي الإسلامي، اعتبار نصوص القرآن والحديث الصحيح مصادر متكاملة للأحكام، فما ورد من الألفاظ مجملا في نصوص يرجع في تبيينه إلى النصوص الأخرى، وقد وردت نصوص القرآن بكلمة الربا، وهذه اللفظة تتناول - بدون فرصة للمنازعة - المفهوم المشترك لهذه اللفظة؛ إذ هو المفهوم الأساسي، كما تتناول المفاهيم الأخرى التي دلت عليها الأحاديث؛ لزيادة الإيضاح مرة أخرى أن الربا وفق المفهوم الأساسي والمشترك قد استقرت كراهيته في الضمير الإنساني، واعتبر ممارسة غير أخلاقية.
وجاء الإسلام بنصوص الحديث فلم تكتف كالشرائع الأخرى بتحريم الربا بهذا المفهوم الأساسي المشترك، وإنما وسعت من منطقة التحريم، فأدخلت في هذه المنطقة كل ما هو في الحقيقة وبحكم الحكيم الخبير وسيلة وذريعة إلى ارتكاب الربا بالمفهوم الأساسي المشترك، وسدت الطرق الموصلة إليه بحكم الحوادث الواقعية المشاهدة؛ فإذا تخيلنا أن المفهوم الأساسي المشترك منطقة مركزية تحيط بها دائرة، فإن دائرة كبيرة واسعة من وراء هذه الدائرة وردت بها النصوص الثابتة، وتضم شبهة الربا ووسائله وذرائعه، قد يكون من الممكن مهاجمة نقطة في الدائرة
стр. 15209
الهامشية الكبيرة دون تأثير على أصل المفهوم الأساسي للفكرة، ولكن من غير الممكن مهاجمة نقطة في الدائرة المركزية دون تدمير للبناء؛ ولذا كان استبعاد الفائدة البنكية، وهي واقعة في المنطقة المركزية للدائرة غير ممكن دون مساس، بل إخلال بالمفهوم الكلي للفظة الربا، وفي السطور الآتية زيادة إيضاح.
روى الإمام البخاري في صحيحه، «عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أنها سألت النبي ﷺ عن الحجر، أهو من البيت (الكعبة)؟ فقال: نعم، فقالت: لماذا أخرجوه؟ فقال: إن قومك قصرت بهم النفقة (١)» أي أن قريشا حين هدمت الكعبة وأعادت بناءها قبل مبعث النبي ﷺ بخمس سنوات تقريبا عجزت عن توفير المال الكافي لإعادة البناء على قواعده الأصلية، فصغرت مساحته، وأخرج من البناء الجديد حجر إسماعيل.
وإذا عرفنا أن مكة كانت من أكثر المدن العربية ثراء، وقد وصف الله بعض أهلها بأنه جعل له مالا ممدودا، ولم تكن إعادة البناء تحتاج لنفقة كبيرة إذا كانت مواد البناء متوفرة، فقد جاء في الأخبار أن مما حمل قريشا على إعادة البناء انتهاز فرصة أن البحر قذف على ساحل جدة بحطام سفينة، فكانت الأحجار والأخشاب اللازمة للبناء موجودة. إذا عرفنا هذا يأتي السؤال: لماذا عجزت قريش عن توفير النفقة القليلة للبناء؟
وجواب السؤال فيما أورده العلامة ابن كثير عند تفسير آية ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (٢): فروى أن قريشا تواصوا بأن لا يدخل في النفقة على بناء الكعبة من كسبهم إلا ما كان طيبا، فلا يدخل في النفقة مهر بغي، ولا مظلمة، ولا بيع ربا.
وبحكم طبائع الأشياء فإن مهور البغايا لا يمكن أن تمثل جزءا مهما من أموال القرشيين، وكذلك أموال المظالم لا سيما بعد استحضار حادثة حلف الفضول؛ ولذا فإن العامل المهم في تلويث أموال القرشيين بحيث لم يمكن استخلاص جزء نظيف كاف منها يصلح للدخول في نفقة بناء الكعبة هو
стр. 15210
الربا، ويؤخذ من هذه الوقائع أمران:
(الأول): شيوع الربا وسيطرته، بحيث استغرق بتلويثه أموال القرشيين إلى درجة أنه لم يمكن توفير النفقة الكافية الضئيلة لإعادة البناء البسيط للكعبة على وضعه السابق قبل الهدم.
(الثاني): أن القرشيين مع ممارستهم للربا وشيوعه حتى استغرق أموالهم إلى درجة أنها لم تتسع لنفقة بسيطة كنفقة بناء الكعبة، كانوا ينظرون إليه باعتباره كسبا غير نظيف ينبغي أن ينزه عنه بيت الله. فما هو الربا في مفهوم القرشيين؟
لم يكن للقرشين نشاط زراعي؛ لأنهم: بواد غير ذي زرع، فتركز نشاطهم في التجارة مع الحجاج، ومع مزارعي ثقيف، والمستوطنات الزراعية المجاورة كاليمامة، وكان من أبرز أنشطتهم إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، وتمول هاتان الرحلتان في بعض الأحيان بالائتمان عن طريق عقد المضاربة (المشاركة في الربح والخسارة)، ولكن طبائع الأمور تقتضي افتراض أن للاقتراض الربوي الدور الواسع في مختلف صور النشاط التجاري، كما تدل على ذلك النصوص المحفوظة.
وبما سبق تبين افتراض أن مفهوم الربا عند القرشيين لا يختلف عن المفهوم الشائع للربا عند مختلف الشعوب، وهو تقديم الممول المال لمحتاج التمويل لأجل في نظير أو مقابل للأجل هو الربا أي الزيادة.
والربا، بهذا المفهوم، هو الذي عرفته القوانين البابلية والآشورية والفرعونية، وهو المعروف عند الإغريق والرومان أن المقولة المشهورة المنسوبة لأرسطو: (النقود لا تلد نقودا) وردت قبل ثلاثة وعشرين قرنا على لسان هذا الفيلسوف الإغريقي الوطني تسببا للحكم بأن الربا سلوك غير أخلاقي، والربا بهذا المفهوم هو الذي جاءت الشريعة الموسوية ثم المسيحية بتحريمه.
стр. 15211
فقد حرمته التوراة (١)، إلا أن اليهود من بعد موسى -مع احتفاظهم بتحريمه بين اليهود - أجازوه بين اليهود وغيرهم على أساس أن أموال غير اليهود حلال لليهود؛ فهم حين يأخذون الربا من الأميين إنما يأخذون أموالهم، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٢)، جاء في الإصحاح فقرة ٢٣/ ١٩ - ٢٠ من سفر التثنية من التوراة المحرفة: " لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة، أو ربا شيء مما يقرض بربا، للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا ".
وقد شنع الله على اليهود بهذا، وتوعدهم بالعذاب الأليم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٣) ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٤)، وليس المقصود في الآية -والله أعلم- مجرد الإخبار بهذه الواقعة، وإنما التحذير منها.
وكان اعتياد اليهود لممارسة جريمة الربا سببا في كراهية العالم لهم، وتشنيعه عليهم، لا سيما العالم المسيحي الأوربي، ومن آثار ذلك مسرحية شكسبير المشهورة (تاجر البندقية).
ثم جاءت الشريعة المسيحية بتأكيد تحريم الربا دون اعتبار لطرفي العقد الربوي، ومن آثار هذا التحريم الآيتان ٢٤ و ٢٥ من الفصل السادس من إنجيل لوقا: (إذا أقرضتم لمن تنتظرون منهم المكافأة فأي فضل يعرف لكم؟ ولكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين عائداتها)، ويقول سان توما: (إن تقاضي الفوائد عن النقود أمر غير عادل، فإن هذا معناه استيفاء دين لا وجود له).
ومع أنه بانتصار العلمانية في العالم الغربي، وبالتالي التحرر من القيود الدينية المسيحية بغلبة فكرة النسبية في الأخلاق، قد أبيحت الفائدة على
стр. 15212
القروض في القوانين الغربية، فإن هذه القوانين لم تستطع أن تتحرر تحررا كاملا من النظرة الأخلاقية، فظلت القوانين الجنائية تحرم ممارسة الربا بالمفهوم الشائع، وإن كانت قد استثنت منه بالإباحة الفوائد في حدود معينة نصت عليها القوانين دون إخلال بالمفهوم الشائع للربا، وإنما احتاجت إلى تمييز المنطقة التي بقيت محرمة بالربا الفاحش؛ فالفائدة ربا بسيط يباح في حدود معينة، يتحكم القانون في وضعها بين وقت وآخر (يراجع مصادر الحق جزء٢ ص ٢١٦، ٢١٧، ٢٢١).
وقد قلدت بلدان العالم الإسلامي بلدان العالم الغربي في تقنين التفريق بين بسيط الربا وفاحشه؛ فمثلا سمحت التقنينات المدنية العربية بتقاضي فوائد ينص على تحديدها القانون، وحرمت الزيادة عليها، كما حرمت الفوائد المركبة بعد أن سمحت بالفائدة البسيطة؛ فنصت المادة (٣٣٦)، من التقنين المدني المصري على تحديد سعر الفوائد ب ٤% في المسائل المدنية، وب ٥% في المسائل التجارية، كما نصت المادة ٣٣٧ منه على أنه: [يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على سعر آخر للفوائد، على ألا يزيد هذا السعر عن ٧%؛ فإذا اتفقا على فوائد تزيد على هذا السعر وجب تخفيضها إلى ٧%، ويمكن رد ما دفع زائدا على هذا القدر، وكل عمولة أو منفعة أيا كان نوعها اشترطها الدائن إذا زادت هي والفائدة على الحد الأقصى المتقدم ذكره تعتبر فائدة مستترة، وتكون قابلة للتخفيض].
ونصت المادة (٣٣٣) منه على أنه: [لا يجوز تقاضي فوائد على متجمد الفوائد، ولا يجوز بأية حال أن يكون مجموع الفوائد التي يتقاضاها الدائن أكثر من رأس المال]، وتتضمن التقنيات المدنية العربية الأخرى السوري والليبي والعراقي نصوصا مماثلة عدا تحديد نسبة الفائدة.
ويقول الدكتور السنهوري، وهو الذي وضع أصول القوانين الأربعة المشار إليها في شرحه لهذه المواد:
" ويتكفل القانون بتحديد مقدار الفوائد، والسبب في ذلك كراهية تقليدية للربا، لا في مصر فحسب، ولا في بلاد العالم الإسلامي وحدها، بل في أكثر تشريعات العالم؛ فالربا مكروه في كل البلاد، وفي جميع العصور؛ ومن ثم لجأ
стр. 15213
المشرع إلى تحديده للتخفيف من رزاياه، وهذا هو المبرر القوي الذي حمل القانون في هذه الحالة على التدخل ".
ثم يقول: " وسنرى فيما يلي كيف كره المشرع المصري الربا، فحدد لفوائد رءوس الأموال سعرا قانونيا وسعرا اتفاقيا، وتشدد في مبدأ سريان هذه الفوائد، وأجاز استرداد ما يدفع زائدا على السعر المقرر، وأعفى المدين في حالات معينة من دفع الفوائد، حتى في الحدود التي قررها، ومنع تقاضي الفوائد على متجمد الفوائد، في هذه وغيرها آيات على كراهية المشرع (المصري) للربا، وعلى الرغبة في التضييق منه "، ثم يقول: " وقد زاد التقنين الجديد على التقنين القديم في كراهية الربا " اهـ الوسيط جزء ٣ ص (٨٨).
وكما يرى القارئ: فإن المفهوم الشائع للربا المشار إليه آنفا ظل في الفقه العربي الحديث محتفظا باسم الربا، مع خروج التقنينات العربية على هذا المفهوم بإباحة بعض صوره على سبيل الاستثناء.
وفي موضع آخر من مصادر الحق ج ٢ ص (٣٦٤)، يصف الدكتور السنهوري القرض بفائدة بأنه: " أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة ".
والمقصود من كل ما سبق أن الربا ظل محتفظا بمفهومه المشار إليه، بالرغم من ممارسة الناس له، إما بصفة قانونية أو بصفة غير قانونية.
إن هذه الحقيقة مهمة جدا؛ لأن هذه الورقة سوف تعود إليها بالإشارة وبالاستدلال، بين حين وآخر.
стр. 15214
المحاولات التوفيقية:
قبل استعراض هذه المحاولات، من المهم الإشارة إلى بعض الأسس التي سيرجع إليها في المناقشة.
معروف أن لفظ الربا ورد في القرآن الكريم في أربعة مواضع: في سورة الروم.
стр. 15215
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)، وفي سورة آل عمران ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٢)، وفي سورة النساء ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٣)، وفي سورة البقرة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٧)، وبعض هذه الآيات نزل في مكة، وبعضها في المدينة، ويلاحظ هنا.
١ - أن كلمة الربا، حيثما تكررت في القرآن، يجب افتراض أن لها مفهوما واحدا، حتى يقوم من الأدلة ما يثبت أنها وردت بمفاهيم مختلفة، ومن غير المنطقي القول بأن الربا في سورة البقرة وآل عمران والروم لا يدخل في مفهوم الربا الوارد في سورة النساء، ولا منازعة في أن هذا اللفظ يقصد به الربا الذي يمارسه اليهود عند نزول الوحي، ولا منازعة في أن الصورة الأصلية لهذا الربا هي دفع الشخص المال لشخص آخر لأجل معلوم في نظير زيادة يدفعها المدين مع رأس المال؛ (أي ما يسمى الآن القرض بفائدة).
٢ - أن بعض الألفاظ في نصوص القرآن والحديث نقلت من معانيها الأصلية إلى معان شرعية؛ كالصلاة نقلت من مجرد الدعاء إلى الحركات الخاصة
стр. 15216
الشرعية، وكالوضوء نقل إلى الهيئة الخاصة بغسل الأعضاء التي ورد بها الشرع، ولكن ألفاظا أخرى بقيت بمفهومها المعروف عند الناس، وإن كان هذا المفهوم قد ألحق به مفاهيم أخرى، وردت بها النصوص، ومن هذه الألفاظ الأخيرة، مثلا لفظ (الزنا) يدخل فيه بحكم الأصل المفهوم المعروف لدى الناس وقت نزول الوحي، وإن كان قد ألحق به كل اتصال جنسي بين رجل وامرأة لا يقوم بينهما عقد الزوجية الشرعي كالزواج بالمحارم، ومثل (الربا) يدخل فيه بحكم الأصل المفهوم المعروف لدى الناس وقت نزول الوحي، كما يدخل فيه التصرفات المالية التي وردت بها الأحاديث الثابتة، كبيوع ربا الفضل.
وإذن فإن دعوى خروج صور من المفهوم المعروف لدى الناس عند نزول الوحي لكلمة ربا، وادعاء أنه غير مقصود بالنص، دعوى على خلاف الأصل.
٣ - مع احتفاظ النصوص بالمفهوم المعروف عند الناس لكلمة الربا، فقد ألحقت بهذا المفهوم في التحريم صور يجمعها في الغالب أنها ذريعة لارتكاب الربا بالمفهوم المعروف، وهذا يعني تأكيد هذا المفهوم وتأكيد حكم التحريم.
٤ - إن الربا بالمفهوم المعروف كان يمارس في المجتمع القرشي الجاهلي بصور مختلفة؛ منها الصورة المشهورة حين يحل أجل الدين، فيطلب الدائن من المدين: إما أن يدفع له دينه، أو أن يزيد في قيمته، في نظير تمديد الأجل.
ولكن الصورة الغالبة والشائعة -كما تقتضي طبائع الأشياء- هي الصور الغالبة في المجتمعات الأخرى، وهي ما يطلق عليه في الوقت الحاضر القرض بفائدة، ومعلوم أن الصورتين من جنس واحد هو أخذ الدائن زيادة من جنس الدين في نظير انتفاع المدين بالدين. وعلى هذا الأساس يفهم ما ورد من الأخبار بأن الربا المعروف عند الجاهلية هو صورة إما أن تقضي، وإما أن تربي، فليس المقصود نفي غير هذه الصورة
стр. 15217
بعينها، وإنما نفي ما هو من غير جنسها، بمعنى آخر نفي الصورة التي تدخل في المعنى الواسع الذي جاء به الإسلام، كربا الفضل مثلا.
٥ - وحتى لو افترض أن قريشا في الجاهلية لم تكن تمارس من صور الربا إلا صورة (إما أن تقضي أو تربي)، فغير قريش كاليهود مثلا بالتأكيد كانوا يمارسون الربا بالصورة الشائعة، والقرآن لما نزل بتحريم ربا الجاهلية لم يقصد جاهلية خاصة، وإنما حرم كل ربا الجاهلية، الموجود عند نزوله، سواء جاهلية قريش أم جاهلية الشعوب الأخرى، ولا يقول عاقل بأن الربا الذي شنع الله به على اليهود، وقرنه بجنسه من جرائمهم من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وأخبر عن عقابه لهم بسببه في الدنيا والآخرة قد أحله للمسلمين.
وإذا لوحظ ما سبق تبين حقيقة التصورات الوهمية التي بنت عليها غالب المحاولات التوفيقية لقسر الإسلام على قبول الفائدة الربوية، ولا بد من أخذ هذا الأمر بالاعتبار؛ إذ إن هذه الورقة سوف تكرر الإسناد إليه.
وسنبدأ استعراض الحلول التوفيقية، وسوف يكون مرجعنا في الغالب (١)، مصادر الحق في الفقه الإسلامي الجزء الثالث، في بحث الربا، باعتبار أن هذا المرجع اشتمل على عرض ومناقشة أهم المحاولات التوفيقية.
стр. 15218
استعراض المحاولات التوفيقية:
أولا: محاولة الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ .
وردت عدة فتاوى للشيخ محمد رشيد رضا في المنار، كان هدفها التماس مخرج للمسلمين الذين يودعون أموالهم في البنوك في العالم الإسلامي، وأغلبها بنوك أجنبية، وكلها كانت يدا مبسوطة للمستعمر للتحكم الاقتصادي.
стр. 15219
فافترض الشيخ محمد رشيد أن الربا الذي كانت تمارسه قريش على صورة واحدة، هي صورة (إما أن تقضي وإما أن تربي)؛ حيث يوجد دين ناشئ عن بيع أو قرض إلى أجل، وعند حلول الأجل يطلب الدائن من المدين: إما الوفاء أو زيادة الدين، نظير تمديد الأجل، ثم افترض أن الربا الذي صرحت بتحريمه آيات سورة البقرة مقصود به هذه الصورة فقط من صور الربا.
ولما كانت نصوص الحديث الثابتة صريحة في إدخال صور أخرى، ومنها بيوع ربا الفضل؛ حيث يباع مال ربوي كالذهب والتمر بجنسه نقدا، بزيادة نظير الاختلاف في النوعية مثلا، ومنها بيع ربا النسيئة؛ حيث يباع المال الربوي بمثله نسيئة أي إلى أجل بزيادة نظير الأجل، ومن ضمنها ما يسمى في الوقت الحاضر القرض بفائدة، فافترض أن هذه الصور ورد النهي عنها، لا لأنها مقصودة بالنهي بالذات، وإنما لأنها ذريعة إلى الصورة الخاصة من الربا التي افترض أن القرآن ورد بالنهي عنها على نحو ما سبق.
ثم افترض أن النهي في الصور الأخرى يحتمل الكراهة، لا التحريم، أو أن المراد به خلاف الأولى، وأن الراوي فهم أن المراد التحريم.
وبناء على ما سبق رأى أنه يمكن إخراج القروض البنكية بفائدة من مفهوم الربا المحرم؛ فيجوز للمسلم -ولاسيما في ظروف الفتوى- أن يأخذ فائدة عن أمواله التي يودعها في البنك، واضح أن هذه المحاولة تحصر الربا المحرم في منطقة ضيقة جدا من المفهوم المعروف عند الناس للربا، حيث تتحدد هذه المنطقة بصورة من صور الفوائد التأخيرية الاتفاقية، وهي الصورة التي يتم فيها الاتفاق على الربا، عند حلول أجل الدين؛ فهي تخرج من الربا المحرم بالنص كل صور الفوائد التعويضية، سواء كانت فائدة بسيطة أو فائدة مركبة، وسواء كانت فائدة قليلة أو فائدة فاحشة؛ أي أنها تخرج -فيما عدا الصورة المشار إليها- كل الصور التي تحرمها التشريعات العلمانية الحديثة، بما فيها التقنينات العربية، والتي تعتبرها هذه التشريعات والتقنينات من صميم الربا، وتعاقب عليها كأي جريمة جنائية.
стр. 15220
إن أستاذين كبيرين من أساتذة القانون العربي لم يستطيعا أن يقبلا هذه المحاولة، على أساس أنها تقصر التحريم على صورة مزعومة لربا الجاهلية المحرم؛ فحسب تعبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري: " غني عن البيان أن القول بأن ربا الفضل وربا النسيئة إنما نهي عنهما في الحديث الشريف نهي كراهة لا نهي تحريم لا يتفق مع ما أجمعت عليه المذاهب "، " الذي انعقد عليه الإجماع أن كل ذلك ربا محرم، لا ربا مكروه فحسب ".
وحسب تعبير الدكتور زكي الدين بدوي: (قول الشيخ محمد رشيد إن النهي عن بيع الأصناف الواردة في الحديث كان تورعا، لإفادة أن بيعها خلاف الأولى، أو كان للكراهية فقط لا للتحريم فدعوى تتعارض مع ظواهر نصوص الأحاديث، والمأثور عن الصحابة؛ فظاهر الأحاديث يفيد التحريم؛ إذ يطلق على هذه البيوع لفظ ربا، ومعلوم إثمه، وما خص به من شديد الوعيد) " دلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الإفهام ".
ويضاف إلى اعتراضات الأستاذين المشار إليهما ما يأتي.
١ - لو فرض أن لفظ (الربا) في آيات سورة البقرة (مجملة) فإن القاعدة الأصولية أنه يرجع في تبيين المجمل في القرآن إلى نصوص القرآن، وإلى صحيح السنة النبوية؛ فآية سورة النساء تبين أن مفهوم هذه اللفظة (الربا) الذي اعتاد اليهود على ممارسته، وهو إقراض النقود لأجل بفائدة، وثبوت هذا لا ينازع فيه إلا مكابر، كما أن الأحاديث الثابتة ثبوتا قطعيا، والصريحة في دلالتها لا تجعل مجالا للشك في دخول القرض لأجل بفائدة في مفهوم الربا.
٢ - أن الربا بهذا المفهوم هو المعروف عند الناس، عند نزول الوحي، فلا يجوز صرف معناه عن هذا المفهوم إلا بدليل، ولم تقدم المحاولة دليلا قويا أو ضعيفا ثابتا أو غير ثابت على ذلك.
٣ - أن صرف اللفظ إلى هذا المفهوم الضيق يخرج ربا النسيئة عن مفهوم الربا المحرم، وهذا مخالف لإجماع الأمة، من عصر الرسول صلى الله
стр. 15221
عليه وسلم، حتى عصر الشيخ محمد رشيد؛ إذ لم يوجد فضلا عن أن ينقل خلاف في تحريم ربا النسيئة ولا سيما ربا النسيئة في الأثمان - القرض لأجل بفائدة.
٤ - تمييز الشيخ محمد رشيد بين الصور الخاصة من الربا التي قصر عليها التحريم بأنها منهي عنها لذاتها، وصور ربا النسيئة الأخرى بأنها منهي عنها لغيرها؛ أي لكونها ذريعة إلى الصورة الأولى تمييز تحكمي لا دليل عليه.
٥ - يكفي في وضوح أن الافتراض الذي أسست عليه المحاولة هو تصور وهمي لا حقيقة له معرفة أن هذا الافتراض يقضي بأن الإسلام يجيز عددا من صور ربا النسيئة التي استقر في الضمير الإنساني كراهيتها، واعتبارها سلوكا غير أخلاقي، بل إن التشريعات العلمانية تحرمها وتجرمها وتعاقب عليها.
стр. 15222
ثانيا: محاولة الدكتور معروف الدواليبي:
في أسبوع الفقه الإسلامي المنعقد في باريس عام ١٩٥١، قدم الدكتور معروف الدواليبي محاولة لإباحة الفوائد البنكية وشبهها، وملخص هذه المحاولة: افتراض أن الربا المحرم إنما يكون في القروض التي يقصد بها إلى الاستهلاك، لا إلى الإنتاج؛ ففي هذه المنطقة منطقة الاستهلاك يستغل المرابون حاجة المعوزين والفقراء، ويرهقونهم بما يفرضون عليهم من ربا فاحش، أما اليوم وقد انتشرت الشركات، وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج لا استهلاك فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور في الواقع، من تطور في الأحكام، ويتضح ذلك بوجه خاص عندما تقترض الشركات الكبيرة والحكومات من صغار المدخرين؛ فإن الآلة تنعكس والوضع ينقلب، ويصبح المقترض -أي الشركات والحكومات- هو الجانب القوي المستغل، ويصبح المقرض -أي صغار المدخرين- هو الجانب الضعيف الذي تجب حمايته، فيجب إذن أن يكون لقروض الإنتاج حكمها في الفقه الإسلامي، ويجب أن يتمشى هذا الحكم مع طبيعة هذه القروض، وهي طبيعة تغاير مغايرة تامة طبيعة قروض
стр. 15223
الاستهلاك، والحل الصحيح أن تباح قروض الإنتاج بقيود وفائدة معقولة، ويمكن أن تخرج إباحة مثل هذه القروض على قاعدة أن الضرورات تبيح المحرمات، أو قاعدة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، كما لو تدرع العدو بمسلم، فلا بد من قتل المسلم حتى يمكن الوصول إلى العدو.
ويرد الدكتور السنهوري هذه المحاولة بأنه: أولا: يصعب كثيرا من الناحية العملية التمييز بين قروض الإنتاج وقروض الاستهلاك، حتى تباح الفائدة المعقولة في الأولى وتحرم إطلاقا في الثانية، وقد يكون واضحا في بعض الحالات أن القروض قروض إنتاج، كما هو في العقود التي تعقدها الحكومات والشركات كمقترض، ولكن هناك صورا أخرى من الإقراض أكثرها وقوعا القروض التي يعقدها الأفراد مع المصارف والمنظمات المالية، فهل هي قروض إنتاج تباح فيها الفائدة، أو هي قروض استهلاك لا تجوز فيها؟ وهل نستطيع التمييز في كل حالة على حدة؛ فنبيح هنا ونحرم هناك؟ ظاهر أن هذا التمييز متعذر، فلا بد إذن من أحد أمرين: إما أن تباح الفائدة في جميع القروض، وإما أن تحرم في جميعها، وإذا افترضنا جدلا أنه يمكن تمييز قروض الإنتاج عن قروض الاستهلاك فإن تخريج جواز الفائدة في هذه القروض على قاعدة أن الضرورة تبيح المحظور لا يستقيم؛ فالضرورة في هذه القاعدة بالمعنى الشرعي ليست قائمة، وإنما قد تقوم الحاجة، ويجب التمييز في الحكم بين الأمرين الضرورة والحاجة.
ويضاف إلى رد الدكتور السنهوري ما يأتي.
ا - أن المحاولة تقيد مطلق لفظ الربا الوارد في النصوص، وتقييد المطلق يجب أن يتم وفق القواعد الأصولية المعروفة؛ فيجب أن يستند إلى دليل ثابت، ولم تقدم المحاولة دليلا ثابتا ولا غير ثابت، وتقييد مطلق النص بمجرد الرأي والذوق محض تحكم.
٢ - أن تقييد مطلق اللفظ على النحو الذي ذهبت إليه المحاولة مخالفة لإجماع الأمة من عصر الرسول ﷺ حتى وقت المحاولة.
стр. 15224
٣ - أن المحاولة مبنية على افتراض أن الحكمة من تحريم الربا منع استغلال الفقير، وأن هذه الحكمة منتفية في قروض الإنتاج، فينبغي أن ينتفي التحريم. إن هذا الافتراض مبني على تصور مخالف للقاعدة الأصولية؛ فأين الدليل على أن ما ذكر هو كل الحكمة من تحريم الربا؟ ولو فرضنا أن هذا هو كل الحكمة من تحريم الربا فإن القاعدة الأصولية أن الأحكام تدور مع العلة لا مع الحكمة؛ فمثلا الحكمة من قصر الصلاة في السفر -كما قيل- منع المشقة عن المصلي، ولكن وجود هذا الأمر في غير حالات السفر لا يبيح القصر، فلا يجوز للمريض قصر الصلاة، ولو كان إتمامها يشق عليه أكثر من المسافر، ويباح قصر الصلاة للمسافر، ولو انتفت المشقة كما في حالة المترفه في سفره.
إن القول بأن الحكمة من تحريم الربا منع استغلال الفقير، فإذا انتفى الاستغلال جاز الربا، هو تماما مثل أن يقول قائل: إن الحكمة من تحريم الزنا هو حفظ النسب، فإذا انتفى ضياع النسب بالزنا كما في حالة التعقيم انتفى التحريم.
٤ - أن هذا السبب المزعوم لتحريم الربا، وهو منع استغلال حاجة الفقير لا يدور وجودا وعدما مع كون القرض الربوي قرض إنتاج أو استهلاك، فاستغلال الحاجة منتف في بعض القروض الاستهلاكية، كما في اقتراض الثري لشراء يخت للنزهة مثلا، وهو هنا قرض مستهلك، واستغلال الحاجة موجود في بعض القروض الإنتاجية حالة اقتراض الحرفي الفقير لشراء ورشة يستغلها لكسب عيشه، وهو هنا قرض إنتاج.
٥ - لو سلم جدلا بأن الحكمة هي مناط الحكم، فمن قال أن كل الحكمة في تحريم الربا هي منع استغلال المقرض لحاجة المقترض؛ أي منع الأثر الضار في جانب المقترض؟ ألا يمكن أن يكون من الحكمة منع الأثر الضار للربا على المقرض؟ إن الآية الكريمة -في الواقع- أشارت إلى هذا الضرر بالنص على أن المقرض الذي يأكل الربا يقوم كما يقوم الذي
стр. 15225
يتخبطه الشيطان من المس، ويتعرض للمحق؛ فلا يربو قرضه عند الله، وذلك في مقابل الإشارة إلى أن المتصدق ينمو ماله، ويطهر وتتزكى نفسه، فلو انتفى الأثر الضار للربا على المقترض جدلا لبقي الأثر الضار للربا على المقرض.
ثم ما الذي يبرر أن نغفل عن الحكمة في تحريم الربا منع الأثر الضار على المجتمع، وقد أفاضت الكتابات قديما وحديثا في بيان الآثار السلبية للربا على المجتمع، سواء كانت هذه الآثار نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
٦ - لو افترض أن الحكمة من تحريم الربا هي منع استغلال حاجة المحتاج إلى المال، وافترض ارتفاع هذه المفسدة في حالة معينة فإن القول بحل الربا في هذه الحالات يكون مماثلا تماما لقول القائل: إن الحكمة من تحريم الزنا منع اختلاط الأنساب، فإذا ارتفعت هذه المفسدة في حالة معينة، كحالة استعمال منع الحمل، أو كون الرجل عقيما، أو المرأة عاقرا صار الزنا حلالا في هذه الحالات.
٧ - لقد افترضت المحاولة أن الحكمة من منع الربا هي حماية المقترض؛ لأنه الجانب الضعيف المحتاج للحماية، في حين أن المقترض في هذا العصر بنوك وحكومات هو الجانب القوي، أما المقرض فهم صغار المدخرين، فهم الجانب الضعيف المحتاج للحماية، لقد ركزت المحاولة على عملية القرض حينما يكون البنك مقترضا؛ أي متلقيا للودائع، وغفلت عن أن البنك سوف يعود، ولا يزال هو الجانب القوي، فيكون مقرضا، والمقرضون بالنسبة إليه جانب ضعيف، يستغل البنك حاجتهم للقرض، ولولا الحاجة ما اقترضوا.
٨ - إن الحكمة المزعومة وصف غير منضبط، تعتمد في الغالب على النية الباطنة، يتضح هذا بمثال من يقترض لشراء سيارة؛ فقد يشتريها لغرض توصيل أولاده للمدرسة، أو لغرض استعمالها لمتطلبات مؤسسة تجارية، أو لاستخدامها للتأجير، فمتى يعتبر القرض قرض إنتاج لا تتوفر فيه حكمة
стр. 15226
المنع أو قرض استهلاك تتوفر فيه؟
والأحكام التشريعية لا تبني على الأوصاف غير المنضبطة، وإنما قد تبني عليها الأحكام الخلقية، وهكذا فلا يمكن تصور قانون يصدر معتمدا في بناء أحكامه على مجرد الحكمة بما هي وصف غير منضبط، والإسلام ليس فقط عقيدة أو أحكاما متعلقة بالضمير، وإنما هو شريعة وقانون، وهذا هو السبب في أن القاعدة الأصولية اعتبرت العلة مناطا للحكم، ولم تعتبر الحكمة، والعلة في فقه القواعد الأصولية وصف منضبط.
٩ - إن كل ما تقدم يفسر أن المفهوم الشائع والمعروف للربا عند جميع الشعوب وفي مختلف العصور لم يعرف مثل هذه التفرقة التي أسست عليها المحاولة، وغرابة الفكرة كافية لعدم الانخداع بالبريق الشكلي لها.
لقد كنت أظن أن الدكتور معروف الدواليبي بعد أن اطلع على نقد الناقدين لمحاولته وتبينه عدم صحة الأساس الذي بنيت عليه قد تخلى عنها، ويبدو أن هذا قد حصل فعلا، ولكن بطريقة غريبة؛ إذ يبدو أنه بعد اطلاعه على مصادر الحق للدكتور السنهوري حاول أن يرقع محاولته بالأخذ بالمحاولات الأخرى التي شرحها كتاب مصادر الحق. إن هذا ما يظهر من بحث د. الدواليبي المنشور والمتداول بعنوان " حول موقف الشريعة من المصارف "الأحكام والقواعد العامة الشرعية ".
فقد استند إلى محاولة الشيخ محمد رشيد رضا المنوه عنها آنفا بادعاء أن الربا المحرم هو الربا الذي يعقد بعد حلول دين سابق؛ لتأجيل هذا الدين بعد حلوله، وقد سمى د. معروف هذا الربا ب "الربا القرآني! ".
كما أخذ بالفكرة التي بنيت عليها محاولة الدكتور السنهوري التي سيأتي الكلام عنها لاحقا، وذلك بادعاء أن الربا الذي يسميه "الربا القرآني " هو المحرم تحريم الغايات، وأن ما عداه من أنواع الربا محرم تحريم وسائل؛ لقد صنع د. معروف مثل ما يصنع الطبيب الذي لا يتبين له عند الكشف على مريضه طبيعة المرض، وإنما تقوم لديه احتمالات ثلاثة مثلا فيصرف لمريضه ثلاثة أدوية
стр. 15227
بافتراض إن لم يفد أحد الأدوية فسيفيد الآخر، ولكن الفرق أن الطبيب لا يصف ثلاثة أدوية متعارضة، أما بحث د. معروف فيستند إلى أفكار متناقضة في أسسها، ومن الطبيعي أن تكون متعارضة في نتائجها؛ إن د. معروف لم ينتبه إلى استحالة هذا التفكير من ناحية المنطق العام.
إن الإنسان لا يمكن أن يسير في وقت واحد في اتجاهين متعارضين، ولكن بحث د. معروف يسير في وقت واحد في اتجاه الشرق والغرب والشمال والجنوب، ليس أكثر من هذا دلالة على أن محاولة د. معروف الجديدة غير جادة، وعدم جدية المحاولة يجعل مناقشة الفكرة غير ذات جدوى؛ إن د. معروف يريد فقط أن يقول: إن القروض بفائدة غير محرمة، ولا يهمه على أي أساس استند هذا القول.
стр. 15228
ثالثا: وجدت محاولة ثالثة لعدد من الكتاب ملخصها:
أن القرض بفائدة هو القرض الذي جر منفعة في كلام الفقهاء، وهذا القرض ليس هو الربا المحرم بالنص، وإنما هو مقيس عليه، وليس هو الربا المحرم، وإنما يشتمل على شبهة الربا، وهذا هو السبب في تحريمه عند من يرى تحريمه من الفقهاء، والدليل الذي يستند عليه في تحريم مثل هذا القرض حديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، وهذا الحديث معلول وليس ثابتا، وتحريم القرض الذي جر نفعا تحريمه موضع خلاف بين الفقهاء، بل إنه في بعض صوره جائز عند أكثرهم.
يقول الدكتور السنهوري: (قد يكون غريبا أننا لم نعالج في صور الربا حتى الآن الصورة المألوفة التي تتكرر كل يوم، وهي صورة القرض بفائدة؛ فإن جميع أنواع الربا التي عرضنا لها إنما هي بيوع لا قروض، فهل القرض يدخل في العقود الربوية؟ يبدو هذا السؤال غريبا، فإن القرض هو أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة، ولكن الواقع أن القرض في الفقه الإسلامي ليس أصلا من أصول العقود الربوية؛ إذ البيع هو الأصل، ويقاس على البيع الربوي القرض الذي يجر منفعة) (ويتبين من النصوص أن القرض إذا
стр. 15229
تضمن زيادة مشروطة، وهذه هي الفائدة بعينها، فإن هذا لا يجوز، ولكن لا لأن الزيادة المشروطة ربا، بل لأنها تشبه الربا؟ والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب).
إن المحاولة تستند على تصور وهمي؛ فهي مؤسسة على وهم لا على حقيقة، وهذا ظاهر من أن أصحاب المحاولة فهموا أن القرض في لغة الفقه الحديث هو القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي، ولم ينتبهوا إلى أنه مع اتفاق الألفاظ فإن طبيعة العقدين مختلفة؛ فالقرض في لغة البنوك أو لغة الفقه الحديث وهو القرض بفائدة عقد معاوضة ومشاحة، الأجل عنصر لازم فيه، أما القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي فهو عقد تبرع وإرفاق، والأجل ليس بلازم فيه، يقول الكاساني في البدائع جزء٧ ص ٣٩٦: (والأجل لا يلزم في القرض، سواء كان مشروطا في العقد أو متأخرا عنه، بخلاف سائر الديون، والفرق من وجهين: أحدهما أن القرض تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، ولا يملكه من لا يملك التبرع، فلو لزمه الأجل لم يبق تبرعا، فيتغير المشروط بخلاف الديون، والثاني أن القرض يسلك به مسلك العارية، والأجل لا يلزم في العواري).
إن القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي في مقابل القرض بفائدة في الاصطلاح المعاصر في مستوى عقد العارية في مقابل عقد الكراء.
إن القرض بفائدة في الاصطلاح الحديث يسمى في اصطلاح الفقه الإسلامي بيعا ربويا، وبحثه أساسا إنما يتم في باب الربا، لا في باب القرض، إنما يقابل القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي ما يسمى في العصر الحاضر بالقرض الحسن.
يقع في هذا المفهوم الخاطئ الكتاب الإسلاميون غير المختصين في الفقه؛ ولذلك يستشهدون على تحريم الربا بالحديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، كما أن الكتاب الذين يميلون إلى إباحة القروض البنكية المعاصرة يجادلون بأن هذا الحديث معلول. في حين أن الفقهاء لا يستدلون بهذا الحديث على
стр. 15230
تحريم الربا؛ ولذلك لا يوردونه في باب الربا، وإنما يوردونه في باب القرض بالاصطلاح الإسلامي، ويقصد بجر القرض للمنفعة أي فائدة طارئة يستفيد بها المقرض في القرض الحسن، ومن أمثلة ذلك التي يذكرها الفقهاء مكافأة المقترض للمقرض، اعترافا بجميله وردا لإحسانه بالقرض بدون شرط، أو شرط المقرض أمرا يستفيد منه (دون زيادة في مبلغ القرض)، كما لو شرط الوفاء في بلد آخر؛ لأن له غرضا في الوفاء فيه، فيستفيد بهذا الشرط إسقاط خطر الطريق، وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف، أما لو أقرضه لأجل، بشرط أن يرد إليه مبلغ القرض بزيادة فهذا لا خلاف بين الفقهاء على تحريمه؛ لأن العقد ينقلب في هذه الحال من قرض بالاصطلاح الفقهي الإسلامي إلى بيع ربوي.