المنع أو قرض استهلاك تتوفر فيه؟
والأحكام التشريعية لا تبني على الأوصاف غير المنضبطة، وإنما قد تبني عليها الأحكام الخلقية، وهكذا فلا يمكن تصور قانون يصدر معتمدا في بناء أحكامه على مجرد الحكمة بما هي وصف غير منضبط، والإسلام ليس فقط عقيدة أو أحكاما متعلقة بالضمير، وإنما هو شريعة وقانون، وهذا هو السبب في أن القاعدة الأصولية اعتبرت العلة مناطا للحكم، ولم تعتبر الحكمة، والعلة في فقه القواعد الأصولية وصف منضبط.
٩ - إن كل ما تقدم يفسر أن المفهوم الشائع والمعروف للربا عند جميع الشعوب وفي مختلف العصور لم يعرف مثل هذه التفرقة التي أسست عليها المحاولة، وغرابة الفكرة كافية لعدم الانخداع بالبريق الشكلي لها.
لقد كنت أظن أن الدكتور معروف الدواليبي بعد أن اطلع على نقد الناقدين لمحاولته وتبينه عدم صحة الأساس الذي بنيت عليه قد تخلى عنها، ويبدو أن هذا قد حصل فعلا، ولكن بطريقة غريبة؛ إذ يبدو أنه بعد اطلاعه على مصادر الحق للدكتور السنهوري حاول أن يرقع محاولته بالأخذ بالمحاولات الأخرى التي شرحها كتاب مصادر الحق. إن هذا ما يظهر من بحث د. الدواليبي المنشور والمتداول بعنوان " حول موقف الشريعة من المصارف "الأحكام والقواعد العامة الشرعية ".
فقد استند إلى محاولة الشيخ محمد رشيد رضا المنوه عنها آنفا بادعاء أن الربا المحرم هو الربا الذي يعقد بعد حلول دين سابق؛ لتأجيل هذا الدين بعد حلوله، وقد سمى د. معروف هذا الربا ب "الربا القرآني! ".
كما أخذ بالفكرة التي بنيت عليها محاولة الدكتور السنهوري التي سيأتي الكلام عنها لاحقا، وذلك بادعاء أن الربا الذي يسميه "الربا القرآني " هو المحرم تحريم الغايات، وأن ما عداه من أنواع الربا محرم تحريم وسائل؛ لقد صنع د. معروف مثل ما يصنع الطبيب الذي لا يتبين له عند الكشف على مريضه طبيعة المرض، وإنما تقوم لديه احتمالات ثلاثة مثلا فيصرف لمريضه ثلاثة أدوية
стр. 15227
بافتراض إن لم يفد أحد الأدوية فسيفيد الآخر، ولكن الفرق أن الطبيب لا يصف ثلاثة أدوية متعارضة، أما بحث د. معروف فيستند إلى أفكار متناقضة في أسسها، ومن الطبيعي أن تكون متعارضة في نتائجها؛ إن د. معروف لم ينتبه إلى استحالة هذا التفكير من ناحية المنطق العام.
إن الإنسان لا يمكن أن يسير في وقت واحد في اتجاهين متعارضين، ولكن بحث د. معروف يسير في وقت واحد في اتجاه الشرق والغرب والشمال والجنوب، ليس أكثر من هذا دلالة على أن محاولة د. معروف الجديدة غير جادة، وعدم جدية المحاولة يجعل مناقشة الفكرة غير ذات جدوى؛ إن د. معروف يريد فقط أن يقول: إن القروض بفائدة غير محرمة، ولا يهمه على أي أساس استند هذا القول.
стр. 15228
ثالثا: وجدت محاولة ثالثة لعدد من الكتاب ملخصها:
أن القرض بفائدة هو القرض الذي جر منفعة في كلام الفقهاء، وهذا القرض ليس هو الربا المحرم بالنص، وإنما هو مقيس عليه، وليس هو الربا المحرم، وإنما يشتمل على شبهة الربا، وهذا هو السبب في تحريمه عند من يرى تحريمه من الفقهاء، والدليل الذي يستند عليه في تحريم مثل هذا القرض حديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، وهذا الحديث معلول وليس ثابتا، وتحريم القرض الذي جر نفعا تحريمه موضع خلاف بين الفقهاء، بل إنه في بعض صوره جائز عند أكثرهم.
يقول الدكتور السنهوري: (قد يكون غريبا أننا لم نعالج في صور الربا حتى الآن الصورة المألوفة التي تتكرر كل يوم، وهي صورة القرض بفائدة؛ فإن جميع أنواع الربا التي عرضنا لها إنما هي بيوع لا قروض، فهل القرض يدخل في العقود الربوية؟ يبدو هذا السؤال غريبا، فإن القرض هو أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة، ولكن الواقع أن القرض في الفقه الإسلامي ليس أصلا من أصول العقود الربوية؛ إذ البيع هو الأصل، ويقاس على البيع الربوي القرض الذي يجر منفعة) (ويتبين من النصوص أن القرض إذا
стр. 15229
تضمن زيادة مشروطة، وهذه هي الفائدة بعينها، فإن هذا لا يجوز، ولكن لا لأن الزيادة المشروطة ربا، بل لأنها تشبه الربا؟ والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب).
إن المحاولة تستند على تصور وهمي؛ فهي مؤسسة على وهم لا على حقيقة، وهذا ظاهر من أن أصحاب المحاولة فهموا أن القرض في لغة الفقه الحديث هو القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي، ولم ينتبهوا إلى أنه مع اتفاق الألفاظ فإن طبيعة العقدين مختلفة؛ فالقرض في لغة البنوك أو لغة الفقه الحديث وهو القرض بفائدة عقد معاوضة ومشاحة، الأجل عنصر لازم فيه، أما القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي فهو عقد تبرع وإرفاق، والأجل ليس بلازم فيه، يقول الكاساني في البدائع جزء٧ ص ٣٩٦: (والأجل لا يلزم في القرض، سواء كان مشروطا في العقد أو متأخرا عنه، بخلاف سائر الديون، والفرق من وجهين: أحدهما أن القرض تبرع، ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال، ولا يملكه من لا يملك التبرع، فلو لزمه الأجل لم يبق تبرعا، فيتغير المشروط بخلاف الديون، والثاني أن القرض يسلك به مسلك العارية، والأجل لا يلزم في العواري).
إن القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي في مقابل القرض بفائدة في الاصطلاح المعاصر في مستوى عقد العارية في مقابل عقد الكراء.
إن القرض بفائدة في الاصطلاح الحديث يسمى في اصطلاح الفقه الإسلامي بيعا ربويا، وبحثه أساسا إنما يتم في باب الربا، لا في باب القرض، إنما يقابل القرض في اصطلاح الفقه الإسلامي ما يسمى في العصر الحاضر بالقرض الحسن.
يقع في هذا المفهوم الخاطئ الكتاب الإسلاميون غير المختصين في الفقه؛ ولذلك يستشهدون على تحريم الربا بالحديث: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، كما أن الكتاب الذين يميلون إلى إباحة القروض البنكية المعاصرة يجادلون بأن هذا الحديث معلول. في حين أن الفقهاء لا يستدلون بهذا الحديث على
стр. 15230
تحريم الربا؛ ولذلك لا يوردونه في باب الربا، وإنما يوردونه في باب القرض بالاصطلاح الإسلامي، ويقصد بجر القرض للمنفعة أي فائدة طارئة يستفيد بها المقرض في القرض الحسن، ومن أمثلة ذلك التي يذكرها الفقهاء مكافأة المقترض للمقرض، اعترافا بجميله وردا لإحسانه بالقرض بدون شرط، أو شرط المقرض أمرا يستفيد منه (دون زيادة في مبلغ القرض)، كما لو شرط الوفاء في بلد آخر؛ لأن له غرضا في الوفاء فيه، فيستفيد بهذا الشرط إسقاط خطر الطريق، وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف، أما لو أقرضه لأجل، بشرط أن يرد إليه مبلغ القرض بزيادة فهذا لا خلاف بين الفقهاء على تحريمه؛ لأن العقد ينقلب في هذه الحال من قرض بالاصطلاح الفقهي الإسلامي إلى بيع ربوي.
стр. 15231
رابعا: محاولة السنهوري:
ومضمون هذه المحاولة -كما يلخصه أستاذنا الدكتور عبد الرزاق السنهوري، غفر الله له- بما يأتي: " الأصل في الربا في جميع صوره التحريم، سواء كان ربا الجاهلية أو ربا النسيئة أو ربا الفضل أو ربا القرض، على أن هناك صورة هي أشنع هذه الصور وأشدها استغلالا للمعوز والفقير، وهي الصورة التي نزل فيها القرآن منذرا ومتوعدا؛ صورة الربا الذي تعودته العرب في الجاهلية، فيأتي الدائن مدينه عند حلول أجل الدين، ويقول: إما أن تقضي وإما أن تربي.
والإرباء معناه أن يزيد الدين على المستحق، في مقابل إطالة الأجل، وهذا أشبه بما نسميه اليوم بالفوائد أو الربح المركب، هذه الصورة من الربا في العصر الحاضر هي التي تقابل ربا الجاهلية، وهي محرمة تحريما قاطعا لذاتها، تحريم مقاصد لا تحريم وسائل؛ فهي التي تجر الويل على المدين، وتضاعف رأس المال في سنوات قليلة، وهي الصورة التي محقها الله في القرآن الكريم؛ ومن ثم لا يجوز الربا في هذه الصورة أصلا، بل إن نظرية الضرورة ذاتها لا تتسع لهذا الجواز؛ فإن الضرورة الملحة التي تلجئ كلا من المدين والدائن على التعامل بالربا على هذا النحو الضرورة التي يكون من شأنها أن تبيح الميتة والدم
стр. 15232
لا يمكن تصورها، وحتى إذا أمكن تصورها في حق المدين، فإنه لا يمكن تصورها في حق الدائن.
أما الصور الأخرى من الربا، الفائدة البسيطة للقرض وربا النسيئة وربا الفضل، فهذه أيضا محرمة، ولكن التحريم هنا تحريم للوسائل لا للمقاصد، وقد حرمت سدا للذرائع، ومن ثم يكون الأصل فيها التحريم، وتجوز استثناء، إذا قامت الحاجة إليها، والحاجة هنا معناها مصلحة راجحة، في صورة معينة من صور الربا، تفوت إذا بقي التحريم على أصله، عند ذلك يجوز هذه الصورة، استثناء من أصل التحريم، وتجوز بقدر الحاجة القائمة، فإذا ارتفعت الحاجة عاد التحريم، وفي نظام اقتصادي رأسمالي -كالنظام القائم في الوقت الحاضر في كثير من البلاد- تدعو الحاجة العامة الشاملة إلى حصول العامل على رأس المال اللازم حتى يستغله بعمله.
وقد أصبحت شركات المضاربة والقراض ونحوها غير كافية للحصول على رأس المال اللازم، حقا إن شركات المساهمة وشركات التوصية تسمح في كثير من الأحوال بأن يستثمر صاحب رأس المال ماله في شراء أسهم هذه الشركات، فيشترك في الربح والخسارة، ولكن القروض هي الوسيلة الأولى في النظام الاقتصادي الرأسمالي للحصول على رءوس الأموال، فما دامت الحاجة قائمة للحصول على رأس المال من طريق القرض، وما دام رأس المال ليس ملك الدولة، بل هو ملك الفرد فمن حقه أن يبغي عليه أجرا معتدلا، لا يظلم فيه ولا يظلم، ما دامت الحاجة قائمة إلى كل ذلك فإن فائدة رأس المال في الحدود المذكورة تكون جائزة، استثناء من أصل التحريم.
نقول في الحدود المذكورة، ونقصد بذلك أولا: أنه لا يجوز بحال -مهما كانت الحاجة قائمة- أن نتقاضى فوائد على متجمد الفوائد، ثانيا: وحتى بالنسبة للفائدة البسيطة، يجب أن يرسم لها المشرع حدودا لا تتعداها، وذلك حتى تقدر الحاجة بقدرها، وحتى بعد كل هذا فإن الحاجة إلى الفائدة لا تقوم إلا في نظام رأسمالي كالنظام القائم، فإذا تغير هذا النظام، عند ذلك يعاد النظر في تقدير الحاجة، فقد لا تقوم الحاجة، فيعود الربا إلى أصله من التحريم".
стр. 15233
المناقشة:
قبل أن نبدأ مناقشة هذه المحاولة، لا بد من الإشارة إلى أنها تعتبر أذكى المحاولات، وأكثرها اعتدالا، وأقربها إلى شكل المنطق الفقهي، وأحراها بالقبول لو بنيت على أسس حقيقية، ولكن عقب " أخيلوس " (١)، في هذه المحاولة، ونقطة الضعف فيها هي نفسها الموجودة في المحاولة الأولى (محاولة الشيخ محمد رشيد رضا)، وهي البناء على افتراضات غير صحيحة، فهي تفترض:
أولا: أن القرآن نزل بتحريم الربا الذي يمارسه العرب في الجاهلية دون غيره من صور الربا.
ثانيا: افتراض أن الربا الذي يمارسه العرب في الجاهلية قاصر على صورة من صور الربا، وهي صورة إما أن تقضي أو تربي.
ثالثا: أنه وإن كان ولاشك في تحريم كل صور الربا الأخرى بثبوت النصوص، وصراحة دلالتها على التحريم فإن الصور الأخرى محرمة تحريم وسائل، لا تحريم مقاصد؛ بحيث تجوز عند الحاجة وبقدرها.
رابعا: أن الحاجة التي يعتبرها الشرع للرخصة في فعل ما حرم لغيره أو ما حرم تحريم وسائل قائمة في قضية الحال.
وقد أوضحنا عند مناقشة المحاولة الأولى عدم صحة الافتراضين الأولين؛ فالقرآن نزل بتحريم الربا الذي تمارسه كل الجاهليات، وليس جاهلية العرب وحدهم، والعرب في الجاهلية لم تكن ممارستهم للربا قاصرة
стр. 15234
على صورة (إما أن تقضي أو تربي)، وذلك بدلالة النصوص، وبدلالة ما تقتضيه طبائع الأمور في بيئة تجارية، سبقت الإشارة إلى وصفها، والوهم الذي نشأ عن فهم ما ورد من أن قريشا أو العرب في الجاهلية كانوا يعرفون أو يمارسون فقط صورة (إما أن تقضي أو تربي)، بأن المقصود أنهم لا يعرفون غير هذه الصور، هذا الوهم أوجبه الغفلة عن النصوص الأخرى، وعن استيعاب الأسلوب العربي في التعبير؛ إذ ترد مثل هذه العبارة، ولا يقصد بها عين الصورة التي وردت بها، وإنما جنسها؛ فيقصد بالعبارة هنا جنس الصورة الشاملة لكل ربا النسيئة، أو على الأقل لربا النسيئة في الأثمان، وهذا ما فهمه الفقهاء الأقدمون، كما هو واضح من كلام ابن القيم في أعلام الموقعين مثلا.
ولو سلم بالافتراض الثاني جدلا فلا شك أن التحريم الوارد في القرآن في آيات البقرة شامل لربا جاهلية اليهود مثلا، بدليل آية النساء، ولم يقل أحد إن اليهود لم يكونوا يمارسون من الربا إلا صورة إما أن تقضي أو تربي.
والافتراض الثالث: أن صور الربا -عدا صورة إما أن تقضي أو تربي- محرم تحريم وسائل لا مقاصد غير صحيح؛ لأنه مجرد دعوى بدون دليل، والتفريق بين ما حرم تحريم مقاصد، وما حرم تحريم وسائل لا بد من ثبوته بالدليل، وابن القيم الذي أخذ منه السنهوري فكرة التفريق بين ما حرم تحريم وسائل، وما حرم تحريم مقاصد لم يصف ربا النسيئة بأنه محرم تحريم مقاصد، وربا الفضل بأنه محرم تحريم وسائل بمجرد الرأي، أو بناء على الاحتمال، وإنما بناء على الدليل المنصوص، وهو حديث أسامة: «إنما الربا في النسيئة (١)»، وحديث أبي سعيد: «فإني أخاف عليكم الرما (٢)»؛ أي الربا، حيث الحصر في الحديث الأول يدل على تميز ربا النسيئة بأنه ربا كامل حقيقي، وحيث إن النبي ﷺ صرح في الحديث الثاني بعلة تحريم ربا الفضل، وهو خوف الوقوع في الربا الحقيقي.
بقي التنبيه على فارق فني دقيق بين افتراض محاولة الشيخ رشيد رضا أن ربا الجاهلية المحرم هو صورة إما أن تقضي أو تربي، وافتراض محاولة الأستاذ السنهوري أن ربا الجاهلية المحرم تحريم مقاصد هو الربح المركب، واقتضاء الفوائد على متجمد الفوائد.
стр. 15235
أن حقيقة صورة (إما أن تقضي أو تربي) الاتفاق بين الدائن والمدين، عند حلول أجل الدين، (مهما كانت صفته، سواء كان ناشئا عن بيع أم عن قرض)، على زيادة في الدين مقابل تمديد الأجل، وحقيقة هذه المعاملة أنها فائدة تأخيرية اتفاقية، تم الاتفاق عليها بين الدائن والمدين عند حلول أجل الدين.
ومثل هذه المعاملة لا تتم بالضرورة في صورة الربح المركب، بل إنه يمكن أن تتم صورة الفائدة البسيطة، كما أنه من ناحية أخرى يمكن الاتفاق على الربح المركب، أو على سعر مختلف للفائدة، عند إبرام الاتفاق على الدين لأول مرة. أما صورة (أن تقضي أو تربي) فإنما يتم الاتفاق عليها عند حلول أجل الدين.
وتحوير صورة إما أن تقضي أو تربي إلى صورة الربح المركب نقطة ضعف إضافية، تحسب على محاولة الأستاذ السنهوري. لا سيما، وأنه لم يقدم دليلا يستند إليه في هذا التحوير.
والافتراض الرابع بأن الحاجة قائمة لإباحة الفائدة البسيطة، على سبيل الاستثناء، بسبب أن النظام الاقتصادي أو المصرفي القائم في البلاد هو النظام الرأسمالي الغربي، وأن القروض في هذا النظام هي الوسيلة الأولى للحصول على رأس المال اللازم للمشروعات الإنتاجية، هذا الافتراض مردود؛ (أولا) بأنه يمكن المنازعة في أن القروض هي الوسيلة الأولى لتمويل الاستثمار، حتى في النظام الرأسمالي الغربي، والواقع لا يشهد لهذه الدعوى؛ فمثلا في الولايات المتحدة في عام ١٩٨٠ م من جملة إجمالي الإنفاق الرأسمالي البالغ ١‚ ٢٩٩ بليون دولار في المنشآت والشركات غير المالية، تم التمويل عن طريق القروض بمبلغ ٢‚ ٢٨ مليون دولار؛ أي أقل من نسبة ٥‚ ٩%.
ومردود (ثانيا) بأن الحاجة المعتبرة شرعا هي التي يلجأ إليها الإنسان، ولا اختيار له عنها، ومعروف أن القوانين -وهي من صنع الإنسان- تغييرها في مجال إرادة الإنسان، فلو أراد أي بلد إسلامي تغيير النظام المصرفي الرأسمالي، القائم على الفائدة لأمكنه ذلك على الأقل بالنسبة للمعاملات المحلية، وقد أثبتت التجارب المعاشة إمكانية ذلك في الواقع.
стр. 15236
وقد وقع الأستاذ السنهوري في وهم غريب، عندما نقل عن ابن عباس وبعض الصحابة أنهم خالفوا الجمهور في عدم تحريم ربا النسيئة وربا الفضل، عدا الصورة المشهورة؛ إما أن تقضي أو تربي، وهي التي افترض أنها صورة الربا الوحيدة المعروفة في الجاهلية، والغرابة تأتي من أن في نقول الأستاذ نفسه ما ينفي هذا الوهم، (انظر مثلا ما نقله عن ابن رشد في مصادر الحق ج ٣ ص، ٢٤٨)، كما أن الثابت قطعا أن الخلاف الذي نسب إلى ابن عباس وبعض الصحابة إنما يتناول ربا الفضل، لا ربا النسيئة؛ لأن الخلاف مؤسس على ما يقتضيه الحصر في حديث أسامة: «إنما الربا في النسيئة (١)»، أما ربا النسيئة كله فلم ينقل أي خلاف في تحريمه، بل الأمة مجمعة على تحريمه، على أنا لا نطيل الحديث عن هذا الوهم؛ لأنه ليس أساسيا في محاولة الأستاذ السنهوري، وإن كان له أثر عليها.
بقي أن ينوه بأن محاولة الأستاذ السنهوري امتازت عن المحاولات الثلاث الأولى: بأنها نجت من الوقوع في الخطأ الجسيم وهو إباحة القروض بفائدة على الإطلاق، فقد اعترفت محاولة السنهوري بثبوت النصوص وصراحة دلالتها على تحريم كل صور الربا، بما فيها صورة القرض بفائدة، سواء كانت تأخيرية أو تعويضية، وسواء كانت بسيطة أم مركبة. وأن الأصل في كل صور الربا التحريم، وحينما حاولت الترخيص في القروض بفائدة في بعض صورها على سبيل الاستثناء حددت هذه الرخصة بنطاق الحاجة، وبقدر ما تقضي به، ونوهت أنه حينما تنتفي الحاجة ترجع الصورة المرخص فيها إلى أصل التحريم.
стр. 15237
مستقبل المحاولات التوفيقية:
رأينا -فيما سبق- أن كل المحاولات اشتركت في نقطة ضعف هي بالنسبة لها مثل عقور إخيلوس في الميثولوجيا القديمة؛ إذ تشترك في محاولة إخراج صور القرض بفائدة من مفهوم ربا النسيئة، وهذا الربا بجميع صوره محرم بالإجماع، والنصوص الواردة بتحريمه قطعية الثبوت؛ إذ هي إما نصوص القرآن، أو نصوص الحديث المتواتر تواترا معنويا، وقطعية الدلالة، وتحريم ربا
стр. 15238
النسيئة بمختلف صوره، سواء كان في الأثمان أم في غيرها من الأموال الربوية التي ورد بها النص، وأجمعت عليها الأمة، من ضروريات الدين، ومعروف حكم استباحة ما تحريمه معلوم من الدين بالضرورة.
ولهذا؛ فإن المانع وجد وسيظل باقيا مشكلا الاستحالة الشرعية لقبول أي محاولة لإباحة القروض البنكية بفائدة، وإذا كان لا بد لوجود أي وضع شرعي صحيح من انتفاء المانع ووجود الموجب فهل يوجد موجب لمثل المحاولات التوفيقية موضوع المناقشة؟ إن فكرة "الموجب " المستحيلة والتي سيطرت على أذهان أصحاب المحاولات التوفيقية في الماضي ينبغي بحكم الظروف المتغيرة أن تكون قد تزعزعت في الوقت الحاضر.
стр. 15239
لماذا لا يوجد موجب لمحاولة إباحة القروض بفائدة ؟
في خلال الثلاثين سنة الماضية حدثت تطورات مهمة ملخصها فيما يلي:
أولا: لقد تغير اتجاه حل الإشكال الاقتصادي المشار إليه في مقدمة هذه الورقة إلى الاتجاه الصحيح، فبدلا من افتراض أن النظام الاقتصادي الرأسمالي بمؤسساته ووسائله ونظمه هو قدر البلاد وواقعها الذي لا سبيل إلى الإفلات من قيوده، وأنه وقد تعذر تغيير الواقع لتنسجم مع الإسلام فلا بد من تغيير الأحكام الإسلامية لتنسجم مع الواقع، بدلا من ذلك اكتشف الوعي الإسلامي (نتيجة للدراسات المتعمقة في الفقه الإسلامي، ومحاولة استفادة الحلول منه) أن تغيير الواقع غير مستحيل.
لقد وجد كم كبير ومبارك من الكتابات التي عنيت بإيضاح الوسائل الشرعية البديلة، سواء أكان ذلك في مجال الاستثمار أو التمويل، وإلى تطوير الصيغ والأدوات المصرفية وتحويرها لكي تقوم بالوظائف المطلوبة منها، وفي الوقت نفسه تكون موافقة للشريعة.
стр. 15240
ثانيا: إن الأفكار النظرية وحدها لم تكن لتقوى على تحرير الفكر، وزعزعة التصور الذي ساد قبل ثلاثين عاما في أذهان المثقفين المسلمين عن نظام الفائدة الربوية، لو لم توجد إمكانية لوضع تلك الأفكار النظرية موضع التطبيق، ولو لم تتح فرصة اختبارها في ظروف الواقع، واجتيازها لهذا الاختبار بنجاح.
وقد أمكن في خلال السنوات الماضية وجود أكثر من خمسين مؤسسة مصرفية تستخدم الأساليب الإسلامية، وتحرر معاملاتها من الفائدة الربوية، وقد حاز بعضها نجاحا كبيرا بمختلف المعايير، صحيح أن عددا قليلا منها لم يوفق تمام التوفيق بسبب سوء الإدارة لنقص الإخلاص أو نقص الكفاءة، أو بسبب ظروف خارجية، ولكن نجاح مؤسسة من هذه المؤسسات دليل كاف على كفاءة الأساليب المالية الإسلامية التي طبقتها؛ إذ لو تخلفت كفاءتها لاستحال نجاح المؤسسة، وعلى العكس من ذلك فإن فشل بعض هذه المؤسسات لا يدل على عدم كفاءة الأساليب الإسلامية؛ لأن الفشل له أسباب كثيرة أخرى كما أشرنا.
ويجب أن نتذكر أنه في تجارب العامل مع المؤسسات المصرفية التي اعتمدت نظام الفائدة الربوي تكررت الإخفاقات، ولا حاجة للتذكير بأبرزها في المملكة العربية السعودية، وهو انهيار البنك الوطني؛ لأنه كابوس لا ينسى.
ولم يقتصر الأمر على قيام مؤسسات مصرفية تعتمد الأساليب المالية الإسلامية، بل إن أكبر دولة إسلامية بعد أندونيسيا -وهي الباكستان - أعلنت تقريرها عام ١٩٨٥ تؤكد فيه: أنها حررت فروع بنوكها المحلية البالغة ٧٠٠٠ فرع من نظام الفائدة، وذلك باستثناء الاتفاقيات السابقة والمعاملات مع الخارج، كما انتهى الأمر بمجموعة الدول الإسلامية إلى أن تتفق على إنشاء بنك للتنمية يسعى لتحقيق أهدافه، ويؤدي أعماله، ملتزما عدم مخالفة أحكام الشريعة، ومتحررا من لعنة الربا، فقام البنك الإسلامي للتنمية ويسير في طريقه بخطى ثابتة.
стр. 15241
ثالثا: مع أن النقد الذي يوجه من قبل علماء الاقتصاد لنظام الفائدة قديم إلا أنه في الآونة الأخيرة برز الاهتمام بهذا الموضوع على نطاق واسع، وذلك كأثر لمجموعة من التجارب، وإنجاز عديد من الدراسات والإحصاءات، وقد انقشعت الغشاوة عن عدد من علماء الاقتصاد المسلمين الذين درسوا الاقتصاد الغربي، وأدركوا نقط الضعف فيه، فلم تعد تلك الهالة المضيئة التي تحيط بنظام الفائدة مانعة لهم من وضوح الرؤية وإدراك الحقيقة، والتمييز بينها وبين الأوهام.
ونكتفي في هذا المقام بالإشارة على سبيل المثال لعمل الدكتور عمر شابرا، كبير خبراء مؤسسة النقد العربي السعودي، الذي ظهر له في لندن منذ ثلاث سنوات كتابه المعنون ب ( Towards ajast monetary system) ، ويتضمن هذا الكتاب دراسة علمية لعدد من الوسائل الاقتصادية الشرعية، وأثبتت بوضوح امتياز هذه الوسائل وكفايتها لأن يستند عليها نظام اقتصادي سليم.
ولكن هذا الأمر لا يعنينا في هذا المجال، وإنما سنهتم بنتيجة الموازنة العلمية الدقيقة، بين الوسائل الشرعية والوسائل الربوية التي تضمنها الفصل الخامس من الكتاب. فبالاستناد إلى الاكتشافات والأفكار الاقتصادية الحديثة، وبالرجوع إلى أساطين الاقتصاد الغربي المعاصرين، وإلى الإحصاءات وتقارير الخبراء ثبت عدم كفاية الوسائل الربوية (أو نظام الفائدة) كأساس يعتمد عليه في البناء الاقتصادي السليم، وذلك على النحو الذي نلخصه فيما يلي (وإن كان هذا التلخيص تلخيصا مبتسرا، قد لا يقدم الصورة بالوضوح والقوة الذي جاءت به في الكتاب).
" ما مدى كفاءة نظام الفائدة كأساس للاقتصاد؟ إنه من حيث إن المعروف أن الاقتصاد القوي السليم يجب أن يتوافر له -من ضمن ما يتوافر- شروط أربعة هي: (١) القدرة على التخصيص الأمثل للموارد.
стр. 15242
(ب) المناخ الاستثماري الإيجابي، الذي يشجع على الادخار والتكوين الرأسمالي.
(ج) الاستقرار.
(د) قابلية النمو الاقتصادي.
فقد أوضح الكتاب أن نظام الفائدة الربوي عاجز عن توفير هذه الشروط، وذلك على النحو التالي:
١ - فمن ناحية التخصيص الأجدى للموارد، يلاحظ أن للفائدة وظيفة رئيسية مفترضة؛ هي أنها وسيلة لتخصيص الأموال النادرة المقدمة من المدخرين إلى المستثمرين بطريقة موضوعية، على أساس القدرة على دفع الثمن، وإذا تغير الطلب على الأموال القابلة للإقراض، أو تغير عرضها تم عند معدل فائدة مختلف التوصل إلى توازن جديد.
إن هذه المقولة مبنية على افتراض أن المعدل النقدي للفائدة يعتبر أداة ناجحة لتخصيص الموارد بطريقة مثالية، ولكن هذا الافتراض غير صحيح؛ إذ يوجد في الواقع دليل مقنع على العكس، وقد تجمعت لدى انزلر وكونراد وجونسن أدلة تثبت أن رأس المال الحالي أسيء تخصيصه -ربما إلى حد خطير- بين قطاعات الاقتصاد. إن افتراض بريتو في تخصيص الموارد لا يوجد إلا في عالم الأحلام، عالم نموذج التوازن التنافسي الكامل.
إن معدل الفائدة التوازني لا يوجد إلا في الكتب المدرسية فقط، أما في الواقع فلا يوجد معدل مقاصة سوقية فعالة، بل هناك مزيج نظري من معدلات قصيرة الأجل وطويلة الأجل، مع فروق واختلافات هائلة في مستوياتها، ولا يوجد مفهوم واضح لكيفية توحيد هذه المعدلات المتعددة في معيار واحد، إن معدل الفائدة -في الحقيقة والواقع- تعبير عن المفاضلة، لا لصالح المقترض الأجدى إنتاجا، بل لصالح الأكثر غنى؛ لأن المعيار في الواقع هو الجدارة الائتمانية، فكلما كانت الجدارة الائتمانية للشخص أكبر كان معدل الفائدة الذي يدفعه أقل، والعكس بالعكس، وبذلك تحصل المنشأة الكبيرة
стр. 15243
(بغض النظر عن مدى حاجتها للتمويل، ومدى درجتها في الجدوى الإنتاجية)، تحصل على أموال أكثر، بسعر فائدة أقل، وذلك فقط بسبب ارتفاع درجة تصنيفها الائتماني، بمعنى آخر فإن المنشأة الكبيرة التي هي أقدر على تحمل عبء الفائدة تحمل عبئا أقل، وعلى العكس فإن المنشأة المتوسطة أو الصغيرة التي قد تكون ذات إنتاجية أعظم، بمقياس المساهمة في الناتج الوطني تحصل على مبالغ أقل بكثير نسبيا، وبأسعار فائدة أعلى بكثير، وهذا يعني أن الكثير من الاستثمارات الأجدى إنتاجية بالقوة لا توجد بالفعل؛ بسبب عدم قدرتها التنافسية في الحصول على القروض التي تنساب إلى مشاريع أقل جدوى إنتاجية، ولكنها متقدمة في سلم التصنيف الائتماني.
وبهذا يتضح أن معيار الفائدة ليس معيارا موضوعيا للجدوى الإنتاجية للمنشأة، وإنما معيار متحيز من معايير التصنيف الائتماني، وهذا هو أحد الأسباب في النظام الرأسمالي للنمو السرطاني للمنشآت الكبيرة، واختناق المنشآت المتوسطة والصغيرة، ويقع هذا -بصفة خاصة- في حالة ارتفاع معدل الفائدة، إن زيادة تدفق الائتمان إلى الأغنياء في النظام الربوي صار حقيقة معترفا بها على نطاق واسع؛ يقول جالبريت على سبيل المثال: "إن المنشأة الكبيرة عندما تقترض تحظى بصفة العميل المفضل لدى المصارف وشركات التأمين "، ويقول: " إن أولئك الأقل حاجة إلى الاقتراض هم المفضلون، وأولئك الأكثر حاجة إلى الاقتراض هم الأقل حظا في نظام المنافسة السوقية ".
٢ - وبالنسبة لأثر الفائدة على الادخار والتكوين الرأسمالي، فيجب أن نلاحظ أولا: أنه لخلق مناخ استثماري إيجابي نشط لا بد من المحافظة الدائمة على العدالة والتوازن بين المدخرين والمستثمرين، ثم نشير إلى أنه بسبب المعدل الاجتماعي للتفضيل الزمني فقد يعتقد بأن للفائدة دائما دورا إيجابيا مطردا على الادخار والتكوين الرأسمالي، غير أنه بدراسة الواقع فإن الدلائل الإحصائية لا تشير إلى وجود ترابط كبير بين الفائدة والادخار في البلاد الصناعية، أما في البلدان النامية: فإن أغلب الدراسات توضح أنه:
стр. 15244
لا تأثير لمعدل الفائدة على الادخار على الإطلاق، وحتى من الناحية النظرية: فإن عددا من الاقتصاديين يرفض افتراض بوم باورك التفضيل الزمني الإيجابي، حتى أن جراف شكك بأن له وجودا فعليا بالمرة.
على أن آراء آخرين تقول: إن التفضيل الزمني لدى المستهلك الرشيد قد يكون موجبا أو صفرا أو سالبا، وقد لاحظ ساملسون: " أن الأدلة تهدي إلى أن بعض الناس يقل ادخارهم بدل أن يزيد عند ارتفاع معدل الفائدة، وأن البعض يزيد ادخارهم في تلك الحالة، وأن الكثير لا يتأثر ميلهم للادخار في حالة الارتفاع أو الانخفاض ".
من الطبيعي أن يعاني المدخرون إذا كانت الفائدة منخفضة، وأن يعاني المستثمرون إذا كانت مرتفعة، وأن الظلم الواقع في توزيع المردود بين المدخر والمستثمر بسبب معدلات الفائدة المتغيرة أو الثابتة يؤدي إلى تشويه جهاز الثمن، وإلى سوء تخصيص الموارد، ومن ثم إلى تباطؤ التكوين الرأسمالي.
لقد كان ارتفاع معدل الفائدة مانعا كبيرا من الاستثمار في النظام الرأسمالي، ولما كانت تكاليف الفائدة تقتطع من الأرباح فقد أنتج هذا تآكل ربحية الشركات، وهو ما اعتبر في تقرير مصرف التسويات الدولية (عاملا كبير الأهمية في إضعاف الحجم الكلي للاستثمار، وقد أدت معدلات التكوين الرأسمالي المنخفضة في الولايات المتحدة إلى إيجاد دور وتسلسل؛ حيث إن هبوط الإنتاجية أدى إلى تقليل القدرة على تعويض التكلفة المرتفعة للقرض، وهذا أدى إلى هبوط في الربحية، وهبوط أكثرها في معدل التكوين الرأسمالي، فزاد اعتماد المنشآت على الديون التي إنما تحصل عليها بمعدل مرتفع للفائدة.
وبالمقابل: فإن معدلات الفائدة المنخفضة لا تقل ضررا عن المرتفعة؛ ففي حين أن المرتفعة تضر المستثمرين فإن المنخفضة تضر المدخرين، وقد شجعت معدلات الفائدة المنخفضة على الاقتراض من أجل الاستهلاك، فزادت بذلك الضغوط التضخمية، كما شجعت الاستمارات غير الإنتاجية، وزادت من حدة المضاربة في أسواق السلع والأوراق المالية.
стр. 15245
وبالجملة: فقد أنتجت خفض المعدلات الإجمالية للادخار، وتدني نوعية الاستثمارات وأحدثت قصورا في التكوين الرأسمالي.
٣ - وبالنسبة لأثر الفائدة على الاستقرار الاقتصادي فإن المؤكد أن الفائدة من أهم العوامل المخلة بالاستقرار في الاقتصاد الرأسمالي؛ لذا لم يكن غريبا أن يجيب في عام ١٩٨٢ ميلتون فردمان عن السؤال على أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل في الاقتصاد الأمريكي، بأن الإجابة البديهية هي السلوك الطائش الموازي في معدلات الفائدة).
إن التقلبات الطائشة في معدل الفائدة تحدث تحولات لولبية في الموارد المالية بين المستفيدين منها. إن زيادة تقلب معدل الفائدة تحقن السوق المالي بكثير من الشكوك، وهذا من شأنه تحويل المقرضين على السواء من الأجل الطويل إلى الأجل القصير في سوق المال، واستمرار التقلب في نصيب الفائدة في مجموع عائد رأس المال المستثمر يجعل من الصعب اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل بثقة.
ومن ناحية أخرى: فإن الثابت أنه في ظل نظام تعويم المعدل في سوق قصيرة الأجل، أنه كلما ارتفع معدل الفائدة ارتفع معدل الإفلاس التجاري للمنشآت؛ وذلك بسبب الهبوط المفاجئ في نصيب المنشأة من مجموع العائد على رأس المال، لا بسبب عدم كفاءة المنشأة، ونحن نعرف أن الإفلاسات التجارية لا تقتصر فقط على الخسارة الشخصية لمالكي المنشأة، بل تستتبع الانخفاض في العمالة والناتج والاستثمار والطاقة الإنتاجية، وهي خسائر يصعب وتطول فترة تعويضها، وبديهي أن لكل هذه العوامل آثارا خطيرة على الاستقرار الاقتصادي.
لسنا في حاجة إلى إيضاح أثر تقلب معدلات الفائدة، على القلق في الأسواق المالية والسلع، " ولما كانت هذه الأسواق للاقتصاد الرأسمالي بمثابة مقياس الضغط الجوي فإن التقلبات التي تحدثها الفائدة على هذه الأسواق تعكس تأثيرا موجبا للاضطراب على الاقتصاد بجملته.
وأخيرا، فبالنسبة لتأثير الفائدة على إجراءات السياسة النقدية فإن
стр. 15246
البنك المركزي في إمكانه إما أن يراقب معدلات الفائدة، أو يراقب رصيد النقود.
فإذا ما حاول تثبيت معدل الفائدة فقد السيطرة على عرض النقود، وإذا ما حاول تحقيق نمو معين في عرض النقود تقلبت معدلات الفائدة، وبخاصة القروض القصيرة الأجل. وقد دلت التجربة على أنه من المستحيل تنظيم كلا العنصرين بتواز يمكن معه السيطرة على التضخم دون إضرار بالاستثمار، ونستشهد بهذه العبارة المتحفظة في تقرير مصرف التسويات الدولية لعام ١٩٨٢ م: " إن التقلب الشديد في معدلات الفائدة يمكن أن يسهم في التقلبات الحادة في النشاط الاقتصادي، كما قد يؤدي إلى مشكلات هيكلية، سواء في الاقتصاد أو في النظام المالي ".
٤ - بالنسبة لتأثير الفائدة على النمو الاقتصادي نشير إلى أن الفاعلية الاقتصادية تعاق كثيرا بوجود حالة الشك الذي يصعب معه التوقع للمستقبل، فلا يملك معه المستثمرون القدرة ولا الجرأة على التخطيط لاستثمارات طويلة الأجل، وأن الاعتماد في التمويل على القروض الربوية من شأنه أن يوجد مناخا للشك؛ إذ يزداد الخطر الذي يواجهه المستثمر (المنظم)؛ لأن نصب عينه دائما أن الفائدة الربوية لا بد من دفعها، بصرف النظر عن ربحية المشروع.
وتزيد حدة الشك إذا تقلبت معدلات الفائدة تقلبا طائشا، ولا سيما إذا تضمن عقد التمويل معدلا عائما للفائدة، كما هو المتبع بصفة عامة في الوقت الحاضر. وبصعوبة القيام باستثمارات طويلة الأجل، فإن الاستثمار في النهاية يعاني من هبوط الإنتاجية، وانخفاض معدل النمو. ومن المعروف أنه عندما ارتفعت معدلات الفائدة في السبعينات هبطت نسبة إجمالي الاستثمار الثابت المحلي إلى إجمالي الناتج الوطني في البلدان الغربية، كما انخفض النمو الدولي انخفاضا كبيرا في كل مكان عما كان عليه في العقود التي أعقبت الحرب العالمية مباشرة.
ومن المعترف به أن الأداء الاستثماري الأفضل هو مفتاح النمو الأسرع، ومع الأسف فإن خفض معدل الفائدة ليس علاجا ناجحا لهذه الحالة؛ لأن ذلك لا يزيل حالة الشك في
стр. 15247
المستقبل، لا سيما إذا أخذ في الاعتبار العجز المرتفع المتكرر في موازنات بعض الدول الصناعية الرئيسية.
إن ما تقدم يمثل اختصارا مخلا لما ورد في الكتاب، ولكن لعله يكون كافيا لإقناع القارئ بهذه الفرضية: أننا ننساق مع الوهم -إلى حد كبير- حينما نظن أن تبني الاقتصاد الرأسمالي نظام (الفائدة الربوية) هو سبب ازدهار هذا الاقتصاد وقوته، بل الصحيح القول: إن لازدهار الاقتصاد الرأسمالي أسبابا متعددة سادت، وهذا الازدهار بالرغم من (نظام الفائدة الربوية).
إن الأستاذ موريس ليه لا يعتبر من كبار الخبراء الاقتصاديين الفرنسيين فحسب، بل من كبار الخبراء الاقتصاديين العالميين، وقد حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٨٨، ونشرت له صحيفة لوموند الفرنسية مقالا في عددين منها؛ الأول بتاريخ ٢٧ - ٦ - ١٩٨٩ بعنوان مصيبة الائتمان، والثاني بتاريخ ٢٩ - ٦ - ١٩٨٩ بعنوان اضطراب الفكر الاقتصادي.
وبعد الإشارة إلى حادثة الاثنين الأسود، في عام ١٩٨٧ م؛ حيث انهارت الأسواق المالية، يشير المقال إلى قلق الكاتب من المشاكل التي تواجه الاقتصاد العالمي، التي تنذر بانهياره، إن لم يمكن معالجتها، ويرجع المسئولية في هذا الوضع إلى النظام البنكي الغربي، وينادي بإصلاح هذا النظام كشرط لمواجهة المشكلات؛ يقول الأستاذ موريس:: " إن أهم ما استنتجته هو أن الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر كما كان في عام ١٩٨٧ يكمن فيه عدم الاستقرار، وأن تطوره في المدى القصير وإلى حد كبير لا يمكن التنبؤ به، وأنه، لأجل القضاء على هذا الخلل الكامن من المناسب إدخال إصلاحات جوهرية على المؤسسات النقدية والمالية "، ويقول: " الاقتصاد العالمي كله يعتمد اليوم على أهرامات هائلة من الديون، كل هرم منها يرتكز على الآخر في توازن هش، فلم يلاحظ في
стр. 15248
الماضي أبدا، مثل هذا التراكم من وعود الدفع، ولم يكن هناك ما هو أصعب من معالجته؛ إن المشكلة الكبرى لاقتصاديات السوق الغربية -وهي في الواقع مشكلة لم تحل أبدا- هي: التقلبات الاقتصادية، وتغيرات القيمة الحقيقية للنقد، التي تعوق في الوقت نفسه فاعلية الاقتصاد، وعدالة توزيع الدخول، وضمان العمل والموارد، وأخيرا السلام الاجتماعي. إن عدم الاستقرار الاقتصادي، ونقص الإنتاج والظلم، ونقص التشغيل، والضنك والبؤس، وهي المصائب الكبرى لاقتصاديات السوق، وكل هذا مرتبط ارتباطا وثيقا بالمؤسسات النقدية والمالية للاقتصاديات الغربية "، " النشاط الاقتصادي غايته الأساسية إشباع حاجات الناس غير المحدودة، عمليا بموارد محدودة، تقع تحت تصرف هؤلاء الناس، ولكن من أجل بلوغ هذا الهدف، من الضروري أن يجري النشاط الاقتصادي في نطاق مؤسسي ملائم. للأسف! فإن التجربة تدل حتى الآن على الصعيد النقدي والمالي بشكل خاص أن هذه الوظيفة -إيجاد النطاق المؤسسي الملائم- لم يتم إنجازها بعد ".
يقول: " حتى الآن أمكن اجتناب الانهيار، ولكن صار من الصعب أكثر فأكثر مواجهة الاختلالات التوازنية التي لا يقدر أحد في الحقيقة على ضبطها والسيطرة عليها "، "كما في جميع الأزمان السابقة إننا نشهد في كل مكان لآلية الائتمان أثرها المولد لعدم الاستقرار، ولكن هذا الأثر أخذ اليوم في الازدياد على الصعيدين الوطني والدولي "، " إن آلية الائتمان كما تعمل اليوم تعتمد على الغطاء الجزئي للودائع، وعلى خلق النقود من لا شيء، وعلى الإقراض لأجل طويل أموال مقترضة لأجل قصير، كل هذا من شأنه إحداث زيادة جسيمة في أوجه الخلل الملاحظة؛ فالواقع أن جميع الأزمات الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين قد نشأت من فرط تزايد الائتمان، ووعود الدفع وتحويلها إلى نقود، كما نشأت من المضاربة التي أثارها هذا التزايد، وجعلها ممكنة ".
ويقول: " قدمت تحليلات متعددة خلال هذه السنوات الأخيرة. وأعجب ما في الأمر هو غياب أي تشخيص يحظى باتفاق عام. وثمة ما هو أكبر مغزى من ذلك، وهو أن أحدا لا يوجه الاتهام لأساس نظام
стр. 15249
الائتمان، كما يعمل حاليا؛ أي خلق نقود من لا شيء، عن طريق النظام المصرفي والسياسة، التي صارت عامة في تمويل القروض لآجال طويلة بأموال مقترضة لآجال قصيرة "، " الواقع أنه يجب على الصعيد الوطني، كما على الصعيد الدولي، أن يعاد النظر كليا في المبادئ الرئيسة التي يعتمد عليها النظام النقدي والمالي، وكما بينت سابقا فإن بنية مؤسسية ملائمة ستكون سهلة التحديد نسبيا، إذا ما استخلصت المبادئ الواجب مراعاتها انطلاقا من ملاحظة الوقائع، لا من المفاهيم المسبقة، مثل هذه البنية تتطلب في الوقت نفسه إصلاح آلية الائتمان، كما تعمل اليوم ".
ثم يقول: " من المؤكد أن المصالح القوية، لمجموعات الضغط النقدية والمالية والمذاهب المهيمنة، لن تؤيد هذه الإصلاحات، إن كل الوسائل المطبقة، وكل التدابير المتخذة، قد اجتمعت على موضوع واحد: تأجيل الإصلاحات الضرورية بفضل منح قروض جديدة، وإصدار وسائل دفع جديدة من لا شيء، وهذه في الواقع ليست سوى مسكنات، بدلا من تقرير اللجوء لمواجهة (مصالح) مجموعات الضغط، ما انفكوا يلجأون إلى سياسات سهلة ومسكنات وأوهام ".
" إنه لا يمكن، بدون خطورة، التقليل اليوم من اعتبار عدم الاستقرار الثاوي بعمق في أحشاء الاقتصاد العالمي، إن توازن الحاضر توازن قلق جدا وغير مستقر "، " الواقع أن معظم الصعوبات الحالية إنما تنشأ من جهة، عن عدم المعرفة الكلية بالشروط المالية والنقدية، لتشغيل كفؤ وعادل لاقتصاد السوق، ومن جهة أخرى من بنية غير ملائمة للمؤسسات المصرفية والأسواق المالية "، " لتذليل هذه الصعوبات، ولتأمين استقرار الاقتصاد وكفاءته - لا بد من إصلاح جذري للمؤسسات النقدية والمالية، وللأسف لا أحد يتكلم عنها! ".
لعله الآن قد اتضحت للقارئ هذه الحقيقة: إن اتهام نظام الفائدة البنكية والمؤسسة البنكية الغربية، بالمسئولية عن عدم الاستقرار الاقتصادي - ليست اتهاما بدون دليل.
стр. 15250
والحقيقة الواضحة أنه إذا كان لنظام الفائدة، في كثير من الأحوال، تأثير سلبي على الاقتصاد، كما شرح، وذلك في البلدان التي تتقبل اتجاهاتها الأخلاقية هذا النظام، فما ظنك بأثر هذا النظام على الاقتصاد، في بلاد استقر ضمائرها واتجاهها الخلقي كراهيته، إلى درجة أن تعتقد أنها بقبوله تأذن بالحرب على الله، وتعتقد أن نتيجته على سلوكها الاقتصادي المحق والدمار.
وهذه الحقيقة توجب الإشارة إلى حقيقة أخرى هي:
أنه لا بد لنجاح نظام اقتصادي، في بلد ما، أن يتناسق ويتناغم مع النظام الخلقي والقيم الثقافية التي تسود في ذلك البلد. ومن المستحيل أن يزدهر نظام اقتصادي أو أساليب اقتصادية في بلد، مع معارضة ذلك النظام أو تلك الأساليب للقيم الخلقية والمعتقدات السائدة، إن الشرط الأساسي لازدهار الاقتصاد، في بلد ما، أن يحوز لينسجم مع نظام البلد الأخلاقي، أو أن يحوز النظام الأخلاقي لينسجم مع الاقتصاد، وبدون ذلك يكون الاقتصاد كشجرة مغروسة في تربة ومناخ غير ملائم لها.
يمكن تلخيص ما سبق فيما يأتي:
ا - أن الربا ليس مفهوما غامضا، وإنما هو معاملة معروفة استقر، في الضمير الخلقي للإنسان منذ أقدم العصور، كراهيته واعتباره عملا غير أخلاقي.
٢ - أن هذا المفهوم ليس شيئا غير ربا النسيئة، حيث يدفع الممول المال لطالب التمويل لأجل، بشرط أن يرده بزيادة في مقابل الأجل.
٣ - الربا، بهذا المفهوم، كانت تمارسه جاهلية العرب، كما كانت تمارسه جاهلية اليهود عند نزول القرآن.
٤ - الربا بهذا المفهوم حرمته الشرائع السماوية؛ الموسوية، المسيحية، والإسلام، وذلك بمختلف صوره، ومهما كان حجمه.
٥ - في الماضي، وبسبب ضغوط الواقع، اتجه عدد من المفكرين المسلمين إلى محاولات للتوفيق بين واقع النظام المبني على نظام الفائدة والأحكام
стр. 15251
الإسلامية، وكان الاتجاه يرمي إلى محاولة إخراج القرض بفائدة عن مفهوم الربا، ولكن هذه المحاولات فشلت، بسبب الاستحالة الشرعية لاعتبار الصورة الأساسية لمفهوم الربا، خارجة عن مفهومه.
٦ - وبسبب الظروف المتغيرة التي تتلخص في الدراسات التي تعنى بالاتجاه المعاكس، وهو محاولة تغيير واقع النظام المصرفي، لينسجم مع الأحكام الشرعية، وبظهور المؤسسات التطبيقية الناجحة لهذه المحاولة، وببروز الاهتمام بنقد نظام الفائدة في ضوء التجارب والإحصاءات والدراسات، لا من علماء الاقتصاد المسلمين، بل من أساطين الاقتصاد الغربي.
بسبب هذه الظروف تبين أن الأمر لا يقتصر على وجود المانع من نجاح المحاولات التوفيقية، لتأسيس نظام الفائدة في المجتمع الإسلامي، بل يتعداه إلى عدم وجود موجب لمثل تلك المحاولات، وأن عدم وجود المانع ووجود الموجب شرطان لا بد منهما، لوجود وضع طبيعي سليم.
стр. 15252
خاتمة:
من الطبيعي أن توجد محاولات غير التي ناقشتها هذه الورقة، ومن الطبيعي أن تحشد محاولات كهذه الحجج والأدلة، "إن أية فكرة أو دعوى يمكن أن تقام لها أدلة اصطناعية"، وقد لا يستطيع غير المختص إدراك زيف تلك الحجج والأدلة، كما أن غير الخبير قد يخدع بالتزييف والتزوير.
وقد يحمي القارئ غير المختص، من الانخداع بالحجج الجدلية والأدلة الاصطناعية، أن يقتنع بهذه الحقيقة، إن من المستحيل (إخراج القرض بالفائدة) من مفهوم الربا الذي حرمه القرآن والسنة الصحيحة، وإجماع الأمة.
ويكفيه، ليقتنع بهذه الحقيقة، تصور ما يأتي:
ا - أن القرض بفائدة، بسيطة أو مركبة، صورة من صور دفع المال لأجل محدد لمن يضمن رده بزيادة في مقابل الأجل.
стр. 15253
٢ - إن دفع المال بالصورة المذكورة هو الربا المعروف في كل مكان وفى كل العصور، وهو الذي اعتبر رذيلة وسلوكا غير أخلاقي على مر التاريخ، وهو الربا الذي حرم في التوراة والإنجيل، وشنع الله على اليهود بارتكابه، وهو الربا الذي تحرمه وتعاقب عليه القوانين العلمانية المعاصرة؛ كالقانون الفرنسي الصادر في عام ١٩٣٥ م. والمادة ٦٤٤ من التقنين الجنائي الإيطالي الجديد، وذلك فيما عدا صور الربا البسيط الذي استثنته تلك القوانين.
٣ - إن الإسلام في أصل التحريم لا يفرق بين يسير الربا وكثيره، كما لا يفرق بين يسير الزنا وكثيره، أو يسير السرقة وكثيرها، وذلك يعني استحالة القول بإباحة القرض بالفائدة، دون استباحة أي قرض لأجل بزيادة.
٤ - إن النتيجة الحتمية للمقدمات السابقة أن القول بإباحة القرض بفائدة يعني القول بأن الإسلام يبيح الربا الذي استقر في ضمائر الشعوب اعتباره رذيلة وسلوكا غير أخلاقي، وحرمته الكتب السماوية، وشنع الله على اليهود بارتكابه، واعتبرته حتى القوانين العلمانية المعاصرة جريمة يعاقب عليها القانون.
وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 15254
من أصول أهل السنة والجماعة
إعداد
فضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
الحمد لله رب العالمين، هدانا للإسلام ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (١)، ونسأله سبحانه أن يثبتنا عليه إلى الوفاة. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٣).
وصلى الله وسلم على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد رسول الله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، ورضي الله عن أصحابه البررة الأطهار؛ المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. وبعد:
فهذه كلمات مختصرة في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، دعا إلى كتابتها ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من تفرق واختلاف؛ يتمثلان في كثرة الفرق المعاصرة والجماعات المختلفة. كل يدعو إلى نحلته ويزكي جماعته، حتى أصبح المسلم الجاهل في حيرة من أمره من يتبع؟ وبمن يقتدي؟ وأصبح الكافر الذي يريد أن يسلم لا يدري ما هو الإسلام الصحيح الذي قرأ وسمع عنه؛ الإسلام الذي هدى إليه القرآن وسنة النبي ﷺ ، الإسلام الذي مثلته حياة الصحابة الكرام، وانتهجته القرون المفضلة. وإنما يرى للإسلام أسماء في الغالب بدون مسمى، كما قال أحد
стр. 15255
المستشرقين: الإسلام محجوب بأهله، يعني المنتسبين إليه بدون اتصاف بحقيقته.
لا نقول إن الإسلام مفقود بالكلية؛ لأن الله ضمن بقاءه ببقاء كتابه، كما قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)، وببقاء جماعة من المسلمين تقوم على تطبيقه وحفظه والدفاع عنه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٣)، نعم هي الجماعة التي قال عنها الرسول ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله ﵎، وهم على ذلك (٤)». ومن هنا يجب علينا التعرف على هذه الجماعة المباركة التي تمثل الإسلام الصحيح، جعلنا الله منها؛ ليعرفها من يريد التعرف على الإسلام الصحيح، وعلى أهله الحقيقيين؛ ليقتدي بهم ويسير في ركابهم، ولينضم إليها من يريد الدخول في الإسلام من الكفار.
стр. 15256
المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة
كان المسلمون على عهد رسول الله ﷺ أمة واحدة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١)، وكم حاول اليهود والمنافقون تفريق المسلمين على عهد رسول الله ﷺ فلم يستطيعوا، قال المنافقون: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ (٢)، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٣)، حاول اليهود تفريق المسلمين، وارتدادهم عن دينهم:
стр. 15257
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١)، لكن الخطة لم تنجح؛ لأن الله كشفها وفضحها؛ حاولوا مرة ثانية، فأخذوا يذكرون الأنصار ما جرى بينهم من عداوة وحروب قبل الإسلام، وما تقاولوا به من أشعار الهجاء فيما بينهم، فكشف الله خطتهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (٢)، إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٣)، وجاء النبي ﷺ إلى الأنصار فوعظهم وذكرهم بنعمة الإسلام، واجتماعهم به بعد الفرقة- فتصافحوا وتعانقوا وفشلت خطة اليهود، وبقي المسلمون أمة واحدة، والله تعالى أمرهم بالاجتماع على الحق، ونهاهم عن الاختلاف والتفرق- فقال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٥).
وقد شرع لهم سبحانه الاجتماع في أداء العبادات في الصلاة والصيام والحج وطلب العلم. والنبي ﷺ كان يحث على اجتماع المسلمين، وينهاهم عن التفرق والاختلاف.
وكان ﷺ يخبر خبرا معناه الحث على الاجتماع والنهي عن التفرق، فكان يخبر بحدوث تفرق في هذه الأمة، كما حصل للأمم قبلها؛ حيث قال ﷺ : «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (٦)».
وقال ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة- كلها في النار إلا واحدة. قلنا من هي يا رسول
стр. 15258
الله- قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي (١)»، وقد وقع ما أخبر به ﷺ فتفرقت الأمة في أواخر عصر الصحابة، ولكن هذا التفرق لم يؤثر كثيرا في كيان الأمة، طيلة عصر القرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ بقوله: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (٢)»، قال الراوي: لا أدري ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. وذلك لوفرة العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء، بما فيهم علماء التابعين وأتباع التابعين والأئمة الأربعة وتلاميذهم، ولقوة دولة الإسلام في تلك القرون، فكانت الفرق المخالفة تجد الجزاء الرادع بالحجة والقوة.
وبعد انقضاء عصر القرون المفضلة، اختلط المسلمون بغيرهم من أصحاب الديانات المخالفة، وعربت علوم أهل الملل الكافرة، واتخذ ملوك الإسلام بعض البطانات من أهل الكفر والضلال، فصار منهم الوزراء والمستشارون، فاشتد الخلاف وتعددت الفرق والنحل، ونجحت المذاهب الباطلة، ولا يزال ذلك مستمرا إلى وقتنا هذا، وإلى ما شاء الله.
ولكن بحمد الله بقيت الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة متمسكة بالإسلام الصحيح، تسير عليه وتدعو إليه، ولا تزال ولن تزال بحمد الله؛ مصداقا لما أخبر به النبي ﷺ من بقاء هذه الفرقة واستمرارها وصمودها، وذلك فضل من الله سبحانه، من أجل بقاء هذا الدين وإقامة الحجة على المعاندين.
إن هذه الطائفة المباركة تمثل ما كان عليه الصحابة ﵃ مع الرسول ﷺ ، في القول والعمل والاعتقاد، كما قال ﷺ : «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي (٣)»، إنهم بقية صالحة من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).
стр. 15259
أسماء الفرقة الناجية ومعناها
لما كانت هذه الفرقة هي الفرقة السالمة من الضلال- تطلب الأمر معرفة أسمائها وعلاماتها؛ ليقتدى بها، فلها أسماء عظيمة تميزت بها من بين سائر الفرق، ومن أهم هذه الأسماء والعلامات: أنها الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة، ومعانيها كما يلي:
١ - أنها الفرقة الناجية؛ أي الناجية من النار، حيث استثناها النبي ﷺ لما ذكر الفرق وقال: «كلها في النار إلا واحدة (١)»؛ يعني ليست في النار.
٢ - أنها تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ حيث قال فيها النبي ﷺ : «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي (٢)».
٣ - أن أهلها هم أهل السنة والجماعة، فهم يتميزون بميزتين عظيمتين؛ الأولى: تمسكهم بسنة الرسول ﷺ ، حتى صاروا أهلها، بخلاف سائر الفرق؛ فهي تتمسك بآرائها وأهوائها وأقوال قادتها، فهي لا تنسب إلى السنة، وإنما تنسب إلى بدعها وضلالتها كالقدرية والمرجئة، أو إلى أئمتهم كالجهمية، أو إلى أفعالهم القبيحة كالرافضة والخوارج، والميزة الثانية أنهم أهل الجماعة؛ لاجتماعهم على الحق وعدم تفرقهم، بخلاف الفرق الأخرى لا يجتمعون على حق، وإنما يتبعون أهواءهم، فلا حق يجمعهم.
٤ - أنها الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة؛ لأنها نصرت دين الله فنصرها الله، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٣)، ولهذا قال فيها النبي ﷺ : «لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله ﵎ وهم على ذلك (٤)».
стр. 15260
أصول أهل السنة والجماعة
إن أهل السنة والجماعة يسيرون على أصول ثابتة وواضحة في الاعتقاد والعمل والسلوك، وهذه الأصول العظيمة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وهذه الأصول تتلخص فيما يلي:
الأصل الأول: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.
١ - فالإيمان بالله يعني الإقرار بأنواع التوحيد الثلاثة، واعتقادها والعمل بها، وهي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فتوحيد الربوبية معناه توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، وأنه رب كل شيء ومليكه، وتوحيد الألوهية معناه إفراد الله بأفعال العباد التي يتقربون بها إليه- إذا كانت مما شرعه الله؛ كالدعاء والخوف والرجاء والمحبة، والذبح والنذر والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والصلاة والصوم والحج، والإنفاق في سبيل الله، وكل ما شرعه الله وأمر به، لا يشركون مع الله غيره فيه، لا ملكا ولا نبيا ولا وليا غيرهم.
وتوحيد الأسماء والصفات معناه: إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وتنزيه الله عما نزه عنه نفسه، أو نزهه عنه رسوله ﷺ من العيوب والنقائص، من غير تمثيل ولا تشبيه، ومن غير تحريف ولا تعطيل ولا تأويل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وكما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢).
٢ - والإيمان بالملائكة معناه: التصديق بوجودهم، وأنهم خلق من خلق الله خلقهم من نور؛ خلقهم لعبادته، وتنفيذ أوامره في الكون، كما قال تعالى:
стр. 15261
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١) ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (٣).
٣ - والإيمان بالكتب يعني: التصديق بها، وبما فيها من الهدى والنور، وأن الله أنزلها على رسله لهداية البشر، وأعظمها الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة القرآن الكريم، وهو المعجزة العظمى؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤)، ويؤمن أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ حروفه ومعانيه، خلافا للجهمية والمعتزلة، القائلين بأن القرآن مخلوق كله حروفه ومعانيه.
وخلافا للأشاعرة، ومن شابههم، القائلين بأن كلام الله هو المعاني، وأما الحروف فهي مخلوقة، وكلا القولين باطل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٥)، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦)؛ فهو كلام الله لا كلام غيره.
٤ - والإيمان بالرسل يعني: التصديق بهم جميعا؛ من سمى الله منهم، ومن لم يسم، من أولهم إلى آخرهم. وآخرهم وخاتمهم نبينا محمد، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، والإيمان بالرسل إيمان مجمل، والإيمان بنبينا محمد ﷺ إيمان مفصل، واعتقاد أنه خاتم الرسل؛ فلا نبي بعده، ومن لم يعتقد ذلك فهو كافر، والإيمان بالرسل يعني أيضا: عدم الإفراط والتفريط في حقهم، خلافا لليهود والنصارى الذين غلوا وأفرطوا في بعض الرسل، حتى جعلوهم أبناء الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧)، والصوفية والفلاسفة فرطوا في حق الرسل، وتنقصوهم وفضلوا أئمتهم عليهم، والوثنيون والملاحدة
стр. 15262
كفروا بجميع الرسل. واليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى كفروا بمحمد، ومن آمن ببعضهم وكفر ببعضهم- فهو كافر بالجميع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣).
٥ - والإيمان باليوم الآخر يعني: التصديق بكل ما يكون بعد الموت، مما أخبر الله به ورسوله من عذاب القبر ونعيمه، والبعث من القبور والحشر، والحساب ووزن الأعمال، وإعطاء الصحف باليمين أو الشمال، والصراط والجنة والنار. والاستعداد لذلك بالأعمال الصالحة، وترك الأعمال السيئة والتوبة منها.
وقد كفر باليوم الآخر الدهريون والمشركون، واليهود والنصارى؛ لم يؤمنوا به الإيمان الصحيح المطلوب، وإن آمنوا بوقوعه ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٤)، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٥).
٦ - والإيمان بالقدر يعني: الإيمان بأن الله علم كل شيء؛ ما كان وما يكون، وقدر ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وأن كل ما يجري من خير وشر، وكفر وإيمان، وطاعة ومعصية- فقد شاءه الله وقدره وخلقه، وأنه يحب الطاعة ويكره المعصية.
وللعباد قدرة على أفعالهم، واختيار وإرادة لما يقع منهم من طاعة أو معصية- لكن ذلك تابع لإرادة الله ومشيئته، خلافا للجبرية الذين يقولون إن العبد مجبر
стр. 15263
على أفعاله، ليس له اختيار، وللقدرية الذين يقولون إن العبد له إرادة مستقلة، وأنه يخلق فعل نفسه، وأن إرادة العبد ومشيئته خارجة عن إرادة الله ومشيئته، وأنه يخلق فعل نفسه.
وقد رد الله على الطائفتين في قوله تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، فأثبت للعبد مشيئته ردا على الجبرية الغلاة، وجعلها تابعة لمشيئة الله ردا على القدرية النفاة.
والإيمان بالقدر يكسب العبد صبرا على المصائب، وابتعادا عن الذنوب والمعائب.
كما يدفعه إلى العمل، ويبعد عنه العجز والخوف والكسل.
стр. 15264
ثانيا: ومن أصول أهل السنة والجماعة، أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فليس الإيمان قولا وعملا دون اعتقاد؛ لأن هذا إيمان المنافقين، وليس هو مجرد المعرفة، وبدون قول وعمل؛ لأن هذا إيمان الكافرين الجاحدين؛ قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣).
وليس الإيمان اعتقادا فقط، أو قولا واعتقادا دون عمل؛ لأن هذا إيمان المرجئة، والله تعالى كثيرا ما يسمي الأعمال إيمانا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٧) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، سمى الصلاة إيمانا.
стр. 15265
ثالثا: ومن أصول أهل السنة والجماعة، أنهم لا يكفرون أحدا من المسلمين، إلا إذا ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام، أما الكبائر التي هي دون الشرك- فإنهم لا يحكمون على مرتكبها أي الكبائر بالكفر، إلا إذا دل دليل على كفره؛ كترك الصلاة تكاسلا، فإنه قد دل الدليل على كفره، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، وإذا لم يتب منها - فإنه تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، ومذهب أهل السنة في ذلك وسط، بين الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، وإن كانت دون الشرك، وبين المرجئة الذين يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.