﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١) ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (٣).
٣ - والإيمان بالكتب يعني: التصديق بها، وبما فيها من الهدى والنور، وأن الله أنزلها على رسله لهداية البشر، وأعظمها الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة القرآن الكريم، وهو المعجزة العظمى؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤)، ويؤمن أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ حروفه ومعانيه، خلافا للجهمية والمعتزلة، القائلين بأن القرآن مخلوق كله حروفه ومعانيه.
وخلافا للأشاعرة، ومن شابههم، القائلين بأن كلام الله هو المعاني، وأما الحروف فهي مخلوقة، وكلا القولين باطل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٥)، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦)؛ فهو كلام الله لا كلام غيره.
٤ - والإيمان بالرسل يعني: التصديق بهم جميعا؛ من سمى الله منهم، ومن لم يسم، من أولهم إلى آخرهم. وآخرهم وخاتمهم نبينا محمد، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، والإيمان بالرسل إيمان مجمل، والإيمان بنبينا محمد ﷺ إيمان مفصل، واعتقاد أنه خاتم الرسل؛ فلا نبي بعده، ومن لم يعتقد ذلك فهو كافر، والإيمان بالرسل يعني أيضا: عدم الإفراط والتفريط في حقهم، خلافا لليهود والنصارى الذين غلوا وأفرطوا في بعض الرسل، حتى جعلوهم أبناء الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧)، والصوفية والفلاسفة فرطوا في حق الرسل، وتنقصوهم وفضلوا أئمتهم عليهم، والوثنيون والملاحدة
стр. 15262
كفروا بجميع الرسل. واليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى كفروا بمحمد، ومن آمن ببعضهم وكفر ببعضهم- فهو كافر بالجميع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣).
٥ - والإيمان باليوم الآخر يعني: التصديق بكل ما يكون بعد الموت، مما أخبر الله به ورسوله من عذاب القبر ونعيمه، والبعث من القبور والحشر، والحساب ووزن الأعمال، وإعطاء الصحف باليمين أو الشمال، والصراط والجنة والنار. والاستعداد لذلك بالأعمال الصالحة، وترك الأعمال السيئة والتوبة منها.
وقد كفر باليوم الآخر الدهريون والمشركون، واليهود والنصارى؛ لم يؤمنوا به الإيمان الصحيح المطلوب، وإن آمنوا بوقوعه ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٤)، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٥).
٦ - والإيمان بالقدر يعني: الإيمان بأن الله علم كل شيء؛ ما كان وما يكون، وقدر ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وأن كل ما يجري من خير وشر، وكفر وإيمان، وطاعة ومعصية- فقد شاءه الله وقدره وخلقه، وأنه يحب الطاعة ويكره المعصية.
وللعباد قدرة على أفعالهم، واختيار وإرادة لما يقع منهم من طاعة أو معصية- لكن ذلك تابع لإرادة الله ومشيئته، خلافا للجبرية الذين يقولون إن العبد مجبر
стр. 15263
على أفعاله، ليس له اختيار، وللقدرية الذين يقولون إن العبد له إرادة مستقلة، وأنه يخلق فعل نفسه، وأن إرادة العبد ومشيئته خارجة عن إرادة الله ومشيئته، وأنه يخلق فعل نفسه.
وقد رد الله على الطائفتين في قوله تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، فأثبت للعبد مشيئته ردا على الجبرية الغلاة، وجعلها تابعة لمشيئة الله ردا على القدرية النفاة.
والإيمان بالقدر يكسب العبد صبرا على المصائب، وابتعادا عن الذنوب والمعائب.
كما يدفعه إلى العمل، ويبعد عنه العجز والخوف والكسل.
стр. 15264
ثانيا: ومن أصول أهل السنة والجماعة، أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فليس الإيمان قولا وعملا دون اعتقاد؛ لأن هذا إيمان المنافقين، وليس هو مجرد المعرفة، وبدون قول وعمل؛ لأن هذا إيمان الكافرين الجاحدين؛ قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣).
وليس الإيمان اعتقادا فقط، أو قولا واعتقادا دون عمل؛ لأن هذا إيمان المرجئة، والله تعالى كثيرا ما يسمي الأعمال إيمانا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٧) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، سمى الصلاة إيمانا.
стр. 15265
ثالثا: ومن أصول أهل السنة والجماعة، أنهم لا يكفرون أحدا من المسلمين، إلا إذا ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام، أما الكبائر التي هي دون الشرك- فإنهم لا يحكمون على مرتكبها أي الكبائر بالكفر، إلا إذا دل دليل على كفره؛ كترك الصلاة تكاسلا، فإنه قد دل الدليل على كفره، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، وإذا لم يتب منها - فإنه تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، ومذهب أهل السنة في ذلك وسط، بين الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، وإن كانت دون الشرك، وبين المرجئة الذين يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
стр. 15266
رابعا: ومن أصول أهل السنة والجماعة: وجوب طاعة ولاة أمور المسلمين، ما لم يأمروا بمعصية، فإذا أمروا بمعصية- فلا تجوز طاعتهم فيها، وتبقى طاعتهم بالمعروف في غيرها؛ عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقول النبي ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد (٢)»، ويرون أن معصية الأمير المسلم معصية لرسول الله؛ عملا بقوله ﷺ : «من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني (٣)»، ويرون الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، والدعاء لهم بالصلاح والاستقامة ومناصحتهم.
стр. 15267
خامسا: ومن أصول أهل السنة تحريم الخروج على ولاة أمور المسلمين، إذا ارتكبوا مخالفة دون الكفر؛ لأمره ﷺ بطاعتهم في غير معصية، ما لم يحصل منهم كفر بواح، بخلاف المعتزلة الذين يوجبون الخروج على الأئمة إذا ارتكبوا شيئا من الكبائر، ولو لم يكن كفرا، ويعتبرون هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والواقع أن عمل المعتزلة هذا هو أعظم المنكر؛ لما يترتب
стр. 15268
عليه من مخاطر عظيمة من الفوضى وفساد الأمر، واختلاف الكلمة وتسلط الأعداء.
стр. 15269
سادسا: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله، كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى، لما ذكر المهاجرين والأنصار وأثنى عليهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وعملا بقوله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا- ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه (٢)»، خلافا للمبتدعة من الرافضة والخوارج الذين يسبون الصحابة ويجحدون فضائلهم، ويرى أهل السنة أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، فمن طعن في خلافة واحد من هؤلاء- فهو أضل من حمار أهله؛ لمخالفته النص والإجماع على خلافة هؤلاء، على هذا الترتيب.
стр. 15270
سابعا: ومن أصول أهل السنة والجماعة محبة أهل بيت رسول الله ﷺ وتوليهم؛ عملا بوصية رسول الله ﷺ فيهم، بقوله: «أذكركم الله في أهل بيتي (١)»، ومن أهل بيته أزواجه أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن، فقد قال الله تعالى بعدما خاطبهن بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ (٢) ووجه إليهن نصائح ووعدهن بالأجر العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣)، والأصل في أهل البيت قرابة النبي ﷺ ، والمراد بهم هنا الصالحون منهم خاصة، أما قرابته غير الصالحين- فليس لهم حق؛ كعمه أبي لهب ومن شابهه، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٤) السورة؛ فمجرد القرابة من الرسول ﷺ والانتساب إليه، من غير صلاح الدين، لا يغني صاحبه من الله شيئا؛ قال ﷺ : «يا معشر قريش اشتروا
стр. 15271
أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا (١)»، وقرابة الرسول الصالحون لهم علينا حق الإكرام والمحبة والاحترام، ولا يجوز لنا أن نغلو فيهم؛ فنتقرب إليهم بشيء من العبادة، أو نعتقد فيهم أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله؛ لأن الله سبحانه يقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (٢)، ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٣).
فإذا كان الرسول ﷺ كذلك، فكيف بغيره، فما يعتقده بعض الناس بمن ينتسبون لقرابة الرسول اعتقاد باطل.
стр. 15272
ثامنا: ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وهي ما قد يجريه الله على أيدي بعضهم، من خوارق العادات إكراما لهم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وقد أنكر وقوع الكرامات المعتزلة والجهمية، وهو إنكار لأمر واقع معلوم، ولكن يجب أن نعلم أن من الناس في وقتنا من ضل في موضوع الكرامات وغالى فيها، حتى أدخل فيها ما ليس منها من الشعوذة وأعمال السحرة والشياطين والدجالين، والفرق واضح بين الكرامة والشعوذة؛ فالكرامة ما يجري على أيدي عباد الله الصالحين، والشعوذة ما يجري على يد السحرة والكفرة والملاحدة؛ بقصد إضلال الخلق وابتزاز أموالهم، والكرامة سببها الطاعة، والشعوذة سببها الكفر والمعاصي.
стр. 15273
تاسعا: ومن أصول أهل السنة والجماعة، في الاستدلال، اتباع ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، باطنا وظاهرا، واتباع ما كان عليه الصحابة من المهاجرين والأنصار عموما، واتباع الخلفاء الراشدين خصوصا؛ حيث أوصى النبي ﷺ بذلك في قوله ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (١)».
стр. 15274
ولا يقدمون على كلام الله وكلام رسوله كلام أحد من الناس؛ ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وبعد أخذهم بكتاب الله وسنة رسول الله- يأخذون بما أجمع عليه علماء الأمة، وهذا هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه بعد الأصلين الأولين؛ الكتاب والسنة.
وما اختلف فيه الناس ردوه إلى الكتاب والسنة؛ عملا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)؛ فهم لا يعتقدون العصمة لأحد غير رسول الله ﷺ ، ولا يتعصبون لرأي أحد حتى يكون موافقا للكتاب والسنة، ويعتقدون أن المجتهد يخطئ ويصيب، ولا يسمحون بالاجتهاد إلا لمن توفرت فيه شروطه المعروفة عند أهل العلم، ولا إنكار عندهم في مسائل الاجتهاد السائغ.
فالاختلاف عندهم في المسائل الاجتهادية- لا يوجب العداوة والتهاجر بينهم، كما يفعله المتعصبة وأهل البدع، بل يحب بعضهم بعضا، ويوالي بعضهم بعضا، ويصلي بعضهم خلف بعض مع اختلافهم في بعض المسائل الفرعية، بخلاف أهل البدع؛ فإنهم يعادون أو يضللون أو يكفرون من خالفهم.
стр. 15275
الخاتمة
ثم هم مع هذه الأصول، التي مر ذكرها، يتحلون بصفات عظيمة هي من مكملات العقيدة، ومن أعظم هذه الصفات:
أولا: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، على ما توجبه الشريعة؛ عملا بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، وبقوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٢)»، وقلنا على ما توجبه الشريعة، خلافا للمعتزلة الذين يخرجون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عما توجبه الشريعة، فيرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخروج على ولاة أمر المسلمين - إذا ارتكبوا معصية، وإن كانت دون الكفر. فأهل السنة والجماعة يرون مناصحتهم في ذلك، دون الخروج عليهم، وذلك لأجل جمع الكلمة والابتعاد عن الفرقة والاختلاف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد أكثر من الذي في إزالته.
ثانيا: ومن صفات أهل السنة والجماعة المحافظة على إقامة شعائر الإسلام، من إقامة صلاة الجمعة والجماعة، خلافا للمبتدعة والمنافقين الذين لا يقيمون الجمعة والجماعة.
ثالثا: ومن صفاتهم قيامهم بالنصيحة لكل مسلم، والتعاون على البر والتقوى؛ عملا بقوله ﷺ «الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٣)»، وبقوله ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (٤)».
رابعا: ومن صفاتهم: ثباتهم في مواقف الامتحان، وذلك بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء.
стр. 15276
خامسا: ومن صفاتهم أنهم يتحلون بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وبر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار، وينهون عن الفخر والخيلاء، والبغي والظلم، والترفع على الناس؛ عملا بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (١)، وبقوله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا (٢)»، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 15277
صفحة فارغة
стр. 15278
حب رسول الله ﷺ
أسامة بن زيد
بقلم د. محمد بن سعد الشويعر
واحد من شباب صحابة رسول الله ﷺ ، حيث توفي صفوة الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وهو في الثامنة عشرة من عمره "١٨ عاما"، ويكفيه مكانة أنه ولد ونشأ في بيت النبوة، وفتح عينيه، بعدما بدأ يعي أمور الدنيا على تباشير الدعوة المحمدية، التي جاءت من عند الله، يترجع صداها من جبال مكة ووهادها، وليدرك من حركات القوم في مكة أخبار السابقين لدين الإسلام، وما يلاقونه من جبابرة قريش من مشقة وجهود وأعمال، يراد منها إطفاء هذا النور، الذي أرسله الله ليضيء القلوب، قبل انبلاجه على البطاح والقفار.
ولتتروى منه النفوس الظامئة، التي أراد الله لها الخير، أمكن من حرصهم على تتبع خضرة ما تحتاجه أنعامهم من كلأ تتفتح عنه الأرض، بعدما يصيبها الوابل في فصل الشتاء.
بل يكفيه فخرا أن رسول الهداية ﷺ أوصى به خيرا، واعتبره من أحب الناس إليه، وأكرم بها منزلة؛ فقد روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي، أو من أحب الناس إلي، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا (١)».
وقد أدرك مكانة هذا الصحابي الجليل عمر بن الخطاب ﵁ في
стр. 15279
مواقف عديدة، استئناسا بمكانته من رسول الله ﷺ ؛ حيث كان صحابة رسول الله ﷺ يدركون أن من لوازم حسن الاتباع في دين الإسلام- محبة ما أحبه رسول الله ﷺ والحرص عليه، وبغض ما أبغضه رسول الله ﷺ والبعد عنه؛ اهتماما بالصحبة، وتقربا إلى الله بمثل ذلك العمل، كما قال أنس بن مالك ﵁ وأبو هريرة ﵁، في حديثين روياهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين (١)» أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
وإدراك عمر بن الخطاب ﵁، جاء من تلك النظرة الشمولية التي تربت عليها نفوس صحابة رسول الله المتروية من منبع الرسالة الصافي، فاهتموا بكل أمر يهتم به رسول الله ﷺ ، وقاسوا الأمور على ذلك المحك الإيماني الرفيع، حرصا واهتماما، واتباعا وحسن توجيه. .
فنراه ﵁، ينقاد وبطواعية وراحة نفس إلى الانضمام للجيش الذي عقد رسول الله ﷺ لواءه، وأمر عليه أسامة بن زيد ﵁، مع حداثة سنه، ولم يتأفف ابن الخطاب ﵁، مع جلالة قدره، ومع تقدم سنه ومكانته في الإسلام، قوة وسبقا. أعز الله الإسلام به، بل ولم يدر بخلده ولا جال في خواطر كثير من كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار أن يتمردوا على قائدهم الجديد؛ لأنهم انتقدوا بعض الناس الذين طعنوا في هذه الإمارة، والتي ما هي إلا طعن في أمر صدر عن رسول الله ﷺ .
فقد ذكره الكاندهلوي «أن القالة لما كثرت في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب ﵁ بعض ذلك القول فرده على من تكلم به، وجاء إلى رسول الله ﷺ ، وكان قد اشتكى فأخبره بقول من قال، فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا، وقد عصب على رأسه بعصابة، وعليه قطيفة، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟. فوالله، لئن طعنتم في إمارتي أسامة، لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله، إن
стр. 15280
كان للإمارة لخليق، وإن ابنه من بعده لخليق بالإمارة، وإن كان لأحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي، وإنهما لمخيلان لكل خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم (١)».
ولذا نرى عمر ﵁ قد اهتم بالانضواء تحت إمرة أسامة بن زيد ﵄، كما انقاد مثله كثير من كبار المهاجرين والأنصار؛ حيث لم يبق من المهاجرين أحد إلا انتدب في تلك الغزوة، ومن هؤلاء: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من المهاجرين، وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم من الأنصار وغيرهم.
لكن أبا بكر ﵁، لما بويع- سأل أسامة أن يبقى عنده في المدينة عمر بن الخطاب ﵁، وأن يعفيه من الذهاب في هذا البعث؛ لحاجته إليه في الاستشارة والإعانة- ففعل أسامة تقديرا منه لأبي بكر، وإعانة له في المهمة الكبيرة المناطة به (٢).
ولما تقلد عمر ﵁ إمرة المؤمنين بعد وفاة أبي بكر الصديق ﵁، وبدأ تدوين العطاءات للمهاجرين والأنصار. نراه «يفرض لأسامة بن زيد ﵄ ثلاثة آلاف وخمسمائة، ويفرض لابنه عبد الله بن عمر ﵄ ثلاثة آلف فقط، ولما قال عبد الله لأبيه: لم فضلت أسامة علي، فوالله ما سبقني إلى مشهد. قال عمر بن الخطاب ﵁ في جواب محكم: اسكت عبد الله، وأعطاه درسا سار عليه بقية حياته؛ لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرت حب رسول الله ﷺ ، على حبي (٣)»، أخرجه الترمذي، وقال حسن غريب.
стр. 15281
ولذا لما نظر عبد الله بن عمر يوما، وهو في المسجد إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية من المسجد- قال: انظروا من هذا؟ فقال له إنسان: أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن؟ هذا محمد بن أسامة بن زيد. قال: عبد الله بن دينار ﵀ وهو راوي الخبر -: فطأطأ عبد الله بن عمر ﵄ رأسه، ثم قال: لو رآه رسول الله ﷺ لأحبه (أخرجه البخاري) (١).
ولذا نرى كثيرا من كتب الحديث والسير تهتم بأخباره ﵁ ومناقبه، كما اهتمت بأخبار ومناقب أبيه زيد بن حارثة ﵁، الذي أنزل حكما شرعيا، اقترن باسمه وزواجه من زينب بنت جحش الأسدية ﵄ (٢)، نسخ بموجبه ما كان سائدا عند العرب من اعتبار الولد بالتبني، أو بإلحاق النسب، قائما مقام النسب الحقيقي؛ حيث قطع الله هذه النسبة، وجاء هذا الحكم لئلا يبقى حرج على المؤمنين، في تزويج مطلقات الأدعياء.
стр. 15282
مولده ونشأته:
لم تذكر كثير من الكتب تحديدا ثابتا لولادة أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، لكن ابن سعد ذكر في طبقاته أنه كان يكنى بأبي محمد، وأمه أم أيمن، واسمها بركة حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته، وكان زيد بن حارثة - في رواية بعض أهل العلم - أول الناس إسلاما، ولم يفارق رسول الله ﷺ فزوجه بأم أيمن، وولدت له أسامة بمكة، ونشأ حتى أدرك، ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى، ولم يدر بغيره، وهاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديد، وكان عنده كبعض أهله (١).
أما ابن الأثير فقد ذكر «أن رسول الله ﷺ : استعمله أميرا على بعث الشام، وكان عمره ثمان عشرة سنة (٢)»، وجاء في دائرة المعارف الإسلامية أن ولادته
стр. 15283
كانت في العام الرابع من بعثة الرسول ﷺ (١)، بمكة، ولما كان رسول الله ﷺ قد جهز هذا البعث الذي أسند إمرته إلى أسامة بن زيد، ﵄، في المرض الذي توفي فيه، ﵊، وكان هذا في السنة العاشرة من الهجرة، فإنه يترجح لدينا أن ولادته ﵁ كانت في السنة الثامنة قبل الهجرة، وليست في السنة السابعة، كما ذكر الزركلي عند مروره باسمه في تراجمه (٢)؛ إذ يلزم من ذلك أن يكون عمره ﵁ عندما أسندت إليه هذه الإمارة، في آخر شهر صفر من عام ١٠ هـ بعد حجة الوداع، كما ذكر ابن هشام في سيرته (٣) سبعة عشر عاما، ولا تكون أيضا في الرابع من البعثة، كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية المشار إليه آنفا، فكانت نشأته في مكة؛ حيث عاش في بيت النبوة ثمان سنوات، ترعاه أمومة حانية هي الحضن الذي حنا على رسول الله ﷺ ، وهو في مثل سن أسامة، فكان هذا موطن اعتزاز وشرف، ثم لما وعت أحاسيسه لما يدور من حوله، تأدب بأخلاق النبوة، توجيها وعناية وحنوا وعطفا، فكان يلقى من رسول الله أكثر مما يجد من أبيه الذي هو من صلبه حبا وشفقة، ثم هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، بمصاحبة والديه الملازمين لرسول الله ﷺ ، فتفتحت مواهبه على توجيهات ورعاية رسول الله ﷺ ، فكان يأخذ من كل موقف درسا، ومن كل حادثة تمر عليه عبرة وعظة، فمن ذلك:
١ - أنه عسكر بجيشه الذي أنفذه رسول الله ﷺ بالجرف، وهو موضع قرب المدينة على ثلاثة أميال منها، به كانت أموال عمر ﵁، وهو الموضع الذي استعرض فيه أبو بكر ﵁ القبائل، حتى مر ببني فزارة (٤)؛ حتى تتام الناس إليه فخرجوا، وثقل رسول الله ﷺ فأقام والناس معه، لينظروا ما الله قاض في رسوله. . فلما توفي رسول الله،
стр. 15284
واستخلف أبو بكر ﵁ جاء إليه يستأذنه، فأذن له وقال: والله لا أحل راية عقدها رسول الله ﷺ .
٢ - لم يشهد مع علي ﵁ من حروبه شيئا، وقال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها، ولكنك قد سمعت رسول الله ﷺ ، حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله، وحكاية ذلك، كما ذكر ابن الأثير بسنده: «أن أسامة قال: أدركته، يعني كافرا، كان قتل في المسلمين في غزاة لهم، قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح- قال: أشهد أن لا إلا الله، فلم نبرح عنه حتى قتلناه.
فلما قدمنا على رسول الله أخبرناه خبره، فقال: يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا من القتل، فقال: من لك يا أسامة بلا إله إلا الله؟ فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي، حتى وددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني أسلمت يومئذ، فقلت: أعطي الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله (١)». . فكان هذا تبريرا أوضحه لعلي ﵁؛ لكي لا يكود معه ولا ضده، حيث روي أنه ممن اعتزل ما حصل بين الصحابة بعد فتنة عثمان ﵁؛ ولذا قال لعلي ﵁ في موقف آخر، ضمن رسالة شفوية بعث بها مولاه حرملة. فقال له: أقرئه السلام، وقل له: إنك لو كنت في شدق الأسد- لأحببت أن أدخل معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره (٢).
٣ - ولما «أهم قريشا أمر المرأة المخزومية التي سرقت. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟
فقالوا: ومن يجترئ عليه، إلا أسامة بن زيد حب رسول الله؟، فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : لم تشفع في حد من حدود الله؟.
ثم قام النبي ﷺ ، كما ذكر ابن سعد بسنده من حديث عائشة رضي الله
стр. 15285
عنها، فاختطب، فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (١)»، فكان هذا درسا، تأدب به أسامة ﵁، بعدم الشفاعة في حد من حدود الله، ولم يرو عنه شيء من ذلك بعد ذلك، بل توقف عن الشفاعة، وكان ابن سعد قد ذكر «أن أسامة كان يأتي رسول الله ﷺ في الشيء فيشفعه فيه، فأتاه مرة في حد، فقال: يا أسامة، لا تشفع في حد من حدود الله (٢)».
فما كان ﵁ لينهى عن شيء ويأتيه، وهو الذي يدرك جيدا دلالة قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)، كما أنه قد ذكر عائشة بالخير- عندما خاض الناس في حديث الإفك (٤) ٤ - كان بارا بوالدته ﵄: أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ، ويحرص على إجابة كل مطلب ترغبه منه، وفي عهد عثمان ﵁، بلغت النخلة ألف درهم، قال محمد بن سيرين: فعمد أسامة بن زيد ﵄ إلى نخلة فنقرها، وأخرج جمارها فأطعمها أمه، فقالوا له: ما يحملك على ذلك، وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه، ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها (٥).
وهذه مكانة رفيعة في حسن الأدب مع الوالدين، والحرص على برهما؛ امتثالا لأمر الله جل وعلا، وأمر رسوله ﷺ في الحرص على الوفاء للوالدين بحقهما، والاهتمام ببرهما، وأداء ما يجب نحوهما؛ لأن رضاهما من رضا الله، وطاعتها بالمعروف من طاعة الله.
стр. 15286
٥ - كان يترسم هدي رسول الله ﷺ في العبادات، ويتأسى به في القربات، ويهتم بتطبيق توجيهاته في اعتزال الفتن إذا برز رأسها؛ مخافة الوقوع فيها؛ ولذا نراه ﵁ في آخر أيامه يتنقل ما بين وادي القرى؛ لأن له به مالا، وبين الجرف حيث استوطن إلى أن قبضه الله إليه.
فقد روى أحد مواليه أنه كان يركب إلى مال له بوادي القرى، فيصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له: أتصوم في السفر وقد كبرت ورفعت؟ (١). قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: إن الأعمال تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس (٢)»؛ فكان يسمع ليطبق، ويعرف ليتأسى؛ حيث ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم، رحمهما الله، له ١٢٨ حديثا (٣).
كان رده في كثير من المواقف يتصف بالأدب الرفيع الذي تلقاه من مدرسة النبوة، ويحرص على التواضع في أعماله؛ فقد روي عن عبيد الله بن عبد الله أنه قال: " رأيت أسامة بن زيد يصلي في مكان بارز بمسجد رسول الله ﷺ ، فدعي مروان إلى جنازة ليصلي عليها، فصلى عليها ثم رجع، وأسامة يصلي عند باب بيت النبي ﷺ ، فقال له مروان: إنما أردت أن يرى مكانك، فعل الله بك وفعل، وقال قولا قبيحا، ثم أدبر، فانصرف أسامة، وقال: يا مروان، إنك آذيتني، وإنك فاحش متفحش، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش (٤)».
وما ذلك إلا أن الصفوة الأولى من هذه الأمة، حيث يعتبر أسامة بن زيد واحدا من رجالات الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار، حسب تقسيمات ابن سعد في طبقاته؛ لأنه اعتبر البدريين هم الطبقة الأولى، ومن لم يشهد بدرا، ولهم إسلام قديم، وهاجر عامتهم إلى أرض الحبشة، وشهدوا أحدا وما
стр. 15287
بعدها من المشاهد، هم رجال الطبقة الثانية (١) هؤلاء الصفوة بطبقاتهم هم خير من بلغ الرسالة، بعد وفاة رسول الله ﷺ اهتماما بالعمل، وتثبتا في النقل، وصدقا في العبارة، وترسما لخطى رسول الله ﷺ في كل أمر، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من كتاب الله، لم يتجاوزهن حتى يحفظهن ويعمل بهن؛ ولذا عقد العلماء بابا لأهمية العلم قبل القول والعمل (٢).
стр. 15288
وفاته:
في الحديث عن وفاة أسامة بن زيد، يحسن بنا أن نتعرض لما وصلنا عن صفاته، وعن أولاده وتاريخ الوفاة ومكانها، كما هي عادة المؤرخين العرب؛ لارتباط هذه الأشياء بحياة المتوفى ومكانته. فأما عن صفاته: فقد ذكر ابن الأثير أن أسامة بن زيد ﵄ كان أسود أفطس (١)، ويعضد هذه الرواية ما ذكره ابن سعد رواية عن هشام بن عروة، عن أبيه «أن رسول الله ﷺ أخر الإفاضة من عرفة، من أجل أسامة بن زيد ينتظره، فجاء غلام أفطس أسود، فقال أهل اليمن: إنما جئنا من أجل هذا، قال: فلذلك كفر أهل اليمن من أجل ذا». قال محمد بن سعد: قلت ليزيد بن هارون: ما يعني بقوله: كفر أهل اليمن من أجل هذا؟ قال: ردتهم حين ارتدوا في زمن أبي بكر، إنما كانت لاستخفافهم بأمر النبي ﷺ (٢). ولضحكة. . . رسول الله ﷺ عندما رأى وجه أسامة دلالة ومعنى، تفسرها تلك العبارة التي قالها لعائشة ﵂، فقد ذكر ابن سعد عن أبي السفر قال: «بينما رسول الله ﷺ جالس هو وعائشة، وأسامة عندهم، إذ نظر رسول الله ﷺ في وجه أسامة فضحك، ثم قال رسول الله ﷺ : لو أن أسامة جارية لحليتها وزينتها حتى أنفقها (٣)»، وجاء في البداية والنهاية من صفاته: أنه كان أسود كالليل، أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا (٤)، وكان له بطن، فكان يسميه بعضهم ذا البطن (٥)، وقد روي عن
стр. 15289
ميمونة أنها رأت قريبا لها، وقد أرخى إزاره بطنه، فلامته في ذلك ملامة شديدة، فقال لها: إني قد رأيت أسامة بن زيد رخي إزاره، فقالت: كذبت، ولكن كان ذا بطن، فلعل إزاره كان يسترخي إلى أسفل بطنه (١).
وأسامة بن زيد الذي رفعه الله بالإسلام؛ فأنقذه الله ومن قبله والده من الرق، وأكرمهما بمحبة رسول الله ﷺ لهما، واختصاصها ليكونا ممن يحوطهما بحنانه الأبوي، ويخصها بدعاء يرفع الله به منزلتهما في الآخرة، كما شوهد عيانا رفع منزلتهما في الدنيا، بالذكر الحسن والتوفيق في المهمات، وحسن الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله، وطواعيتهما الصادقة لرسول الله ﷺ .
كان أسامة ﵁ هو خير من أدرك هذه المكانة، وجميع صحابة رسول الله خيار، ويهتمون بكل عمل خير؛ فكان في تصرفاته متمثلا للشكر على ما تفضل الله به عليه، قدوة في التنفيذ، وحرصا على العمل، واهتماما بدلالة النص من مصدره الشرعي، وتواضعا في النفس، وتلمسا لمداخل الخير، وأداء لما فرض الله عليه: شرفا للصحبة الكريمة، ومحبة لله ولرسوله، وإخلاصا في العمل، وفي إمرته على الجيش في الشام كان مظفرا موفقا.
ذلك أن الصفات النبيلة والأخلاق الرفيعة قد وقرت في نفوسهم؛ أخذا من كتاب الله الذي كان خلق رسول الله ﷺ ، كما قالت عائشة ﵂ (٢)؛ لأن امتثال القرآن، أمرا ونهيا، سجية له ﷺ ، وخلق تطبعت به نفسه، فترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جعله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل.
فكانت هذه الصفات النبوية والأخلاق الكريمة، قدوة لصحابته، يتحلون بها، ويهتمون باحتذائها وتلمس مداخلها لينتهجوها قدوة صالحة، وأسامة بن زيد واحد من أبناء مدرسة النبوة، بل هو من ألصق الصحابة بها، منذ التحق
стр. 15290
والده زيد بن حارثة بخدمة رسول الله ﷺ ، قبل بعثه ﷺ ، وإلى تسلسل مسيرة الحياة له ولابنه أسامة، فكانا ألصق برسول الله ﷺ من الأبناء بآبائهم، وكان رسول الله ﷺ أحنى عليهما من الأب على أبنائه المنحدرين من صلبه، ثبت في الصحيحين عن أنس، قال: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله إلا فعلته؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقا، ولا لامست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله ﷺ (١)»، ومن هنا كان كل فرد من صحابة رسول الله ﷺ مثالا في الصدق ونبل الأخلاق؛ حيث مدحهم الله جل وعلا، في مواطن من كتابه الكريم، ونهى رسول الله عن النيل منهم، وأبان عن فضلهم ومكانتهم، وجاءت أحاديث في فضائلهم كاملة، وأحاديث مخصصة في فضائل أفراد منهم.
ومن فضائل الأفراد، وردت أحاديث في فضائل زيد بن حارثة، وابنه أسامة بن زيد ﵄ (٢)، كما ذكر ابن كثير في تاريخه اهتمام أبي بكر وعمر ﵄ بأسامة، حتى أن عمر لا يلقاه إلا قال له: "السلام عليك أيها الأمير" (٣)؛ حيث ذكر ابن سعد أنه يقول: ما كنت لأحيي أحدا بالإمارة غير أسامة بن زيد؛ لأن رسول الله قبض وهو أمير (٤).
وأما أولاده فقد ذكر ابن الأثير أنه كان يكنى أبا محمد، وقيل أبو زيد، وقيل أبو يزيد، وقيل أبو خارجة، وهو مولى رسول الله ﷺ من أبويه (٥)، والكنية قد تكون من مسميات أولاده، ما عرفنا منهم وما لم نعرف، وقد تكون اختيارا لحق به، كما هي عادة العرب، ولكن الذي وصل إلينا علمه عن أولاده ﵁ أن عددهم سبعة: خمسة أبناء وبنتان، والأبناء هم محمد وجبير وزيد وحسن وحسين، والبنتان عائشة وهند.
وقد ذكر ابن سعد «أن رسول الله ﷺ زوج أسامة لما بلغ، وهو ابن أربع
стр. 15291
عشرة سنة، ثم ذكر من زوجاته ثمان (١)»، مما يدل على أنه قد رزق أولادا أكثر من ذلك، وأن بعضهم قد يكون توفي صغيرا، فلم يأت له ذكر، أو أن الرواة أغفلوا سيرته؛ حيث لوحظ أن سيرته ﵁، قد أسدل الستار على كثير منها، بعدما اختار لنفسه العزلة، ولم يرو إلا النزر اليسير منها بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وأخبار الجيش الذي بعثه ﷺ بقيادة أسامة، وقد ورد عن محمد بن عمر: أن أولاد أسامة بن زيد من الرجال والنساء، في كل دهر، لم يبلغوا أكثر من عشرين إنسانا (٢) وعن تاريخ وفاته ومكانها: جاءت بعض الاختلافات:
ذكر ابن سعد، عن محمد بن عمر: «أن النبي ﷺ قبض، وأسامة ابن عشرين سنة (٣)»، وعلى رأيه هذا الذي لم يعضده أحد يكون مولده عام ١٠ قبل الهجرة، وسنه عندما أمره رسول الله ﷺ عشرون عاما، وهذا يخالف ما أجمع عليه بأن عمره ثمانية عشر عاما.
والزركلي في الأعلام يرى أنه: لما توفي رسول الله ﷺ رحل أسامة إلى وادي القرى فسكنه، ثم انتقل إلى دمشق في أيام معاوية، فسكن المزة، وعاد بعد ذلك إلى المدينة، فأقام إلى أن مات بالجرف، في آخر خلافة معاوية في عام (٤)، وعن وادي القرى الذي أبان الزركلي أن أسامة سكنه، قال ياقوت في معجمه: هو واد بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى، وفتحها النبي ﷺ عام سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية، قال أحمد بن جابر: في سنة سبع، لما فرغ النبي ﷺ من خيبر، توجه إلى وادي القرى، فدعا أهلها للإسلام، فامتنعوا عليه وقاتلوه، ففتحها عنوة، وغنم أموالها، وأصاب المسلمون منهم أثاثا ومتاعا، فخمس رسول الله ﷺ ذلك، وترك النخل والأرض في أيدي
стр. 15292
اليهود وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، فقيل إن عمر ﵁ أجلى يهودها فيمن أجلى، فقسمها بين من قاتل عليها، وقيل إنه لم يجلهم؛ لأنها خارجة من الحجاز، وهي الآن مضافة إلى عمل المدينة، وكان فتحها في جمادى الآخرة سنة سبع (١).
وهذا يدل على أن وادي القرى بعيد عن المدينة، فيقدر اليوم بما يزيد عن ١٥٠ كم، وهو العلا وما حولها، وأن إقامة أسامة لم تكن مستمرة، وذلك أن الروايات عند ابن عساكر وابن سعد وابن الأثير وغيرهم، وعنهم أخذ الزركلي في الإعلام، قد اتفقت على أن وفاته كانت في الجرف قرب المدينة، وأنه نقل إلى المدينة حيث دفن ﵁.
وعن الجرف يقول ياقوت الحموي: الجرف، بالضم والسكون، موضع على ثلاثة أميال من المدينة، نحو الشام، به كانت أموال لعمر بن الخطاب، ولأهل المدينة، وفيه بئر جشم، وبئر جمل، قالوا سمي الجرف، فقال هذا جرف الأرض، وكان يسمى الأرض، وفيه قال كعب بن مالك:
إذا ما هبطنا العرض قال سراتنا ... علام إذا لم تمنع العرض نزرع (٢)
وعن وفاته، يذكر ابن الأثير في ترجمة حياته أنه ﵁ توفي آخر أيام معاوية، سنة ثمان أو تسع أو خمسين، وقيل توفي سنة أربع وخمسين، قال أبو عمر: وهو عندي أصح، وحمل إلى المدينة، وقيل توفي بعد قتل عثمان بالجرف، وحمل إلى المدينة روى عنه أبو عثمان النهدي، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة وغيرهما (٣).
ومعلوم أن عثمان ﵁ ثالث الخلفاء الراشدين قد توفي عام ٣٥ هـ، ولعل الخلاف في تاريخ الوفاة جاء من اعتزاله ﵁ وتفرغه للعبادة، حيث كانت الفتنة التي عصفت بالمسلمين، ونتج عنها قتل عثمان، ثم ما وقر بأسماع الصحابة عن الفتن، والأمر بالبعد عنها، من أسباب
стр. 15293
اعتزال أسامة وغيره من صحابة رسول الله ﷺ ، وخيار التابعين، كما روي عن أبي ذر الغفاري ﵁، الذي روي عنه بأنه توفي بالربذة من قرى المدينة عام ٣٢ هـ، وبعد أن استأذن عثمان بالذهاب إليها (١).
وهذا الاعتزال أبعدهم عن الأضواء، ومتابعة الكاتبين؛ لخوفهم على أنفسهم، وليكونوا قدوة لغيرهم، في حرصهم على تطبيق سنة رسول ربهم، والصدور عن توجيهاته.
ولعل الأرجح في تاريخ وفاته ومكانها هو ما ذكره ابن الأثير، وهو عام ٥٤ هـ، وأنه بالجرف حيث نقل للمدينة ودفن بها ﵁، وأيده صاحب الاستيعاب، وبهذا أخذ المتأخرون كالزركلي في الأعلام وغيره، وبه يقول: ابن كثير (٢).
стр. 15294
مكانته عند رسول الله ﷺ :
ينفرد رسول الله ﷺ بنماذج هي من خصائصه الكريمة، في حسن استقبال الناس، وفي محبته لأصحابه، وفي اهتمامه بهم، وفي دعائه لهم، وتفقد أحوالهم، فهو ﷺ ينزل كل فرد منزلته يوجه ويرشد، ويعطف على الصغير، ويرحم الضعيف، ويزور المريض، ويتفقد المحتاج. . ويمازح أصحابه، ويسرى عن نفوسهم؛ إذ لم يكن فظا ولا غليظا، ولا سخابا ولا مختالا، ولا فاحشا ولا متفحشا، حيث جمع الخصال الحميدة، والسجايا العالية. فكانت تلك الأخلاق تنعكس على أصحابه تعاملا ومحبة، فهو للصغير أب، وللفقير عائل، وللمحتاج ذخر، وللضعيف ناصر. .
وأسامة بن زيد الذي ولد في بيت النبوة، كان له في ذلك الدفق الأخلاقي نصيب وافر، حيث فتح عينيه، ونما جسمه في أيام حياته طفولة وشبابا، ومحبة رسول الله ﷺ تشمله، ودعواته الكريمة تكتنفه، وهذا من وفاء
стр. 15295
رسول الله ﷺ واهتمامه برعيته، بخلاف ما يدسه أعداء الإسلام، كما ذكر المستشرقون في الموسوعة الإسلامية: أن هذه المحبة ترجع إلى الرغبة في التقليل من شأن بيت علي (١).
وقد روي في سيرة أسامة مواقف تنبئ عن مكانته من رسول الله ﷺ ، ومحبته ﷺ له ولأبيه زيد بن حارثة؛ منها:
١ - ما رواه ابن سعد بسنده، عن عائشة ﵂ قالت: «عثر أسامة على عتبة الباب، أو أسكفة الباب فشج جبهته. فقال ﷺ : يا عائشة، أميطي عنه الدم، فتقذرته. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يمص شجته ويمجه، ويقول: لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أنفقه (٢)».
كما ذكر الترمذي في مناقب أسامة ﵁ حديثا، عن عائشة رضي عنها قالت: «أراد رسول الله ﷺ أن ينحي مخاط أسامة، قالت عائشة ﵂: دعني حتى أنا الذي أفعل، فقال ﷺ : يا عائشة، أحبيه، فإني أحبه (٣)».
٢ - كان رسول الله ﷺ يحبه، ويعطف عليه؛ فقد روى ابن سعد حديثين متصلين «بأسامة بن زيد بن حارثة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأخذ به وبالحسن بن علي، ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما (٤)»، رواه البخاري في صحيحه أيضا.
وفي حديث ثالث رواه البخاري أيضا، قال أسامة بن زيد: «كان نبي الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الأخرى، ثم يضمنا، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما (٥)»
وقد روى الشعبي، عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول
стр. 15296
الله ﷺ يقول: «من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد (١)»، ولهذا لما «فرض عمر بن الخطاب ﵁ للناس في الديوان، فرض لأسامة بن زيد في خمسة آلاف، وأعطى ابنه عبد الله بن عمر في أربعة آلاف، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك (٢)»
٣ - وقد ذكر ابن كثير في تاريخه: أن أسامة كان أسود كالليل، وأن أباه زيدا كان أبيض شديد البياض؛ ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه، ولما «مر مجزر المدلجي عليهما، وهما نائمان في قطيفة، وقد بدت أقدامهما، أسامة بسواده، وأبوه زيد ببياضه- قال: سبحان الله إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، فأعجب بذلك رسول الله ﷺ ، ودخل على عائشة مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجزرا أبصر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض (٣)».
وعلق على ذلك ابن كثير بقوله: " ولهذا أخذ الفقهاء من علماء الحديث، كالشافعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه، والاستبشار به، العمل بقول القافلة في اختلاط الأنساب واشتباهها، كما هو مقرر في موضعه (٤).
٤ - أن رسول الله ﷺ توسم فيه السداد والأهلية، مع حداثة سنه، فعهد إليه بإمارة البعث الذي جهزه ﷺ قبل وفاته إلى الشام، وأوصاه ودعا له، فكان جديرا بهذه المكانة وكفئا لها، كما كان والده أهلا لقيادة الجيش في غزوة مؤتة عام ٨ هـ، الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى أرض الشام، فقتل ﵁ في تلك الموقعة، هو وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃ جميعا؛ فقد روى ابن سعد حديثا بسنده إلى سالم عن أبيه،
стр. 15297
أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ ، حين أمر أسامة، فبلغه أن الناس عابوا أسامة، وطعنوا في إمارته، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فقال: كما حدث سالم: «ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته، وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لأحب الناس كلهم إلي، وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم (١)». قال سالم: ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط، إلا قال: ما حاشا فاطمة (٢)، وقد وردت روايات عديدة في رغبة رسول الله ﷺ إنفاذ جيش أسامة، ومنها تشديده صلوات الله وسلامه عليه على من اعترض على إمارته، وما ذلك إلا أن الاعتراض عليها مخالفة لأمر رسول الله ﷺ ، وتشكيك في حسن اختياره؛ إذ جميع أعماله ﵊ تشريع للأمة، وقاعدة ينبغي الثبات عليها، لما وراءها من مصالح بعيدة الغور، ونتائج تريح المجتمعات، مهما مرت بها من أزمات ونوائب.
٥ - وقد كان رسول الله ﷺ يدعو له، وأكرم بها من منزلة تدل على مكانة هذا الصحابي، واهتمام رسول الله ﷺ به منذ ولادته؛ فقد روى الترمذي في مناقبه ﵁ حديثا، قال فيه أسامة ﵁: «كان رسول الله ﷺ قد عقد لي لواء في مرضه الذي مات فيه، وبرزت بالناس فلما ثقل رسول الله ﷺ أتيته يوما، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده علي ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع أبو بكر كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي عقدها لي رسول الله ﷺ ، إلا أنه كان قد سألني في عمر أن أتركه له، ففعلت»، هذه الرواية ذكرها البخاري، وفي رواية الترمذي قال.
«لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت، وهبط الناس إلى المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده
стр. 15298
علي ويرفعها، فعرفت أنه يدعو لي (١)».
كما مر بنا أنه دعا له وللحسن بن علي بالرحمة، وأن يحبهما الله، وندب الناس إلى محبته أسامة، وأوصاهم به خيرا، والسمع له والطاعة في القيادة التي أسند إمرتها إليه.
٦ - وقد عاتبه رسول الله ﷺ عتاب من يقومه في أمر هذا الدين الذي لا يقبل المخادعة، ولا تنقض عراه بالقرابة، وإنما هو أمر الله الذي يجب أن تستقيم به النفوس، وتتربى عليه حواس الإنسان، وذلك في موضعين؛ المرة الأولى: عندما قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله، حتى إن تكرار عتب رسول الله ﷺ ، جعل أسامة يتمنى أنه لم يستقبل الإسلام مجددا إلا يومئذ (٢).
والثانية: عندما تشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، بعد أن أهم أمرها قريشا، فقال له ﷺ : «لم تشفع في حد من حدود الله (٣)».
فكان في هذا العتاب درس لأسامة طوال حياته، ومنهج تشريعي للأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهكذا يجد المتتبع لكثير من المواقف التي، حصلت في عهد النبوة، أن وراء حدوثها أسرارا وحكما تفيد أمة الإسلام، في تصريف الأمور في كل موقف مماثل، وتفيد علماء الإسلام، في استنباط الأحكام الشرعية في كل أمر يعترض أبناء الإسلام، لتستقيم بذلك حياة الناس، وتنتظم أمورهم بما يتلاءم مع شرع الله؛ ولذا نرى أسامة لم يشهد مع علي ﵁ شيئا من مشاهده، واعتذر إليه بما قال رسول الله حين قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله (٤).
стр. 15299
٧ - ولمكانة أسامة بن زيد ﵁، عند رسول الله ﷺ ، فقد كان يردفه على راحلته عندما يسير؛ فقد ذكر ابن كثير في تاريخه «أن رسول الله ﷺ أردف أسامة خلفه مرتين:
الأولى: على حمار عليه قطيفة، حين ذهب يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر.
والثانية: على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة، في حجة الوداع (١)».
أما ابن سعد فذكر أن هذا الإرداف الذي يدل على تواضع رسول الله ﷺ ، وعطفه على أسامة بن زيد قد كان ثلاث مرات، ولم يذكر من بينها عيادة سعد بن عبادة؛ وهي:
الأولى: في حجة الوداع، فقد جاء بسند عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد «أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفة، وهو رديف النبي ﷺ ، وهو يكبح راحلته، حتى إن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل، وربما قال حماد بن سلمة: ليمس قادمة الرحل، ويقول: يا أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل (٣)».
وجاءت هذه برواية أخرى عن قتادة قال: حدثني عروة أن عامرا الشعبي حدثه «أن أسامة قال: إنه كان ردف النبي ﷺ عشية عرفة، فلما أفاض، لم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا (٤)».
الثانية: بسندها إلى ابن عباس ﵄ قال: «جاءنا رسول الله ﷺ ورديفه أسامة بن زيد، فسقيناه من هذا النبيذ، فشرب، ثم قال: أحسنتم فهكذا فاصنعوا (٥)».
стр. 15300
الثالثة: بسندها عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: «دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، ورديفه أسامة بن زيد، فأناخ في ظل الكعبة، قال ابن عمر: فسبقت الناس، فدخل النبي ﷺ وبلال وأسامة الكعبة، فقلت لبلال، وهو وراء الباب: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: بحيالك بين الساريتين (٢)».
ومع هذا فيلاحظ المهتم: أن كل مرة اقترنت بفائدة شرعية، مما يدل على ملازمة أسامة لرسول الله ﷺ ؛ إذ مع صغر سنه، فقد ثبت أنه روى عن رسول الله ﷺ ١٢٨ حديثا، ثبتت في الصحاح؛ حيث روى عنه الجماعة في كتبهم الستة، وهذا من خصائص هذا الصحابي الجليل، الذي يعتبر من شباب الصحابة، وممن ولد في الإسلام، ولم يدن بغيره.
٨ - كما كان رسول الله ﷺ يخصه بما يهدى إليه، ويؤثره بها، وهذا من منبع المحبة لهذا الصحابي، وفي نقل الخبر عن كل حالة، يستمد المسلم أثرا شرعيا، يجب عليه أن يتأسى به في النفس، وفي العمل؛ ففي النفس لما تتركه الهدية من ألفة بين النفوس، ومحبة تتقرب بها الأفئدة، وفي العمل لما يجب على المسلم أن يسترشد به من حكم، وما يأخذه من فائدة؛ لأن توجيه رسول الله ﷺ ما هو إلا حكم شرعي، والتأسي بصحابته في قدوتهم عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله.
فقد روى ابن سعد بسنده، عن أسامة بن زيد، أنه قال: «كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة كانت مما أهدى دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي فقال لي رسول الله ﷺ : ما لك لم تلبس القبطية؟ قال: قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي. قال: فقال ﷺ : مرها فلتجعل تحتها غلالة، إني أخاف أن تعض حجم عظامها (٣)».
وفي مرة ثانية «أهدى حكيم بن حزام إلى رسول الله ﷺ حلة كانت لذي