الله ﷺ يقول: «من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد (١)»، ولهذا لما «فرض عمر بن الخطاب ﵁ للناس في الديوان، فرض لأسامة بن زيد في خمسة آلاف، وأعطى ابنه عبد الله بن عمر في أربعة آلاف، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك (٢)»
٣ - وقد ذكر ابن كثير في تاريخه: أن أسامة كان أسود كالليل، وأن أباه زيدا كان أبيض شديد البياض؛ ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه، ولما «مر مجزر المدلجي عليهما، وهما نائمان في قطيفة، وقد بدت أقدامهما، أسامة بسواده، وأبوه زيد ببياضه- قال: سبحان الله إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، فأعجب بذلك رسول الله ﷺ ، ودخل على عائشة مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجزرا أبصر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض (٣)».
وعلق على ذلك ابن كثير بقوله: " ولهذا أخذ الفقهاء من علماء الحديث، كالشافعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه، والاستبشار به، العمل بقول القافلة في اختلاط الأنساب واشتباهها، كما هو مقرر في موضعه (٤).
٤ - أن رسول الله ﷺ توسم فيه السداد والأهلية، مع حداثة سنه، فعهد إليه بإمارة البعث الذي جهزه ﷺ قبل وفاته إلى الشام، وأوصاه ودعا له، فكان جديرا بهذه المكانة وكفئا لها، كما كان والده أهلا لقيادة الجيش في غزوة مؤتة عام ٨ هـ، الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى أرض الشام، فقتل ﵁ في تلك الموقعة، هو وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃ جميعا؛ فقد روى ابن سعد حديثا بسنده إلى سالم عن أبيه،
стр. 15297
أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ ، حين أمر أسامة، فبلغه أن الناس عابوا أسامة، وطعنوا في إمارته، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فقال: كما حدث سالم: «ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته، وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لأحب الناس كلهم إلي، وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم (١)». قال سالم: ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط، إلا قال: ما حاشا فاطمة (٢)، وقد وردت روايات عديدة في رغبة رسول الله ﷺ إنفاذ جيش أسامة، ومنها تشديده صلوات الله وسلامه عليه على من اعترض على إمارته، وما ذلك إلا أن الاعتراض عليها مخالفة لأمر رسول الله ﷺ ، وتشكيك في حسن اختياره؛ إذ جميع أعماله ﵊ تشريع للأمة، وقاعدة ينبغي الثبات عليها، لما وراءها من مصالح بعيدة الغور، ونتائج تريح المجتمعات، مهما مرت بها من أزمات ونوائب.
٥ - وقد كان رسول الله ﷺ يدعو له، وأكرم بها من منزلة تدل على مكانة هذا الصحابي، واهتمام رسول الله ﷺ به منذ ولادته؛ فقد روى الترمذي في مناقبه ﵁ حديثا، قال فيه أسامة ﵁: «كان رسول الله ﷺ قد عقد لي لواء في مرضه الذي مات فيه، وبرزت بالناس فلما ثقل رسول الله ﷺ أتيته يوما، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده علي ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع أبو بكر كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي عقدها لي رسول الله ﷺ ، إلا أنه كان قد سألني في عمر أن أتركه له، ففعلت»، هذه الرواية ذكرها البخاري، وفي رواية الترمذي قال.
«لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت، وهبط الناس إلى المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده
стр. 15298
علي ويرفعها، فعرفت أنه يدعو لي (١)».
كما مر بنا أنه دعا له وللحسن بن علي بالرحمة، وأن يحبهما الله، وندب الناس إلى محبته أسامة، وأوصاهم به خيرا، والسمع له والطاعة في القيادة التي أسند إمرتها إليه.
٦ - وقد عاتبه رسول الله ﷺ عتاب من يقومه في أمر هذا الدين الذي لا يقبل المخادعة، ولا تنقض عراه بالقرابة، وإنما هو أمر الله الذي يجب أن تستقيم به النفوس، وتتربى عليه حواس الإنسان، وذلك في موضعين؛ المرة الأولى: عندما قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله، حتى إن تكرار عتب رسول الله ﷺ ، جعل أسامة يتمنى أنه لم يستقبل الإسلام مجددا إلا يومئذ (٢).
والثانية: عندما تشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، بعد أن أهم أمرها قريشا، فقال له ﷺ : «لم تشفع في حد من حدود الله (٣)».
فكان في هذا العتاب درس لأسامة طوال حياته، ومنهج تشريعي للأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهكذا يجد المتتبع لكثير من المواقف التي، حصلت في عهد النبوة، أن وراء حدوثها أسرارا وحكما تفيد أمة الإسلام، في تصريف الأمور في كل موقف مماثل، وتفيد علماء الإسلام، في استنباط الأحكام الشرعية في كل أمر يعترض أبناء الإسلام، لتستقيم بذلك حياة الناس، وتنتظم أمورهم بما يتلاءم مع شرع الله؛ ولذا نرى أسامة لم يشهد مع علي ﵁ شيئا من مشاهده، واعتذر إليه بما قال رسول الله حين قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله (٤).
стр. 15299
٧ - ولمكانة أسامة بن زيد ﵁، عند رسول الله ﷺ ، فقد كان يردفه على راحلته عندما يسير؛ فقد ذكر ابن كثير في تاريخه «أن رسول الله ﷺ أردف أسامة خلفه مرتين:
الأولى: على حمار عليه قطيفة، حين ذهب يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر.
والثانية: على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة، في حجة الوداع (١)».
أما ابن سعد فذكر أن هذا الإرداف الذي يدل على تواضع رسول الله ﷺ ، وعطفه على أسامة بن زيد قد كان ثلاث مرات، ولم يذكر من بينها عيادة سعد بن عبادة؛ وهي:
الأولى: في حجة الوداع، فقد جاء بسند عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد «أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفة، وهو رديف النبي ﷺ ، وهو يكبح راحلته، حتى إن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل، وربما قال حماد بن سلمة: ليمس قادمة الرحل، ويقول: يا أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل (٣)».
وجاءت هذه برواية أخرى عن قتادة قال: حدثني عروة أن عامرا الشعبي حدثه «أن أسامة قال: إنه كان ردف النبي ﷺ عشية عرفة، فلما أفاض، لم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا (٤)».
الثانية: بسندها إلى ابن عباس ﵄ قال: «جاءنا رسول الله ﷺ ورديفه أسامة بن زيد، فسقيناه من هذا النبيذ، فشرب، ثم قال: أحسنتم فهكذا فاصنعوا (٥)».
стр. 15300
الثالثة: بسندها عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: «دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، ورديفه أسامة بن زيد، فأناخ في ظل الكعبة، قال ابن عمر: فسبقت الناس، فدخل النبي ﷺ وبلال وأسامة الكعبة، فقلت لبلال، وهو وراء الباب: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: بحيالك بين الساريتين (٢)».
ومع هذا فيلاحظ المهتم: أن كل مرة اقترنت بفائدة شرعية، مما يدل على ملازمة أسامة لرسول الله ﷺ ؛ إذ مع صغر سنه، فقد ثبت أنه روى عن رسول الله ﷺ ١٢٨ حديثا، ثبتت في الصحاح؛ حيث روى عنه الجماعة في كتبهم الستة، وهذا من خصائص هذا الصحابي الجليل، الذي يعتبر من شباب الصحابة، وممن ولد في الإسلام، ولم يدن بغيره.
٨ - كما كان رسول الله ﷺ يخصه بما يهدى إليه، ويؤثره بها، وهذا من منبع المحبة لهذا الصحابي، وفي نقل الخبر عن كل حالة، يستمد المسلم أثرا شرعيا، يجب عليه أن يتأسى به في النفس، وفي العمل؛ ففي النفس لما تتركه الهدية من ألفة بين النفوس، ومحبة تتقرب بها الأفئدة، وفي العمل لما يجب على المسلم أن يسترشد به من حكم، وما يأخذه من فائدة؛ لأن توجيه رسول الله ﷺ ما هو إلا حكم شرعي، والتأسي بصحابته في قدوتهم عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله.
فقد روى ابن سعد بسنده، عن أسامة بن زيد، أنه قال: «كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة كانت مما أهدى دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي فقال لي رسول الله ﷺ : ما لك لم تلبس القبطية؟ قال: قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي. قال: فقال ﷺ : مرها فلتجعل تحتها غلالة، إني أخاف أن تعض حجم عظامها (٣)».
وفي مرة ثانية «أهدى حكيم بن حزام إلى رسول الله ﷺ حلة كانت لذي
стр. 15301
يزن، وهو يومئذ مشرك، اشتراها بخمسين دينارا، فقال رسول الله: إنا لا نقبل من مشرك، ولكن إذ بعثت بها فنحن نأخذها بالثمن، بكم أخذتها؟ قال: بخمسين دينارا، قال: فقبضها رسول الله ﷺ ، ثم لبسها رسول الله ﷺ ، وجلس على المنبر للجمعة، ثم نزل رسول الله ﷺ ، فكسا الحلة أسامة بن زيد (١)».
стр. 15302
مواقفه الحربية:
لما كان أسامة، على الأرجح، عندما انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، يبلغ من العمر ثمانية عشر عاما- فإننا ندرك من منهج رسول الله ﷺ في إجازة شباب الصحابة للحرب، حيث كان يمتحنهم، ولا يأذن لمن لم يبلغ الحلم منهم، أن أسامة لم يجز قبل الرابعة عشرة من عمره على أي حال، وهي السن التي زوجه فيه النبي الكريم لما بلغ.
وعلى هذا نستنتج أنه لم يشارك في الجهاد قبل السنة السادسة من الهجرة، ومع هذا لم يتضح لنا تحديد عن الغزوات التي شارك فيها مع رسول الله ﷺ ، إلا أن نجابته قد برزت في وقت مبكر، وفراسة رسول الله ﷺ فيه، ودعواته له- قد أحلاه في مقتبل العمر مكانا بارزا، ومنزلة مرموقة، فقد كان مع والده عام ٨ هـ في غزوة مؤتة في بلاد الشام؛ حيث روى ابن سعد، عن ابن أبي حازم «أن النبي ﷺ حين بلغه أن الراية صارت إلى خالد بن الوليد، بعد قتل القواد الثلاثة، قال ﷺ : فهلا إلى رجل قتل أبوه، يعني أسامة بن زيد (١)» ورأى بعضهم أن أول ما جر به رسول الله ﷺ في قتال، أن بعثه على جيش - لم يحدد ابن سعد جهته، ولا اسم المعركة - فلقي فقاتل فذكر منه بأس، مما يدل على شجاعة وحماسة، قال أسامة: «فأتيت رسول الله ﷺ ، وقد أتاه البشير بالفتح، فإذا هو متهلهل وجهه، فأدناني منه، ثم قال: حدثني.
стр. 15303
فجعلت أحدثه، فقلت: فلما انهزم القوم، أدركت رجلا وأهويت إليه بالرمح، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فقتلته، فتغير وجه رسول الله ﷺ ، وقال: ويحك يا أسامة! فكيف لك بلا إله إلا الله، فما زال يكررها علي، حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته، واستقبلت الإسلام يومئذ جديدا، فلا والله، لا أقاتل أحدا قال: لا إله إلا الله بعدما سمعت رسول الله ﷺ (١)». وقد جاء، في دائرة المعارف الإسلامية، أنه أعيد قبل وقعة أحد لصغر سنه، وأنه قاتل بشجاعة في وقعة حنين، وأن رسول الله ﷺ أجرى له معاشا بعد وقعة خيبر (٢).
«ولما كان الجيش، الذي عهد رسول الله ﷺ بإمارته إلى أسامة بن زيد، لم يغادر المدينة، حتى تولى أبو بكر ﵁ الخلافة. فقال له أبو بكر: ما الذي عهد إليك رسول الله؟ قال: عهد إلي أن أغير على أبنى صباحا ثم أحرق (٣)»، وقد جاء في دائرة المعارف أن هذه المدينة تعرف الآن بخان الزيت (٤).
قال ابن سعد: فبعثه أبو بكر إلى آبل، واستأذن لعمر أن يتركه عنده، ثم أمره أبو بكر أن يجزر في القوم، قال هشام بن عروة: " فأمره أبو بكر أن يجزر في القوم، بقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال؛ حتى يفزع القوم، قال: فمضى حتى أغار عليهم، ثم أمرهم أن يفطموا الجراحة حتى يرهبوهم، قال ثم رجعوا، وقد سلموا وقد غنموا. قال: فساروا، فلما دنوا من الشام - أصابتهم ضبابة شديدة، فسترهم الله بها حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم، قال: فقدم بنعي رسول الله ﷺ على هرقل، وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبرا واحدا، فقالت الروم: ما بال هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا، قال عروة: فما رئي جيش كان أسلم من الجيش (٥).
стр. 15304
ذلك أن عزم أبي بكر الصديق ﵁، وقوته في الحق، وثباته على أمر رسول الله ﷺ أعطى لجيش أسامة أثرا، بعد توفيق الله جل وعلا، حيث كانت من الآراء التي أشير بها على أبي بكر، بعدما وقع ردة من العرب، عدم تنفيذ جيش أسامة؛ لاحتياجه إليه فيما هو أهم، فامتنع أبو بكر ﵁ أشد الإباء، وأصر على أن ينفذ جيش أسامة، وقال: «والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين»، إلى آخر ما قال "، فكان خروج جيش أسامة في ذلك الوقت من أكبر المصالح، والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب، إلا أرعبوا منهم، وقالوا: " ما خرج هؤلاء من قوم، إلا وبهم منعة شديدة "، فقاموا أربعين يوما، ويقال سبعين يوما، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا، فجهزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجهم لقتال أهل الردة، ومانعي الزكاة (١).
ذلك أنهم بعدما لقوا الروم، وهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، كان ذلك من أسباب ثبات بعض القبائل على الإسلام (٢).
وفي اهتمام رسول الله ﷺ ببعث أسامة بن زيد ﵁ إلى الشام، وشدة اهتمام أبي بكر الصديق بذلك في أول خلافته، استفاض ابن عساكر في تاريخه في ذلك؛ فقد أخرج من طريق الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد ﵄، «أن النبي ﷺ أمره أن يغير على أبنى، -بضم الهمزة والقصر-، اسم موضع في فلسطين بين عسقلان والرملة، يقال لها يبنى بالياء، صباحا وأن يحرق، ثم قال رسول الله لأسامة: امض على اسم الله، فخرج بلوائه معقودا، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أسامة، وأمر رسول الله ﷺ أسامة فعسكر بالجرف، وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم، وجعل الناس يأخذون بالخروج، فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره، ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ، ولم يبق أحد من المهاجرين
стр. 15305
الأولين، إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في رجال من المهاجرين، والأنصار عدة؛ منهم: قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش ﵃، فقال رجال من المهاجرين، وكان أشدهم في ذلك قولا عياش بن أبي ربيعة ﵁: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فكثرت القالة في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب ﵁ بعض ذلك القول، فرده على من تكلم به، وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بقول من قال، فغضب رسول الله غضبا شديدا، وقد عصب على رأسه بعصابة وعليه قطيفة، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ فوالله، لئن طعنتم في إمارتي أسامة، لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله، إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق بالإمارة، وإن كان لأحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي، وإنهما لمخيلان لكل خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم.
ثم نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين سيخرجون مع أسامة ﵁، يودعون رسول الله ﷺ ، وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، ورسول الله ﷺ يقول: أنفذوا بعث أسامة، ودخلت أم أيمن ﵁ فقالت: أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره، حتى تماثل، فإن أسامة إن خرج على حاله هذه- لم ينتفع بنفسه، فقال رسول الله ﷺ أنفذوا بعث أسامة.
فمضى الناس إلى المعسكر، فباتوا ليلة الأحد، ونزل أسامة يوم الأحد، ورسول الله ﷺ ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، واللدود ما يسقاه
стр. 15306
المريض من الأدوية، فدخل على رسول الله ﷺ وعيناه تهملان، وعنده العباس، والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله، ورسول الله ﷺ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء، ويصبهما على أسامة، قال أسامة ﵁: فأعرف أنه كان يدعو لي، قال أسامة: فرجعت إلى معسكري، فلما أصبح يوم الإثنين غدا من معسكره، وأصبح رسول الله ﷺ مفيقا، فجاءه أسامة، فقال: اغد على بركة الله، فودعه أسامة ورسول الله ﷺ مفيق، وجعل نساؤه يتماشطن سرورا براحته، ودخل أبو بكر ﵁ فقال: " يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله، واليوم يوم ابنة خارجة، فأذن لي، فأذن له فذهب إلى السنح، وركب أسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره، ونزل وأمر الناس بالرحيل، وقد متع النهار؛ أي طال وامتد وتعالى، فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف - أتاه رسول أم أيمن ﵂، تخبره أن رسول الله ﷺ يموت.
فأقبل أسامة إلى المدينة، ومعه عمر وأبو عبيدة ﵃، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ ، وهو يموت، فتوفي ﵊ حين زاغت الشمس يوم الإثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول»، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب ﵁ بلواء أسامة معقودا، حتى أتى به باب رسول الله ﷺ فغرزه عنده، فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة، ولا يحله أبدا، حتى يغزو بهم أسامة، فقال بريدة: " فخرجت باللواء، حتى انتهيت إلى بيت أسامة، ثم خرجت به إلى الشام معقودا مع أسامة، ثم رجعت به إلى بيت أسامة، فما زال معقودا في بيته حتى توفي ".
فلما بلغ العرب وفاة رسول الله ﷺ ، وارتد من ارتد منها عن الإسلام، قال أبو بكر لأسامة: انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول لله ﷺ ، وأخذ الناس بالخروج، وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريدة باللواء، حتى انتهى إلى معسكرهم الأول، فشق ذلك على كبار المهاجرين الأولين، ودخل
стр. 15307
على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد ﵃، فقالوا: يا خليفة رسول الله، إن العرب قد انتفضت عليك من كل جانب، وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا، اجعلهم عدة لأهل الردة، ترمي بهم في نحورهم، وأخرى لا تأمن على أهل المدينة، أن يغار عليها، وفيها الذراري والنساء، ولو تأخرت لغزو الروم، حتى يضرب الإسلام بجرانه، ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه، أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ، فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا. فلما استوعب أبو بكر كلامهم، قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ قالوا: لا، قد سمعت مقالتنا، فقال: والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة، لأنفذت هذا البعث، ولا بد أن يئوب منه، كيف ورسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي من السماء، يقول: أنفذوا جيش أسامة، ولكن خصلة أكلم فيها أسامة، أكلمه في عمر يقيم عندنا، فإنه لا غنى بنا عنه، والله ما أدري يفعل أسامة أم لا؟ والله إن أبى لأكرهه.
فعرف القوم أن أبا بكر عزم على إنفاذ بعث أسامة، ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته، وكلمه في أن يترك عمر، ففعل، وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم، قال: فخرج وأمر مناديه ينادي عزمة مني أن لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله ﷺ ، فإني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج عنه، إلا ألحقته به ماشيا، وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إمارة أسامة، فغلظ عليهم وأخذهم بالخروج، فلم يتخلف إنسان واحد، وخرج أبو بكر يشيع أسامة والمسلمين، فلما ركب من الجرف في أصحابه، وهم ثلاثة آلاف رجل، وفيهم ألف فرس، فسار أبو بكر إلى جنب أسامة ساعة، ثم قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إن رسول الله ﷺ أوصاك، فانفذ لأمر رسول الله، فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه، إنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول الله.
فخرج سريعا، فوطئ بلادا هادئة، لم يرجعوا عن الإسلام مثل جهينة. وغيرها من قضاعة، فلما نزل بوادي القرى، قدم عينا له من بني عذرة يدعى
стр. 15308
حرثيا، فخرج على صدر راحلته أمامه، فغزى حتى أتى أبنى، فنظر إلى ما هناك وارتاد الطريق، ثم رجع سريعا حتى لقي أسامة على مسيرة ليلتين من أبنى، فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم، وأمره أن يسرع السير، قبل أن تجتمع الجموع، وأن يشنها غارة (١).
وفي هذه الغزوة التي سرد ابن عساكر بعض وقائعها، يقول ابن كثير في تاريخه: فأغار أسامة على تلك البلاد، وغنم وسبى، وكر راجعا سالما مؤيدا (٢).
وذكر الكاندهلوي أن جيش أسامة، لما خرج لوجهه الذي أمره به رسول الله ﷺ أبلى بلاء حسنا، ولقي من الروم مقاومة شديدة، ولكن الله سلمه، وغنم هو وجيشه وردهم الله إلى المدينة صالحين (٣).
وكانت هذه المعركة التي قادها أسامة، بإمرة رسول الله ﷺ ، ذات دروس عديدة أفادت الإسلام في عاجل أمره نصرا وتثبيتا، وقوة وتمكينا في النفوس، وفي آجل أمره بما يستفيده القادة العسكريون والإداريون، من مصالح تبرز أمامهم في كل موقف يعترضهم، وتتبدى نتائجه في كل معضلة يراد منها تفكيك القوة، ودس بذور التخاذل في الصفوف، وما أكثر الفوائد والمصالح التي يجب أن يستنار بها، والمماثلة لهذه البعثة، وما اكتنفها من أمور، حتى تقوى العزائم، وينضج الفكر المرشد للأمور المهمة، لما في الرأي الصائب من مصلحة نحو الإسلام، ومردود في تفهيم الناس لما تنطوي عليه تعاليمه، ودور الرجال المخلصين في توجيه الأمور بنظرتهم البعيدة الصادقة المخلصة. ومن صدق مع الله ألهمه الله الحكمة، وبصره بمواطن الزلل، فسار نحو الأصلح، وتجافى عن الأمور الضارة، وما التوفيق إلا من عند الله.
стр. 15309
صفحة فارغة
стр. 15310
القراءات القرآنية
وموقف المفسرين منها
بقلم: د. محمد علي حسن عبد الله
إن الحديث عن القراءات القرآنية متعدد الجوانب، عن معناها، وعن نشأتها وضوابطها وأثرها العقدي والفقهي، وأثرها في اللغة العربية، وفي كل ناحية من هذه النواحي كتب أكثر من بحث، وفيها أكثر من طاعن؛ فعن معناها ونشأتها كتب المستشرقون لينالوا من مكانة القراءات بل القرآن، وعن قبولها أكثر من رأي للمفسرين، بين قابل ومدافع، وبين مرجح ومفضل، وبين طاعن وناقد، وعن سند القراءات عند المحدثين بين تواتر وشذوذ، وعن ضوابطها ما بين مكثر ومقل عند علماء القراءات، وعن أثرها الفقهي خلاف طويل بين الفقهاء.
فالحديث عن موضوع القراءات ذو شجون وشجون، وقد أصابتني الحيرة في أيهما أبدأ: الرد على المستشرقين، أو على المفسرين، أو على اللغويين، ورأيت أن
стр. 15311
جانبا واحدا كاف لتناوله بالدراسة والبحث، ولما كان عملي التدريس لعلوم التفسير في الدراسات العليا، ومن خلال استقرائي لكثير من كتب التفسير، لفت انتباهي مواقف علماء التفسير من القراءات، ما بين مدافع ومرجح وطاعن، وقد أسهم الطاعنون من المفسرين إسهاما كبيرا في تغذية المستشرقين في طعنهم بالدين، وأنهم وإن قالوا ما قالوا، عن حسن نية أو عن سوء قصد، إلا أن المستشرقين لم يكتبوا بأي حال، إلا عن سوء نية وقصد في الطعن في الدين. .
من أجل هذا، عقدت العزم على الكتابة في هذا الموضوع الذي لم ينل حظه من العناية والرعاية، بيد أن الكتابة في جميع جوانبه تحتاج إلى جهد لست ببالغه في هذا البحث، وأسأل الله أن يعين على التمام؛ لذا تناولت ما تعلق بموقف علماء التفسير من القراءات، تاركا الحديث عن نشأتها إلى ما كتبه الأستاذ الفاضل الدكتور إبراهيم خليفة، ناقدا للمستشرق الماكر جولد زيهر، الذي ألف كتابا بعنوان " المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن الكريم"، وقد خص فيه موضوع القراءات، وأتى بأقوال وأهوال في موضوع القراءات، ولم تنل من الرد الكافي عند العلماء، إلا حين انبرى للرد الدكتور المذكور في كتابه مناهج المفسرين، وأتى من الكلام بما لا يزاد عليه، وقد أحسن وأجاد في مذكراته عن القراءات القرآنية.
أما عن موضوع القراءات عند اللغويين- فقد طلع علينا كتاب قيم، للأستاذ الدكتور إبراهيم رفيده " النحو وكتب التفسير"، وبقي الحديث عن جوانب أخرى؛ منها الجانب الذي أكتب فيه هذا البحث.
خطتي في البحث:
كنت أطمح للكتابة في موضوع القراءات بين المفسرين وأهل اللغة والمستشرقين، ولكن رأيت أن مجال البحث سيطول؛ لذا اقتصرت على جانب واحد " القراءات القرآنية وموقف المفسرين منها "، وآمل أن أتعرض للجوانب الأخرى إن شاء الله.
هذا، وقد قسمت هذا الموضوع إلى فصلين وخاتمة.
стр. 15312
أما الفصل الأول:
فهو القراءات القرآنية، وقسمته إلى ثلاثة مباحث:
الأول: معنى القراءات القرآنية.
الثاني: نشأتها.
الثالث: أركانها.
وقد اقتصرت على هذه المباحث الثلاثة، ولم أتعرض للقراء السبعة أو العشرة وحياتهم؛ إذ الحديث عنهم إطالة للبحث، عن غير فائدة.
أما الفصل الثاني:
فهو موقف المفسرين من القراءات القرآنية، وأعني بها القراءات المتواترة؛ إذ هي الجديرة بوصف القرآنية، أما القراءات الشاذة- فلها موضوع آخر نبحثه فيما بعد.
وقد وقع هذا الفصل في ثلاثة مباحث: الطاعنون في القراءات والمرجحون ثم المدافعون، وقد اقتصرت على ذكر أشهر المفسرين في كل مجال.
стр. 15313
الفصل الأول
القراءات القرآنية
المبحث الأول
تعريف القراءات
معناها اللغوي:
القراءات جمع قراءة، وهي مصدر من قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، واسم الفاعل منه قارئ، وجمعه قراء.
ويأتي الفعل غير مهموز كقرى، ولا يختلف مع الأول في معناه (١).
قال ابن فارس (٢) (قرى) القاف والراء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على جمع واجتماع، وإذا همز هذا الباب كان هو والأول سواء، ويطلق لفظ قرأ، ويراد منه عدة معان: فإذا قلت: قرأت القرآن، معناه لفظت به مجموعا؛ أي ألقيته، وأقرأت حاجتك إذا دنت، وقرأت الشيء قرآنا، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض.
وإذا قلت: قرأت في الكتاب، فمعناه تفقهت فيه، وأقرئه السلام؛ أي أبلغه. وبعد هذا يتحدث علماء اللغة عن القرء والحيض والطهر، ولا يعنينا استقصاء ذلك والإسهاب فيه.
معناها الاصطلاحي:
ذكر علماء القراءات تعريفات كثيرة، يطول بنا الحديث إذا ذكرناها جميعا، ونكتفي بأشهرها.
стр. 15314
قال الزركشي: القراءات اختلاف ألفاظ الوحي، المذكور في الحروف وكيفيتها، من تخفيف وتشديد وغيرها (١).
أما ابن الجزري فعرفها:
" بأنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن، واختلافها بعزو الناقلة، وهذا التعريف اعتمده كثير من المؤلفين في علم القراءات.
أما الدمياطي فقد أسهب في تعريفه فقال: " القراءات علم يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في الحذف والإثبات، والتحريك والتسكين، والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال وغيره من حيث السماع (٢).
وهناك من عرف القراءات بأنها: " مذهب يذهب إليه المقرئ "، وهو وإن كان مقصوده ما ذهب إليه العلماء، أن مبنى ما ذهب إليه القارئ هو الوحي والسماع، إلا أن المستشرقين قد جعلوا من مثل هذه التعاريف مأربا خبيثا للصيد في الماء العكر؛ إذ رأوا أن اختلاف القراءات مبناه اختلاف القراء، وفق هواهم ومعتقداتهم، وراحوا يقيسون اختلاف الأناجيل على اختلاف الروايات في القراءات (٣)، ومع كل الأسف فقد وجدنا ممن شايعهم من يذهب إلى مثل أقوالهم، ولعل في تعريف الزركشي ما أجلى هذه الحقيقة، وما يبعد هذه الشبهة؛ إذ قال عن القراءات واختلافها: " إنها اختلاف ألفاظ الوحي ".
فهذا التعريف يلقي الضوء على أن مبنى القراءات الوحي النازل من السماء، وقد تبعه علماء القراءات، قديما وحديثا، في تجلية هذه الحقيقة، فجاءوا بتعريفات واضحة وناصعة؛ ففي " إتحاف فضلاء البشر، في القراءات الأربعة عشر " تعريف للقراءات بأنها: " النطق بألفاظ القرآن، كما نطقها النبي ﷺ "
стр. 15315
ومثله: " تلاوة ألفاظ القرآن الكريم، كما تلاها المصطفى ﷺ ، أو كما علمها، أو سمعها منه أصحابه، وأقرهم عليها (١).
وكلها تعريفات قريبة مما ذكره الزركشي؛ فاختلاف ألفاظ الوحي هي مثل النطق بألفاظ القرآن، كما نطقها النبي ﷺ ، ومثل تلاوة ألفاظ القرآن، كما تلاها النبي ﷺ .
وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣)
стр. 15316
نشأة القراءات
هذا العنوان الذي يستعمله كثير من المؤلفين، عن حسن قصد، ويؤكده المستشرقون لغرض في نفوسهم، كما سنبينه، فيه نظر؛ وذلك أن القراءات المتواترة قرآن لا شك فيه؛ فقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) و (ملك يوم الدين) بالألف وبدونها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢) و (اهدنا السراط المستقيم)، بسينها وصادها، وكل قراءة قرآنية متواترة، كل ذلك قرآن، وهو قديم، فلا يقال لقراءة منه: نشأت؛ لأن ذلك يشعر بالحداثة لبعضها في وقت من الأوقات.
لذا أرى، في استعمال المؤلفين المخلصين، هذا العنوان تجوزا، إن صح التعبير، وأرى في استعمال المستشرقين له مقصدا خبيثا، ونحن قد رأينا، فيما أومأنا إليه سابقا، من تعريف للقراءات بأنها اختلاف ألفاظ الوحي، كما قاله الزركشي، ما يشير إلى أن القراءة قرآن لا تنفك قرآنيتها عنه، ما دامت قد تواترت، فلا يقال لها ناشئة، إلا إذا قيل للقرآن ناشئا، وليس الأمر كذلك؛ فقد نزل الوحي بالقراءة، فيما ورد في بعض ألفاظه أكثر من قراءة، بل حين بدأ
стр. 15317
نزول الوحي، بدأها بأول كلمة في أول سورة نزلت، وهي (اقرأ)؛ ففيها قراءتان متواتران؛ الأولى: هي قراءة الجمهور بهمزة ساكنة، والثانية قراءة عاصم بحذف الهمزة (اقرا يقرا كسعى يسعى) (١).
وإنه لأمر يسترعي الانتباه أن تكون أول كلمة، في أول سورة نزلت، كلمة اقرأ، وأن يكون القرآن والقراءات مشتقا من مشتقاتها.
بعد هذا التمهيد أرى أن الحديث عن مصدر القراءات هو الحاسم لكثير من الشبه والأضاليل، التي يتمسك بها المستشرقون، والتي كان لأقوال بعض المفسرين، وبعض العلماء قدر غير يسير في الإسهام، في مد أولئك الملحدين، بشيء من أسباب الضلالة من غير قصد منهم ﵏ إلى شيء من ذلك بطبيعة الحال، ولكنهم ﵏ لما لم يلزموا جانب الحيطة والحذر، وأقصى غايات الحذر، في هذا الأمر الجلل- فقد أمدوا، من حيث لا يشعرون، من في قلبه مرض واستعداد طبيعي لاتخاذ كل شاردة وواردة من القول صيدا ثمينا، وفرصة ذهبية للنيل من مقدسات هذه الأمة وقرآنها.
أقول: إن المصدر الوحيد للقراءات إنما هو الوحي النازل من السماء إلى النبي ﷺ ، الذي بلغه بكل دقة وبكل حركة إلى أصحابه الكرام، فكان يقرئهم إياه، كما أنزل؛ كما روى ابن مسعود «أن النبي ﷺ كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى، حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل فإذا ما علمهم القرآن، فأتقنوا تلاوته أحب أن يسمعه منهم توثيقا لما سمعوه عنه (٢)».
روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود، ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء، حتى إذا جئت إلى هذه الآية:
стр. 15318
قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (١)».
فالنبي ﷺ كان يتعهد أصحابه بتعليم القرآن وحفظه، حتى أصبحت صدورهم سجلا لما نزل من الحق، وربما علم النبي، ﵊، بعض أصحابه قراءة لم يسمعها بعض الصحابة، فيقرأ بعضهم القرآن على القراءة التي سمعها، ويقرأ آخر على قراءة غيرها سمعها من النبي ﷺ ، فيسمع أحدهما الآخر، فينكر عليه عدم سماعه لها من الرسول ﷺ .
ففي البخاري ومسلم «أن عمر بن الخطاب ﵁، يقول: " سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، في حياة النبي ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه، قلت له: كذبت، فوالله، إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ : أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله ﷺ : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه (٢)»
وروى مسلم، «عن أبي بن كعب قال: " كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرآ، فحسن النبي ﷺ شأنهما (٣)». . . " الحديث.
стр. 15319
فمن حديث عمر وهشام ﵄، يتبين لنا أن تعدد القراءات سببه واحد، هو أن رسول الله ﷺ أقرأ كلا منهما تلك القراءة، كما أنزلت من عند الله تعالى.
ومن حديث أبي بن كعب ﵁، أن عدد القراءات ثلاث، وكلها حسنها رسول الله ﷺ ؛ لأنها متلوة من الوحي، جعلها الله من باب التهوين والتسهيل على أمته.
يقول الشيخ الزرقاني، ﵀: ثم إن الصحابة، رضوان الله عليهم، قد اختلف أخذهم عن رسول الله ﷺ ؛ فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذه عنه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرقوا في البلاد، وهم على هذه الحال، فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابعي التابعين وهلم جرا، حتى وصل الأمر، على هذا النحو، إلى الأئمة القراء المشهورين، الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات يضبطونها ويعنون بها وينشرونها) (١).
إذن: فالأمر في تعدد القراءات أمر أخذ ونقل من الوحي، فلا يجوز لمسلم أن يعزو أية قراءة لغير ذلك، كما صنع المستشرق (جولد زيهر) وغيره من المستشرقين، الذين عزوا القراءات إلى القارئين، الذين مارس كل واحد منهم القراءة القرآنية ليصحح القرآن، وأن القارئ يقرأ القرآن، وفق ما يحتمله الرسم القرآني، الخالي من النقط والشكل.
يقول جولد زيهر: (وترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات؛ أي في القراءات، إلى خصوصية الخط العربي، الذي يقدم هيكله المرسوم مقادير صوتية مختلفة؛ تبعا لاختلاف النقط الموضوعة فوق هذا الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط. بل كذلك في حالة تساوي المقادير الصوتية، يدعو اختلاف الحركات، الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصيلة ما يحدده، إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وبهذا إلى اختلاف دلالتها، وإذن فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات في المحصول الموحد القالب من
стр. 15320
الحروف، لم يكن منقوطا أصلا، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه (١).
وقد أرجع الدكتور عبد العال سالم أساس هذا الزعم إلى الزمخشري، وقال: إن مصدر الوحي، لهذا المستشرق جولد زيهر، إنما هو الزمخشري الذي قال بخطأ ابن عامر في قراءته للآية القرآنية (٢).
فقد زعم الزمخشري أن الذي حمل ابن عامر على قراءته، أنه رأى في بعض المصاحف (شركائهم)، مكتوبا بالياء؛ فالسبب هو الرسم، ونحن إذ نضع في الاحتمال أن يكون للزمخشري أثر في قول زيهر، إلا أننا نجزم أن مراد كل منهم يختلف عن الآخر؛ إذ يهدف زيهر للوصول إلى قياس تعدد القراءات، على تعدد الأناجيل، وهذه خطيئة ما نظن أن الزمخشري يقع في مثلها.
هذا، وقد تصدى للرد على جولد زيهر كل من:
١ - الدكتور إبراهيم خليفة، في كتابه (مناهج التفسير)، وهو أجود الكتب وأفضلها.
٢ - الدكتور عبد الفتاح شلبي، في كتابه (رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات).
٣ - الدكتور عبد الصبور شاهين، في كتابه (تاريخ القرآن).
٤ - الدكتور عبد العال مكرم، في كتابه (أثر القراءات في الدراسات النحوية).
٥ - الشيخ محمد طاهر الكردي في كتابه (تاريخ القرآن)، في الفصل الرابع، الرد على الإفرنج القائلين باستنباط القراءات من الرسم.
٦ - الشيخ عبد الفتاح القاضي، في كتابه (القراءات في نظر المستشرقين والملحدين).
٧ - الدكتور لبيب سعيد، في كتابه (المصحف المرتل).
٨ - الدكتور عبد الوهاب حمودة، في كتابه (القراءات واللهجات).
стр. 15321
وفي ضوء دراسة هذه الردود، يمكن إيجازها في الأمور الآتية: أولا: أن الاعتماد، في نقل القرآن، على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب (١)، ثم إن القراءات وجدت قبل مرحلة تدوين المصاحف وكتابتها، وبعد تدوينها كانت في البداية غير منقوطة ولا مضبوطة، ومع ذلك كانت القراءات معروفة ومنتشرة، وكانوا يقرءون الآيات حسب السماع والرواية، لا حسب الرسم والكتابة.
ثانيا: لو كانت القراءة تابعة للرسم- لصحت كل قراءة يحتملها رسم المصحف، ولكن الأمر على غير ذلك؛ فإن بعض ما يحتمل الرسم صحيح، مثل (فتبينوا) في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) الآية.
وبعضه مردود؛ مثل قراءة حماد الراوية: (أباه)، في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ (٣) الآية، وكذلك قراءة: "تستكثرون"، في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤)، وهذه وتلك قراءة منكرة بالاتفاق، فليست من السبع، ولا الأربع عشرة، ولو كان مجرد الخط كافيا لاعتمدت".
وعلى مثل هذه القراءة المكذوبة، اعتمد جولد زيهر، في الاستدلال، على قضيته الباطلة ودعواه الخبيثة ضد القرآن الكريم.
ثالثا: لقد ثبت، بالتاريخ الصحيح، أننا لا نزال نرى الكثير من المقرئين،
стр. 15322
حتى يومنا هذا، يعطون تلاميذهم، بعد أن يتموا حفظه على أيديهم، إجازة تتضمن سند التلقي، المتصل عنهم إلى النبي ﷺ ، وأن كثيرا من الأسانيد الصحيحة المتصلة مدونة، محفوظة في كتب القراءات، فما ينكر هذا إلا جاهل أو مكابر.
كذلك، إذا نظرنا إلى الأمصار الإسلامية- وجدنا أن كل مصر التزم قراءة قارئ بعينه، مع احتمال رسم المصحف لهذه القراءة، وأن القراء انتشروا في الأمصار ليعلموا الناس قراءة القرآن؛ إيمانا منهم بأن المصحف وحده لا يغني شيئا في مجال القراءة، وبخاصة أنه مجرد من النقط والشكل.
يقول الشيخ الزرقاني " لذلك اختار عثمان حفاظا يثق بهم، وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية، واعتبر هذه المصاحف أصولا ثواني، مبالغة في الأمر وتوثيقا للقرآن، ولجمع كلمة المسلمين فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه، مع من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب، روي أن عثمان، ﵁، أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري (١).
فلو كان الاعتماد على المصحف؛ فلم كلف أمير المؤمنين نفسه بإرسال أولئك القراء إلى تلك الأمصار؟ وملاحظة أن اختيار القارئ كان مبنيا على موافقة قراءته لرسم المصحف المرسل إلى تلك البلد، وهذا يؤكد على أن دعامة قراءة القرآن هو التلقي والرواية.
وإذا كان للمستشرقين عذرهم في تعصبهم للباطل، وحقدهم الدفين ضد الإسلام ومبادئه، فما عذر من جاراهم من المسلمين، وقال بأن القراءات القرآنية منشؤها الخط العربي، حسب رسمها في المصحف العثماني؟، ومن هؤلاء الدكتور علي عبد الواحد وافي (٢)، وتبعه في ذلك الدكتور طه حسين في صورة
стр. 15323
أكثر بشاعة، وأشد خطرا؛ إذ هو ينكر على المعتقد بشرعية القراءات، وأنها ليست من الوحي، وإنما مصدرها اللهجات واللغات؛ يقول: والحق أن ليست هذه القراءات السبع من الوحي في قليل ولا كثير، وليس منكرها كافرا ولا فاسقا، ولا مغتمزا في دينه، وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها (١)، وقد نهج الدكتور محمد عبد السلام كفافي نهج طه حسين، فيقول: " وهناك سبب قوي لظهور القراءات؛ لأن مصحف عثمان كتب بغير نقط ولا شكل (٢).
والحق، الذي لا يمارى فيه، أن القراءات سنة متبعة، نقلت بالرواية والمشافهة، من رسول الله ﷺ ، وهي قرآن لا تنفك عنه، ولا هي مغايرة له، بل هي ألفاظ مختلفة نزل بها الروح الأمين بعرضات متعددة، ولم تكن القراءات وليدة خط أو رسم، أو عدم شكل وضبط لكتاب الله تعالى، ومن يقول بهذا- فهو ضال مضل، لسوء نيته وخبث قصده، سواء كان (جولد زيهر)، أو من سار على دربه، والذي يمعن النظر في كلام زيهر مثلا يجد له أبعادا وأهدافا يرمي من ورائها:
إن الأمة الإسلامية قد اعتمدت في أخذ كتاب ربها، على مثل ما اعتمد عليه غيرها من النقل من الصحف المكتوبة، والقراءة من الخط والرسم؛ فوقعت لذلك، وبسبب تجرد هذا الخط، من أول الأمر، من الشكل والنقط، في كثير من التحريف والتصحيف، في القرآن؛ حيث قرأها كل بحسب ما اتفق له من الفهم، وما رآه من صحة المعنى؛ يقول الدكتور عبد الفتاح شلبي: يظهر أن هؤلاء أجروا القرآن الكريم مجرى ما وقع من التصحيف، من كلام العرب شعرا أو نثرا، فقد صحف الفيض بن عبد الحميد، في حلقة يونس؛ إذ أنشد بيت ذي الإصبع:
عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
فقال الفيض: كانوا جنة الأرض بالجيم والنون (٣).
وحدث قاسم بن إصبع قال: لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان
стр. 15324
فأخذت عن بكر بن حماد، فقرأت عليه يوما حديث النبي ﷺ أنه قدم عليه قوم من مضر مجتابي النمار، فقال: " إنما هو مجتابي الثمار"، فقلت: إنما هو مجتابي النمار، هكذا قرأته على كل من لقيته بالأندلس والعراق. فقال لي: قم بنا إلى ذلك؛ لشيخ كان في المسجد، فإن له بمثل هذا علما، فقمنا إليه، وسألناه عن ذلك فقال: "إنما هو مجتابي النمار، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم " والنمار جمع نمرة (١).
" ولنا أن نتساءل: إذا كان العلماء، قد وقفوا بالمرصاد لما روى هؤلاء، وهم أئمة، فماذا ترى أن يكون موقفهم بجانب كتاب الله الكريم، والمصحفين فيه، وهم المدققون في روايته، وكانوا القوامين عليه، ومن حفظته، ثم هم الذين وقفوا جهودهم على سدانته " (٢) إن زيهر وأمثاله يعلمون أن القراءات ليست تصحيفا، وإنما هي قرآن، وجدت في زمن التشريع، ونزلت وانقطعت بنزول الوحي وانقطاعه، ولكنهم يقصدون شيئا آخر ندركه من كلام العالم اللاهوتي (أبيتر فيرتفلس): "من أن كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه)؛ فكل تيار فكري بارز، في التاريخ الإسلامي، زاول الاتجاه إلى تصحيح نفسه على النص المقدس، وإلى اتخاذ هذا سندا على موافقته للإسلام، بمطابقته لما جاء به الرسول، ﵊، وبهذا وحده كان عليه أن يدعي لنفسه مقاما وسط هذا النظام الديني، وأن يحتفظ بهذا المقام، وكلامه هذا ينطوي على أمرين فاضحين:
أولهما: أنه وصف الإنجيل بالقداسة، وساوى بينه وبين القرآن، وكل من يحترم العقل، ويعرف له حقه على العقلاء، يعرف أن بين القرآن وبين الإنجيل بونا عظيما وشأوا قصيا، في هذا المضمار؛ فالأناجيل حرفت وغيرت باعترافهم هم، وفي آخر صيحة للحق أن
стр. 15325
الموسوعة الأمريكية قد أوردت الوضع والتحريف لنصوص الديانة اليهودية والنصرانية، على حد سواء.
ثانيهما:
أما دعوى أن كل امرئ يستطيع وضع النص أو قراءته، على وجه يؤيد بدعته ونحلته، فهو باطل، وذلك أن جولد زيهر نفسه يرى أن من القراءات ما هو متواتر مقطوع بصحته، وهذه القراءات المتواترة، لا يعني بحال أن يعتمدها الناس، بل الرسول ﷺ نفسه تلقاها بالوحي، وأخبرنا أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، إذن فكل صحابي كان يقرأ على حرف من الحروف التي تلقاها عنه، وقراءة هذا أو ذاك، واختلاف هذا مع ذلك: لم يكن له أثر، بل الكل متبع لا مبتدع، انظر إلى كلام الصحابة: " أقرأنيها رسول الله"، وانظر إلى إقرار الرسول ﷺ لقراءة هشام حين اختلف مع عمر، (هكذا أنزلت)، وإلى إقراره قراءة عمر (هكذا أنزلت)
فاختلاف القراءات كان قديما، ولكنه اتباع لا ابتداع، ومظاهر الاختلاف في القراءات أصدق أمارة على كمال الإعجاز، ونصوع المسحة الإلهية الحكيمة على كل كلمة من كلام هذا الكتاب المعجز " إن كان ثمة غير هذا- فليحدثنا به، فإذا لم يجد لتفسير هذه الظاهرة فرضا آخر تقبله العقول، لا في جوف الأرض، ولا فوق أديم السماء؛ لكونه من المستحيلات التي لا توجد إلا في تصوير أوهام الحاقدين وجهلة المستكبرين: فإنا نقول له ولأمثاله: إن مسألة تعدد القراءات الثابتة من عند الله تعالى، لا تجافي أبدا حقيقة توحيد النص القرآني (١)
стр. 15326
أركان القراءات
يجدر التنويه لأمرين:
أولهما: أن ركن القراءة الوحيد هو صحة السند لا غير، وأن إضافة
стр. 15327
الركنين الأخيرين- لم تأت إلا في وقت متأخر، كما ذكره الأفغاني في تحقيقه لكتاب حجة القراءات لأبي زرعة، وقد وصف الصفاقسي اشتراط غير صحة السند، بأنه قول محدث لا يعول عليه.
ثانيهما: أن علماء القراءات خلطوا بين الركن والشرط، وهو خلط غير مقصود به ما يقصده الأصوليون في التمييز بينهما؛ فعلماء القراءات يعنون بالركن الشرط أو العكس، وهم على أية حال لا يقصدون به إلا التعبير عن الأمور الثلاثة، إن شئت سميتها أركانا أو شروطا، وهي مثل إطلاق السبب على العلة، والعلة على السبب، دون قصد في التدقيق والتحقيق في الفارق بينهما.
بعد هذا التنويه والتنبيه نقول: إن كان الحديث عن القراءات ومعناها قد كثر فيه الخلاف والاختلاف، بين أئمة هذا العلم، فإن الحديث عن أركانها أو شروطها أكثر خلافا؛ فأكثرهم يشترط لقبول القراءة أركانا ثلاثة، ومنهم من يكتفي بركنين، ومنهم من يقتصر على ركن واحد، والقائلون بالأركان الثلاثة يتفاوتون في الأخذ بكل ركن منها، وسأضع بين يديك هذه الأركان كما نظمها أحد أئمة هذا الشأن شعرا؛ فقال:
فكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه ولو أنه في السبعة (١)
فهذه هي الأركان الثلاثة، وسأبدأ بذكر أهمها، بل المجمع على إشتراطه؛ ألا وهو:
стр. 15328
١ - صحة السند:
هذا أول الأركان المعتبرة، بل هو الذي يستهل به العلماء حديثهم عن أركان أو شروط القراءات.
стр. 15329
فابن مجاهد شيخ هذه الصنعة؛ إذ هو أول من سبع السبعة، قد قال: " والقراءة التي عليها الناس، بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، هي القراءة التي تلقوها عن أوليهم تلقينا، وقام بها في كل مصر، من هذه الأمصار، رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه وتمسكوا بمذهبه (١) ".
فلا يمكن اعتبار للقراءة القرآنية، إلا إذا كانت قد أخذت بطريق التلقي والمشافهة، وهذا ما يؤكده في موضع آخر؛ إذ يقول: " فهؤلاء سبعة نفر، من أهل الحجاز والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار ".
فابن مجاهد يشترط، لقبول القراءة، صحة السند، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء المحققين، كابن شنبوذ والإمام أبو الحسن البغدادي وابن خالويه ومكي بن أبي طالب والإمام الكواشي والإمام أبو شامة.
ولم يشذ عن إجماع هؤلاء العلماء، إلا محمد بن الحسن بن يعقوب المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.
فإنه لم يشترط السند، واكتفى بقبول القراءة بشرطين: موافقة الرسم، وموافقة اللغة العربية، وأسقط صحة السند، وفي ذلك يقول ابن الجزري: وله " أي المذكور " اختيار في القراءة رويناه في الكامل وغيره، رواه عنه أبو الفرج الشنبوذي ويذكر عنه أنه كان يقول: إن كل قراءة وافقت المصحف ووجها في العربية، فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند (٢).
والحق أن: هذه هفوة من الهفوات التي لا يرتضيها شرع ولا عقل، وهي من أفسد الأقوال، فالقراءات قد تزداد وتنقص، وفق احتمال موافقتها للغة أو للرسم القرآني، وبالتالي فهي وفق هوى واجتهاد أئمة اللغة.
стр. 15330
٢ - موافقة القراءة للرسم العثماني:
وقد ذهب كثير من العلماء المتأخرين إلى اعتبار هذا الشرط، وقد ذكره أبو الفرج الشنبوذي أول الشروط المعتبرة؛ إذ يقول: إن كل قراءة وافقت، المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة.
ويفهم مما ورد في كتاب السبعة في القراءات عدم اشتراطه؛ إذ يقول: فمن حملة القرآن، المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراءات، العارف باللغات ومعاني الكلمات، البصير بعلم القراءات، المنتقد للآثار؛ فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن، في كل مصر من أمصار المسلمين (١).
فهذا الكلام يدلنا على شرطين لا ثالث لهما: وهما صحة السند، وموافقة العربية، وذهب إلى ذلك الإمام أبو الحسن البغدادي شيخ القراء بالعراق، فأسقط موافقة القراءة للرسم العثماني.
وقد توسع بعض العلماء، في موافقة القراءة للرسم القرآني، فرأى احتمال الموافقة كافيا، بل توسع بعضهم فرأى موافقة القراءة للرسم وحده، وإن لم تتواتر. ونحن إذ نرد القراءة التي لم توافق الرسم، إلا أننا لا نقبلها لمجرد موافقتها الرسم.
стр. 15331
٣ - موافقة القراءة للغة:
ابتدأ بذكره صاحب النشر؛ فجعله أول الشروط، وثنى بذكره مكي بن أبي طالب، والإمام الكواشي، وجعلاه ثاني الشروط بعد صحة السند، وقد قيد كل منهم هذا الشروط بقيد يختلف عن الآخر، فبينما يكتفي الكواشي بشرط موافقة القراءة للغة، لأي وجه من الوجوه، نرى مكي بن أبي طالب يشترط أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا، وذهب أبو الفرج الشنبوذي إلى تأييد رأي الكواشي في التساهل، والاكتفاء بموافقة القراءة لأي وجه من
стр. 15332
الوجوه اللغوية، سواء أكان الوجه فصيحا مجمعا عليه، أم كان مختلفا فيه اختلافا لا يضير، مثله كما يقولون (١)
стр. 15333
نظرة في الأركان:
لو تأملنا هذه الأركان، لوجدناها أركانا تخضع لاستقراء العلماء واستنباطهم؛ فمنهم من جعلها ركنا واحدا، ومنهم من جعلها ركنين، مع اختلاف في تحديد الركنين، ومنهم من جعلها ثلاثة أركان. ومنهم من اكتفى بصحة السند، ومنهم من أضاف إليه الموافقة للرسم، ومنهم من أضاف الموافقة للغة، وفي كل شرط خلاف؛ ففي السند: من العلماء من ذهب إلى اشتراط التواتر، ومنهم من اشترط الشهرة، ومنهم من اكتفى بصحة السند ولو نقل آحادا.
وفي موافقة الرسم: منهم من اشترط الموافقة تحقيقا، ومنهم من قبلها ولو تقديرا، ومنهم من أضاف ولو احتمالا، وفي موافقة اللغة كلام استوفيناه في موضعه.
والذي لا شك فيه، بل المجمع عليه، هو صحة السند، بل أرى أنه الركن الوحيد الذي ينبغي أن يقتصر عليه، والذي أعنيه بصحة السند ليس مجرد الصحة، بل التواتر؛ ذلك لأن القرآن كله متواتر، لا يشك في ذلك مسلم من المسلمين، وقراءته يتعبد بتلاوتها المؤمنون، وقراءاته المختلفة لا ضير بالاكتفاء ببعضها؛ لأنها كلها قرآن؛ فأرجلكم من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) قرآن، وأرجلكم بالكسر، في نفس الموضع، قرآن، (ومالك يوم الدين) إن قرأت بهذه القراءة قرآن، وملك يوم الدين قرآن، إن شئت قرأت بهذه أو بتلك. فالقراءة قرآن يتعبد بتلاوتها، فلا بد من تواترها لإثبات قرآنيتها.
أما القراءة التي لم تتواتر سندا، فلا تعتبر قراءة، مهما أضفت إليها من معايير
стр. 15334
وشروط، وقد أخطأ من حكم بقرآنيتها، إذا وافقت الرسم ووافقت اللغة، وأنزلها منزلة التواتر.
إن التواتر لا يكون إلا بالسند الذي يرويه جمع عن جمع. . إلخ، إذا وضح عندنا صحة اعتبار تواتر السند، فلا ضير علينا في الركنين الأخيرين؛ لأنه لم يثبت لدينا أن قراءة من القراءات المتواترة قد خالفت الرسم القرآني، أو خالفت العربية، ودع عند ما يقال إن بعض القراءات القرآنية المتواترة قد خالفت العربية، كما زعموا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١)، بالكسر، أو قراءة "فتوبوا إلى بارئكم "بالتسكين؛ فإن كلام النحاة، الذين خالفوا كلام القراء، لا يستند إلى دليل، ولست في مجال الرد عليهم، فإن الكلام في ذلك يطول.
أعود لأقول: إن شرط القراءة أو ركنها، كما يقول بعض العلماء، هو صحة السند وتواتره، ولا ثاني له، والله أعلم.
ويقول الأستاذ سعيد الأفغاني: والشرط الأساسي، كما يظهر للمتأمل هو الأول (أي صحة السند)، أما الثاني والثالث- فالغالب أنهما أضيفا، ليتكون من الثلاثة ما ينطبق تمام المطابقة على القراءات العشر المعروفة.
ثم أضاف أن أول وأشهر من عرف عنه اشتراط الشروط الثلاثة، هو (مكي بن أبي طالب) الذي عاش في المائة الخامسة للهجرة، منذ قال: " والقراءات الصحيحة ما صح سندها إلى رسول الله ﷺ ، وما صح وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف "، وشاع هذا القول بعده، حتى تبعه على ذلك بعض المتأخرين، ومشى عليه ابن الجزري في نشره وطيبه، واستنكرت الجمهرة ذلك. حتى قال الصفاقسي: " وهذا قول محدث لا يعول عليه " (٢).
أقوال العلماء في تواتر السند:
لست بدعا في اشتراط التواتر، في السند، فقد قال بذلك علماء أذكر منهم
стр. 15335
على سبيل المثال لا الحصر:
ابن عبد البر - ابن عطية - ابن تيمية - النووي - الأوزاعي - السبكي - الزركشي - ابن الحاجب
وأعجب من قول ابن الجزري؛ إذ إنه كان يقول بالتواتر، ثم عدل عنه، كما صرح بذلك بقوله (ولقد كنت، قبل، أجنح إلى هذا القول) (١) يعني اشتراط التواتر في القراءة.
وما أقوى البرهان، الذي ساقه النيسابوري في كتابه "غرائب القرآن ورغائب الفرقان. . . " قال: القراءات السبع متواترة، يعني أن ثبوت التواتر بالنسبة إلى المتفق على قراءته من القرآن، كثبوته بالنسبة إلى كل من المختلف في قراءته، ولا مدخل للقارئ في ذلك، إلا من حيث إن مباشرته لقراءته أكثر من مباشرته لغيرها، حتى نسبت إليه، وإنما قلنا إن القراءات متواترة؛ لأنه لو لم تكن كذلك- لكان بعض القرآن غير متواتر (كملك- ومالك) ونحوهما، إذ لا سبيل إلى كون كليهما غير متواتر؛ فإن أحدهما قرآن بالاتفاق، وتخصيص أحدهما بأنه متواتر دون الآخر، تحكم باطل؛ لاستوائهما في النقل، فلا أولوية فكلاهما متواتر (٢)