← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 15331–15370 · переход к 15336.

стр. 15331

٣ - موافقة القراءة للغة: ابتدأ بذكره صاحب النشر؛ فجعله أول الشروط، وثنى بذكره مكي بن أبي طالب، والإمام الكواشي، وجعلاه ثاني الشروط بعد صحة السند، وقد قيد كل منهم هذا الشروط بقيد يختلف عن الآخر، فبينما يكتفي الكواشي بشرط موافقة القراءة للغة، لأي وجه من الوجوه، نرى مكي بن أبي طالب يشترط أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا، وذهب أبو الفرج الشنبوذي إلى تأييد رأي الكواشي في التساهل، والاكتفاء بموافقة القراءة لأي وجه من

стр. 15332

الوجوه اللغوية، سواء أكان الوجه فصيحا مجمعا عليه، أم كان مختلفا فيه اختلافا لا يضير، مثله كما يقولون (١)

стр. 15333

نظرة في الأركان: لو تأملنا هذه الأركان، لوجدناها أركانا تخضع لاستقراء العلماء واستنباطهم؛ فمنهم من جعلها ركنا واحدا، ومنهم من جعلها ركنين، مع اختلاف في تحديد الركنين، ومنهم من جعلها ثلاثة أركان. ومنهم من اكتفى بصحة السند، ومنهم من أضاف إليه الموافقة للرسم، ومنهم من أضاف الموافقة للغة، وفي كل شرط خلاف؛ ففي السند: من العلماء من ذهب إلى اشتراط التواتر، ومنهم من اشترط الشهرة، ومنهم من اكتفى بصحة السند ولو نقل آحادا. وفي موافقة الرسم: منهم من اشترط الموافقة تحقيقا، ومنهم من قبلها ولو تقديرا، ومنهم من أضاف ولو احتمالا، وفي موافقة اللغة كلام استوفيناه في موضعه. والذي لا شك فيه، بل المجمع عليه، هو صحة السند، بل أرى أنه الركن الوحيد الذي ينبغي أن يقتصر عليه، والذي أعنيه بصحة السند ليس مجرد الصحة، بل التواتر؛ ذلك لأن القرآن كله متواتر، لا يشك في ذلك مسلم من المسلمين، وقراءته يتعبد بتلاوتها المؤمنون، وقراءاته المختلفة لا ضير بالاكتفاء ببعضها؛ لأنها كلها قرآن؛ فأرجلكم من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) قرآن، وأرجلكم بالكسر، في نفس الموضع، قرآن، (ومالك يوم الدين) إن قرأت بهذه القراءة قرآن، وملك يوم الدين قرآن، إن شئت قرأت بهذه أو بتلك. فالقراءة قرآن يتعبد بتلاوتها، فلا بد من تواترها لإثبات قرآنيتها. أما القراءة التي لم تتواتر سندا، فلا تعتبر قراءة، مهما أضفت إليها من معايير

стр. 15334

وشروط، وقد أخطأ من حكم بقرآنيتها، إذا وافقت الرسم ووافقت اللغة، وأنزلها منزلة التواتر. إن التواتر لا يكون إلا بالسند الذي يرويه جمع عن جمع. . إلخ، إذا وضح عندنا صحة اعتبار تواتر السند، فلا ضير علينا في الركنين الأخيرين؛ لأنه لم يثبت لدينا أن قراءة من القراءات المتواترة قد خالفت الرسم القرآني، أو خالفت العربية، ودع عند ما يقال إن بعض القراءات القرآنية المتواترة قد خالفت العربية، كما زعموا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١)، بالكسر، أو قراءة "فتوبوا إلى بارئكم "بالتسكين؛ فإن كلام النحاة، الذين خالفوا كلام القراء، لا يستند إلى دليل، ولست في مجال الرد عليهم، فإن الكلام في ذلك يطول. أعود لأقول: إن شرط القراءة أو ركنها، كما يقول بعض العلماء، هو صحة السند وتواتره، ولا ثاني له، والله أعلم. ويقول الأستاذ سعيد الأفغاني: والشرط الأساسي، كما يظهر للمتأمل هو الأول (أي صحة السند)، أما الثاني والثالث- فالغالب أنهما أضيفا، ليتكون من الثلاثة ما ينطبق تمام المطابقة على القراءات العشر المعروفة. ثم أضاف أن أول وأشهر من عرف عنه اشتراط الشروط الثلاثة، هو (مكي بن أبي طالب) الذي عاش في المائة الخامسة للهجرة، منذ قال: " والقراءات الصحيحة ما صح سندها إلى رسول الله ﷺ ، وما صح وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف "، وشاع هذا القول بعده، حتى تبعه على ذلك بعض المتأخرين، ومشى عليه ابن الجزري في نشره وطيبه، واستنكرت الجمهرة ذلك. حتى قال الصفاقسي: " وهذا قول محدث لا يعول عليه " (٢). أقوال العلماء في تواتر السند: لست بدعا في اشتراط التواتر، في السند، فقد قال بذلك علماء أذكر منهم

стр. 15335

على سبيل المثال لا الحصر: ابن عبد البر - ابن عطية - ابن تيمية - النووي - الأوزاعي - السبكي - الزركشي - ابن الحاجب وأعجب من قول ابن الجزري؛ إذ إنه كان يقول بالتواتر، ثم عدل عنه، كما صرح بذلك بقوله (ولقد كنت، قبل، أجنح إلى هذا القول) (١) يعني اشتراط التواتر في القراءة. وما أقوى البرهان، الذي ساقه النيسابوري في كتابه "غرائب القرآن ورغائب الفرقان. . . " قال: القراءات السبع متواترة، يعني أن ثبوت التواتر بالنسبة إلى المتفق على قراءته من القرآن، كثبوته بالنسبة إلى كل من المختلف في قراءته، ولا مدخل للقارئ في ذلك، إلا من حيث إن مباشرته لقراءته أكثر من مباشرته لغيرها، حتى نسبت إليه، وإنما قلنا إن القراءات متواترة؛ لأنه لو لم تكن كذلك- لكان بعض القرآن غير متواتر (كملك- ومالك) ونحوهما، إذ لا سبيل إلى كون كليهما غير متواتر؛ فإن أحدهما قرآن بالاتفاق، وتخصيص أحدهما بأنه متواتر دون الآخر، تحكم باطل؛ لاستوائهما في النقل، فلا أولوية فكلاهما متواتر (٢)

стр. 15336

الطاعنون في القراءات المفسرون بين طاعن ومرجح ومدافع عن القراءات، وشرعت بذكر الطاعنين؛ لأن موقفهم من القراءات مبني عليه موقف المدافعين، الذين يدفعون الهجوم بعد وقوعه، ولأن أول طاعن في القراءات هو صاحب التفسير الكبير جامع البيان في تأويل آي القرآن، الذي كان لكتابه الأولوية في التفسير زمانا وفنا، كما قال أستاذنا الشيخ الذهبي، من أجل هذا بدأت بذكر الطاعنين، وأبدأ بأولهم، وهو الإمام ابن جرير الطبري.

стр. 15337

أولا: الإمام ابن جرير الطبري قال الإمام النووي في وصف تفسير ابن جرير: (أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثله) (١). وقال الخطيب البغدادي: هو إمام يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عارفا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفا بأيام الناس وأخبارهم. هذه لمحة موجزة عنه، ولا يعنينا الإسهاب في ذلك، فنتكلم عن المطلوب فنقول: موقفه من القراءات: كنت متريثا في إصدار حكم طعن ابن جرير في القراءات، بل كنت متهيبا في ذلك، وقلت في نفسي: وهل من هو مثلي ينقد إماما من الأئمة، وعلما من أعلام التفسير؛ مثل ابن جرير الطبري، الذي ذاع وشاع صيته في الآفاق في علوم التفسير وعلم القراءات بالذات. ومما ساهم في حيرتي موقف العلماء المعاصرين، وأخص أستاذنا المرحوم محمد حسين الذهبي في كتابه " التفسير والمفسرون "، فقد ذكر عن الطبري موقفه من القراءات، فقال (كذلك نجد ابن جرير يعنى بذكر القراءات، وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده، وعند علماء القراءات، حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة، مما يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر، مع توجيه رأيه بالأسباب؛ فمثلا عند قوله تعالى في الآية، (٨١)، من سورة الأنبياء: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ (٢)

стр. 15338

يذكر أن عامة قراء الأمصار قرأوا (الريح) بالنصب، على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع، على أنها مبتدأ، ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها، في ذلك، ما عليه قراء الأمصار؛ لإجماع الحجة من القراء عليه. ولقد رجع السبب في عناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها، إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين، حتى إنهم ليقولون عنه: إنه ألف فيها مؤلفا خاصا في ثمانية عشر مجلدا، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ، وعلل ذلك وشرحه، وإذا اختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور، وإن كان هذا الكتاب فقد وضاع، بمرور الزمن، ولم يصل إلى أيدينا، شأن الكثير من مؤلفاته (١). فوصف الطبري لنفسه ومنهجه، وارتضاء شيخنا الذهبي لموقفه، دون تعليق، ورط كثيرا من الأوساط العلمية، وبقيت هذه النظرية أو النظرة عن الطبري كذلك، ولم يتناوله أحد بالتعليق. وكما ساهم أستاذي في حيرتي، ساهم كذلك تلميذي الذي أشرفت عليه في رسالة الماجستير (القراءات القرآنية). وقد ذهب الطالب إلى اعتبار ابن جرير من المرجحين، ونوقشت الرسالة من اللجنة العلمية المختصة في علم القراءات، وأقرت هذه المعلومة، بأن ابن جرير من المرجحين. ولكن هذه الحيرة والهيبة بدأت تتبدد، وبدأت غيومها تنقشع، وبدأت الرؤية تتضح شيئا فشيئا؛ لأمور منها: ١ - دفعني الشك في موقف الطبري إلى مواصلة البحث، فأشرت إلى طلبتي باستقصاء كتاب الطبري في التفسير، فوجدت أن الصورة الحقيقية لموقفه هي الطعن، وليس الترجيح كما ذهب إليه صاحب الرسالة في القراءات. ٢ - كتابة أحد الباحثين وإصداره كتابا كاملا، بعنوان (دفاع عن القراءات في مواجهة الطبري المفسر)، فازداد بذلك موقفي صلابة، لوجود من يرى أن الطبري طاعن. ٣ - وثالثة الأثافي كانت في العثور على مخطوطة في علم القراءات للإمام

стр. 15339

السخاوي، والمخطوطة في طريقها للطباعة، بتحقيق زميلنا في جامعة الإمارات، وفي هذه المخطوطة تنبيه من السخاوي، وتحذير من طعن ابن جرير الطبري في القراءات. يقول السخاوي (١): قال لي أبو القاسم الشاطبي، إياك وطعن ابن جرير على ابن عامر. أما ابن الجزري فقال عن طعن ابن جرير، وهو أول من نعلمه أنكر هذه القراءة المتواترة، وغيرها من القراءات الصحيحة، ثم قال: " وركب هذا المحظور ابن جرير، وقد عد ذلك من سقطات ابن جرير ". لقد كان لأقوال هؤلاء الأئمة الأعلام، في علم القراءات، أكبر الأثر في شد العزم في متابعة ومواصلة البحث. ٤ - وأخيرا فقد عقد مؤتمر، عام ١٩٨٩، لمنظمة الثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، وقد تناول هذا المؤتمر " الطبري كشخصية تراثية، في التفسير والتاريخ والعلوم الإسلامية "، وقد رشحت من قبل الجامعة لذلك، ولظروف- لم أتمكن من حضور المؤتمر، ولكني طرحت ورقة عمل، كما يقولون، تشمل: موقف الطبري من القراءات، وقد كان الكثير مؤيدا لما ورد، والأقل متريثا، وأقل القليل معارضا، فاستأنست للصدى العلمي الصادر عنهم. هذا، وبعد كتابة هذه المقدمة أفادني أستاذي الدكتور مازن المبارك أنه ناقش رسالة قيمة، في جامعة قطر، وهي بعنوان (الطبري قارئا)، وأفاد بأنها على جانب عظيم من الأهمية، ولكني لم أطلع عليها بعد، ومن يدري فلعل هناك من كتب ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) بعد هذه المقدمة نقول: لقد سبق وأن تعرضنا لضوابط القراءات، ورجحنا أن الضابط الوحيد هو صحة السند، ورأينا أن الضابطين موافقة الرسم

стр. 15340

وموافقة اللغة، لا يعتبران في قبول القراءة ورفضها. فقد توافق القراءة الرسم ولا تعتبر، وقد توافق اللغة ولا تقبل، ما دامت القراءة لم يصح سندها. فإذا تواتر السند أصبحت القراءة قرآنا، لا مجال لردها، وفي هذه الحالة لن تخالف رسما ولن تخالف لغة؛ لأن قواعد اللغة تصحح وفقا للقرآن، ولا تصحح هي القرآن. إن غالب الطاعنين في القراءات يرتكزون في طعنهم على قواعد اللغة، والطبري حين طعن، في القراءات، ارتكز على نفس ما ارتكزوا عليه، فيرفض أو يرجح وفق قواعد اللغة أحيانا كثيرة، أو وفق ما يتراءى له من المعنى. أما القراءات التي تخالف الرسم فيرفضها، وهو محق في ذلك؛ لأنها مخالفة للرسوم كما يقول. ويتراءى لي أن موقف الطبري من القراءات يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: أولها: طعنه في القراءات التي لا توافق قواعد لغوية حسب نظره، وهو في موقفه هذا يوافق بعض النحاة، في ردهم لبعض القراءات المتواترة. وهاك طائفة من القراءات القرآنية التي ردها ابن جرير، وبرر رفضها تبريرا لغويا، ونحن إذ نؤيده في رده ورفضه للقراءات الشاذة- فإننا نخطئه في رده للقراءات المتواترة، والتي قرأ بها القراء السبعة، الثابتة في مصادر ومراجع علم القراءات. ففي قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ (١)، قرئت تجارة حاضرة بالرفع والنصب. يقول الطبري إنه لا يستجيز القراءة بغير الرفع، في كل من الكلمتان، ويرفض قراءة النصب، وإن كانت متواترة، وقد قرأ بها عاصم (٢) وفي قوله

стр. 15341

تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١)، قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن بضم الراء والهاء، جمع رهن كسقف وسقف، وروي عنهما أيضا (فرهن)، وقرأ الخمسة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي (فرهان)، بكسر الهاء وإثبات الألف (٢). ومع تواتر القراءات الثلاث، إلا أن ابن جرير يرد قراءة رهن، ويعلل رده بما يعلله اللغويون؛ فيقول: " لأن جمع فعل على فعل شاذ قليل) (٣) وليت ابن جرير طعن في القراءة وسكت، بل اتهم من يقرأ بذلك بأنه يقرأ به من عند نفسه. بل يصف بعض القراء، والمحتج بقراءته، بضعف احتياله في قراءة أخرى؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٤) قرأ القراء السبعة بتشديد الفاء، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب (وكفلها) مفتوحة خفيفة، وبعد أن يسوق الطبري كلاما طويلا يغلظ القول على من يقرأ بالتخفيف، ويقول: " إنهم اعتلوا بحجة دالة على ضعف احتيال المحتج بها " (٥). ويؤكد الطبري موقفه، في موافقة بعض اللغويين، في قبول القراءة واستجادتها، أو رفضها وردها، وتعبيراته المختلفة في الرفض كثيرة، وهاك طائفة يسيرة من ذلك. قال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة (عزير) بضم الراء، وحذف التنوين، وقرأ عاصم والكسائي (عزير) بالتنوين. يقول الطبري: " وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ (عزير) بالتنوين " وفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (٧) قال الطبري قرئت (الأنصار)، بالخفض والرفع، ثم قال، والقراءة التي

стр. 15342

لا أستجيز غيرها، الخفض في الأنصار، مع أن قراءة الرفع سبعية. وفي قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (١). قرئت قطعا وقطعا؛ بالنصب للطاء وإسكانها، قال الطبري: " القراءة التي لا يجوز خلافها عندي، قراءة من قرأ ذلك بفتح الطاء. إنها تعبيرات تدل دلالة قاطعة على الرفض الصريح، انظر إلى قوله: " لا أستجيز غيرها " والتي لا يجوز خلافها عندي. . . ثانيا: طعنه في القراءات، تبعا لمعنى من المعاني: لم يقتصر طعن ابن جرير الطبري في القراءات، نظرا لتعارضها مع قواعد اللغة حسب نظره، وإنما تعدى طعنه القراءات التي لم توافق المعنى الجدير بالقبول، حسب تأويله، والفرق بين طعنه في الأول، وطعنه في الثاني، أنه يعلل الأول تعليلا لغويا، ويعلل طعنه في الثاني تعليلا معنويا، ويرمي القائل المؤول غير تأويله. بأنه ذو غفلة، أو ذو غباء، أو أغفل وظن خطأ، أو فاسد التأويل. ويعود طعنه، في مثل هذا النوع إلى اهتمامه بالمعاني واللطائف الدقيقة في القراءات، فإذا وجد قراءة توحي بمعنى من المعاني يذكرها ويوجهها، بصرف النظر عن كون تلك القراءة حجة أو لا، بل قد يفترض القراءة افتراضا، وهو وإن لم يقل بها، إلا أنه لولعه بإبراز المعاني يفترضها، فلا غرو إذا وجدناه يرفض بعض القراءات، ولو كانت متواترة؛ لأنها لم تشبع نهمه في تتبع المعاني القوية، حسب نظره. ففي سورة الفاتحة أورد الطبري قراءات كثيرة، ثم ذكر الآية (ملك يوم الدين) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) ثم قال: " وأولى التأويل، وأصح القراءتين في التلاوة عندي، التأويل الأول؛ وهي قراءة من قرأ (ملك) بمعنى الملك " وعلل ذلك بقوله: " لأن في الإقرار له بالانفراد بالملك، إيجابا لانفراده بالملك، وفضيلة زيادة الملك على المالك؛ إذ كان معلوما أن لا ملك إلا وهو مالك، وأكد اختياره

стр. 15343

بسياق الآيات، وأن قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فيه معنى الملكية، فلو قيل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) من الملك لكان ذلك تكرارا لمعنى واحد بألفاظ مختلفة، ثم أعقب ذلك بقوله: " فبين إذا أن أولى القراءتين بالصواب، وأحق التأويلين بالكتاب، قراءة من قرأه (ملك يوم الدين)، دون قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣)، ثم هاجم الطبري القارئين بـ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) ورماهم بالغفلة والغباء، وبأنه أغفل وظن خطأ. لكن ظهر لغير الطبري ترجيحه لهذه القراءة، بل اعتقاده بصوابها، وتخطئته لمن قرأ بمالك، فإن من الأئمة كأبي عبيد من عكس الأمر، ورجح: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٥) ويقول: " والمختار مالك؛ لأن المعنى يملك يوم الدين، وهو يوم الجزاء، ولا يملك ذلك اليوم أن يأتي به، ولا بسائر الأيام، غير الله سبحانه، وهذا ما لا يشاركه فيه مخلوق، في لفظ ولا معنى ". ونكتفي بمثال آخر، من سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٦). قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: (يخادعون. . . وما يخادعون بالألف وياء مضمومة والدال المكسورة. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: يخادعون. . . وما يخدعون) بفتح الياء بغير ألف. وقد أوجب الطبري القراءة في قوله: (يخدعون) دون (يخادعون)، مع أنهما قراءتان متواترتان، يقول في ذلك: " فالواجب إذا أن يكون الصحيح من القراءة (وما يخدعون)، دون (وما يخادعون)، ثم أخذ يوجه ما ذهب إليه، مستدلا على ذلك بأوجه من التأويل والتفسير المقبول عنده، بما يفيده السياق من معان جديرة بالاعتبار. يقول: " لأن لفظ المخادع غير موجب تثبيت خديعة على صحة، ولفظ خادع موجب تثبيت خديعة على صحة، ولا شك أن المنافق قد أوجب خديعة

стр. 15344

الله لنفسه، بما ركب من خداعه ربه ورسوله والمؤمنين بنفاقه؛ فلذلك وجب الصحة لقراءة من قرأ (وما يخادعون)، ومن الأدلة أيضا على أن قراءة من قرأ (وما يخدعون) أولى بالصحة من قراءة من قرأ (وما يخدعون)؛ إن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والمؤمنين، في أول الآية، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه؛ لأن ذلك تضاد في المعنى، وذلك غير جائز من الله " (١). يفهم، مما سبق، أن الإمام الطبري اعتمد في ترجيح قراءة متواترة على مثلها، وجعل قوة القراءة لما تحمله من معنى، وليس لقوة سندها المبني على النقل والسماع. ثالثا: موقفه من القراءات المخالفة للرسم القرآني لئن كان الطبري مخطئا في طعنه في القراءات، في القسمين الأوليين، فهو محق ومصيب في رفضه ورده لكل قراءة لا توافق الرسم القرآني. ففي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢). يقول الطبري: " قرئ (صما بكما عميا)؛ أي بالرفع والنصب، والقراءة التي هي قراءة، الرفع دون النصب؛ لأنه ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين، وإذا قرئ نصبا- كانت قراءة مخالفة رسم مصاحفهم، وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣)، ذكر القراءة المتواترة، ثم ذكر قراءات أخرى، مثل: (يطوقونه)، ثم وصفها بأنها شاذة؛ لأنها مخالفة لرسم مصاحف المسلمين. يقول: وأما قراءة من قرأ ذلك (وعلى الذين يطوقونه)؛ فقراءة لمصاحف أهل الإسلام خلاف وغير جائز.

стр. 15345

تقييم لموقف ابن جرير إن هذا الموقف، من مثل ابن جرير، موقف عجيب وغريب، وقد جانب الصواب في الإنكار والطعن والرد للقراءات المتواترة، ونحن إذ لا نحكم عليه برده للقراءات، بأنه راد للقرآن ذاته، كما قال أحد المفسرين، فهذا ما لا يتصوره عاقل؛ فابن جرير هو إمام المفسرين بلا منازع، وهو خير مدافع عن القرآن، ولكن هذه هنة من هناته، وقد حكم العلماء، على كل من رد القراءات المتواترة، بأنه آثم، أيا كان في أي مكان وزمان، بل قال عنه ابن الجزري بأنه أول من ركب هذا المحظور. . . وقد أصابتني الحيرة في موقف ابن جرير، كما ذكرت، وازدادت حيرتي، فأخذت أفتش عن حلقة مفقودة في هذا الموضوع، كيف يرد ابن جرير قراءات متواترة؟ وكيف يرد قراءة ابن عامر، وهي متواترة؟ في حين أنني أجد في تفسيره ما يشير إلى إجلاله للقراء، ويرى أن إجماعهم على القراءة لا محيد عنه، ويرى أن قراءتهم هي القراءة، وغيرها لا يعتد به لمخالفته قراء الأمصار. وقرأت، ثم قرأت؛ لأفتش عن هذه الحقيقة: هل القراءة التي ردها الطبري متواترة في نظره، ثم قام بعد ذلك بردها، فيكون قد ارتكب إثما محققا، قلت في نفسي: ما أظن ذلك، بل أعتقد خلاف ذلك؛ لأنني تتبعت موقف الطبري في القراءات، فوجدت إجلالا لها منه، فلا يحيد عن الصحيح منها، حسب نظره؛ لذا جزمت أن الطبري لم يحكم بتواترها، ثم ردها، بل هو موقن بضعفها، وهذا خطأ يمكن أن نحمله مسئولية التقصير فيه، وأجلت النظر في تفسيره، فلم أجد لقولي دليلا محسوسا، بل هو استنباط واستنتاج، ولكني جزمت أن في كتابه المفقود "الجامع"، في علم القراءات ما يفيد هذا، وأن فيه الأسرار الكامنة في موقفه من القراء السبعة، أصحاب القراءات المتواترة؛ إذ هم متقدمون عليه، وفيه السر الكامن في طعنه لقراءات ابن عامر بالذات. "أقول جزمت أن السر كامن في كتابه المفقود؛ لأنني تتبعت تفسيره فلم أجد لهذه الظاهرة تفسيرا" وأنقذني الله من حيرة طالت ووجدت ضالتي المنشودة، فيما نقله السخاوي عنه، وما أظن أن ما نقله إلا أنه اطلع على كتاب الطبري الجامع في

стр. 15346

القراءات. يقول السخاوي في كتابه عن القراءات، في الورقة رقم ١٠٠، وأثبت هذا بحروفه وكلماته دون تصرف: " وقد تكلم محمد بن جرير الطبري في قراءة ابن عامر ﵀، واتبعه الناس على ذلك، ولم يسبقه أحد إلى تصنيف قراءة هؤلاء السبعة ". وقد تكلم محمد بن جرير الطبري في قراءة ابن عامر ﵀، فقال: " وقد زعم بعضهم أن عبد الله بن عامر أخذ قراءته عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وعليه قرأ القرآن، وأن المغيرة قرأ على عثمان بن عفان. قال: " وهذا غير معروف عن عثمان، وذلك أنا لا نعلم أحدا ادعى أن عثمان أقرأه القرآن، بل لا نحفظ عنه من حروف القرآن إلا أحرفا يسيرة، ولو كان سبيله في الانتصاب لأخذ القرآن على من قرأه عليه السبيل التي وصفها الراوي عن المغيرة بن أبي شهاب ما ذكرنا، كان لا شك قد شارك المغيرة في القراءة عليه، والحكاية عنه غيره من المسلمين، إما من أدانيه، وأهل الخصوص به، وإما من الأباعد والأقاصي، فقد كان له من أقاربه وأدانيه من هو أمس رحما، وأوجب حقا من المغيرة، كأولاده وبني أعمامه ومواليه وعشيرته، ومن الأباعد من لا يحصى عدده كثرة. وفي عدم مدعي ذلك عثمان الدليل الواضح على بطول قول من أضاف قراءة عبد الله بن عامر إلى المغيرة بن أبي شهاب، ثم إلى أن أخذها المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان قراءة علي ". قال: " وبعد، فإن الذي حكى ذلك وقاله رجل مجهول من أهل الشام لا يعرف بالنقل في أهل النقل، ولا بالقرآن في أهل القرآن، يقال له عراك بن خالد المري، ذكر ذلك عنه هشام بن عمار. وعراك لا يعرفه أهل الآثار، ولا نعلم أحدا روى عنه غير هشام بن عمار ". قال: وحدثني بقراءة عبد الله بن عامر كلها العباس بن الوليد البيروتي،

стр. 15347

وقال: حدثني عبد الحميد بن بكار، عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث، عن عبد الله بن عامر اليحصبي أن هذه حروف أهل الشام التي يقرءونها. قال: فنسب عبد الله بن عامر قراءته إلى أنها حروف أهل الشام، في هذه الرواية التي رواها لي العباس بن الوليد، ولم يضفها إلى أحد منهم بعينه. ولعله أراد بقوله: أنها حروف أهل الشام: أنه قد أخذ ذلك عن جماعة من قرائها، فقد كان أدرك منهم من الصحابة وقدماء السلف خلقا كثيرا. ولو كانت قراءته أخذها كما ذكر عراك بن خالد عن يحيى بن الحارث، عنه عن المغيرة بن أبي شهاب، عن عثمان بن عفان، لم يكن ليترك بيان ذلك -إن شاء الله- مع جلالة قدر عثمان، ومكانه عند أهل الشام؛ ليعرفهم بذلك فضل حروفه على غيرها من حروف القراء ". ا. هـ الطبري. ثم يتابع السخاوي فيقول: " وهذا قول ظاهر السقوط، أما قوله: "إنا لا نعلم أحدا ادعى أن عثمان أقرأه القرآن"، (فهذا غير صحيح)، فإن أبا عبد الرحمن السلمي ﵀ قرأ على عثمان ﵁، وروى أنه علمه القرآن، وقرأ أيضا على عثمان ﵀ أبو الأسود الدؤلي. وروى الأعمش عن يحيى بن وثاب عن زر بن حبيش الأسدي، عن أبي عمرو عثمان بن عفان ﵁، وذكر حروفا من القرآن تكون أربعين حرفا. وقال لي شيخنا أبو القاسم الشاطبي ﵀: "إياك وطعن الطبري على ابن عامر ". ثم إن هذا لا يلزم؛ إذ لا يمتنع أن يكون أقرأ المغيرة وحده لرغبة المغيرة في ذلك، أو لأن عثمان ﵀ أراد أن يخصه بذلك، وقد رأينا من العلماء المشهورين من لم يأخذ عنه إلا النفر اليسير، بل منهم من لم يأخذ عنه إلا رجل واحد.

стр. 15348

هذا لو انفرد المغيرة بالأخذ عنه، وقد أخذ عنه أبو عبد الرحمن وأبو الأسود الدؤلي، وزر بن حبيش، كما تقدم. وما ذكره من أن عثمان ﵀ ما انتصب لإقراء القرآن، فقد تبين بقراءة من ذكرناه عليه خلاف ذلك. وأما قوله: " فقد كان له من أقاربه من هو أوجب حقا من المغيرة، فهذا لا يلزم أيضا، إنما يكون قادحا لو كان غير المغيرة من أقاربه، وقد سأله ذلك فأبى أن يقرئه. فأما كون أقاربه لم يقرءوا عليه، فكثير من العلماء قد أخذ عنهم الأجانب والأباعد دون الأقارب، وعن قتادة: " أزهد الناس في العالم أهله "، وعن الحسن: " أزهد الناس في العلم جيرانه ". وأما قوله في عراك: " إنه مجهول، لا يعرف بالنقل في أهل النقل، ولا بالقرآن في أهل القرآن "، فكفى به تعريفا وتعديلا، أخذ هشام عنه كلام، ثم تحدث كلاما يطول في التوثيق، وإثبات التواتر في الأصل: تقدم التعليق عليه. ا. هـ السخاوي. وهذا كلام لا نأخذ عليه، إلا أنه خص دفاعه عن ابن عامر، ولعل عذره أنه من أهل الشام، وأراد بدفاعه عن ابن عامر دفاعه عن قراءة أهل الشام بالذات، والله أعلم بالنيات. يظهر لنا، من كل ما تقدم، أن طعن ابن جرير في هذه القراءات، إنما هو ناجم عن اعتقاده بعدم تواترها، وهذا موطن الداء في موقفه منها، وهو على أية حال مخطئ في مخالفته للإجماع على تواترها، ولعل موقفه هذا قد كان له تأثير على ابن الجزري الذي كان يقول بتواتر القراءات السبع، ثم عدل عنه إلى الاكتفاء بشهرتها، وهو موقف كان مدعاة للنقد، وإن كان أهون من موقف الطبري الذي رماها بالسقوط، ورمى أصحابها بالغفلة والغباء، غفر الله له ولهم ولنا أجمعين.

стр. 15349

ثانيا: الزمخشري هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الإمام الحنفي المعتزلي الملقب بجار الله، ولد في سنة (٤٦٧)، بقرية من قرى خوارزم تدعى زمخشر، وتوفي سنة (٥٣٨). وهو إمام في التفسير والحديث والنحو والبلاغة والأدب، وقد ألف في شتى العلوم، ومن أهم كتبه (تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل). . (وأساس البلاغة في اللغة والمفصل في النحو). ويعتبر تفسيره من أمهات كتب التفسير بالرأي، كما أن تفسير الطبري من أمهات التفسير بالمأثور، بيد أن الزمخشري كان معتزلي الاعتقاد، متظاهرا بالاعتزال، فيقرأ كتابه على حذر، قال السبكي: (واعلم أن الكشاف كتاب عظيم في بابه، ومصنفه إمام في فنه، إلا أنه رجل مبتدع متجاهر ببدعته، يضع من قدر النبوة كثيرا، ويسيء أدبه على أهل السنة والجماعة). لذا، ينصح قارئ الكشاف بقراءته مع أحد حواشيه، وأحسنها حاشية (فتوح الغيب) للإمام شرف الدين الحسن بن محمد الطيبي، أو حاشية الكشاف على الكشاف لسراج الدين البلقيني، أو حاشية (الانتصاف) لناصر الدين ابن المنير الإسكندري.

стр. 15350

موقف الزمخشري من القراءات: لقد جارى الإمام الزمخشري (اللغويين والنحويين)، ونهج منهجهم في رد بعض القراءات القرآنية، التي خالفهم قواعدهم، وطعن فيها، ومن نسبت إليهم عن القراء. ففي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١) يقول: قرئ (والأرحام) بالحركات الثلاثة، فالنصب.

стр. 15351

على وجهين؛ إما على اتقوا الله والأرحام، أو بعطف على محل الجار والمجرور كقولك مررت بزيد وعمرا، وينصره قراءة ابن مسعود " تساءلون به والأرحام "، والجر على عطف الظاهر على الضمير، وليس بسديد؛ لأن الضمير المتصل، متصل والجار والمجرور كشيء واحد؛ فحكم على قراءة الجر بأنها ليست سديدة، ومعلوم أنها قراءة متواترة عن السبعة، قرأ بها حفص وحده، وقرأ الباقون (والأرحام) نصبا. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (١) قرأ ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم، برفع القتل وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، يقول الزمخشري: " لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا كما سمج " زج القلوص أبي مزادة "، فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به القرآن المعجز، بحسن نظمه وجزالته. لم يقف الزمخشري عند هذا الحد، في الطعن، بهذه القراءة، بل وصف القارئ بها أن الذي حمله، على ذلك، أن رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء- لكان الأولاد شركاءهم في أموالهم، لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب. والزمخشري، في طعنه في القراءات، يجرح القراء أحيانا، ويخطئهم أحيانا، بأنهم يلحنون لقلة درايتهم بالنحو والصرف؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) قرئ: فيغفر ويعذب مجزومين، عطفا على جواب الشرط، ومرفوعين على فهو يغفر ويعذب، فإن قلت: كيف يقرأ الجازم، قلت يظهر الراء ويدغم الراء في اللام، لا من مخطئ خطأ فاحشا، ورواية عن أبي عمرو مخطئ مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن

стр. 15352

بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو (١). إن موقف الزمخشري من القراءات القرآنية المخالفة في زعمه قواعد النحو العربية هو نفس موقف الطبري، إلا أنه سليط اللسان في التهكم، لا على القراءة وحدها، بل على القراء أنفسهم. أما موقفه من القراءات القرآنية التي تحتمل معنى يراه جديرا بالقبول في طعنه، أو تفضيله، وترجيحه للقراءة التي تحمل المعنى الأقوى في نظره. وذلك في مثل موقف الطبري من قراءة "ملك يوم الدين ". غير أن الزمخشري يضيف بعدا جديدا لهذا الموقف أعني الترجيح لقوة المعنى في نظره. هذا البعد الجديد يتجلى في توجيهه للقراءة توجيها بلاغيا لولعه وعنايته، وهاك شيئا من مواقفه في هذا الجانب: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو البصري: " إن الله يدفع "، بفتح الياء والفاء وإسكان الدال من غير الألف، وقرأ الباقون يدافع بضم الياء وفتح الدال وألف بعدها مع كسر الفاء. يقول الزمخشري: " ومن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ فيه؛ لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ. وليت الزمخشري يقف عند هذا الحد، في الترجيح بين القراءات المتواترة، فقد عمد إلى قراءة شاذة مخالفة للرسم القرآني، ورأى فيها بلاغة ما لم يره في المتواتر؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٣) قرأ الأعمش " إلا قليل" بالرفع، وهي قراءة لم تثبت، قال وهذا من ميلهم مع المعنى، والإعراض عن اللفظ جانبا، وهو باب جليل من علم العربية (٤) وقد لا يكون هناك أدنى مبرر للحكم بالقوة لقراءة دون قراءة، إلا

стр. 15353

لاشتمالها على نكتة بلاغية، يلمحها فيها، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١). يقول: قرأ قتادة " كاشف الضر " على فاعل بمعنى فعل، وهو أقوى من كشف؛ لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة. وثالثة الأثافي: موقف الزمخشري من القراءات التي تخالف الرسم، والذي اختلفت عن موقف الطبري؛ إذ أن الطبري قد وقف موقفا واضحا وسليما من تلك القراءات التي تخالف الرسم أو الرسوم على حد تعبيره، فردها ردا قاطعا لعدم قرآنيتها، أما الزمخشري فقد أكثر من ذكر هذه القراءة، دون نقد أو رد، بل صرف عنايته لتوجيهها، ولعل هذا الفارق بين الطبري والزمخشري يعود إلى علم الأول بالقراءات، وجهل الثاني بها؛ إذ رماه أبو حيان بأنه ضعيف في هذا العلم، وهاك بعض الأمثلة: قال تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٢) يقول: وقرئ، " أعجمي "، ولم يعقب على ذلك، بل اكتفى بشرح كلمة الأعجمي، بأنه الذي لا يفصح، ولا يفهم كلامه، من أي جنس كان. وفي قوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (٣)، يقول: وقرأ أنس يجمزون، فسئل، فقال: يجمحون، ويجمزون ويشتدون واحد. وفي قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ (٤) يقول: وقرأ زهير الفرقبي " أدنأ " بالهمزة من الدناءة، ولا شك أنها قراءة مخالفة للرسم، ولكن الزمخشري لا يعول على ذلك؛ إذ همه توجيه المعنى وسلامته، ولا يهمه بعد ذلك أن يعرفنا بالقارئ، ومدى اعتبار قراءة مثل هذا الشخص زهير الفرقبي، بل لا يذكر لنا من هو القارئ لقراءة في منتهى الشذوذ، وما أعجب كلامه

стр. 15354

حين ذكر قراءة في فاتحة الكتاب، والتي بدأها بداية غريبة، حين جعلها أول القرآن نزولا، وحكم بنزولها قبل سورة اقرأ وسورة المدثر، ونسب هذا القول لجمهور المفسرين، كما أنهى السورة بقول أشد غرابة، حين ختمها بقراءة لخاتمة كلماتها الضالين، يقول: " ولا الضألين ". بالهمز، كما قرأ عمرو بن عبيد " ولا جأن " (١)، ثم قال: " وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين ". وبهذا ننهي حديثنا عن الزمخشري دون تعليق عليه، تاركين الحديث عنه للمدافعين عن القراءات، الرادين لسهام الطاعنين، فحديثهم عن ذلك فيه الكفاية والنهاية.

стр. 15355

حكم الطعن في القراءات لا يفوتنا ونحن ننهي الحديث عن الطاعنين أن نذكر حكم الطعن في القراءات القرآنية المتواترة فنقول: إن من العلماء من يهون أمر الطعن في القراءات، ظنا منه أن الخلاف في القراءات لا يعدو أن يكون لونا من ألوان الاختلاف في الاجتهادات الفقهية، وهذا وهم باطل؛ ذلك أن مصدر الاختلاف بين القراءات هو الوحي، بينما منشأ الاختلاف في الفقه هو الاجتهاد المبني على النظر الذي قد يصيب وقد يخطئ. قال أبو جعفر النحاس: " السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءات ألا يقال: أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبي ﷺ ، فيأثم من قال بذلك، ذلك لأن اختلاف القراء عند المسلمين صواب بإطلاق، وليس كاختلاف الفقهاء صوابا يحتمل الخطأ، ولا نعلم أحدا من الصحابة من كان يفضل قراءة على قراءة، بل ينكرون تفضيل قراءة على قراءة من أي وجه، كما قال السيوطي " (١)، فلئن كان المرجح لقراءة على قراءة آثما، فما بالك بالذي يطعن ويرد قراءة متواترة.

стр. 15356

قال الألوسي، في شأن من يطعن في القراءة، وذلك في صدد رده على الزمخشري في تشنيعه لقراءة ابن عامر: إنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا، كما ذهب إليه بعض الجهلة، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين منشأ غلطه، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر، والعياذ بالله تعالى (١).

стр. 15357

المرجحون بين القراءات كثيرون هم الذين سلكوا هذا المسلك، ولا يعني ترجيحهم عدم الدفاع عن القراءات، بل قد يدافعون أحيانا، ولكنهم لا يطعنون بالقراءات بحال من الأحوال، وأهم المفسرين الذين سنكتفي بذكره هو الإمام القرطبي. موقفه من القراءات المتواترة: الإمام القرطبي من المفسرين الذين رجحوا القراءات المتواترة، بعضها على بعض، ويظهر ذلك في بعض الأمثلة والشواهد من تفسيره للآيات، وتعرضه للقراءات فيها؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) في هذه الآية استعرض الإمام القرطبي أقوال العلماء في القراءات، وذكر آراءهم، وترجيح كل فريق لما ذهب إليه؛ استنادا إلى ما تحمله من معان عظيمة، تتفق وصفات الله تعالى. يقول في ذلك: اختلف العلماء؛ أيهما أبلغ (ملك) أو (مالك)، القراءتان مرويتان عن النبي ﷺ ، رواهما أبو بكر وعمر، وذكرهما الترمذي؛ قال أبو عبيد والمبرد (ملك) أعم وأبلغ من (مالك)؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، وقيل (مالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. ثم انتقل إلى من اختار القراءة في "مالك "، مبينا دليلهم، وهو أن الله تعالى وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فلا فائدة في

стр. 15358

قراءة من قرأ (مالك) لأنها تكرار، وقال أبو حاتم: " إن مالكا أبلغ في مدح الخالق في مدح المخلوقين أبلغ من مالك، والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا، واختار هذا القول القاضي أبو بكر العربي، وذكر ثلاثة أوجه: الأول: أنك تضيفه إلى الخاص والعام، فنقول مالك الدار والأرض والثوب، كما تقول: مالك الملوك. الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير، وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا. الثالث: أنك تقول: مالك الملك، ولا تقول ملك الملك، (المالك) بعد عرض أدلة الفريقين وحججهم يرجح القرطبي قائلا: قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ؛ لأن فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك، قلت: هذا نظر إلى الصيغة، لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك، وفيه من المعنى ما ليس في مالك، على ما بينا، والله أعلم (١). وفي موضع آخر، يظهر ترجيحه لقراءة متواترة على قراءة أخرى مثلها؛ ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٢) وتواتر عن حمزة وحده ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ (٣) بالنصب، وقرأ الباقون (ليس البر) بالرفع، وروى حفص عن عاصم مثل قراءة حمزة، ومع ثبوت التواتر للقراءتين- نجد الإمام القرطبي يرجح إحداهما على الأخرى. فيقول في ذلك: " قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب؛ لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان، فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر، فلما وقع بعد (ليس)، (البر) نصبه، وجعل (أن تولوا) الاسم، وكان المصدر أولى بأن.

стр. 15359

يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر، والفعل أقوى في التعريف، وقرأ الباقون (البر) بالرفع، على أنه اسم ليس، وخبره (أن تولوا)، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر؛ كقوله: " ما كان حجتهم إلا أن قالوا ": ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا "، ما كان عاقبتهما أنهما في النار "، وما كان مثله، ويقوى قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (١) ولا يجوز فيه إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أبي بالبا: ليس البر بأن تولوا، وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا، وبعد هذا التوجيه وتقويته لقراءة الرفع، ينهي كلامه فيهما بأنهما قراءتان حسنتان (٢). وفي قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣) (ننسأها) فتح النون والسين مع الهمزة، عند ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون (ننسها). والمعنى على القراءة الأولى (ننسأها) نؤخرها، تقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض، وأنسأ الإبل عن ظمئها، يوما أو يومين أو أكثر، أخرها عن الورد. وتقول: أنسأ الله في أجلك أي أخر فيه، والمعنى أو نؤخر إنزالها إلى الوقت هو أولى بها وأصلح للناس. والمعنى، على القراءة الثانية (ننسها)، من الترك أي نأمر بترك حكمها أو تلاوتها، أو نمحها لفظا وحكما، ومنه قول الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤)؛ أي تركوا عبادته، فتركهم في العذاب. والإمام القرطبي، بعد عرضه للقراءات في الآية السابقة، وأدلة كل طرف وحجته، يقوم بتوجيهها على المعاني التي ضمنتها، ثم يذكر اختيار العلماء والراجح منا مع ذكر أدلتهم. يقول في ذلك: وقرأ الباقون (ننسها)، بضم النون، من النسيان الذي بمعنى

стр. 15360

الترك، أو نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها، واختار القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، قال أبو عبيد: سمعت أبا نعيم القارئ يقول: قرأت على النبي ﷺ ، في المنام، بقراءة أبي عمرو، فلم يغير علي إلا حرفين قال: قرأت عليه (أرنا) بسكون الراء، فقال: أرنا، فقال أبو عبيد: وأحسب الحرف الآخر (أو ننساها) فقال: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١) وحكى الأزهري ننسها، نأمر بتركها، يقال أنسيته الشيء أي أمرت بتركه، ونسيته تركته، وقال الذباح: إن القراءة، بضم النون، لا يتوجه فيها الترك، لا يقال: أنسى بمعنى ترك، وما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (أو ننسها) نتركها لا نبدلها، فلا يصح. ولعل ابن عباس قال: نتركها، فلم يضبط، والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٢) نبح لكم تركها، من نسى إذا ترك ثم تعديه، وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه لأنه بمعنى تجعلك تتركها. وقيل: من النسيان على بابه، الذي هو عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها، نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين، وهم النبي والهاء، لكن اسم النبي محذوف (٣). وفي قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٤). تعرض الإمام القرطبي للقراءات التي وردت، في الآية الكريمة، وذكر فيها أربع قراءات، رجح قراءة متواترة على قراءة مثلها، ورد على النحاة الذين رفضوا قراءة متواترة، وهي قراءة ابن عامر بضم الزاي، في (زين) وبرفع " قتل "، ونصب (أولادهم) وجر (شركائهم)، وسبق الحديث عن هذه القراءة، من قبل المفسرين كالزمخشري والرازي وغيرهما، ومن قبل النحاة واللغويين كيف أنهم ردوا تلك القراءة واستقبحوها، وطعنوا بمن قرأ بها، والإمام القرطبي لم يجارهم على ذلك؛ فهو وإن فاضل ورجح بين القراءات المتواترة- لم يرض الطعن في قراءة صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولذلك نجده ينقل كلام الإمام القشيري الذي يقول فيه:

стр. 15361

" وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال؛ لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبي ﷺ فهو الفصيح لا القبيح ". ثم رد على من طعن في تلك القراءة من أهل اللغة بأن لها نظيرا عند العرب، وليست خارجة عن كلامهم: وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان (شركائهم) بالياء، وهذا يدل على قراءة ابن عامر، وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء، هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه؛ فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، فرق بين المضاف والمضاف إليه، وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله؛ إذ كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله؛ إذ كان متقدما بعد القتل. والتقدير: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل (شركائهم أولادهم)؛ أي أن قتل شركاؤهم أولادهم، ومع ذلك نرى الإمام القرطبي لا يخرج عن مذهبه في الترجيح بين القراءات المتواترة، فهو لا ينسى أن يفاضل بين القراءتين المتواترتين؛ فقراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة يقول فيها: " قال مكي: وهذه القراءة هي الاختيار؛ لصحة الإعراب فيها، ولأن عليها الجماعة " (١). هذا هو مسلك القرطبي في الترجيح، وهو مرفوض عند المدافعين عن القراءات، كما سنرى، ويظل موقفه أهون من الطاعنين فيها. أدرك ذلك من أدرك، ومن لم يدرك؛ فإن عدم إدراكه ليس ناجما عن القراءة، ولكن هذا هو فهمه. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) اللهم علمنا ما جهلنا، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فهذا جهدنا أثبنا عليه إن أصبنا، واغفر لنا إن تجاوزنا ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣).

стр. 15362

المدافعون عن القراءات كثير من المفسرين من وقف مدافعا عن القراءات، رادا على الطاعنين سهامهم من المفسرين أو اللغويين أو المبتدعين، ورافضا لنهج المرجحين استحسانهم وتفضيلهم لقراءة على قراءة، ومن هؤلاء المفسرين وأقدمهم: أولا: الفخر الرازي هو فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الطبرستاني الرازي، ولد بالري سنة ٥٤٣ هـ وتوفي بهراة سنة ٦٠٦ هـ، وهو من ذرية أبي بكر الصديق (١)، له تصانيف عديدة، من أشهرها المحصول في علم الأصول، وتفسيره المسمى مفاتيح الغيب، والمشهور بالتفسير الكبير أو تفسير الفخر (٢). موقفه من القراءات المتواترة: إذا استعرضنا بعض القراءات القرآنية، التي طعن فيها الطاعنون، نلحظ دفاعا من الفخر الرازي، فقد انبرى لهم رادا عليهم الأقيسة اللغوية؛ مفندا حججهم داعيا إلى التحاكم إلى النقل والرواية والسماع. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣). يقول: تواتر عن حمزة والكسائي (يطهرن) مشددة، وتواتر عن ابن كثير ونافع وأبي عمر وابن عامر (يطهرن) خفيفة؛ ففي هذه الآية نجد الإمام الرازي، في هاتين القراءتين المتواترتين، لا يفرق بينهما، ولا يرجح إحداهما على الأخرى؛ فهما عنده سواء، ويجب العمل بهما، يقول في ذلك: " إن القراءة المتواترة حجة بالإجماع، فإذا حصلت قراءتان متواترتان، وأمكن الجمع بينهما- وجب الجمع بينهما

стр. 15363

إذا ثبت هذا- فنقول: قرئ (حتى يطهرن) بالتخفيف، و (يطهرن) بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة، إلا عند حصول الأمرين (١)؛ فالرازي يجمع بينهما، وهو يتجاوز حالة الجمع إلى الدفاع عنها، وهناك قراءة متواترة يظهر فيها دفاعه عنها، ورده الأقيسة اللغوية، والتحاكم إلى النقل والسماع. ففي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢). قرأ حمزة وحده (والأرحام) بجر الميم، قال القفال ﵀: وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة، عن مجاهد وغيره، وأما الباقون من القراء فكلهم قرءوا بنصب الميم، أما قراءة حمزة - فقد ذهب الأكثر من النحويين إلى أنها فاسدة، قالوا لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور، ثم ذكر الوجوه التي احتجوا بها لذلك، ثم قال: واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية، في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله ﷺ ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع، لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت. ولم يكتف الرازي بهذا، بل أخذ يوجه القراءة توجيها حسنا مقرونا بالحجة، يقول في ذلك: " وأيضا فلهذه القراءة وجهان؛ أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار، كأنه قيل: تساءلون به وبالأرحام، وثانيها: أنه ورد ذلك في الشعر، وأنشد سيبويه في ذلك: فاليوم قد بت تهجونا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب وأنشد أيضا:

стр. 15364

نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن. وقد اعترض بعض العلماء على قراءة الجر في " الأرحام "، بأنها فاسدة من جهة المعنى؛ إذ تقضي جواز الحلف بها، فرد الإمام الرازي على ذلك بقوله: واحتج الزجاج، على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم (١)» فإذا عطف الأرحام على المكنى عن اسم الله، اقتضى ذلك جواز الحلف بالأرحام، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله والرحم، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل، وأيضا فالحديث نهى عن الحلف بالآباء فقط، وههنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أولا، ثم يقرن به بعده ذكر الرحم، فهذا ينافي ذلك الحديث (٢)، ويرى الإمام الرازي أن القراءات لا بد من تواترها، وما نقل منها بطريق الآحاد فهو مردود لا يعتد به؛ ففي قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٣) "ذكر ستا" من القراءات الشاذة فيها، ثم قال: فهذه هي القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية، واعلم أن المحققين قالوا هذه القراءات لا يجوز تصحيحها؛ لأنها منقولة بطريق الآحاد، ثم تعرض للقراءات المتواترة في الآية، وأقوال الطاعنين فيها، ووجهة نظرهم، والرد عليها بالحجة والبيان، يقول في ذلك: " القراءة المشهورة" أن هذان الساحران، وأما الطعن فيها فهو أسوأ مما تقدم (٤)، من وجوه (أحدها) أنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة

стр. 15365

كنقل جميع القرآن، فلو حكمنا ببطلانها جاء مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كل القرآن، وأنه باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضا بخبر الواحد المنقول عن بعض. (وثانيها) أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا، فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة ﵄ أن في قراءة (أن هذان الساحران) لحنا وغلطا. (وثالثها) قال: ابن الأنباري أن الصحابة هم الأئمة والقدوة، فلو وجدوا في المصحف لحنا لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم، مع تحذيرهم من الابتداع، وترغيبهم في الاتباع، فثبت أنه لا بد من تصحيح القراءة المشهورة (١). والإمام الرازي رد عن القراءات كل شبهة، وعزاها إلى النقل والسماع، ووجهها التوجيه الذي يزيل عنها كل شبهة؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). يقول في هذه الآية: " روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحنا، وستقيمه العرب بألسنتها. واعلم أن هذا بعيد؛ لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر، عن رسول الله ﷺ ، فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه، وعند البصريين أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، قالوا إذا قلت: " مررت بزيد الكريم "، فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد، ولك أن تنصبه على تقدير أعني، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم، وعلى هذا يقال: جاءني قومك المطعمين في المحن، والمغيثون في الشدائد، والتقدير: جاءني قومك، أعني المطعمين في المحن، وهم المغيثون في الشدائد، فكذا ههنا تقدير الآية: أعني المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، وقد طعن الكسائي قول البصريين

стр. 15366

بقوله: النصب على المدح، إنما يكون بعد تمام الكلام، وهاهنا لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) منتظر للخبر، والخبر هو قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). فأجاب الإمام الرازي على ذلك: " لا نسلم أن الكلام لم يتم إلا عند قوله (أولئك) لأنا بينا أن الخبر هو قوله (يؤمنون)، وأيضا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، وما الدليل على امتناعه؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية "، والتوجيه الثالث لقراءة والمقيمين هو للكسائي: وهو أن المقيمين خفض بالعطف، على (ما) في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣) والمعنى: " والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالمقيمين الصلاة "، ثم عطف على قوله المؤمنون قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٤) (٥). من الأمثلة السالفة الذكر يظهر لنا موقف الإمام الرازي من القراءات المتواترة، وكيف دافع عنها ورد الطعون الواردة عليها بجميع ما أوتي من علم ومعرفة، وليته استمر على هذا النهج، فقد وجدناه يقف صامتا عند الطعن في قراءة متواترة. ففي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٦). يقول: قرأ ابن عامر وحده (زين) بضم الزاي وكسر الياء، وضم اللام من (قتل)، و (أولادهم) بنصب الدال، (شركائهم) بالخفض، والباقون (زين) بفتح الزاي والياء، (قتل) بفتح اللام، (أولادهم) بالجر، (شركائهم) بالرفع، أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، إلا أنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهو الأولاد، وهو مكروه في الشعر، كما في قوله: فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مراده

стр. 15367

وإذا كان مستكرها في الشعر، فكيف في القرآن، الذي هو معجز في الفصاحة، قالوا والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء؛ لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم، لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب (١). والكلمات بألفاظها قالها الإمام الزمخشري (٢)، ولم يعزها إليه، والعجيب، في ذلك كما أسلفنا، أنه في مواضع عديدة، من تفسيره، قرر أن المقاييس اللغوية لا يعتد بها منع ثبوت تواتر القراءة، وهو القائل: " وإن حمزة لم يأت بالقراءة من عند نفسه " (٣). وهو القائل: " إن القراءة المتواترة حجة بالإجماع " (٤)، فيم نفسر سكوته هذا، ولأي شيء نعزي فساد ما أصلح في بعض الأحيان؟ إن اضطراب كلامه في القراءات يدل على أنه ليس له باع طويل في القراءات، كما هو شأن أبي حيان في دفاعه، وهو ما سنثني في ذكره.

стр. 15368

ثانيا: أبو حيان الأندلسي هو محمد بن يوسف بن حيان الجياني الإمام أبو حيان أثير الدين الأندلسي، ولد سنة ٦٥٤ هـ. وتوفي بمصر سنة ٧٤٥ هـ. مؤلفاته: وهي لا تعد ولا تحصى، في مجال اللغة والأدب والتفسير والقراءات، وأكتفي بذكر تفسيره الكبير البحر المحيط، ومؤلفاته الكثيرة في علم القراءات بالذات، وهي تدل على علو كعبه في هذا المجال أذكر منها: ١ - البر الجلي في قراءة زيد بن علي. ٢ - تقريب النائي في قراءة الكسائي.

стр. 15369

٣ - الروض الباسم في قراءة عاصم. ٤ - غاية المطلوب في قراءة يعقوب. ٥ - المنافع في قراءة نافع. ٦ - المزن الهامر في قراءة ابن عامر. ٧ - المورد الغمر في قراءة أبي عمرو. ٨ - الرمزة في قراءة حمزة. ٩ - وأخيرا الحلل الحالية في أسانيد القراءات العالية (١). لقد ألف في قراءة كل قارئ، من السبعة، كتابا مستقلا، ومن استعرض البحر المحيط وجده تفسيرا حافلا، بالقراءات والإعراب لها، وتوجيه معانيها، بما لا يجد له مثيلا، في الكتب، قديما وحديثا؛ ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢) يقول أبو حيان: قرأ جمهور السبعة بنصب الميم في قوله (والأرحام)، وقرأ حمزة بجرها، وهي قراءة النخعي وقتادة والأعمش. ثم أخذ بتوجيه كل قراءة، محتجا لها بما جاء في لسان العرب، وبما أجمعت عليه أمة الإسلام، يقول في ذلك " فأما النصب فظاهره أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة، ويكون ذلك على حذف مضاف، التقدير: واتقوا الله، وقطع الأرحام، وعلى هذا فسرها ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم. والجامع بين تقوى الله، بالتزام طاعته واجتناب معاصيه، واتقاء الأرحام، بأن توصل ولا تقطع، وبالحمل على القدر المشترك- يندفع قول القاضي: كيف يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة؟ وهو في الحقيقة من باب حمل الخاص على

стр. 15370

العام؛ لأن المعنى اتقوا الله، أي اتقوا مخافة الله، وفي عطف الأرحام على اسم الله، دلالة على عظم ذنب قطع الرحم. وقيل: النصب عطف على موضع (به)، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، ولما لم يشاركه في الاتباع على اللفظ اتبع على موضعه، ويؤيد هذا القول قراءة عبد الله بن مسعود " تساءلون به وبالأرحام " (١). ثم انتقل إلى استعراض قراءة الجر، وتوجيهها، والرد على من عابها. يقول في ذلك: " وأما الجر فظاهره أنه معطوف على المضمر المجرور، من غير إعادة الجار، وعلى هذا فسرها الحسن والنخعي ومجاهد، ويؤيده قراءة عبد الله (وبالأرحام)، وكانوا يتناشدون بذكر الله والرحم "، وبعد توجيه القراءات الواردة في اللفظ السابق، وتوجيهها على المعاني المناسبة، انتقل إلى الرد على من طعن فيها قائلا: " وما ذهب إليه أهل البصرة، وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية، من امتناع العطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار. . مثل هذا القول غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك، وأنه يجوز في لسان العرب نثرها ونظمها. ولم يكتف أبو حيان بالرد على الطاعنين بالقراءة بالأسلوب اللين، بل استعمل الشدة والعنف في ذلك: " وأما قول ابن عطية فيرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان. . " فجسارة قبيحة منه لا تليق بما له ولا بطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله ﷺ ، قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله ﷺ بغير واسطة: عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت. . وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيرا ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم ". ثم انتقل إلى ذكر مناقب القارئ حمزة، يقول في ذلك: " وحمزة أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، وحمدان بن أعين، ومحمد بن
следующие страницы →