بقوله: النصب على المدح، إنما يكون بعد تمام الكلام، وهاهنا لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) منتظر للخبر، والخبر هو قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
فأجاب الإمام الرازي على ذلك: " لا نسلم أن الكلام لم يتم إلا عند قوله (أولئك) لأنا بينا أن الخبر هو قوله (يؤمنون)، وأيضا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، وما الدليل على امتناعه؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية "، والتوجيه الثالث لقراءة والمقيمين هو للكسائي: وهو أن المقيمين خفض بالعطف، على (ما) في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣) والمعنى: " والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالمقيمين الصلاة "، ثم عطف على قوله المؤمنون قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٤)(٥).
من الأمثلة السالفة الذكر يظهر لنا موقف الإمام الرازي من القراءات المتواترة، وكيف دافع عنها ورد الطعون الواردة عليها بجميع ما أوتي من علم ومعرفة، وليته استمر على هذا النهج، فقد وجدناه يقف صامتا عند الطعن في قراءة متواترة.
ففي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٦).
يقول: قرأ ابن عامر وحده (زين) بضم الزاي وكسر الياء، وضم اللام من (قتل)، و (أولادهم) بنصب الدال، (شركائهم) بالخفض، والباقون (زين) بفتح الزاي والياء، (قتل) بفتح اللام، (أولادهم) بالجر، (شركائهم) بالرفع، أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، إلا أنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهو الأولاد، وهو مكروه في الشعر، كما في قوله:
فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مراده
стр. 15367
وإذا كان مستكرها في الشعر، فكيف في القرآن، الذي هو معجز في الفصاحة، قالوا والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء؛ لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم، لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب (١).
والكلمات بألفاظها قالها الإمام الزمخشري (٢)، ولم يعزها إليه، والعجيب، في ذلك كما أسلفنا، أنه في مواضع عديدة، من تفسيره، قرر أن المقاييس اللغوية لا يعتد بها منع ثبوت تواتر القراءة، وهو القائل: " وإن حمزة لم يأت بالقراءة من عند نفسه " (٣).
وهو القائل: " إن القراءة المتواترة حجة بالإجماع " (٤)، فيم نفسر سكوته هذا، ولأي شيء نعزي فساد ما أصلح في بعض الأحيان؟ إن اضطراب كلامه في القراءات يدل على أنه ليس له باع طويل في القراءات، كما هو شأن أبي حيان في دفاعه، وهو ما سنثني في ذكره.
стр. 15368
ثانيا: أبو حيان الأندلسي
هو محمد بن يوسف بن حيان الجياني الإمام أبو حيان أثير الدين الأندلسي، ولد سنة ٦٥٤ هـ. وتوفي بمصر سنة ٧٤٥ هـ.
مؤلفاته: وهي لا تعد ولا تحصى، في مجال اللغة والأدب والتفسير والقراءات، وأكتفي بذكر تفسيره الكبير البحر المحيط، ومؤلفاته الكثيرة في علم القراءات بالذات، وهي تدل على علو كعبه في هذا المجال أذكر منها:
١ - البر الجلي في قراءة زيد بن علي.
٢ - تقريب النائي في قراءة الكسائي.
стр. 15369
٣ - الروض الباسم في قراءة عاصم.
٤ - غاية المطلوب في قراءة يعقوب.
٥ - المنافع في قراءة نافع.
٦ - المزن الهامر في قراءة ابن عامر.
٧ - المورد الغمر في قراءة أبي عمرو.
٨ - الرمزة في قراءة حمزة.
٩ - وأخيرا الحلل الحالية في أسانيد القراءات العالية (١).
لقد ألف في قراءة كل قارئ، من السبعة، كتابا مستقلا، ومن استعرض البحر المحيط وجده تفسيرا حافلا، بالقراءات والإعراب لها، وتوجيه معانيها، بما لا يجد له مثيلا، في الكتب، قديما وحديثا؛ ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢)
يقول أبو حيان:
قرأ جمهور السبعة بنصب الميم في قوله (والأرحام)، وقرأ حمزة بجرها، وهي قراءة النخعي وقتادة والأعمش.
ثم أخذ بتوجيه كل قراءة، محتجا لها بما جاء في لسان العرب، وبما أجمعت عليه أمة الإسلام، يقول في ذلك " فأما النصب فظاهره أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة، ويكون ذلك على حذف مضاف، التقدير: واتقوا الله، وقطع الأرحام، وعلى هذا فسرها ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم.
والجامع بين تقوى الله، بالتزام طاعته واجتناب معاصيه، واتقاء الأرحام، بأن توصل ولا تقطع، وبالحمل على القدر المشترك- يندفع قول القاضي: كيف يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة؟ وهو في الحقيقة من باب حمل الخاص على
стр. 15370
العام؛ لأن المعنى اتقوا الله، أي اتقوا مخافة الله، وفي عطف الأرحام على اسم الله، دلالة على عظم ذنب قطع الرحم.
وقيل: النصب عطف على موضع (به)، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، ولما لم يشاركه في الاتباع على اللفظ اتبع على موضعه، ويؤيد هذا القول قراءة عبد الله بن مسعود " تساءلون به وبالأرحام " (١).
ثم انتقل إلى استعراض قراءة الجر، وتوجيهها، والرد على من عابها. يقول في ذلك: " وأما الجر فظاهره أنه معطوف على المضمر المجرور، من غير إعادة الجار، وعلى هذا فسرها الحسن والنخعي ومجاهد، ويؤيده قراءة عبد الله (وبالأرحام)، وكانوا يتناشدون بذكر الله والرحم "، وبعد توجيه القراءات الواردة في اللفظ السابق، وتوجيهها على المعاني المناسبة، انتقل إلى الرد على من طعن فيها قائلا: " وما ذهب إليه أهل البصرة، وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية، من امتناع العطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار. .
مثل هذا القول غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك، وأنه يجوز في لسان العرب نثرها ونظمها.
ولم يكتف أبو حيان بالرد على الطاعنين بالقراءة بالأسلوب اللين، بل استعمل الشدة والعنف في ذلك: " وأما قول ابن عطية فيرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان. . " فجسارة قبيحة منه لا تليق بما له ولا بطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله ﷺ ، قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله ﷺ بغير واسطة: عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت. . وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيرا ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم ".
ثم انتقل إلى ذكر مناقب القارئ حمزة، يقول في ذلك: " وحمزة أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، وحمدان بن أعين، ومحمد بن
стр. 15371
عبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد الصادق "، ثم بين أن حمزة لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل أخذها عن طريق النقل والسماع، يقول في ذلك: " ولم يقرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر. وأما حمزة فكان صالحا ورعا ثقة في الحديث وهو من الطبقة الثالثة " (١).
وقد ختم الإمام أبو حيان دفاعه عن تلك القراءات بقوله: " ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة، ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية، لا أصحاب الكنانيس، المشتغلون بضروب من العلوم، الآخذون من الصحف دون الشيوخ.
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٢) يقول: " وقرأ ابن عامر نصب (أولادهم)، وجر (شركائهم)، فصل بين المصدر المضاف إلى الفاعل، بالمفعول، وهي مسألة مختلف في جوازها؛ فجمهور البصريين يمنعونها، متقدموهم ومتأخروهم، ولا يجيزون ذلك إلا في ضرورة الشعر، وبعض النحويين أجازها، وهو الصحيح؛ لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربي الصريح المحض ابن عامر، الآخذ القرآن عن عثمان بن عفان، قبل أن يظهر اللحن في لسان العرب (٣).
ثم ذكر بعض المفسرين الذين ردوا هذه القراءة وطعنوا فيها، منهم ابن عطية الذي قال: " إنها قراءة ضعيفة في استعمال العرب "؛ متعللا بعدة أمور منها:
١ - إضافة الفعل إلى الفاعل، وهو الشركاء.
٢ - فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والفصل بالظروف في مثل هذا لا يجوز إلا في الشعر كقوله:
стр. 15372
كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل فكيف بالمفعول في أفصح كلام، ولكن وجهها على ضعفها، أنها وردت شاذة في بيت أنشده أبو الحسن الأخفش:
فزججته بمزجة ... زج القلوص أبي مزادة
هذا هو كلام ابن عطية، في قراءة ابن عامر، أما أبو حيان فقد تولى الرد على ابن عطية بقوله: " ولا التفات إلى قوله "، ثم انتقل إلى اعتراض الزمخشري، على هذه القراءة، بقوله " ولا التفات إلى قول الزمخشري: إن الفصل بينهما، يعني بين المضاف والمضاف إليه، لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا، فكيف به في القرآن المعجز لحسن نظمه وجزالته " (١).
قال أبو حيان: " وأعجب لعجمي، ضعيف في النحو، يرد على عربي صريح، محض قراءة متواترة، يوجد نظيرها في لسان العرب في غير ما بيت ".
نجد الإمام أبا حيان، أثناء دفاعه عن القراءة، ينحو إلى الدفاع عن القارئ، ذاكرا ما فيه من عدل وضبط، ثم ينتقل إلى الدفاع عن القراءة، من حيث إنها جاءت عن رب العزة، بالنقل المتواتر عن رسول الله ﷺ ، فلا مجال للأخذ والرد، وإنما التسليم والقبول. ثم ينتقل إلى تقوية القراءة، من جهة العربية، فيحشد هذه الأدلة، من أقوال النحاة، واللغات التي لها سبيل إلى تلك القراءة، وهاك قوله في هذه القراءة: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
يقول أبو حيان قرأ الجمهور (معايش)، وهو القياس؛ لأن الياء في المفرد هي أصل، لا زائدة فتهمز، وإنما تهمز الزائدة؛ نحو صحائف في صحيفة.
ثم بين الوجه الثاني من قراءة (معايش)، وهو بالهمز بدل الياء، يقول في
стр. 15373
ذلك: وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة، عن نافع وابن عامر، في رواية (معائش) بالهمز، وليس بالقياس، لكنهم رووه، وهم ثقات، فوجب قبوله، ثم ذكر المخالفين، منهم الزجاج القائل: إن جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ، ولا أعلم لها وجها، إلا التشبيه بصحيفة وصحائف، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة (١). . ويرد أبو حيان، على ذلك، بعدة أدلة منها: أن العرب تهمز مثل تلك الأسماء وشبهه.
ثم إن هذه القراءة نقلت عن ثقات، كابن عامر، وهو عربي صراح، وقد أخذ القرآن عن عثمان قبل ظهور اللحن، وقرأ بها الأعرج وهو من كبار التابعين، وهم من الفصاحة والضبط والثقة بالمحل الذي لا يجهل، فوجب قبول ما نقلوه إلينا، ولا مبالاة بمخالفة نحاة البصرة في مثل هذا، ثم يقول: ولسنا متعبدين بأقوالهم (٢).
وقد تعرض المازني للقراءة بقوله: " أصل أخذ هذه القراءة عن نافع، ولم يكن يدري ما العربية، وكلام العرب الفصيح في نحو هذا " رد عليه الإمام أبو حيان:
" وأما قول المازني: أصل أخذ هذه القراءة عن نافع، فليس بصحيح؛ لأنها نقلت عن ابن عامر وعن الأعرج وزيد بن علي والأعمش، وقوله أن نافعا لم يكن يدري ما العربية فشهادة على النفي، ولو فرضنا أنه لا يدري ما العربية، وهي هذه الصناعة التي يتوصل بها إلى التكلم بلسان العرب، فهو لا يلزمه ذلك؛ إذ هو فصيح متكلم بالعربية، ناقل للقراءة المتواترة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراء، ولا يجوز لهم ذلك (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٤).
يقول: " قرأ أبو جعفر والحسن وشيبة والأعمش وطلحة وحميد وأيوب
стр. 15374
وخلف، في اختياره، وأبو عبيد وأبو حاتم وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير وابن جبير الأنطاكي والأخوان والصاحبان من السبعة: بتشديد نون هذان، بألف ونون خفيفة لساحران، ثم ذكر اختلاف العلماء في توجيه وتخريج هذه القراءة، يقول في ذلك: قال القدماء من النحاة: إنه على حذف ضمير الشأن، والتقدير " إنه هذان لساحران "، وخبر إن الجملة من قوله ﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (١) واللام في (لساحران) داخلة على خبر المتبدأ، وضعف هذا القول: بأن حذف هذا الضمير لا يجيء، إلا في الشعر، وبأن دخول اللام في الخبر شاذ، قال الزجاج: " إن اللام لم تدخل على الخبر، بل التقدير: لهما ساحران، ودخلت على المبتدأ المحذوف "، وتخريج آخر لها: " إن بمعنى نعم، وثبت ذلك في اللغة، فتحمل الآية عليه، وهذان لساحران مبتدأ وخبر، واللام في لساحران، على ذينك التقديرين، في هذا التخريج ".
ويرى الإمام أبو حيان أن أصح وجه تحمل عليه القراءة هو أن هذه القراءة جاءت على لغة بعض العرب، من إجراء المثنى بالألف دائما، وهي لغة لكنانة ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية، حكاه الكسائي، لبني العنبر، وبني الهجيم ومراد وعذرة (٢).
ومن العجب أن تكون هذه لغة لعديد من القبائل التي ذكرت، ثم يأتي النحاة ومن جرى على طريقتهم في تخريج تلك القراءة الثابتة عن رب العزة، والأولى والصواب أن الواجب أن تؤخذ هكذا، كما أثرت ورويت، ولا حاجة لتلك التأويلات التي تجعل الإنسان في حيرة، يتشتت فيها فكره هنا وهناك؛ لكثرة التناقضات واختلاف الآراء، لم لا نريح أنفسنا، ونقول إنها لغة، واللغة ظاهرة اجتماعية لا تخضع لمقاييس نحوية، بل لم لا نقول: إنها لغة القرآن، نقلت إلينا بالتواتر عن رسول الله ﷺ ، فهل لنا الخيرة في أنفسنا، بعد ثبوت أمر الله في ذلك (٣).
стр. 15375
موقفه من الترجيح بين القراءات:
ومن مواقفه التي يرفض فيها المفاضلة والترجيح بين قراءتين متواترتين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١).
تواتر عند أبي عمرو (وعدنا) بغير ألف، وقرأ الباقون (واعدنا) بالألف.
يقول عند تفسير هذه الآية: " قرأ الجمهور (واعدنا)، وقرأ أبو عمرو (وعدنا) بغير ألف هنا وفي الأعراف، ويحتمل واعدنا أن يكون بمعنى وعدنا، ويكون صادرا من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله، وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد، قال القفال: " ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله، بمعنى يعاهده، وقيل: وعد إذا كان من غير طلب وواعد إذا كان من طلب.
ثم يقول: " وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ (وعدنا) بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ (واعدنا) بالألف، ووافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل منهما يعد صاحبه. وقد مر تخريج واعد على تلك الوجوه السابقة، ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلا منهما متواترة، فهما في الصحة على حد سواء (٢).
هذا هو مبدأ أبي حيان في القراءات المتواترة، وهو أنه لا ينبغي التفاضل والترجيح، فيما بينها، ما دامت كلها وحيا من عند الله تعالى، وثابتة عن رسول الله ﷺ .
وخلاصة القول: أن أبا حيان هو من خير المدافعين عن القراءات، ولم نجد لدفاعه مثيلا عند جمهور المدافعين، وأن علمه الغزير بعلم القراءات وبعلم اللغة قد مكنه من الدفاع، بل الهجوم على الطاعنين، مبينا عوار قولهم بالحجة والدليل، جزاه الله خيرا.
стр. 15376
الخاتمة وأهم النتائج
:
- إن موضوع القراءات ما زال يحتاج إلى عناية واهتمام، في نواح أخرى، مثل علاقة الرسم القرآني بالقراءات، دراسة قواعد اللغة على ضوء القراءات القرآنية، تحرير القراءات المتواترة والشاذة، الاختلافات العقدية والفقهية، وعلاقة ذلك بالقراءات وغيرها من الأبحاث.
إن الاختلاف في تعريف القراءات كان مدخلا لأولئك المستشرقين في الطعن بالدين، فقد عزت بعض التعريفات لموضوع القراءات بأنها مذهب يذهب إليه القارئ، فقد أوحى هذا أن مصدر القراءة هو القارئ وليس وحي السماء.
وقد أسهم نقد الطاعنين من المفسرين في القراءات في تطاول المستشرقين على القراءات؛ فقد رمى الطاعنون القراء بأنهم قرءوا قراءات من عند أنفسهم، بل زادوا حرفا وكتبوه في المصحف، بل يصفون القراء السبعة مثل: ابن عامر بأنه لحن، كما وصفوا نافعا بأنه لا يدري ما العربية، ولا كلام العرب الفصيح، بل اتهموه بأنه قد زادها الكاتب حرفا من عند نفسه، أليست هذه الأقوال هي مثل قول جولد زيهر: " إن كل امرئ يستطيع وضع النص أو قراءته على وجه يؤيد بدعته ونحلته "؟.
- إن الركن الوحيد الذي لا ثاني له هو تواتر السند، فلا يكون ما تواتر سنده مخالفا رسما ولا مخالفا لغة؛ إذ القراءة حجة على اللغة، وليست اللغة مقياسا لصحة القراءة القرآنية.
- بدأت بذكر الطاعنين في القراءات، ثم المرجحين، ثم المدافعين، وهو ترتيب منطقي، فالمدافع عن القراءات يرد على الطاعنين، كما يرد على المرجحين بين القراءات.
فإذا تواترت القراءتان فليست إحداهما أولى بالصحة من الأخرى، وكما قيل كلاهما عندنا في الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل أيهما أولى بالصحة.
стр. 15377
وعلاوة على ردهم على المرجحين، فقد ردوا ما هو أعظم بلاء؛ ألا وهو الطعن في القراءات. وعلى هذا فلا يتصور ذكر المدافعين إلا بعد أهل الترجيح والطعن؛ لذا بدأنا بما يترتب عليه وجود الآخر، فلولا الطاعن ما عرف المدافع.
وعلى العموم، فهناك تداخل بين الطاعنين والمرجحين والمدافعين، فليس الطاعن بالقراءة يطعن في كل قراءة، بل قد يكون مرجحا أو مساويا، كما أن المرجح ليس بمرجح دوما، بل قد يكون مدافعا، فليس بمرجح فضلا أن يطعن بالقراءة.
وما من شك أن الدفاع عن القراءات هو الموقف الأمثل، بل الصحيح الذي لا يصح سواه؛ فالقراءات كلها سواء، وكلها صحيح، أو كما يقولون قراءتان حسنتان، أما الترجيح فيعود ترجيح كل واحد إلى ما يتراءى له من وجوه المعاني؛ لذا نجد مفسرا يرجح قراءة، والآخر يرجح سواها.
وما ذلك إلا لأن كل واحد منهما قد ظهر له من المعاني ما لم يظهر للآخر.
فالناظر إلى القراءات القرآنية تتراءى له معان كثيرة ومختلفة، كما تتراءى للناظر إلى قطعة من الماس ألوان مختلفة ومتعددة بتعدد ما فيها من زوايا وأضلاع، ومختلفة باختلاف ما يكون عليه الناظر، وما عليه قطعة الماس من الأوضاع، هكذا بدت هذه النظرة في القراءات حين نرى مفسرا يرجح وجها واصفا إياه بأنه الأفضل، ويرجح آخر عكس ما رجح، ولكن الحقيقة واحدة، والقراءتان فيهما من الحسن ما فيهما.
والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 15378
المصادر والمراجع:
أولا: كتب التفسير:
١ - أحكام القرآن: لأبي بكر محمد بن عبد الله الأندلسي المعروف بابن العربي، ط / دار إحياء الكتب العربية- القاهرة.
٢ - أحكام القرآن: أبو بكر أحمد بن علي الرازي، دار الكتاب بيروت.
أضواء البيان في إيضاح القرآن، محمد الأمين الشنقيطي ط / المدني سنة ١٩٦٤م، القاهرة.
البحر المحيط، محمد بن يوسف أبو حيان، الناشر مكتبة النصر الحديثة- الرياض.
٥ - تفسير القرآن العظيم، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، دار المعرفة للصناعة- بيروت.
٦ - جامع البيان في تأويل آي القرآن، أبو جعفر بن جرير الطبري، تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف بمصر.
٧ - الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، ط / دار الكتب المصرية بالقاهرة.
٨ - الدر المنثور في التفسير المأثور، السيوطي، ط / مؤسسة طهران.
٩ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، شهاب الدين أبو الفضل محمود الألوسي البغدادي. ط / المنيرة بالقاهرة.
١٠ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري بهامش الطبري.
١١ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري وهو أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، ط / دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت.
١٢ - مفاتيح الغيب- التفسير الكبير: للإمام الرازي، دار الكتب العلمية طهران.
ثانيا: كتب علوم القرآن:
١٣ - البرهان في علوم القرآن، للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، ط / دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
١٤ - الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي.
١٥ - علوم القرآن - للدكتور عدنان زرزور، ط / المكتب الإسلامي.
١٦ - مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني.
стр. 15379
ثالثا: كتب القراءات:
١٧ - إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر: الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي البناء، ط / عبد الحميد أحمد حنفي.
١٨ - أثر القرآن والقراءات في النحو العربي، تأليف الدكتور سمير اللبدي، دار الكتب الثقافية / الكويت.
١٩ - أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، د. عبد العال سالم أكرم.
٢٠ - البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ويليه كتاب القراءات الشاذة، تأليف عبد الفتاح القاضي - الناشر دار الكتاب العربي.
٢١ - تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشر، للإمام محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري، تحقيق محمد الصادق قمحاوي وعبد الفتاح القاضي.
٢٢ - التيسير في القراءات السبع: أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، استانبول، مطبعة الأدلة، سنة ١٩٣٠ م.
٢٣ - حجة القراءات، لعبد الرحمن بن محمد بن زنجلة المعروف بأبي زرعة، تحقيق العلامة سعيد الأفغاني، ط / مؤسسة الرسالة- بيروت.
٢٤ - الحجة في القراءات السبع للفارسي / تحقيق علي النجدي، ود. النجار وشلبي، دفاع عن القراءات في مواجهة الطبري، د. لبيب سعيد، طبع السعودية، ط / دار الكتاب العربي.
٢٥ - رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات، د. عبد الفتاح إسماعيل شلبي، ط / مكتبة نهضة مصر، سنة ١٨٣٠.
٢٦ - كتاب السبعة في القراءات: لابن مجاهد أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس التميمي البغدادي / تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف بالقاهرة.
٢٧ - شرح طيبة النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، ط / مصطفى الحلبي، القاهرة.
٢٨ - القراءات القرآنية، تأليف عبد الهادي الفضلي، كلية الآداب، جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
٢٩ - المهذب في القراءات العشر وتوجيهها، د. محمد سالم محيسن، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.
٣٠ - النشر في القراءات العشر. الحافظ أبي الخير الشهير بابن الجزري.
٣١ - ومن كتب المستشرقين مذاهب التفسير لجولد زيهر، ترجمة عبد الحليم النجار، ط / السنة المحمدية.
стр. 15380
رابعا: الحديث وعلومه: (كتب السنة الستة):
٣٢ - صحيح البخاري.
٣٣ - صحيح مسلم.
٣٤ - سنن أبي داود.
٣٥ - سنن المصطفى لابن ماجه.
٣٦ - سنن جامع الترمذي.
٣٧ - سنن النسائي.
٣٨ - نيل الأوطار للشوكاني.
خامسا: كتب التراجم:
٣٩ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، للجزري المعروف بابن الأثير، ط / دار الشعب، القاهرة.
٤٠ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب يوسف بن عبد البر القرطبي، ط / السعادة- والنسخة مصورة من دار الصادر- بيروت.
٤١ - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، ط / دار السعادة.
سادسا: كتب في اللغة.
٤٢ - تهذيب اللغة الأزهري، ط / عيسى الحلبي.
٤٣ - القاموس المحيط للفيروز ابادي، ط / مصطفى الحلبي.
٤٤ - لسان العرب لابن منظور الأنصاري، ط / القاهرة سنة ١٣٠٠ هـ.
стр. 15381
صفحة فارغة
стр. 15382
بغية الطالبي
في ترجمة أبي القاسم الشاطبي
بقلم: د. محمد سيدي محمد الأمين (١)
المبحث الأول
التعريف باسمه وكنيته ونسبه ونسبته
هو: القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد أبو القاسم، وأبو محمد الشاطبي الرعيني الضرير الشافعي.
ومن العلماء من جعل كنيته أبا القاسم هي اسمه، وهو قول ضعيف لم تعتمده كتب المصادر التي ترجمت للشاطبي، بل إن منهم من لم يذكره أصلا، كالذهبي، في كتبه: معرفة القراء الكبار، وتذكرة الحفاظ، والعبر في خبر من غبر، وابن الجزري في: غاية النهاية، وابن قاضي شهبه في: طبقاته، وغيرهم، وعلى هذا- فالصحيح في اسمه (القاسم)، وله كنيتان أبو محمد وأبو القاسم.
стр. 15383
وفيره: بكسر الفاء، وسكون الياء المثناة من تحت، وتشديد الراء وضمها، بعدها هاء، وهو من اللغة اللطيني، من أعاجم الأندلس، ومعناه بالعربية الحديد (١).
قال القسطلاني، في كتابه فتح المواهب (مخطوط) (٢)، فإن قلت: ما وجه التسمية بالحديد؟ أجيب باحتمال أن يكون إشارة إلى قوة المسمى به في الدين، وشدة بأسه على الأعداء المارقين، وكثرة نفعه للموحدين، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٣).
ونقل القسطلاني، عن الإمام السخاوي تلميذ الشاطبي، أنه وجد بخط أبي عبد الله بن أبي العاص، أحد شيوخ الشاطبي في إجازته له (ابن فارة) بألف بعد الفاء، مع تشديد الراء المضمومة.
قلت: الأشهر في نسبته هو ما تقدم، مما ذكره ابن خلكان وابن الجزري والصفدي وغيرهم.
والرعيني: بضم الراء وفتح العين المهملة، وبعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها ساكنة، بعدها نون فمثناة تحية مشددة، هذه النسبة إلى ذي رعين من اليمن، وكان من الأقيال وهو قبيل من اليمن، نزلت جماعة منهم مصر، وهو
стр. 15384
إسماعيل بن قيس بن عبد الله بن غني بن ذؤيب بن الحكيم الرعيني (١).
والشاطبي: بفتح الشين المعجمة، وبعد الألف طاء مكسورة مهملة، وبعدها باء موحدة، فتحتية مشددة، نسبة إلى شاطبة مدينة كبيرة ذات قلعة حصينة بشرق الأندلس، وشرقي قرطبة خرج منها جماعة من العلماء، استولى عليها الفرنج في العشر الأخير من شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة.
стр. 15385
المبحث الثاني
في ذكر مولده ونشأته ورحلته
اتفقت المصادر على أن مولده كان في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بشاطبة، قيل إنه ولد أعمى (١).
بدأ -رحمه الله تعالى- حياته العلمية بحفظ كتاب الله ، وتعلم قراءاته ورواياته في بلدته التي ولد بها، وهي شاطبة، ثم تلقى بها العلوم الأخرى التي كان يتوق إليها طلاب العلم من أمثاله، فنبغ في صغره.
وظهرت آثار ذلك النبوغ المبكر عليه، فعين خطيبا لأهل بلده، وهو فتى صغير مع ما كان بها من العلماء الكبار والخطباء.
وإلى ذلك أشار ابن خلكان بقوله: وخطب ببلده على فتاء سنه (٢)، ولم تذكر المصادر التي بين أيدينا هل كان لأبويه دور في هذه الحياة العلمية المبكرة، أم أنه نشأ يتيما فأحاطته العناية الإلهية.
ولما رأى الشاطبي أنه استكمل أخذ العلوم التي ببلده عن شيوخها رحل في طلب العلم، فكانت أول مدينة رحل إليها هي بلنسية، وكانت قريبة من بلدته شاطبة، فعرض بها التيسير لأبي عمرو الداني من حفظه على علمائها، وتلقى بها علم الحديث، وشرح الهداية للمهدوي، وأخذ عن علمائها علم التفسير والنحو.
ثم عاد رحمه الله تعالى إلى مدينة شاطبة، بعد أن استوعب وحفظ كل
стр. 15386
العلوم التي رحل في طلبها فكان حافظ عصره، عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ ، مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك تصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد عصره في النحو واللغة (١).
ومع هذه المكانة العلمية فقد عاش فقيرا، وطلب منه أن يلي خطابة جامع بلده بعد عوده من بلنسية فامتنع من ذلك لأجل مبالغة الخطباء على المنابر في وصف الملوك (٢).
ثم رحل إلى مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة لقصد الحج، فقدم الإسكندرية، وهي الرحلة الثانية، وبها أخذ علم الحديث عن محدثها أبي طاهر السلفي المتوفى سنة (٥٧٦ هـ) (٣).
وكان يقول عند دخوله إلى مصر: إنه يحفظ وقر بعير من العلوم، بحيث لو نزلت عليه ورقة أخرى لما احتملها (٤).
وفي هذا النص دليل على أنه ما خرج من بلاد الأندلس إلى المشرق إلا بعد أن استكمل معرفة معظم العلوم الشرعية، وصار يشار إليه بالبنان.
ثم رحل من الإسكندرية إلى القاهرة وهي رحلته الثالثة، وهناك استقبله القاضي عبد الرحيم صاحب المدرسة الفاضلية، وأكرمه وعرف له قدره، وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخية داخل القاهرة، وجعله شيخها
стр. 15387
ونظم قصيدته الرائية واللامية بها، فقصده الخلائق للإقراء وتعلم اللغة والنحو (١).
ولما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بيت المقدس توجه إليه الشاطبي وزاره سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وصام به شهر رمضان، ثم رجع إلى القاهرة، وأقام بالمدرسة الفاضلية يقرئ الناس بها، حتى توفي ﵀، وهذه هي الرحلة الرابعة (٢).
ثم رحل إلى مكة لأداء فريضة الحج، وقد أشارت المصادر إلى هذه الرحلة باقتضاب، فقد ذكر ابن الجزري وغيره أنه خرج من بلاده يريد الحج (٣)، ولم يذكروا في أي سنة كان ذلك، ولا مدة إقامته في الحرمين.
стр. 15388
المبحث الثالث
في ذكر أسماء شيوخه:
تتلمذ أبو القاسم الشاطبي على طائفة من أعلام عصره، وروى عن جمع من مشاهير دهره.
نذكر منهم:
١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الحافظ أبو طاهر السلفي، حافظ الإسلام وأعلى أهل الأرض إسنادا في الحديث والقراءات، مع الدين والثقة والعلم، قرأ القراءات على أبي الفتح أحمد بن محمد الحداد، وأبي الخطاب علي بن عبد الرحمن بن الجراح، وأبي القاسم بن الفحام، وسمع الحروف من أبي طاهر بن سوار من كتابه المستنير، وفاته من آخره شيء، توفي يوم الجمعة خامس عشر ربيع، الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة (٥٧٦ هـ).
سمع الشاطبي منه الحديث حينما مر بالإسكندرية (١).
وقد ذكر القسطلاني في كتابه " فتح المواهب "، بإسناده جملة من الأحاديث التي رويت من طريق الشاطبي عن شيخه السلفي.
منها: الحديث المروي عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه- له أجران اثنان (٢)»
стр. 15389
ومنها: الحديث المروي، عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة (١)»
ومنها: الحديث المروي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرئك السلام، وأقرأ عليك القرآن، قال: الله سماني لك، قال: نعم، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين، فذرفت عيناه (٢)»
٢ - عاشر بن محمد بن عاشر أبا محمد، صاحب أبي محمد البطليوسي، سمع الشاطبي منه الحديث في بلنسية (٣).
٣ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن حبيش أبا القاسم الأندلسي الأنصاري المرسي، إمام حافظ علامة صالح، قرأ بالروايات على أحمد بن عبد الرحمن القصبي، ألف كتاب المغازي في مجلدات عدة (٤).
٤ - عبد الله بن أبي جعفر أبا محمد المرسي، سمع منه الشاطبي في بلنسية (٥).
٥ - علي بن عبد الله بن خلف بن النعمة أبا الحسن فقيه حافظ، محدث زاهد، فاضل أديب، روى فأكثر، وألف فأحسن، شرح كتاب النسائي في عشرة أسفار شرحا لم يتقدمه إليه أحد، وله كتاب في التفسير اسمه ري الظمآن في علوم القرآن، روى عنه الشاطبي شرح الهداية للمهدوي.
توفي سنة سبع وستين وخمسمائة.
стр. 15390
٦ - علي بن محمد بن علي بن هذيل الأستاذ أبو الحسن البلنسي، إمام زاهد ثقة عالم، قرأ الكثير على أبي داود ولازمه، انتهت إليه رئاسة الإقراء في زمانه، قرأ عليه أبو القاسم الشاطبي، ومحمد بن خلف البلنسي، ومحمد بن عبد العزيز بن سعادة وغيرهم، وهو آخر من حدث عن أبي داود، توفي سنة أربع وستين وخمسمائة (١) ٧ - وممن أخذ عنه الشاطبي: عليم بن هاني أبو الحسن العمري (٢).
٨ - محمد بن جعفر بن حميد بن مأمون أبو عبد الله الأموي البلنسي مقرئ حاذق كامل، أخذ القراءات بأشبيلية عن شريح القاضي، وتلا بغرناطة على أبي الحسن بن ثابت الخطيب، ولي قضاء بلنسية، روى عنه الحروف أبو القاسم الشاطبي سماعا من كتاب الكافي، توفي سنة ست وثمانين وخمسمائة (٣).
٩ - محمد بن عبد الرحيم بن محمد الخزرجي أبو عبد الله، يعرف بابن الفرس، فقيه عارف محدث كان يفتي بمرسية، وأقرأ بها مدة (٤).
١٠ - محمد بن علي بن أبي العاص أبو عبد الله النفزي الشاطبي، يعرف بابن اللاية، إمام مقرئ مجود محقق كامل.
قرأ عليه الإمام الشاطبي وأبو عبد الله بن سعادة، توفي سنة بضع وخمسين وخمسمائة (٥).
١١ - محمد بن يوسف بن مفرج بن سعادة أبو بكر، وأبو عبد الله الأشبيلي نزيل تلمسان، مقرئ محقق روى الحروف عن أبي محمد بن عتاب، قرأ عليه أحمد بن علي بن عون الله الحصار.
стр. 15391
روى عنه الشاطبي شرح الهداية للمهدوي في حياته، ومات قبله بعشر سنين، عمر وأسن توفي سنة ستمائة (١).
١٢ - أبو العباس بن طرازميل، روى عنه الشاطبي في بلنسية (٢).
стр. 15392
المبحث الرابع
في ذكر ثناء الأئمة عليه
بالأوصاف الكريمة وسعة
حفظه وكثرة علومه الجسيمة
قال عنه ابن خلكان: " كان عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ ، مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم - تصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم اللغة، عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل " (١).
وقال عنه الحافظ الذهبي: " كان إماما علامة، ذكيا كثير الفنون، منقطع القرين، رأسا في القراءات، حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، واسع العلم، ولقد أودع وأوجز وسهل الصعب، روى عنه أبو الحسن بن خيرة، ووصفه من قوة الحفظ بأمر عجب (٢).
وقال النووي عنه: " لم يكن بمصر في زمنه مثله، في تعدد فنونه وكثرة محفوظه (٣).
وقال عنه الحافظ السبكي، فيما نقله عنه القسطلاني: كان الشاطبي إمام القراءات في عصره، حرز رواياتها، ورفع على هام الجوزاء راياتها، فأصبح في وقته، والناس لغيره قالون، وعقدوا عليه إجماعهم، وقالوا هو قالون، انتهت إليه
стр. 15393
الرئاسة في إقراء القراءات، ومعرفة وجوهها وتقرير علومها، مع المعرفة التامة بالحديث والنحو واللغة ونحو ذلك مما انفرد به، واعترف له به أهل عصره ومن بعدهم، وانتفع به جماعة من الأجلاء " (١).
وقال عنه السبكي أيضا: " كان ذكي القريحة، قوي الحافظة، واسع المحفوظ، كثير الفنون، فقيها مقرئا، محدثا، نحويا، زاهدا، عابدا ناسكا، يتوقد ذكاء " (٢).
وقال عنه الحافظ ابن الجزري: " ولي الله الإمام العلامة، أحد الأعلام الكبار والمشتهرين في الأقطار، كان إماما كبيرا أعجوبة في الذكاء، كثير الفنون آية من آيات الله تعالى، غاية في القراءات، حافظا للحديث بصيرا بالعربية، إماما في اللغة رأسا في الأدب " (٣).
وقال عنه الجعبري: " كان إماما في علوم القرآن، ناصحا بكتاب الله تعالى، متقنا لأصول العربية، رحلة في الحديث، تضبط نسخ الصحيحين من لفظه، غاية في الذكاء، حاذقا في تعبير الرؤيا، مجيدا في النظم متواضعا لله تعالى " (٤).
وقال عنه الصلاح الصفدي: " كان إماما علامة نبيلا محققا ذكيا، واسع المحفوظ، كثير الفنون، بارعا في القراءات وعللها، حافظا للحديث كثير العناية به، أستاذا في العربية، عالما بالقرآن قراءة وتفسيرا، وبالحديث مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على الموطأ في المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد عصره في النحو واللغة، عارفا بالتعبير، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل " (٥).
وقال عنه ابن فرحون: " كان عالما بكتاب الله قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ مبرزا فيه ".
" وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من
стр. 15394
حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد أهل زمانه في علم النحو واللغة، عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل " (١).
وقال عنه التلمساني: " كان إماما علامة ذكيا كثير الفنون، منقطع القرين، رأسا في القراءات، حافظا للحديث، بصيرا بالعربية واسع العلم " (٢).
وقال عنه الحافظ السيوطي: " كان إماما فاضلا بالنحو والقراءات والتفسير والحديث، علامة نبيلا محققا ذكيا، واسع المحفوظ بارعا في القراءات، أستاذا في العربية، حافظا للحديث " (٣).
وتقدم ما نقله ابن خلكان عنه، من أنه حينما وصل إلى مصر - كان يحفظ وقر بعير من العلوم، بحيث لو نزلت عليه ورقة أخرى- لما احتملها، ولهذا فاض سيب علمه على أهل مصر، وتسابق إليه الطلاب والعلماء.
стр. 15395
المبحث الخامس
في حسن سيرته
وزهده وعبادته وبعض كراماته
كان الإمام الشاطبي ﵀ ذا أدب رفيع، وسيرة عطرة، تأدب بآداب الإسلام، وتخلق بخلق القرآن، وسلك سبيل الأئمة الأعلام.
فتسابق الناس في تكريمه، والأخذ عنه من كل صوب وحدب.
قال عنه ابن خلكان: " كان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر أوقاته، إلا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة، في هيئة حسنة وتخشع واستكانة، وكان يعتل العلة الشديدة، فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله- قال: العافية، لا يزيد على ذلك " (١).
وقال عنه الحافظ الذهبي: " كان موصوفا أيضا بالزهد والعبادة والانقطاع " (٢)، وقال عنه الحافظ ابن كثير: " كان دينا خاشعا ناسكا، كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه " (٣)، وقال السخاوي: " قال محمد بن الحسين: فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن، استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله وما قبح منه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه، من كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، فكان له القرآن شاهدا وشفيعا وأنيسا وحرزا. أسأل الله بكرمه، أن يجعل لي من هذه الأوصاف حظا، أتخلص به من تبعة القرآن، ثم قال ﵀: وقد كان شيخنا أبو القاسم الشاطبي ﵀ صاحب هذه الأوصاف جميعها، وربما زاد عليها (٤).
стр. 15396
وذكر القسطلاني أيضا: " أن رجلين جلسا قريبا من الشاطبي، وأنه وقع بينهما تشاجر، فسب كل واحد منهما الآخر باللغة التركية، وأنه طلب من الشاطبي الإخبار بما قالاه؛ فاستنطق الشاطبي أحدهم، ثم أجلسه عن يمينه، ثم الآخر، وأجلسه عن يساره، ثم قال: أما هذا فابتدأ هذا بقوله كذا وكذا، فأجابه هذا بكذا وكذا، ورد عليه الآخر بكذا وكذا، فأجابه هذا كذا وكذا، ورد عليه الآخر بكذا وكذا، حتى فرغ من حكاية قولهما باللغة التركية، ولم يكن يعرفها قبل (١)
стр. 15397
المبحث السادس
ذكر مصنفاته البديعة
وذكر شيء من شعره
من أهم المصنفات التي صنفها الشاطبي ﵀:
قصيدته اللامية المسماة " بحرز الأماني ووجه التهاني " في القراءات السبع، وقد ذكر أنه بدأ في نظمها بالأندلس، حتى بلغ قوله:
جعلت أبا جاد على كل قارئ
ثم أكملها بالمدرسة الفاضلية في القاهرة (١)، وهي التي افتتحها بقوله:
بدأت ببسم الله في النظم أولا ... تبارك رحمانا رحيما وموئلا
وثنيت صلى الله ربي على الرضا ... محمد المهدى إلى الناس مرسلا
وعترته ثم الصحابة ثم من ... تلاهم على الإحسان بالخير وبلا
وثلثت أن الحمد لله دائما ... وما ليس مبدوءا به أجذم العلا (٢)
وقد ذكر الشاطبي ﵀ أنه: رام بقصيدته هذه اختصار كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، فأجنت القصيدة ما أراده، وكثرت فوائدها بتوفيق الله، وفي ذلك قال:
وفي يسرها التيسير رمت اختصاره ... فأجنت بعون الله منه مؤملا (٣)
وأبيات هذه القصيدة ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، كما ذكر الناظم بقوله:
وأبياتها ألف تزيد ثلاثة ... ومع مائة سبعين زهرا وكملا (٤)
стр. 15398
ولقد وفى الشاطبي ما أراد بنظمه هذا، بل وزاد فوائد على ما في التيسير، مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، غير أن الناظر في أبيات هذه القصيدة يقف مشدودا أمام تلك المعاني التي تضمنتها ألفاظها؛ فيرى فيها كل محسن لفظي ومعنوي، ويرى فيها الغزل، ويرى فيها نحوا وصرفا وغير ذلك.
أهلت فلبتها المعاني لبابها ... وصغت بها ما ساغ عذبا مسلسلا (١)
وسأقوم بعون الله وتوفيقه باستخلاص وجمع بعض المعاني التي أشار إليها شراح الشاطبية وغيرهم، متمثلا في ذلك قول القائل: ما لا يدرك كله لا يترك جله.
قال الشاطبي في وصفه للقراء السبعة ورواتهم:
فمنهم بدور سبعة قد توسطت ... سماء العلا والعدل زهرا وكملا
لها شهب عنها استنارت فنورت ... سواد الدجى حتى تفرق وانجلى (٢)
قال الموصلي في شرحه على الشاطبية: " البدر والقمر المنير في الليلة الرابعة عشرة، وتوسط السماء بلغ وسطها، والعدل ضد الجور، والمراد هنا الاعتدال والاستقامة، زهرا: جمع أزهر أفعل التفضيل، أو زاهر كأسود وسود وبازل وبزل، بمعنى المضيء المشرق، وكملا جمع كامل للتمام، والشهب جمع شهاب اسم للكوكب المضيء لاستنارة الإضاءة.
نورت: أضاءت غيرها، الدجى جمع دجية، وهي الظلمة، انجلى: انكشف (٣)، قال الجعبري في شرحه على الشاطبية: جمع البدر باعتباره محله، ووصفه بالكمال باعتباره القمر، وهو قريب من قول أبي العلاء:
توقى البدور النقص وهي أهل ... ويدركها النقصان وهي كوامل
وعدل عن الشموس؛ لأن القمر أشرف، باعتبار معناه، ولذلك قيل القمران، أشياخ أشبهوا البدور الكوامل لتمام علومهم، وعلو رتبتهم واشتهار
стр. 15399
ضبطهم، والاقتداء بطرقهم فاقتدى الناس بهم (١).
قال القاضي ﵀ في كتابه الوافي: " والمعنى: من هؤلاء الأئمة الناقلين للقرآن سبعة رجال، وشبههم بالبدور في علو منزلهم، وغزارة علمهم، وكثرة الانتفاع بهم، ولهؤلاء القراء السبعة جماعة من الرواة أشبهت الشهب في الهداية والعلو، أخذت القراءة عنهم، وعلمتها الناس بعدهم، فأماطت عنهم ظلمة الجهل، وألبستهم أنوار العلم " (٢).
واستمع إليه يقول:
أهلت فلبتها المعاني لبابها ... وصغت بها ما ساغ عذبا مسلسلا (٣)
قال الموصلي في شرحه: " الإهلال: رفع الصوت.
لبت: أجابت بلبيك لبيك.
اللباب: جمع لب، والمراد الخيار والنخب.
وصغت: من الصياغة يعني بالإحكام والإتقان.
ساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق " (٤).
قال القاضي في الوافي: " والمعنى: أن القصيدة نادت المعاني فأجابتها خيارها، ونظم فيها اللفظ الحلو السلس الذي يسهل على اللسان حال كونه في السمع ملائما للطبع " (٥) قال الجعبري: " ولبتها مع لبابها، وصغت مع ساغ، تجنيس هذا استعارة عما في ذهنه " (٦).
ومن ذلك قوله:
وألفافها زادت بنشر فوائد ... فلفت حياء وجهها أن تفضلا (٧)
стр. 15400
قال الموصلي في شرحه: " الألفاف: الأشجار الملتفة بعضها على بعض (١).
لفت: غطت وسترت " (٢).
قال أبو شامة في شرحه على الشاطبية: " وحسن استعارة الألفاف هنا بعد قوله: فأجنت الالتفاف المعاني فيها والأبيات، كأن كل بيت ملتف بما قبله وبعده؛ لتعلق بعضها ببعض وانضمامه إليه، فتلك الألفاف نشرت فوائد زيادة، على ما في كتاب التيسير من زيادة وجوه، أو إشارة إلى تعليل أو زيادة أحكام، وغير ذلك مما يذكره في مواضعه، ومن جملة ذلك جميع باب مخارج الحروف.
ثم بعد هذا استحيت أن تفضل على كتاب التيسير، استحياء الصغير من الكبير، والمتأخر من المتقدم، وإن كان الصغير فائقا والمتأخر زائدا، والذي لفت به وجهها: أي سترته هو الرمز؛ لأنها به كأنها في ستر " (٣).
قال الشاطبي ﵀:
وناديت اللهم يا خير سامع ... أعذني من التسميع قولا ومفعلا (٤)
قال أبو شامة في شرحه: " كأن الناظم ﵀ لما مدح نظمه بأمدحة - خاف أن يكون في ذلك تسميع، فاستعاذ بالله " (٥).
وقال الجعبري: " لما مدح نظمه - خاف من مكر النفس، فدعا الله تعالى أن يعصمه من أن يكون قوله أو عمله للسمعة، فيضيع سعيه، وأشار إلى ما روي: «من سمع الناس سمع الله به خلقه وصغره وحقره (٦)».
وأخرج البخاري عن النبي ﷺ (٧): «من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به (٨)» (٩).
стр. 15401
لله دره من إمام مخلص، أتى في هذه القصيدة بجواهر نضيدة، من بديع المعاني في أصداف المباني، سوى فن القراءات ومحاسن الروايات.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى في باب الإدغام الكبير:
شفا لم تضق نفسا بها رم دوا ضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا (١)
قال أبو شامة في شرحه لهذا البيت:
" اعلم أنه أتى، في مثل هذا البيت الذي يذكر فيه كلما لأجل حروف أوئلها تضمنها معاني قصدها من غزل ومواعظ؛ لئلا يبقى كلاما منتظما صورة، لا معنى تحته.
وقوله لم تضق نفسا: أي أنها حسنة الخلق.
ورم: أي أطلب بها: أي بوصلها وقربها.
دواء ضن: أي دواء رجل ضن أي مريض " (٢).
وقال الموصلي في شرحه:
" شفا: اسم امرأة.
تضق: من الضيق وهو ضد الوسع.
رم: اطلب.
الضنى: الهزال والمرض.
ثوا: أقام.
سأى: مقلوب ساء نحو نأى وناء.
والمعنى: أن محبوبتي شفا لم تضق نفسا؛ أي هي حسنة الخلق، أطلب بوصلها دواء رجل مريض، أقامه مرضه، كان ذلك المريض ذا حسن، ساء حاله؛ لأجل الضنا، قد كشف الضنا أمره وهتك ستره " (٣).
стр. 15402
ومن ذلك قوله:
وللدال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثم زهد صدقه ظاهر جلا (١)
قال أبو شامة في شرحه: " ضمن في هذا البيت الثناء على أبي محمد سهل بن عبد الله التستري ".
قال القشيري في رسالته: " هو أحد أئمة القوم، ولم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع، وكان صاحب كرامات، لقي ذا النون المصري بمكة سنة حج، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل ثلاث وسبعين.
والترب: التراب.
وذكا: من قولهم ذكت النار تذكو ذكاء مقصور: أي اشتعلت.
والشذا: حدة الرائحة: أي فاحت رائحة ترابه، يشير بذلك إلى الثناء عليه، وما ظهر من كراماته وأعماله الصالحة.
وضفا: طال يشير إلى كثرة ذلك.
وثم: بفتح الثاء بمعنى هناك: أي دفن في ذلك التراب زهد ظاهر الصدق، لم يكن عن رياء ولا تصنع.
وجلا: بمعنى كشف (٢).
وقال ﵀ في باب الإدغام الصغير ذكر ذال إذ:
نعم إذ تمشت زينب صال دلها ... سمي جمال واصلا من توصلا
فإظهارها أجرى دوام نسيمها ... وأظهر ريا قوله واصف جلا (٣)
قال الموصلي في شرحه: " نعم: حرف إيجاب لتقرير ما سبق. وإذ: ظرف فعل مقدر؛ كأن سائلا يستدعي الوفاء بما وعد، فقال نعم أذكر كما وعدت لك. تمشت: من المشي.
стр. 15403
صال: من الصول بمعنى الغلبة.
الدل: بمعنى الدلال وهو الاختيال والتكبر.
السمي: الرفيع من السمو (١).
وقال الجعبري: " نعم لتقرير الخبر وجواب الاستخبار، وهو هنا جواب عن سؤال مقدر؛ كأنه قيل: أين ما وعدت من ذكر الألفاظ. فقال نعم: وهذه الصناعة تسمى في الاصطلاح التورية والإيهام، وهو أن يحتمل الكلام معنيين؛ أحدهما أظهر، ومقصود الشاعر الأخفى، ومنه قول أبي بكر ﵁ لما سئل عن النبي ﷺ ، وهو معه، وقد خاف عليه، قال: " رجل يهديني السبيل ".
وقد عني بزينب هنا ما عناه في قوله شفا.
يقول: وقت مشي هذه المحبوبة، استطالت تدللا بحسنها البديع، على محبيها واختيارا لدعواهم، ووصلت المحب الصادق للولاء، الذي توصل إليها بانقياده لأوامرها وانكساره لسلطانها، ويفهم منه هجرها لمن عصا أمرها وقاوم سلطانها، وفضح الاختبار دعواه " (٢)، ثم قال في شرح البيت الثاني: " يقول إظهار هذه المليحة التمشي المقارن للدلل آثار طيبة دائمة كالنسيم، وأفاح مادحها شذا السر المكتوم " (٣).
قال الموصلي: " النسيم الريح الطيبة.
والريا: الرائحة الطيبة " (٤).
قال أبو شامة: " أظهر بقوله ذلك ثناء عطرا، وما أظهرته من الجمال والزينة أجرى دوام نسيمها " (٥).
ومن ذلك قوله:
وقد سحبت ذيلا ضفا ظل زرنب ... جلته صباه شائقا ومعللا (٦)
стр. 15404
قال الموصلي: " السحب: جر الذيل.
ضفا: طال.
الزرنب: شجر طيب الرائحة.
الصبا: نوع من الرياح.
المعلل: اسم فاعل من العلل، وهو السقي مرة بعد أخرى " (١).
قال أبو شامة: " يعني أن طيب ريح ذيلها كف عن طيب الزرنب، وأبان محله، كأنه إذا شم الزرنب تذكر به ريح ذيلها، فيظل الزرنب شائقا ومعللا " (٢).
ومن ذلك قوله:
وأبدت سنا ثغر صفت زرق ظلمه ... جمعن ورودا باردا عطر الطلا (٣)
قال الموصلي في شرحه: " السنا: الضوء.
الثغر: ما تقدم من الأسنان.
الزرق: جمع الأزرق، يوصف الماء به لكثرة صفائه.
الظلم: ماء الأسنان وبريقها.
العطر: الطيب الرائحة.
الطلا: ما طبخ من عصير العنب، حتى ذهب ثلثاه، ويسمى به الخمر أيضا " (٤).
ومن ذلك قوله:
ولا خلف في الإدغام إذ ذل ظالم ... وقد تيمت دعد وسيما تبتلا
وقامت تريه دمية طيب وصفها ... وقل بل وهل رآها لبيب ويعقلا (٥)
стр. 15405
قال الموصلي في شرحه: " التتيم: العشق.
دعد: اسم امرأة.
الوسيم: الحسن الوجه.
التبتل: الانقطاع.
والمعنى: لا خلاف في وجوب ستر المحبة، لما ذل الظالم الذي أغشى، وقد تيمت دعد الصب المحب الوسيم الوجه المتبتل عن الخلق، ثم قال: والدمية: الصورة من العاج، عني بها امرأة اللبيب العاقل، والمعنى: قامت دمية تري العاشق الوسيم طيب وصفها، وقل أيها المخاطب: بل الأمر فوق ذلك، وهل رآها عاقل فيبقى له عقل " (١).
ومن ذلك قوله في فرش سورة البقرة: " ونقل قرآن والقرآن دواؤنا " (٢).
قال أبو شامة في شرحه لهذا البيت: " ما أحلى هذا اللفظ حيث كان موجها؛ أي ذو وجهين، حصل منه بيان القراءة بنقل حركة الهمزة لابن كثير، وظاهره أن نقل القرآن، وهو قراءته وتلاوته وتعليمه، دواء لمن استعمله مخلص من أمراض المعاصي (٣) قال النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٤)»
ومن ذلك قوله في باب مخارج الحروف:
أهاع حشا غاو خلا قارئ كما ... جرى شرط يسرى ضارع لاح نوفلا
رعى طهر دين تمه ظل ذي ثنا ... صفا سجل زهد في وجوه بني ملا (٥)
قال الموصلي في شرحه: " أهاع أفزع، من هاع يهيع إذا جبن، ومنه الهاع للجبان.