لله دره من إمام مخلص، أتى في هذه القصيدة بجواهر نضيدة، من بديع المعاني في أصداف المباني، سوى فن القراءات ومحاسن الروايات.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى في باب الإدغام الكبير:
شفا لم تضق نفسا بها رم دوا ضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا (١)
قال أبو شامة في شرحه لهذا البيت:
" اعلم أنه أتى، في مثل هذا البيت الذي يذكر فيه كلما لأجل حروف أوئلها تضمنها معاني قصدها من غزل ومواعظ؛ لئلا يبقى كلاما منتظما صورة، لا معنى تحته.
وقوله لم تضق نفسا: أي أنها حسنة الخلق.
ورم: أي أطلب بها: أي بوصلها وقربها.
دواء ضن: أي دواء رجل ضن أي مريض " (٢).
وقال الموصلي في شرحه:
" شفا: اسم امرأة.
تضق: من الضيق وهو ضد الوسع.
رم: اطلب.
الضنى: الهزال والمرض.
ثوا: أقام.
سأى: مقلوب ساء نحو نأى وناء.
والمعنى: أن محبوبتي شفا لم تضق نفسا؛ أي هي حسنة الخلق، أطلب بوصلها دواء رجل مريض، أقامه مرضه، كان ذلك المريض ذا حسن، ساء حاله؛ لأجل الضنا، قد كشف الضنا أمره وهتك ستره " (٣).
стр. 15402
ومن ذلك قوله:
وللدال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثم زهد صدقه ظاهر جلا (١)
قال أبو شامة في شرحه: " ضمن في هذا البيت الثناء على أبي محمد سهل بن عبد الله التستري ".
قال القشيري في رسالته: " هو أحد أئمة القوم، ولم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع، وكان صاحب كرامات، لقي ذا النون المصري بمكة سنة حج، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل ثلاث وسبعين.
والترب: التراب.
وذكا: من قولهم ذكت النار تذكو ذكاء مقصور: أي اشتعلت.
والشذا: حدة الرائحة: أي فاحت رائحة ترابه، يشير بذلك إلى الثناء عليه، وما ظهر من كراماته وأعماله الصالحة.
وضفا: طال يشير إلى كثرة ذلك.
وثم: بفتح الثاء بمعنى هناك: أي دفن في ذلك التراب زهد ظاهر الصدق، لم يكن عن رياء ولا تصنع.
وجلا: بمعنى كشف (٢).
وقال ﵀ في باب الإدغام الصغير ذكر ذال إذ:
نعم إذ تمشت زينب صال دلها ... سمي جمال واصلا من توصلا
فإظهارها أجرى دوام نسيمها ... وأظهر ريا قوله واصف جلا (٣)
قال الموصلي في شرحه: " نعم: حرف إيجاب لتقرير ما سبق. وإذ: ظرف فعل مقدر؛ كأن سائلا يستدعي الوفاء بما وعد، فقال نعم أذكر كما وعدت لك. تمشت: من المشي.
стр. 15403
صال: من الصول بمعنى الغلبة.
الدل: بمعنى الدلال وهو الاختيال والتكبر.
السمي: الرفيع من السمو (١).
وقال الجعبري: " نعم لتقرير الخبر وجواب الاستخبار، وهو هنا جواب عن سؤال مقدر؛ كأنه قيل: أين ما وعدت من ذكر الألفاظ. فقال نعم: وهذه الصناعة تسمى في الاصطلاح التورية والإيهام، وهو أن يحتمل الكلام معنيين؛ أحدهما أظهر، ومقصود الشاعر الأخفى، ومنه قول أبي بكر ﵁ لما سئل عن النبي ﷺ ، وهو معه، وقد خاف عليه، قال: " رجل يهديني السبيل ".
وقد عني بزينب هنا ما عناه في قوله شفا.
يقول: وقت مشي هذه المحبوبة، استطالت تدللا بحسنها البديع، على محبيها واختيارا لدعواهم، ووصلت المحب الصادق للولاء، الذي توصل إليها بانقياده لأوامرها وانكساره لسلطانها، ويفهم منه هجرها لمن عصا أمرها وقاوم سلطانها، وفضح الاختبار دعواه " (٢)، ثم قال في شرح البيت الثاني: " يقول إظهار هذه المليحة التمشي المقارن للدلل آثار طيبة دائمة كالنسيم، وأفاح مادحها شذا السر المكتوم " (٣).
قال الموصلي: " النسيم الريح الطيبة.
والريا: الرائحة الطيبة " (٤).
قال أبو شامة: " أظهر بقوله ذلك ثناء عطرا، وما أظهرته من الجمال والزينة أجرى دوام نسيمها " (٥).
ومن ذلك قوله:
وقد سحبت ذيلا ضفا ظل زرنب ... جلته صباه شائقا ومعللا (٦)
стр. 15404
قال الموصلي: " السحب: جر الذيل.
ضفا: طال.
الزرنب: شجر طيب الرائحة.
الصبا: نوع من الرياح.
المعلل: اسم فاعل من العلل، وهو السقي مرة بعد أخرى " (١).
قال أبو شامة: " يعني أن طيب ريح ذيلها كف عن طيب الزرنب، وأبان محله، كأنه إذا شم الزرنب تذكر به ريح ذيلها، فيظل الزرنب شائقا ومعللا " (٢).
ومن ذلك قوله:
وأبدت سنا ثغر صفت زرق ظلمه ... جمعن ورودا باردا عطر الطلا (٣)
قال الموصلي في شرحه: " السنا: الضوء.
الثغر: ما تقدم من الأسنان.
الزرق: جمع الأزرق، يوصف الماء به لكثرة صفائه.
الظلم: ماء الأسنان وبريقها.
العطر: الطيب الرائحة.
الطلا: ما طبخ من عصير العنب، حتى ذهب ثلثاه، ويسمى به الخمر أيضا " (٤).
ومن ذلك قوله:
ولا خلف في الإدغام إذ ذل ظالم ... وقد تيمت دعد وسيما تبتلا
وقامت تريه دمية طيب وصفها ... وقل بل وهل رآها لبيب ويعقلا (٥)
стр. 15405
قال الموصلي في شرحه: " التتيم: العشق.
دعد: اسم امرأة.
الوسيم: الحسن الوجه.
التبتل: الانقطاع.
والمعنى: لا خلاف في وجوب ستر المحبة، لما ذل الظالم الذي أغشى، وقد تيمت دعد الصب المحب الوسيم الوجه المتبتل عن الخلق، ثم قال: والدمية: الصورة من العاج، عني بها امرأة اللبيب العاقل، والمعنى: قامت دمية تري العاشق الوسيم طيب وصفها، وقل أيها المخاطب: بل الأمر فوق ذلك، وهل رآها عاقل فيبقى له عقل " (١).
ومن ذلك قوله في فرش سورة البقرة: " ونقل قرآن والقرآن دواؤنا " (٢).
قال أبو شامة في شرحه لهذا البيت: " ما أحلى هذا اللفظ حيث كان موجها؛ أي ذو وجهين، حصل منه بيان القراءة بنقل حركة الهمزة لابن كثير، وظاهره أن نقل القرآن، وهو قراءته وتلاوته وتعليمه، دواء لمن استعمله مخلص من أمراض المعاصي (٣) قال النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٤)»
ومن ذلك قوله في باب مخارج الحروف:
أهاع حشا غاو خلا قارئ كما ... جرى شرط يسرى ضارع لاح نوفلا
رعى طهر دين تمه ظل ذي ثنا ... صفا سجل زهد في وجوه بني ملا (٥)
قال الموصلي في شرحه: " أهاع أفزع، من هاع يهيع إذا جبن، ومنه الهاع للجبان.
стр. 15406
الحشا: ما انضمت عليه الضلوع.
الغاوي: الضال.
الخلا: الكلأ، وهو الحشيش يكني به عن طيب الحديث ولطف الكلام.
الضارع: الخاشع.
النوفل: الكثير العطاء، أو البحر.
تمه: أي أتمه يقال تم الله نعمه عليك، وأتم.
ثنا: مقصور الثناء، وهو المدح.
صفا: فعل متعد، بمعنى أخذ صفوته، من صفوت القدر.
السجل: الدلو العظيمة فيها ماء.
وجوه القوم: أشرافهم، وكذلك الملأ هم الأشراف.
يقول: أفزع حسن قراءة القارئ الخاشع، حشا الضال الغاوي، وهكذا جرى شرط قراءة من كان ضارعا خاشعا، من نعمته أن يظهر كثير العطاء، واسع الفيض والحياء، وأن ييسر السامعين لليسرى والإحسان، ويسهل عليهم البر والامتنان، وكذلك حفظ هذا القارئ طهارة دين أتم ذلك الدين، ظل أي إرشاد شيخ ذي ثناء، أخذ صفوة وعاء الزهد، وهو الزاهد حال كون ذلك الشيخ في كرام أبناء أشراف عظام، يعني كمل طهارة دين القارئ، ونظافة باطنه، شيخه المستحق للثناء والحمد على أصناف الشرف وأنواع المجد، والمتخذ خلاصة الزهادة، وصفوة التجرد للعبادة، من كونه متصفا بالحب المنيف، منتسبا إلى النسب الشريف " (١).
واستمع إليه يختم أبيات هذه القصيدة بقوله:
وقد وفق الله الكريم بمنه ... لإكمالها حسناء ميمونة الجلا (٢)
قال الموصلي في شرحه: " المن: الإنعام.
стр. 15407
ميمونة الجلا: مباركة البروز.
يعني: وفق الله الكريم، بإنعامه العميم، منشئ هذه القصيدة لإتمامها واتساق نظامها، حال كونها عروسا حسناء مباركة البروز والجلاء، من يتعلمها ينال منها ميامن وبركات، ولو لم تكن إلا كثرة الفوائد والنكات " (١).
قال أبو شامة عند شرحه لهذا البيت: " وصدق ﵁؛ فإن بركاتها عمت، ولو لم يكن إلا كثرة الفوائد الحاصلة من ناظمها " (٢).
وقوله ﵀:
وقد كسيت منها المعاني عناية ... كما عريت عن كل عوراء مفصلا (٣)
قال الموصلي في شرحه: " يقول أعتني بمعاني هذه القصيدة، وقد كسيت عناية، فجاءت شريفة المعاني لطيفة المباني، وعريت مفاصلها؛ أي قوافيها أو جميع أجزائها، عن كل كلمة عوراء، وعبارة شنعاء، تعيب معانيها، أو تقبح ألفاظها ومبانيها، ومقابلة الكسور بالعري من لطيف الصنائع " (٤).
قال أبو شامة: " جعلها عروسا حسناء، ميمونة الجلوة، منزهة المفاصل عن العيوب، على طولها وصعوبة مسلكها، وغيره ينظم أرجوزة، يعنى على قواف شتى، فيضطره النظم إلى أن يأتي في قوافيها ومقاطعها وأجزائها بما تمجه الأسماع " (٥).
وبعد: فهذا غيض من فيض معانيها، ولو أطلق للقلم عنانه في خوض غمار بحرها الطويل - لاحتاج ذلك إلى وقت غير يسير ولعاد بعد كل ذلك وهو حسير.
стр. 15408
ولما رأى العلماء حسن نظمها- وقفوا أمام معانيها مشدودين، وعن محاكاتها عاجزين، لهجت ألسنتهم بالثناء العطر عليها وعلى مؤلفها.
قال أبو شامة: " وهي أول مصنف وجيز، يعني الشاطبية، حفظته بعد الكتاب العزيز، وذلك قبل بلوغ الحلم وجريان القلم، ولم أزل، من ذلك إلى الآن، طالبا إتقان معرفة ما احتوت عليه من المعاني، وإبراز ما أودع في ذلك الحرز من الأماني، وكل حين ينفتح لي من فوائدها باب، ومن معانيها ما لم يكن في حساب " (١).
وقال ابن خلكان في وصف حرز الأماني: " أبو القاسم الشاطبي صاحب القصيدة التي سماها "حرز الأماني ووجه التهاني " في القراءات، وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم، فقل من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة، وما أظنها سبق أسلوبها " (٢).
وقال عنها الحافظ ابن كثير: " لم يسبق إليها، ولا يلحق فيها، وفيها من الرموز كنوز لا يهتدي إليها إلا كل ناقد بصير " (٣).
وقال الحافظ الذهبي عنها، وعن العقيلة الآتي ذكرها: " وقد سارت الركبان بقصيدته، حرز الأماني، وعقيلة أتراب القصائد اللتين في القراءات والرسم، وحفظهما خلق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء، وكبار البلغاء، وحذاق القراء، ولقد أودع وأوجز وسهل الصعب " (٤).
وقال صلاح الدين الصفدي، عن حرز الأماني والعقلية: " وقصيدتاه في القراءات والرسم، تدلان على تبحره، وقد سارت بهما الركبان، وخضع لهما فحول الشعراء " (٥).
стр. 15409
وقال ابن الجزري، عن حرز الأماني: " ومن وقف على قصيدته - علم مقدار ما آتاه الله في ذلك، خصوصا اللامية، التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها؛ فإنه لا يعرف مقدارها، إلا من نظم على منوالها، أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها " (١).
ونقل القسطلاني، عن بعضهم، أنه قال في الحرز: " لقد أحرز على القراء ما كان شارحا بحرز الأماني، وهنأهم بنيل مقصودهم بوجه التهاني؛ فيالها من تهنئة شرفت بها النفوس، وزكت واهتزت طربا عند سماعها، وسمت وألحقت الصغار بالكبار في حفظ مذاهب القراء أئمة الأعصار! فالشكر لله على هذه المنة " (٢).
وقال ابن الجزري، عن الحرز أيضا: " ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول، ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أقول: ولا في غير هذا الفن؛ فإنني لا أحسب أن بلدا من بلاد الإسلام يخلو منه، بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة به، ولقد تنافس الناس فيها، ورغبوا من اقتناء النسخ الصحاح بها إلى غاية، حتى إنه كانت عندي نسخة جامعة للامية، بخط الحجيج صاحب السخاوي، مجلدة فأعطيت بوزنها فضة فلم أقبل.
ولقد بالغ الناس في التغالي فيها، وأخذ أقوالها مسلمة، واعتبار ألفاظها منطوقا ومفهوما، حتى خرجوا بذلك عن حد أن تكون لغير معصوم، وتجاوز بعضهم الحد فزعم أن ما فيها هو القراءات السبع، وأن ما عدى ذلك شاذ لا تجوز القراءة به " (٣).
قال الجعبري، في مدح حرز الأماني:
إذا ما رمت نقل السبعة الزم ... لتظفر بالتي حرز الأماني
جزى الله المصنف كل خير ... بما أسداه في وجه التهاني
стр. 15410
بألفاظ حكت درا نضيدا ... وقد نادت فلبتها المعاني
حلا فيها الطويل ولذ سمعا ... فعد عن المثلث والمثاني
وقل في روضة فاحت عبيرا ... وخل بمنزل خير المغاني (١)
ونقل القسطلاني مدائح، قيلت في وصف حرز الأماني؛ منها:
جلا الرعيني لنا مبدعا ... عروسته بالحسن وياما جلا
لو رامها مبتكر غيره ... قالت قوافيها له الكل لا (٢)
ونقل القسطلاني عن شيخه الزين الهيثمي من نظمه:
لله در الشاطبي الذي ... أهدى لنا الدر بنظم غلا
قصيدة جلت عن الشعر بل ... عروس حسن قد غدت تجتلى
حرز الأماني أحرزت للمنى ... وجه التهاني فأهنها مقبلا
يقول من ذاق جنى شهدها ... لله ما أعذب ما أنهلا
تكاد أن تغدو له آية ... تعجز من قد رام أو مثلا
فلو يشاء مبتكر مثلها ... قالت قوافيها له الكل لا (٣)
وذكر القسطلاني أنه كتب إليه الشيخ أبو البقاء الأحمدي في مدح الحرز:
أكرم بحبر قد علا للعلا ... لما حوى العلم عليهم علا
هو الإمام الشاطبي الذي ... أبدى نظاما معجزا للملا
من ذا يضاهيه وقد خصه ... باريه من إحسانه بالولا
جلا علينا خودة أبدعت ... في حسنها يا حسن ما قد جلا
في جيدها عقد نفيس به ... جواهر منظومة للحلا
في سلك نور سره قد سرى ... فما ترى منه مكانا خلا
منطقها يثني به سامع ... وكلما كرره قد حلا
أبياتها شامخة أحكمت ... تحكي قصور الفرس يا من تلا
стр. 15411
من رام أن يحكي نظامها ... قالت له أبياتها الكل لا (١)
وذكر أيضا أنه كتب إليه الأديب أبو الفتح الرسام، من قصيدة له يقول فيها:
فهو الإمام القاسم الحبر الذي ... أضحى بصيرا بالهدى وأصوله
كنز الفضائل والأفاضل مطلب ... القراء مغني الجمع من محصوله
قطب عليه مدار كل مجود ... للذكر مبدي السر في تنزيله
أهدى لنا حرز الأماني عندنا ... كان المنى أن نهتدي لسبيله
فلذا تقلدها بدر قريضها ... وبها كسانا فضله بجميله
من قال هل تأتي الفصائح مثلها ... كانت قوافيها الجواب لقيله
فالله يسكنه الجنان بفضله ... وبحيزه الرضوان عند مقيله
ويحله غرفا جوار حبيبه ... ونبيه وصفيه وخليله
صلى عليه مسلما رب العلا ... والآل والصحب الكرام قبيله
أزكى صلاة يستمر دوامها ... بالفيض في قصر الزمان وطوله (٢)
ومن مؤلفاته أيضا:
٢ - قصيدته الرائية المسماة " عقيلة أتراب القصائد"، في بيان رسم المصاحف العثمانية، اختصر فيها كتاب المقنع لأبي عمرو الداني، وقد افتتحها بقوله:
الحمد لله موصولا كما أمرا ... مباركا طيبا يستنزل الدررا
ذو الفضل والمن والإحسان خالقنا ... رب العباد هو الله الذي قهرا
حي عليم قدير والكلام له ... فرد سميع بصير ما أراد جرى
أحمده وهو أهل الحمد معتمدا ... عليه معتصما بالله منتصرا
ثم الصلاة على محمد وعلى ... أشياعه أبدا تندى ندا عطرا (٣)
وقد ذكر الشاطبي، في قصيدته هذه، أنه نظم فيها ما في كتاب المقنع مع
стр. 15412
إيراده لزيادات على ما في المقنع.
قال ﵀:
وهاك نظم الذي في مقنع عن أبي ... عمرو فيه زيادات فطب عمرا (١)
وتقع هذه القصيدة في ثمانية وتسعين ومائتي بيت، قال ﵀:
تسعون مع مائتين مع ثمانية ... أبياتها ينتظمن الدر والدررا (٢)
وتقدم كلام العلماء في الثناء عليها:
- ناظمة الزهر في علم الفواصل:
نظم فيها تأليف الفضل بن شاذان، وابن عمار، وأبي عمرو الداني، في عد آي السور، وقد افتتحها بقوله:
بدأت بحمد الله ناظمة الزهر ... لتجني بعون الله عينا من الزهر
وعذت بربي من شرور قضائه ... ولذت به في السر والجهر من أمري
بحي مريد عالم متكلم ... سميع بصير دائم قادر وتر
وبعد صلاة الله ثم سلامه ... على خير مختار من المجد الغر (٣)
وقد ذكر الشاطبي أن نظمه هذا تتبع به تأليف الفضل بن شاذان، وتأليف ابن عمار، وما جمعه أبو عمرو الداني في كتابه البيان في عد آي القرآن.
قال ﵀:
وقد ألفت في الآي كتب وإنني ... لما ألف الفضل بن شاذان مستقري
ولكنني لم أسر إلا مظاهرا ... بجمع ابن عمار وجمع أبي عمرو (٤)
وتقع أبيات هذه القصيدة في سبعة وتسعين ومائتي بيت، قال رحمه الله تعالى:
وأبياتها تسعون مع مائتين قل ... وزد سبعة تحكي اللجين مع الدر (٥)
стр. 15413
ومن تآليفه ﵀:
٤ - قصيدة دالية تقع في خمسمائة بيت، نظم فيها كتاب التمهيد لابن عبد البر (١).
٥ - وله نظم في ظاءات القرآن.
يقول فيه:
ربت حظ للظلم غيظ عظيم ... أظفر الظفر بالغليظ الظلوم
ويقع في أربعة أبيات (٢).
٦ - وله نظم في موانع الصرف يقول فيه:
دعوا صرف جمع ليس بالفرد أشكلا ... وفعلان فعلى ثم ذي الوصف أفعلا
وذي ألف التأنيث والعدل عدة ... وأعجم في التعريف خص مطولا
وذي العدل والتركيب بالخف والذي ... بوزن يخص الفعل أو غالب علا
وما ألف مع نون آخر زيدتا ... وذي هاء وقف والمؤنث أثقلا (٣)
والشاطبي شاعر تداعت له كل المعاني، فشكلها في قوالب كيف شاء، في غير ما تكلف، مع الوضوح والدقة، ولا أدل على ذلك من منظوماته في القراءات والرسم وعد الآي، وله ﵀ شعر في غير ما تقدم من العلوم؛ من ذلك قوله:
بكى الناس قبلي لا كمثل مصائبي ... بدمع مطيع كالسحاب الصوائب
وكنا جميعا ثم شتت شملنا ... تفرق أهواء عراض المواكب
وكانت بقايا من قلوب فأصبحت ... أيادي ما بين اختلاف الركائب
وقد كان حلم القوم طلب جهلهم ... فما ضاع الحلم حشو الحبائب (٤)
وتقع هذه الأبيات في ثمانية عشر بيتا، وهي في الحض على التمسك بالدين وبالقرآن، وبيان شرف أهله.
ومن شعره ﵀ قوله:
يلومونني إذا ما وجدت ملائما ... ومالي مليم حين سمت الأكارما
стр. 15414
وقالوا تعلم للعلوم نفاقها ... بسحر نفاق يستفز العزائما
ولا بد من مال به العلم يعتلى ... وجاه من الدنيا يكف المظالما
ودونك يا من لا يرى النصح ذلة ... ستوسع فيك الشامتين المراجما
وكم زفرة تحت الضلوع يهيجها ... حكيم يبيع العلم بالجور حاكما (١)
وتقع هذه الأبيات في ستة وثلاثين بيتا، وهي في الحض على طلب العلم، والالتجاء إلى الله .
وذكر التلمساني في نفح الطيب أن الأمير عز الدين موسك، الذي كان والد ابن الحاجب حاجبا له، بعث إلى الشاطبي يدعوه للحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إلى الأمير:
قل للأمير نصيحة ... لا تركنن إلى فقيه
إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه (٢)
ومن شعره ﵀:
خالطت أبناء الزمان فلم أجد ... من لم أرم منه ارتيادي مخلص
رد الشباب وقد مضى لسبيله ... أهيا وأمكن من صديق مخلص (٣)
وكان ﵀ يتمثل بهذه الأبيات الكثيرة، وهي لغز في وصف النعش:
أتعرف شيئا في السماء يطير ... إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكل أمير يعتليه أسير
يحض على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور (٤)
رحم الله الشاطبي، المقرئ الفقيه النحوي الأديب الشاعر، إنه كريم جواد.
стр. 15415
المبحث السابع:
ما زاده الشاطبي في كتابه
حرز الأماني على تيسير
أبي عمرو الداني
هذا البحث عقدته لبيان بعض ما زاده الحرز على أصله التيسير، ولا أدعي فيه الاستقراء التام، فقد يفوتني البعض، ولكنني أتيت بحمد الله على أكثر تلك الزيادات؛ فأقول وبالله التوفيق: الزيادات التي في الحرز جاءت على ثلاثة أقسام:
زيادة في الأبواب ٢ - زيادة في الأصول ٣ - زيادة في الفرش.
فمن الزيادات في الأبواب:
باب اتفاقهم في إدغام: إذ، وقد، وتاء التأنيث، وهل، وبل.
قال أبو شامة: " هذا الباب ليس في التيسير، وهو من عجيب التبويب في مثل هذا الباب، فإنه لم ينظم هذه القصيدة إلا لبيان مواضع خلاف القراء، لا لما أجمعوا عليه، فإن ما أجمعوا عليه أكثر مما اختلفوا فيه، فذكر ما أجمعوا عليه يطول، ولكن قد يعرض في بعض المواضع ما يختلفون فيه، وما يجمعون عليه، والكل من باب واحد، فينص على المجمع عليه مبالغة في البيان؛ ولأن من هذا الباب ما أجمعوا على إظهاره، في الأنواع كلها، نحو: إذ قالوا، قد نرى، وقالت لأخته، هل ينصرونكم، بل قالوا، بل هو شاعر.
وما أجمعوا على إدغامه، وما اختلفوا فيه، فلما ذكر المختلف فيه - بقي المجمع عليه، وهو ينقسم إلى مدغم ومظهر، فنظم المدغم لقلته، فبقي ما عداه مظهرا (١).
стр. 15416
الباب الثاني
باب مخارج الحروف
وصفاتها التي يحتاج القارئ إليها
قال أبو شامة: هذا الباب من زيادات هذه القصيدة على ما في التيسير، ولكن ذكره أبو عمرو الداني في آخر كتاب الإيجاز وعلى ما فيه نظم الشاطبي (١) قلت: لا أعلم غير هذين البابين زادهما الحرز على أصله التيسير.
стр. 15417
القسم الثاني: زيادة بعض الروايات في الأصول على ما في التيسير.
فمن ذلك: قوله تعالى في سورة طه آية: ٧٥: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ (١)
ذكر الشاطبي ﵀ أن لقالون وهشام وجهين: كسر الهاء مع القصر والإشباع، وفي ذلك يقول:
وفي الكل قصر الهاء بان لسانه بخلف وفي طه بوجهين يجتلى (٢).
قال القاضي ﵀:
هذا ما يؤخذ من النظم، ولكن المحققين على أن هشاما ليس له من طريق النظم وأصله إلا الإشباع في لفظ يأته فينبغي الاقتصار عليه (٣)، قوله تعالى في سورة الزمر آية: ٧٠ ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٤)
ذكر الشاطبي أن هشاما له وجهان: إسكان الهاء وضمها من غير صلة.
قال ﵀:
стр. 15418
وإسكان يرضه يمنه لبس طيب ... بخلفهما والقصر فاذكره نوفلا (١)
له الرحب. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . .
قال صاحب النشر:
وأما هشام فروى عنه الإسكان صاحب التيسير من قراءته على أبي الفتح، وظاهره أن يكون من طريق ابن عبدان، وتبعه في ذلك الشاطبي، وقد كشفته من جامع البيان فوجدته قد نص على أنه من قراءته على أبي الفتح عن عبد الباقي بن الحسن الخرساني عن أبي الحسن بن خليع عن مسلم بن عبيد الله بن محمد، عن أبيه، عن الحلواني، وليس عبيد الله بن محمد في طرق التيسير ولا الشاطبية، وقد قال الداني: إن عبيد الله بن محمد لا يدرى من هو.
ثم ذكر ﵀ بعض من روى الإسكان عن هشام، وعقب على ذلك بقوله: ولولا شهرته عن هشام وصحته في نفس الأمر لم نذكره (٢).
قال القاضي ﵀: ولهشام وجهان أيضا، الإسكان والضم من غير صلة، هذا يؤخذ له من الشاطبية، ولكن صاحب النشر ذكر أن الإسكان له ليس من طرق التيسير والشاطبية وإن كان صحيحا عنه، وعلى هذا ينبغي الاقتصار له على وجه الضم مع عدم الصلة، والله أعلم (٣).
لفظ: (أئمة) في مواضعه الخمسة من كتاب الله تعالى وهي:
١ - موضع التوبة آية: ١٢ ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (٤)
٢ - موضع الأنبياء آية: ٧٣. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٥)
٣ - وموضعين في القصص آية: ٥. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ (٦)
وآية: ٤١ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (٧)
٤ - وموضع السجدة. آية: ٢٤ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (٨)
стр. 15419
ذكر الشاطبي ﵀ جواز إبدال الهمزة الثانية من لفظ " أئمة " ياء محضة، وأشار إلى ذلك بقوله:
وأئمة بالخلف قد مد وحده ... وسهل سما وصفا وفي النحو أبدلا (١)
قال القاضي: قوله: وفي النحو أبدلا. بيان لمذهب بعض النحاة، وهو إبدال الهمزة الثانية ياء محضة، وهذا الوجه وإن ورد عن أهل سما أيضا لكنه ليس من طريق كتابنا؛ فلا يلتفت إليه ولا يقرأ به (٢).
لفظ (الناس) المجرور في جميع القرآن، فقد أطلق الشاطبي فيه الخلف بين الفتح والإمالة لأبي عمرو ولم يقصر الخلف على أحد رواته.
قال ﵀:
وخلفهم في الناس في الجر حصلا (٣)
قال القاضي ﵀:
ثم ذكر أن خلف الرواة في إمالة الألف من لفظ الناس المجرور في جميع القرآن ثابت عن أبي عمرو، وظاهر هذا أن الخلاف ثابت عن أبي عمرو من الروايتين؛ فيكون لكل من الدوري والسوسي الفتح والإمالة.
ولكن التحقيق أن الإمالة للدوري عنه، والفتح للسوسي، فلا يقرأ للدوري من طريق الناظم إلا بالإمالة، ولا يقرأ للسوسي من هذه الطريق إلا بالفتح (٤).
لفظ: يواري: في قوله تعالى في سورة المائدة آية: ٣١ ﴿يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ (٥)
فأواري: في قوله تعالى في سورة المائدة آية: ٣١ ﴿فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ (٦)
стр. 15420
ذكر الشاطبي ورود الخلاف في إمالة هذين اللفظين في العقود عن الدوري عن الكسائي.
قال ﵀:
يواري أواري في العقود بخلفه (١)
قال القاضي ﵀:
واختلف عنه أي الدوري عن الكسائي في إمالة ألف (يواري سوأة أخيه)، (فأواري سوأة أخي) كلاهما في العقود. فروى عنه فيهما الفتح والإمالة، ولكن الصحيح الذي هو طريق النظم وأصله هو الفتح، وأما الإمالة فليست من هذه الطريق فلا يقرأ بها. والتقيد بالعقود للاحتراز عن ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٢) بالأعراف، فلا خلاف عنه في فتحه (٣).
وذكر الشاطبي ﵀ أن الكلمة الممالة إذا كانت منونة جاز فيها وجهان الفتح والإمالة، وذلك في نحو: هدى، مسمى.
فقال ﵀:
وقد فخموا التنوين وقفا وزفقوا ... وتفخيمهم في النصب أجمع أشملا
مسمى ومولى رفعه مع جره ... ومنصوبه غزى وتترا تزيلا (٤)
قال ابن الجزري ﵀:
وقد ذهب بعض أهل الأداء إلى حكاية الفتح في المنون مطلقا من ذلك في الوقف عمن أمال، وقرأ بين بين، حكى ذلك أبو القاسم الشاطبي ﵀ حيث قال:
وقد فخموا التنوين وقفا وزفقوا
وتبعه على ذلك صاحبه أبو الحسن السخاوي فقال: وقد فتح قوم ذلك كله.
стр. 15421
قال ابن الجزري ﵀ قلت:
ولم أعلم أحدا من أئمة القراءة ذهب إلى هذا القول ولا قال به ولا أشار إليه في كلامه ولا أعلمه في كتاب من كتب القراءات، وإنما هو مذهب نحوي لا أدائي دعا إليه القياس لا الرواية (١).
قال القاضي ﵀:
والحق الذي لا محيص عنه ولا يصح الأخذ بغيره أن الألف الممالة التي يقع التنوين بعدها في كلمتها كالأمثلة الآنفة الذكر حكمها حكم الألف الممالة التي يقع بعدها ساكن في كلمة أخرى، تحذف وصلا وتثبت وقفا، وعند الوقف عليها يكون كل قارئ حسب مذهبه.
فإن كان مذهبه الفتح فتحها، وإن كان مذهبه التقليل قللها، وإن كان مذهبه الإمالة أمالها.
ولذلك قال الإمام الداني في التيسير: كل ما امتنعت الإمالة فيه في حال الوصل من أجل ساكن لقيه، تنوين أو غيره نحو: هدى، مصفى، مصلى، مفترى، والأقصى الذي، طغى الماء،. . فالإمالة فيه سائغة في الوقف لعدم ذلك الساكن (٢).
قوله تعالى في سورة الأعراف آية: ١٩٥: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ (٣)
ذكر الشاطبي ﵀ أن هشاما له إثبات الياء فيها وحذفها.
قال: وكيدون في الأعراف حج ليحملا بخلف (٤).
قال القاضي ﵀:
وأثبت أبو عمرو وهشام بخلف عنه الياء في (ثم كيدون) بالأعراف، فأبو عمرو يثبتها وصلا على قاعدته.
وأما هشام فله فيها الخلاف في الحالين عملا بهذا البيت وبقوله في صدر الباب: وتثبت في الحالين دار لوامعا بخلف.
стр. 15422
ولكن الذي صوبه أهل الأداء عامة أن هشاما ليس له في هذه الياء من طريق الحرز إلا الإثبات وصلا ووقفا (١).
قول تعالى في سورة غافر آية: ١٥ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ (٢)
وقوله تعالى في سورة غافر آية: ٣٢ ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (٣)
ذكر الشاطبي ﵀ أن قالون أثبت الياء في التلاق والتناد. بخلف عنه قال:
والتلاق والتناد ... درى باغيه والخلف جهلا (٤)
قال القاضي ﵀:
والذي عليه المحققون أن قالون ليس له من طريق النظم في هذين الموضعين إلا الحذف فيقتصر له عليه (٥).
قوله تعالى في سورة يوسف آية: ١٢: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (٦)
ذكر الشاطبي ﵀ أنه اختلف عن قنبل في الياء التي بعد العين من (يرتع) فروي عنه إثباتها وحذفها.
قال:
وفي نرتعي خلف زكا (٧)
قال القاضي ﵀:
اختلف عن قنبل في ياء نرتع بيوسف فروي عنه فيها الإثبات والحذف، وعلى وجه الإثبات يكون في الحالين على أصل مذهبه، وهذا من الناظم خروج عن طريقه وطريق أصله، فطريقه حذف الياء في الحالين لقنبل (٨)
стр. 15423
القسم الثالث
زيادة بعض الراويات
في الفرش على ما في التيسير
ومن ذلك:
قوله تعالى في سورة الأنعام آية: ٩٠ ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (١)
ذكر الشاطبي - رحمه الله تعالى -: أن ابن ذكوان قرأ بخلف عنه بمد الهاء من (اقتده) والوجه الثاني عنه تحريك الهاء من غير صلة في حال الوصل.
قال:
وسكن شفاء واقتده حذف هائه ... شفاء وبالتحريك بالكسر كفلا (٢)
ومد بخلف ماج. . . . . . ... . . . . . . . . . .
قال أبو شامة ﵀:
ماج: أي اضطراب، وهو صفة الخلف، وهو من زيادات هذه القصيدة، فلم يذكر صاحب التيسير فيه عن ابن ذكوان غير المد (٣).
قال القاضي ﵀:
وقرأ ابن ذكوان بخلف عنه بمد الهاء، أي إشباع حركتها متى يتولد منها ياء فتكون قراءة هشام بتحريك الهاء بالكسر من غير إشباع ولا صلة، وهو الوجه الثاني لابن ذكوان.
وفي قول الناظم: " ماج " إشارة إلى ضعف الخلاف واضطرابه عن ابن ذكوان إذ ليس له من طريق النظم إلا إشباع الهاء (٤).
стр. 15424
تنبيه:
القراء جميعا إذا وقفوا على هذه الهاء من (اقتده) يقفون عليها بالإسكان.
لفظ (رأى) الفعل الماضي (رأى)، من حيث الحرف الذي بعده قسمان:
القسم الأول: أن يكون الحرف الذي بعده متحركا نحو: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ (١)، ﴿رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢).
القسم الثاني: أن يكون الحرف الذي بعده ساكنا نحو: ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ (٣).
ذكر الشاطبي - رحمه الله تعالى -: أنه اختلف عن السوسي في إمالة الراء من القسم الأول.
قال:
وفي همزه حسن وفي الراء ... يجتلى بخلف. . . (٤)
قال القاضي ﵀:
وقوله وفي الراء يجتلى بخلف: معناه أنه اختلف عن السوسي في إمالة الراء فروي عنه فيها الفتح والإمالة.
ولكن المحققين على أن إمالة الراء للسوسي لم تصح من طريق النظم وأصله؛ فيجب الاقتصار له على إمالة الهمزة كالدوري عن أبي عمرو (٥).
وذكر الشاطبي أيضا أنه اختلف عن السوسي في إمالة الراء والهمز من القسم الثاني، واختلف عن شعبة في إمالة الهمزة منه.
قال:
وقبل السكون الرا أمل في صفايد ... بخلف وقل في الهمز خلف يقي صلا (٦)
стр. 15425
قال القاضي ﵀:
الذي عليه المحققون من أهل الأداء ولا يصح الأخذ بخلافه أن السوسي ليس له إمالة في هذا القسم لا في الراء ولا في الهمزة أن شعبة ليس له إمالة إلا في الراء كحمزة، ولا إمالة له في الهمز (١).
قوله تعالى في سورة الأعراف آية ٦٩ ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ (٢)
ذكر الشاطبي - رحمه الله تعالى - أن ابن ذكوان ورد عنه الخلاف في لفظ (بصطة) فروى عنه الصاد (بصطة) والسين (بسطة).
قال:
وفي الخلق بصطة ... وقل فيهما الوجهان قولا موصلا (٣)
قال القاضي:
إلا أن المحققين نبهوا على أن ابن ذكوان ليس له في موضع الأعراف إلا الصاد، وأما السين فليست من طريق الناظم فلا يقرأ له بها في هذا الموضع (٤).
قوله تعالى في سورة يوسف آية: ٢٣ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (٥)
ذكر الشاطبي ﵀ الخلف عن هشام في ضم التاء من (هيت).
قال:
وضم التا لوا خلفه دلا (٦)
قال القاضي ﵀ في كتابه البدور:
وقرأ هشام بكسر الهاء وهمزة ساكنة بعدها مع فتح التاء، وذكر الشاطبي الخلاف له في ضم التاء خروج عن طرقه فلا يقرأ له من طرق الحرز والتيسير إلا بفتح التاء (٧).
стр. 15426
قوله تعالى أول سورة مريم آية: ١ ﴿كَهَيعصَ﴾ (١)
ذكر الشاطبي ﵀ الخلف عن السوسي في إمالة (يا) من فاتحة مريم.
وقال:
وكم صحبة يا كاف والخلف ياسر (٢)
قال القاضي ﵀:
ما ذكره الناظم من إمالة السوسي (يا) أول مريم بخلف عنه في قوله: والخلف ياسر، فخروج عن طريقه فلا يقرأ له إلا بالفتح (٣).
وذكر الشاطبي أيضا أن نافعا من روايتي قالون وورش أمال الهاء والياء من فاتحة سورة مريم.
قال ﵀:
ونافع لدى مريم ها يا (٤)
قال القاضي ﵀:
وقوله: ونافع لدى مريم ها يا معناه أن نافعا من روايتي قالون وورش عنه يقلل الألف من هاء وياء أول مريم، هذا صريح كلامه، ولكن المحققين على أن تقليل قالون من ها - ويا - أول مريم ليس من طرق الناظم؛ فلا يقرأ له من طرقه إلا بالفتح (٥) قوله تعالى في سورة الأحقاف آية: ١٢: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٦)
ذكر الشاطبي ﵀ أن البزي عن ابن كثير ورد عنه الخلاف في " لينذر " فورد عنه بالياء وبالتاء.
قال:
لينذر دم غصنا والأحقاف هم بها ... بخلف هدى. . . . . (٧)
стр. 15427
قال القاضي ﵀:
وما ذكره الشاطبي من الخلاف للبزي فخروج عن طريقه؛ فلا يقرأ له إلا بتاء الخطاب كما ذكر (١).
قوله تعالى في سورة محمد ﷺ آية: ١٦: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ (٢)
ذكر الشاطبي ﵀ أن البزي ورد عنه بالخلف قصر الهمزة من (آنفا).
قال:
وفي آنفا خلف هدى (٣)
قال القاضي ﵀:
آنفا: اتفقوا على قراءته بمد الهمزة أي بألف بعدها من طرق الشاطبية والتيسير والتحبير.
وما ذكره الشاطبي من جواز القصر للبزي فخروج منه عن طريقه؛ فلا يقرأ له من طريق الشاطبية والتيسير إلا بالمد كالجماعة (٤).
هذا ما تيسر لي من ذكر بعض الزيادات التي زادها الحرز على أصله التيسير.
стр. 15428
المبحث الثامن
الشروح المصنفة
على حرز الأماني ووجه التهاني
تناول العلماء ﵏ كتاب حرز الأماني بالشرح ما بين موجز ومطنب، فعمت في المشارق والمغارب بركته، وتضوعت من نسيمات القبول نفحاته، فقد نظمه صاحبه لله ، وما كان لله كتب له البقاء.
وسأذكر في هذه العجالة بعض شروح هذا الحرز المعروف بالشاطبية مراعيا في ذلك الترتيب الزمني، فأقول وبالله التوفيق.
١ - شرح الشاطبية: لشمس الدين محمد بن محمود السمرقندي كان حيا سنة (٦٠٠).
٢ - المهند القاضبي شرح قصيدة الشاطبي: لأبي العباس أحمد بن علي الأندلسي توفي (٦٤٠).
٣ - فتح الوصيد في شرح القصيد: لعلم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي، المتوفى سنة (٦٤٣).
٤ - الدرة الفريدة في شرح القصيدة: منتجب الدين حسين بن أبي العز بن رشيد الهمداني، المتوفى سنة (٦٤٣).
٥ - كنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني: لشمس الدين محمد بن أحمد بن محمد الموصلي المعروف بشعلة، المتوفى سنة (٦٥٦).
٦ - الفريدة البارزية في حل القصيدة الشاطبية: لأبي عبد الله المغربي محمد بن الحسن بن محمد الفاسي، المتوفى بحلب سنة (٦٥٦).
٧ - المفيد في شرح القصيد: لعلم الدين قاسم بن أحمد اللورقي الأندلسي توفي سنة (٦٦١).
стр. 15429
٨ - إبراز المعاني من حرز الأماني: لأبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي، المتوفى سنة (٦٦٥).
٩ - اللآلي الفريدة في شرح القصيدة: لأبي عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن القاسم، المتوفى سنة (٦٧٢).
١٠ - وشرحها علاء الدين علي بن أحمد، المتوفى سنة (٧٠٦).
١١ - كشف المعاني في شرح حرز الأماني: ليوسف بن أبي بكر الخلاطي، المتوفى سنة (٧٢٥).
١٢ - وشرحها شهاب الدين أحمد بن محمد بن جبارة المقدسي، المتوفى سنة (٧٢٨).
١٣ - كنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني: لبرهان الدين أبي محمد إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الربعي الجعبري، المتوفى سنة (٧٣٢).
١٤ - الفريدة البارزية في حل القصيدة الشاطبية: لأبي القاسم هبة الله بن عبد الرحيم البارزي، المتوفى سنة.
(٧٣٨).
١٥ - وشرحها الإمام بدر الدين حسن بن قاسم المعروف بابن أم قاسم المرادي المصري، المتوفى سنة (٧٤٩).
١٦ - وشرحها أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، المتوفى سنة (٧٥٦).
١٧ - وشرحها شيخ مشايخ القراء بمصر أبي بكر بن أيدغدي بن عبد الله الشمسي الشهير بابن الجندي، المتوفى سنه (٧٦٩).
١٨ - وشرحها السيد عبد الله بن محمد الحسيني، المتوفى سنة (٧٧٦).
١٩ - وشرحها تقي الدين عبد الرحمن بن أحمد الواسطي المتوفى سنة (٧٨١).
٢٠ - سراج القارئ: للإمام علاء الدين علي بن عثمان بن محمد المعروف بابن القاصح، المتوفى سنة (٨٠١).
٢١ - وشرحها محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن البخاري البغدادي المتوفى سنة (٨٤٣).
стр. 15430
٢٢ - حل الشاطبية، شرح العيني على الشاطبية: لزين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العيني الحنفي، المتوفى سنة (٨٩٣).
٢٣ - وشرحها جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة (٩١١).
٢٤ - فتح الداني في شرح حرز الأماني: لأبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني المتوفى سنة (٩٢٣).
٢٥ - الغاية شرح الشاطبية: لجمال الدين حسين بن علي الحصني، ألفه سنة (٩٦٠).
٢٦ - غيث النفع في القراءات السبع: لعلي بن محمد بن سالم الصفاقي، المتوفى سنة (١١١٧).
٢٧ - شرح الشاطبية: لعمر بن عبد القادر الارمنازي الشافعي الحلبي، المتوفى سنة (١١٤٨).
٢٨ - إرشاد المريد إلى مقصود القصيد: لعلي محمد الضباع، المتوفى سنة (١٣٧٦).
٢٩ - الوافي شرح الشاطبية: لعبد الفتاح بن عبد الغني القاضي شيخنا، المتوفى سنة (١٤٠٣).
وللشاطبية مختصرات منها:
مختصر جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الشافعي شيخ النحاة في عصره نزيل دمشق، المتوفى سنة (٦٧٢).
وسماه حرز المعاني في اختصار حرز الأماني: وهو على رويها وقوافيها ورموزها، في ألف بيت.
أولها:
بذكر إلهي حامدا ومبسملا ... بدأت فأول بالقول يورد أولا
стр. 15431
ومنها قوله
تعوذ من الشيطان قاصدا ... لتلاوة والمذكور في النحل فضلا
ومنها ما نقله ابن الجزري في نشره: ٢/ ٢٣٣.
قي تاءات البزي حيث قال: وما أحسن قول إمام العربية، وشيخ الإقراء بالمدرسة العادلية أبي عبد الله محمد بن مالك الذي قدم الشام من البلاد الأندلسية، وصاحب الألفية في قصيدته الدالية التي نظمها في القراءات السبع العلية:
ووجهان في كنتم تمنون مع تفك ... هون وأخفى عنه بعض مجودا
ملاقي ساكن صحيح كهل ترب ... صون. . . ومن يكسر يحد عن الاقتداء
ويقول ابن مالك في آخر قصيدته هذه:
وزادت على حرز الأماني إفادة ... وقد نقصت في الجرم ثلثا مكملا
ونقول لابن مالك - رحمه الله تعالى وغفر له - كما قال القائل في حق الشاطبية وبيان منزلتها وأنها لا يدانيها نظم أيا كان ناظمه.
فلو لسان يشكر مثلها ... قالت قوافيها الكل لا
ومن مختصراتها: مختصر الشيخ عبد الصمد بن التبريزي، المتوفى سنة (٧٦٥) وهو خمسمائة وعشرون بيتا.
стр. 15432
المبحث التاسع
تلاميذه
تتلمذ على الإمام الشاطبي خلق كثير نذكر منهم ما وقفت عليه في المصادر:
١ - عبد الرحمن بن إسماعيل بن أبي القاسم الأزري التونسي يعرف بابن الحداد علامة أستاذ، ولد بعد الخمسين وخمسمائة، ورحل فقرأ على الشاطبي، وسمع من ابن بري النحوي، وتحول في آخر عمره إلى المغرب فسكن مراكش، وعمل شرحا للشاطبية (١)، مات بمراكش في حدود سنة خمس وعشرين وستمائة (٢).
٢ - عبد الرحمن بن سعيد أبو القاسم الشافعي (٣).
٣ - عبد الله بن محمد بن عبد الوارث معين الدين أبو الفضل ابن أبي المعالي المصري الأنصاري المعروف بابن الأزرق وبابن فار اللبن، وبقارئ مصحف الذهب، والأزرق لقب لجد أبيه روى الشاطبية عن ناظمها، وهو آخر من روى عن الشاطبي بقي إلى سنة أربع وستين وستمائة (٤).
٤ - عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمرو بن الحاجب الكردي الأصل، الدوني الأسنائي المولد، الإمام العلامة الفقيه المالكي الأصولي النحوي المقرئ، ولد سنة سبعين أو إحدى وسبعين وخمسمائة بإسنا من صعيد مصر، وكان أبوه جنديا للأمير عز الدين موسك الصلاحي، ودخل
стр. 15433
به أبوه القاهرة فقرأ بعض الروايات على الشاطبي، سمع منه التيسير والشاطبية، توفي سنة ست وأربعين وستمائة (١).
٥ - علي بن شجاع بن سالم بن علي بن موسى كمال الدين أبو الحسن بن أبي الفوارس الهاشمي العباسي الضرير المصري الشافعي صهر الشاطبي، شيخ القراء بالديار المصرية في زمانه.
ولد في شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، قرأ القراءات السبع سوى رواية أبي الحارث في تسع عشرة ختمة على الشاطبي.
ثم قرأ عليه بالجمع للسبعة، ورواتهم الأربعة عشر، حتى إذ انتهى إلى سورة الأحقاف توفي الشاطبي ﵀.
وسمع على الشاطبي التيسير، وقرأ عليه الشاطبية دروسا، توفي سنة إحدى وستين وستمائة (٢).
٦ - علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن عطاس علم الدين أبو الحسن الهمداني السخاوي المقرئ المفسر النحوي اللغوي الشافعي شيخ مشايخ الإقراء بدمشق، ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمسمائة بسخا من عمل مصر.
قرأ القراءات على ولي الله أبي القاسم الشاطبي، وبه انتفع صاحب المصنفات البديعية التي منها شرح الشاطبية، وشرح الرائية التي للشاطبي في كتاب سماه الوسيلة إلى شرح العقيلة، وله كتاب جمال القراء وإكمال الإقراء، وغير ذلك.
توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة (٣).
٧ - علي بن محمد بن موسى بن أحمد الجمال أبو الحسن بن أبي بكر التجيبي الشاطبي، إمام مقرئ كامل، عرض بالسبع على أبي القاسم الشاطبي
стр. 15434
إفرادا وجمعا، وسمع منه قصيدته، قدم دمشق وتصدر بها للإقراء.
توفي في رمضان سنة ست وعشرين وستمائة (١).
٨ - علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم أبو الحسن اللخمي المصري الشافعي الخطيب المعروف بابن الجميزي، ولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة بمصر، قرأ على الشاطبي جميع الشاطبية وعدة ختمات، ولكنه لم يكمل عليه القراءات.
توفي سنة تسع وأربعين وستمائة وقد جاوز التسعين (٢).
٩ - عيسى بن مكي بن حسين بن يقظان بن أبي الحسن بن فتيان السديد أبو القاسم بن أبي الحزم العامري المصري الشافعي إمام جامع الحاكم.
قرأ القراءات والشاطبية على الشاطبي، توفي سنة تسع وأربعين ستمائة (٣).
١٠ - وممن قرأ على الشاطبي أيضا: عيسى بن يوسف بن إسماعيل المقدسي (٤).
١١ - محمد بن عمر بن حسين زين الدين أبو عبد الله الكردي، مقرئ عالم متصدر للإقراء بجامع دمشق زمن السخاوي، قرأ القراءات والشاطبية على أبي القاسم الشاطبي، قرأ عليه الرشيد بن أبي الدر، توفي سنة ثمان وعشرين وستمائة (٥).
١٢ - محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله الأنصاري القرطبي المالكي إمام عالم فقيه مفسر نحوي زاهد ولد بعد الخمسين وخمسمائة، قرأ القراءات على أبي القاسم الشاطبي وقرأ عليه القصيدتين اللامية والرائية، ولم يسمع أحد من الشاطبي الرائية كاملة فيما نعلم سواه وسوى التجيبي
стр. 15435
وله فيها أبيات انفرد بروايتها عنه، وكذلك في الشاطبية بيتان أحدهما في البقرة والآخر في الرعد (١).
١٣ - محمد بن قاسم بن فيره الجمال أبو عبد الله بن أبي القاسم الشاطبي، روى حرز الأماني عن أبيه سماعا إلى سورة " ص "، والباقي إجازة، قال ابن الجزري:
هذا الذي رأيناه مثبتا عند الحفاظ وإن كان وقع في بعض الإجازات إطلاق روايته لها عن أبيه، والله أعلم.
روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد المنعم بن الصواف، ومحمد بن يعقوب الجرائدي، بقي إلى سنة خمس وخمسين وستمائة، وعاش نحو الثمانين سنة (٢).
١٤ - مرتضي بن العفيف جماعة بن عباد بن جابر أبو الذكر المالكي الضرير يعرف بابن الخشاب، كان متصدرا بالجامع العتيق بمصر أخذ القراءات والشاطبية عن الشاطبي، قرأ عليه محمد بن عبد المنعم الصواف (٣).
١٥ - يوسف بن أبي جعفر بن عبد الرزاق مكين الدين أبو الحجاج الأنصاري البغدادي ذكر أنه سمع الشاطبية من لفظ ناظمها، وأسمعها في سنة ثمان وثلاثين وستمائة ببغداد بقراءة سعد بن أحمد الجذامي النحوي فسمعها منه جابر بن محمد الوادي ياشي (٤).
стр. 15436
المبحث العاشر
في ذكر وفاته
لم يزل - رحمه الله تعالى - بالمدرسة الفاضلية يقرئ العلوم النفيسة ويرفد الطلبة بفرائد الفوائد، يمنحهم بالصلة والعائد، ويمدهم من فوائد علومه النافعة أشرف موائد، ويوردهم من منابعها أعذب موارد حتى حان موته، وآن حمامه، وانقضت من أجله أيامه، فكانت وفاته بعد صلاة العصر يوم الأحد ثمان وعشرين جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة عن اثنتين وخمسين، وقيل خمس وخمسين سنة، ودفن يوم الاثنين بالقاهرة بالقرافة بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني.
وقد رثاه كثير من العلماء منهم أبو إسحاق إبراهيم الجعبري في مقدمة شرحه على الشاطبية المسمى " كنز المعاني في شرح حرز الأماني " حيث قال:
سقت سحب الرضوان طلا ووابلا ... ثرى ضم شخص الشاطبي المسدد
إمام فريد بارع متورع ... صبور طهور ذي عفاف مؤيد
زكا علمه فاختاره الناس قدوة ... فكم عالم من دره متقلد
عليك سلام الله حيا وميتا ... وحييت بالإكرام يا خير مرشد (١)
رحم الله الشاطبي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين. . آمين.
стр. 15437
الطريق الوسط
في بيان عدد يوم الجمعة المشترط
تأليف
الشيخ / سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
تحقيق
الشيخ / الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان
مدخل
هذه الرسالة لون من ألوان التأليف الذي اهتم به أئمة الدعوة السلفية في نجد، من عهد رائدها العلامة الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - إلى وقتنا الحاضر.
فلم تكن جهودهم مقتصرة على جانب من العقيدة فحسب، بل تناولت اهتماماتهم بما يتعلق بالجانب الفقهي أيضا، وإن كان حظ العقيدة من التأليف أوفر وأعظم؛ لضرورته التي تفوق كل ضرورة. إذ بدون العقيدة الخالصة من أكدار البدعة وشوائب الخرافة لا يمكن أن يتحقق للإنسان عمل صالح، مهما بلغ في نظره ما يتوخى من صحة وإتقان، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣).
стр. 15438
ويأتي الفقه الأصغر محققا للمسلم ما يتعلق بالشرط الثاني من شروط صحة العبادة، وهو تجريد المتابعة والتأسي بالمصطفى ﷺ ، والحذر الشديد من الانزلاق في حمئة البدعة، ورذائل الخرص والتخليط والافتيات على الله تعالى في أحكامه المنزلة وشريعته التامة، قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤)»، وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥)»، وقال: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (٦)» وحيث يتحقق هذان الشرطان الحيويان اللذان هما الإخلاص والمتابعة فإن العمل لا بد أن يكون صالحا، جديرا بالاحترام وحريا بالقبول. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٧)، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٨).
стр. 15439
موضوع الرسالة:
مسألة العدد المشترط لصحة إقامة صلاة الجمعة كانت مثار خلاف منذ أمد بعيد، واستمر كذلك خلال أطوار الفقه المتعاقبة. مقتنعا كل فقيه بما ذهب إليه، وأدى إليه اجتهاده.
وقد حاول الشيخ سليمان ﵀ بما أوتي من فقه وسعة معرفة وإلمام كبير بعلم الحديث، أن يصل إلى القول الصحيح فيما يرى. فاستهل رسالته بمقدمة بين فيها حكم صلاة الجمعة بالدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ومن لا يلزمه حضورها.
ثم قام بتحرير محل النزاع، وأشار إلى اتفاق العلماء على اشتراط الجماعة، وساق الأقوال ثم أتبعها بالأدلة والنقول التي أوردها أهل العلم على كل رأي، وخلص إلى عدم اشتراط أكثر من اثنين لأدائها.
ويلاحظ أن المؤلف حرص على بيان بطلان القول باشتراط حضور أربعين من أهل وجوبها، وهو القول المشهور في مذهب أحمد، وذلك لأنه كان ولا يزال هو الاتجاه السائد في نجد.
стр. 15440
أهمية الرسالة:
يرتبط البحث في العدد المشترط في إقامة الجمعة بفريضة دينية، وملتقى أسبوعي هام، ومن أجل ذلك أفرده العلماء بالتأليف، فكتب الحافظ السيوطي رسالته " ضوء الشمعة في عدد الجمعة ".
ثم جاءت هذه الرسالة القيمة لتزيد الموضوع بيانا وإيضاحا، مع التركيز على مذهب الحنابلة بوجه خاص، وإبراز الروايات المنقولة عن الإمام أحمد، وما اختاره فقهاء المذهب منها، والعناية بوجوه الاستدلال، وإعطاء كل قول ما يستحق بأسلوب علمي جاد، وعبارة مشرقة وإيفاء تام للجوانب التي تحتاج إلى ما يزيل اللبس ويكشف الغموض دون تعصب أو تحيز.
ويبدو فيها ما كان يتمتع به المؤلف من فهم عميق، وقدرة فائقة على