← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 15436–15475 · переход к 15441.

стр. 15436

المبحث العاشر في ذكر وفاته لم يزل - رحمه الله تعالى - بالمدرسة الفاضلية يقرئ العلوم النفيسة ويرفد الطلبة بفرائد الفوائد، يمنحهم بالصلة والعائد، ويمدهم من فوائد علومه النافعة أشرف موائد، ويوردهم من منابعها أعذب موارد حتى حان موته، وآن حمامه، وانقضت من أجله أيامه، فكانت وفاته بعد صلاة العصر يوم الأحد ثمان وعشرين جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة عن اثنتين وخمسين، وقيل خمس وخمسين سنة، ودفن يوم الاثنين بالقاهرة بالقرافة بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني. وقد رثاه كثير من العلماء منهم أبو إسحاق إبراهيم الجعبري في مقدمة شرحه على الشاطبية المسمى " كنز المعاني في شرح حرز الأماني " حيث قال: سقت سحب الرضوان طلا ووابلا ... ثرى ضم شخص الشاطبي المسدد إمام فريد بارع متورع ... صبور طهور ذي عفاف مؤيد زكا علمه فاختاره الناس قدوة ... فكم عالم من دره متقلد عليك سلام الله حيا وميتا ... وحييت بالإكرام يا خير مرشد (١) رحم الله الشاطبي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين. . آمين.

стр. 15437

الطريق الوسط في بيان عدد يوم الجمعة المشترط تأليف الشيخ / سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تحقيق الشيخ / الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان مدخل هذه الرسالة لون من ألوان التأليف الذي اهتم به أئمة الدعوة السلفية في نجد، من عهد رائدها العلامة الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - إلى وقتنا الحاضر. فلم تكن جهودهم مقتصرة على جانب من العقيدة فحسب، بل تناولت اهتماماتهم بما يتعلق بالجانب الفقهي أيضا، وإن كان حظ العقيدة من التأليف أوفر وأعظم؛ لضرورته التي تفوق كل ضرورة. إذ بدون العقيدة الخالصة من أكدار البدعة وشوائب الخرافة لا يمكن أن يتحقق للإنسان عمل صالح، مهما بلغ في نظره ما يتوخى من صحة وإتقان، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣).

стр. 15438

ويأتي الفقه الأصغر محققا للمسلم ما يتعلق بالشرط الثاني من شروط صحة العبادة، وهو تجريد المتابعة والتأسي بالمصطفى ﷺ ، والحذر الشديد من الانزلاق في حمئة البدعة، ورذائل الخرص والتخليط والافتيات على الله تعالى في أحكامه المنزلة وشريعته التامة، قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤)»، وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥)»، وقال: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (٦)» وحيث يتحقق هذان الشرطان الحيويان اللذان هما الإخلاص والمتابعة فإن العمل لا بد أن يكون صالحا، جديرا بالاحترام وحريا بالقبول. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٧)، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٨).

стр. 15439

موضوع الرسالة: مسألة العدد المشترط لصحة إقامة صلاة الجمعة كانت مثار خلاف منذ أمد بعيد، واستمر كذلك خلال أطوار الفقه المتعاقبة. مقتنعا كل فقيه بما ذهب إليه، وأدى إليه اجتهاده. وقد حاول الشيخ سليمان ﵀ بما أوتي من فقه وسعة معرفة وإلمام كبير بعلم الحديث، أن يصل إلى القول الصحيح فيما يرى. فاستهل رسالته بمقدمة بين فيها حكم صلاة الجمعة بالدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ومن لا يلزمه حضورها. ثم قام بتحرير محل النزاع، وأشار إلى اتفاق العلماء على اشتراط الجماعة، وساق الأقوال ثم أتبعها بالأدلة والنقول التي أوردها أهل العلم على كل رأي، وخلص إلى عدم اشتراط أكثر من اثنين لأدائها. ويلاحظ أن المؤلف حرص على بيان بطلان القول باشتراط حضور أربعين من أهل وجوبها، وهو القول المشهور في مذهب أحمد، وذلك لأنه كان ولا يزال هو الاتجاه السائد في نجد.

стр. 15440

أهمية الرسالة: يرتبط البحث في العدد المشترط في إقامة الجمعة بفريضة دينية، وملتقى أسبوعي هام، ومن أجل ذلك أفرده العلماء بالتأليف، فكتب الحافظ السيوطي رسالته " ضوء الشمعة في عدد الجمعة ". ثم جاءت هذه الرسالة القيمة لتزيد الموضوع بيانا وإيضاحا، مع التركيز على مذهب الحنابلة بوجه خاص، وإبراز الروايات المنقولة عن الإمام أحمد، وما اختاره فقهاء المذهب منها، والعناية بوجوه الاستدلال، وإعطاء كل قول ما يستحق بأسلوب علمي جاد، وعبارة مشرقة وإيفاء تام للجوانب التي تحتاج إلى ما يزيل اللبس ويكشف الغموض دون تعصب أو تحيز. ويبدو فيها ما كان يتمتع به المؤلف من فهم عميق، وقدرة فائقة على

стр. 15441

الانتقاء ومعرفة الصحيح من السقيم، وتمييز الأحاديث وبيان عللها، وسعة أفق، وطول نفس في البحث والتقصي.

стр. 15442

المؤلف: هو الحافظ المفسر الفقيه: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الوهبي التميمي. ولد في بلدة الدرعية الواقعة إلى الشمال من مدينة الرياض سنة ١٢٠٥هـ، وعاش حياته في ظل بيت موصول بالعلم والإيمان والتقوى، فتشرب بأخلاقه، وعب من فيض ينبوعه، وانطلق منذ حداثة سنه إلى مجالس العلم وحلقات العلماء. فقرأ على والده العلامة عبد الله بن محمد (ت ١٢٤٣هـ)، وعلى الشيخ الجليل حمد بن ناصر بن معمر (ت ١٢٢٥هـ) وغيرهما من كبار العلماء، حتى أدرك علما جما. فاختاره سعود بن عبد العزيز (ت ١٢٢٩هـ) للتدريس في مسجده بعد صلاة المغرب، ثم عينه قاضيا في مكة، وبعد ولاية عبد الله بن سعود (ت ١٢٣٤هـ) عين قاضيا مع والده في الدرعية. واستمر في القضاء والتدريس، والوعظ والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوة وشجاعة لا مثيل لها، مع التواضع والانقطاع عن الدنيا والزهد فيما يتنافس عليه الطغام والجهال ورعاع الناس من حطام المناصب وفتات الموائد الباذخة. وقام بتأليف الكتب والرسائل التي تدل على سعة علمه وطول باعه، وموهبته النادرة. فحقق كثيرا من الانتصارات للدعوة السلفية، ودعم مسيرتها الخيرة دون خوف أو وجل، بالرغم من أنه لم يمتع بعمره طويلا. إلى أن هاجم جيش الظلم والطغيان بقيادة المجرم الآثم: إبراهيم (باشا) أسوار الدرعية الآمنة، وغدر بأهلها، فأكرم الله الشيخ، واختاره إلى جواره سنة ١٢٣٣هـ (١).

стр. 15443

وصف النسخ: اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسختين، وهما كما يلي:

стр. 15444

الأولى: خطية، وتقع في عشر ورقات، ومسطرتها ٢١ سطرا، سجل على صفحة العنوان ما نصه: هذا الطريق الوسط في بيان عدد الجمعة المشترط للشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام، صاحب الدعوة النجدية والطريقة المحمدية الشيخ محمد بن عبد الوهاب. قدس الله أرواحهم، ونور ضرائحهم، ونفعنا بعلومهم، وجمعنا وإياهم في دار كرامته آمين. وذكر في آخرها أنها كتبت في آخر شهر محرم سنة ١٣٤٥، بقلم عبد الله الربيعي. وهي نسخة جيدة واضحة، ولذلك جعلتها أصلا. الثانية: مطبوعة ضمن كتاب الدرر في الأجوبة النجدية، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٣هـ) في المجلد الثالث الصفحات ٢١٣ - ٢٢٧. ولم يذكر شيء عن الأصل الذي اعتمد عليه، كما وقع فيها كثيرا من السقط والتحريف، ورمزت لها بحرف (ط). العنوان: جاء على صفحة الغلاف: الطريق الوسط في بيان عدد الجمعة المشترط، كما نص على ذلك المؤلف في مستهل جوابه. غير أنه أطلق عليها بعضهم: بيان تعدد الجمعة، وسماها آخرون: بيان عدد الجمعة. وعلى كل حال فقد نص المؤلف على ذلك في أول رسالته، ولم يعد هناك مجال للاجتهاد. التوثيق: نص على نسبتها إلى المؤلف جميع من ترجم له، ولم أجد أحدا ينسبها إلى غيره، إلى جانب إثبات ذلك في كل من المخطوطة والمطبوعة.

стр. 15445

منهج التحقيق: اتبعت طريقة النص المختار، مع الحرص على بقاء الأصل ما أمكن وعزوت الآيات وخرجت الأحاديث والآثار، ووثقت النصوص، وترجمت لغير

стр. 15446

المشاهير، وشرحت الألفاظ الغامضة، كما أشرت إلى الفروق بين النسختين، إلى غير ذلك. أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يبارك في جهود المخلصين وأعمال المصلحين، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. كتبه الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان كلية الشريعة بالرياض

стр. 15447

النص المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فقد (١) سألت رحمنا الله وإياك (٢): هل ثبت في نصاب الجمعة نص (٣) فتقف الصحة عليه (٤). أم لم يصح في ذلك شيء (٥) فتكون في جمع غير موقوف على عدد، حيث لا دليل على تعيين على عدد؟ فكتبت ذلك ما يسره الله، وسميته: الطريق الوسط في بيان عدد الجمعة المشترط. فأقول - وبالله التوفيق، وإياه أسأل الهداية إلى أقوم طريق: أعلم (٦) أولا (٧)، أن الجمعة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٨) الآية (٩). ووجه الدلالة من الآية: أنه تعالى أمر بالسعي، ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، قاله الشيخ موفق الدين بن قدامة (١٠)، (١١).

стр. 15448

وأما السنة: فالأحاديث طافحة بذلك. منها: ما روى مسلم في صحيحه، عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم (١)». وعن أبي هريرة، وابن عمر، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين (٢)» رواه مسلم وابن ماجه. وعن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - عن النبي ﷺ : «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه (٣)» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، / وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم [١ / أ]، وقال: صحيح على شرط مسلم. وفي رواية لابن خزيمة، وابن حبان «من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر فهو منافق (٤)» إلى غير ذلك من الأحاديث. وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة في الجملة. فثبت بعموم الآية والأحاديث والإجماع: وجوب الجمعة على كل أحد، فمن أراد إخراج أحد - عن وجوبها عليه - من هذه العمومات فعليه إقامة

стр. 15449

الدليل، وإلا فلا سمع ولا طاعة. فمما خرج من العموم: المرأة، حكى ابن المنذر (١) الإجماع أنها لا تجب عليها (٢). والعبد، والصبي، والمريض، ومن في معناه، ممن له عذر عن حضور الجمعة. والأصل في ذلك: ما رواه أبو داود، حيث قال: حدثنا عباس بن عبد العظيم (٣)، حدثني إسحاق بن منصور (٤)، حدثنا هريم (٥)، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم (٦)، عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض (٧)»، وأخرجه الدارقطني، عن علي بن محمد بن عقبة الشيباني، عن إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس، عن إسحاق بن منصور (٨). وأعله ابن حزم بهريم، وقال: إنه مجهول (٩)، وما أبعده ودعواه عن الصواب فكيف يكون مجهولا من روى عن الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد (١٠)، وسعيد بن أبي عروبة وطائفة.

стр. 15450

وروى عنه (١): إسحاق بن منصور، والسلولي (٢) وأحمد بن يونس (٣)، والأسود بن عامر (٤)، وأبو نعيم (٥)، وغيرهم من الثقات. ووثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وابن حبان (٦)، وغيرهم (٧). وقال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق ثبت. وأخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما، وبقية أهل السنن (٨). فكيف يكون مجهولا ولكن هذه عادة ابن حزم، إذا لم يعرف الرجل زعم أنه مجهول، وقد يكون معروفا مشهورا ثقة عند غيره، وله من ذلك أشياء / كثيرة. [١ / ب] وأخرجه الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن عبيد بن محمد، عن عباس بن عبد العظيم، بإسناد أبي داود، عن طارق، عن أبي موسى الأشعري. وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. قال: وطارق بن شهاب ممن يعد في الصحابة (٩). قال أبو داود: وطارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا (١٠). قال الحافظ بن حجر: رأى النبي ﷺ وهو رجل، وقال أيضا: إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح. وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح (١١). قلت: لم يثبت - فيما علمناه - أنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئا، بل إذا ثبت أنه رآه وهو رجل فالظاهر أنه قد سمع منه؛ إذ يبعد ألا يسمع منه ولو

стр. 15451

كلمة مع رؤيته له. وقد أخرج له النسائي (١) عدة أحاديث، وذلك مصير (٢) منه إلى إثبات صحبته. ومما خرج من العمومات أيضا المسافر، في قول أكثر أهل العلم؛ لما روى البيهقي بإسناده عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: «الجمعة واجبة إلا على صبي أو مملوك أو مسافر (٣)» وأخرج الدارقطني من طريق ابن لهيعة - وهو ضعيف - عن معاذ بن محمد الأنصاري، وهو مجهول (٤)، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا على مريض أو امرأة أو مسافر أو صبي أو مملوك (٥)» الحديث. وأخرج البيهقي عن ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجمعة واجبة إلا على ما ملكت أيمانكم وذي علة (٦)»، وفي إسناده نظر. وأخرج الدارقطني، من طريق عبد الله بن نافع (٧) عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا: «لا جمعة على مسافر (٨)»، وعبد الله ضعيف. وقد رواه

стр. 15452

عبيد الله بن عمر (١)، عن نافع، فوقفه، وهو الصحيح (٢). ولأن النبي ﷺ كان يسافر ولا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع - يوم عرفة - يوم جمعة، فصلى الظهر والعصر، جمع بينهما ولم يصل الجمعة. والخلفاء الراشدون كانوا يسافرون في الحج وغيره؛ فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك / غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم. [٢ / أ] وهذا إجماع لا يجوز مخالفته (٣). واتفق المسلمون على اشتراط الجماعة لها، إلا شيئا يحكى عمن لا يعرف: أنها تجب على الواحد. حكاه في الفتح عن ابن حزم، أنه حكاه قولا لبعضهم (٤). قلت: وقد طالعت المحلى فلم أر هذا القول فيه. لكن قد روى ابن أبي شيبة، عن سفيان الثوري - في صورة ما إذا دخل في صلاة الجمعة ثم أحدث، ثم ذهب وتوضأ، ثم جاء فوجدهم قد صلوا - أنه يبني على ما مضى، ما لم يتكلم (٥). وهذا لا يدل على أنه يرى الجمعة على الواحد، وإنما أثبت له حكمها؛ لدخوله معهم أولا فيها، بدليل أنه لو تكلم لم يجب عليه جمعة. والدليل على ذلك الكتاب والسنة.

стр. 15453

أما الكتاب، فلقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) بصيغة الجمع. فيدل على أنها لا تجب إلا على جماعة. كذا قيل!!. وأما السنة: فطافحة بأنها لا تجب إلا على جماعة من طريقين: طريق الاستقراء، وطريق المفهوم. أما الاستقراء: فأظهر من أن يذكر؛ لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ ولا أحدا من أصحابه ولا غيرهم (٢) صلاها وحده، ولا أمر بها أحد. وأما طريق المفهوم: ففي أحاديث، منها: حديث طارق الذي تقدم، «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة (٣)» الحديث. فمفهوم التقييد بالجماعة يقتضي أنها لا تجب إلا على جماعة.

стр. 15454

ثم اختلف العلماء - بعد ذلك - في العدد المشترط لها، على أقوال: القول الأول: أنها لا تنعقد إلا بحضور أربعين رجلا من أهل القرية. ذكره في الشرح: عن عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله (١) بن عبد الله بن عتبة (٢)، ومالك، والشافعي، وهو مذهب أحمد المشهور عنه (٣). القول الثاني: أنها لا تنعقد إلا بخمسين رجلا. ذكره ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز (٤)، وهو رواية عن أحمد (٥) لما روى الدارقطني: حدثنا

стр. 15455

محمد بن الحسن النقاش، حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي (١) والحسين بن إدريس، حدثنا / خالد بن الهياج، حدثني أبي، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن النبي ﷺ قال: «على الخمسين جمعة، ليس فيما دون ذلك»، قال الدارقطني: جعفر بن الزبير متروك (٢). [٢ / ب] قلت: وشيخ الدارقطني أيضا متروك، وخالد بن الهياج متروك. وذكر الشيخ شمس الدين بن أبي عمر في شرح المقنع: أن الحافظ أبا بكر النجاد أخرجه عن عبد الملك الرقاشي، عن رجاء بن سلمة، عن عباد بن عباد، عن جعفر بن الزبير، بنحوه (٣). وأخرجه الدارقطني أيضا، من طريق آخر عن جعفر بن الزبير به دون قوله: «ليس فيما دون ذلك (٤)». وبالجملة: فمداره على جعفر بن الزبير، وهو ساقط. وذكر ابن أبي عمر أيضا في الشرح عن الزهري، «عن أبي سلمة، قال: قلت لأبي هريرة: على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ خمسين جمع بهم رسول الله ﷺ ». رواه النجاد (٥). هكذا ذكره ابن أبي عمر، ولم يذكر من دون الزهري؛ لينظر في إسناده، وهو باطل من غير جهة الإسناد؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ قد بلغوا أكثر من الخمسين وهم بمكة، ولم ينقل أن النبي ﷺ جمع بهم. وهذا يدل على أنه غير صحيح. القول الثالث: أنهم إذا كانوا ثلاثة والإمام رابعهم صلوا الجمعة،

стр. 15456

وهو رواية عن أحمد، به قال أبو حنيفة، والليث بن سعد، وزفر، ومحمد بن الحسن (١)، (٢). واحتجوا في ذلك: بما رواه الدارقطني من طريق الوليد بن محمد الموقري، حدثنا الزهري، حدثتني أم عبد الله الدوسية، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام، وإن لم يكونوا إلا أربعة». قال الدارقطني: الوليد بن محمد متروك، ولا يصح هذا عن الزهري، كل ما رواه (٣) عنه متروك (٤). وأخرجه أيضا من طريقين آخرين، عن الزهري قال ابن حزم - بعد أن بين أنه لا يصح الاحتجاج به من جهة إسناده -: وأيضا فإن أبا حنيفة أول من يخالف / هذا الخبر؛ لأنه لا يرى الجمعة في القرى، لكن في الأمصار فقط. [٣ / أ]. وكل هذه آثار لا تصح، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة؛ لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور. وقد روي حديث ساقط عن روح بن غطيف - وهو مجهول -: لما بلغوا مائتين جمع بهم النبي ﷺ . فإن أخذوا بالأكثر فهذا الخبر هو الأكثر، وإن أخذوا بالأقل فسنذكر إن شاء الله حديثا فيه أقل. انتهى (٥).

стр. 15457

القول الرابع: أنها تنعقد بثلاثة، اثنان يستمعان وواحد يخطب، وهو قول الأوزاعي. قاله في الشرح (١). قلت: وهو رواية عن أحمد، اختاره الشيخ تقي الدين بن تيمية - رحمه الله تعالى - (٢)، وهذا القول أقوى من كل ما قبله، واحتجوا بقوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) قالوا: وهذا صيغة جمع، وأقل الجمع ثلاثة. وبقوله ﷺ «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم (٤)». فأمر (٥) ﷺ بالإمامة، وهو عام في إمامة الصلوات (٦) كلها: الجمعة والجماعة. ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، وهؤلاء جماعة تجب عليهم الجمعة (٧) ولا دليل على إسقاطها عنهم أصلا. القول الخامس: أنها تنعقد باثني عشر رجلا، وهو قول ربيعة ومالك المشهور عنهما (٨)؛ لما «روي أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بالمدينة، فأمره أن يصلي عند الزوال ركعتين وأن يخطب فيهما، فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثني عشر رجلا (٩)». وعن جابر بن عبد الله، قال: «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاما، فالتفتوا إليها حتى ما بقى مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية: (١١)»

стр. 15458

الآية (١) متفق عليه، واللفظ للبخاري. وفي لفظ عند أبي نعيم / في المستخرج: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الصلاة. وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، كما قاله الحافظ ابن حجر (٢). [٣ / ب] لكن الذي في صحيح مسلم، وغيره: ورسول الله ﷺ يخطب. وعلى كلتا الروايتين، وجه الدلالة منه ظاهر؛ لأن العدد المعتبر في الابتداء معتبر في الدوام في الخطبة والصلاة. فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر دل على أنه كاف. وقد ترجم البخاري ﵀ في الصحيح على هذا الحديث: باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومن بقي جائزة (٣). قلت: ولا يخفى على منصف أن هذا الاستدلال أقوى من الاستدلال، أنها لا تنعقد إلا بأربعين؛ بأن أسعد بن زرارة جمع بالصحابة وهم أربعون رجلا. لكن تعقب هذا الاستدلال: بأنه يحمل (٤) أنه ﵇ تمادى حتى عادوا، أو عاد من تجزي بهم، أو أنهم سمعوا أركان الخطبة، أو أنه أتمها ظهرا. قلت: ولا يخفى ضعف هذا التعقب؛ لأنه دعوى بلا برهان، إذ لم ينقل أنهم عادوا وهو في الخطبة، ولا أنه عاد من تجزي بهم، ولا أنهم سمعوا أركان الخطبة. والأصل عدم العدد.

стр. 15459

ومثل هذه الاحتمالات لا تدفع بها الأحاديث الصحيحة، ولو فتح هذا الباب لما بقي لأحد حجة إلا القليل. وسلم لكم أنهم عادوا لكن العدد المعتبر في الابتداء معتبر في الدوام عندكم، وقد عدم هنا في الدوام. وأما كونه أتمها ظهرا: فمن أبطل الباطل؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون الانفضاض وقع وهو في الخطبة، أو وقع وهو في الصلاة فأتمها ظهرا بعد أن نوى جمعة. وعلى كلا التقديرين: فهذا الاحتمال باطل. أما على الأول؛ فلأنه لو صلاها ظهرا لكان هذا من أشهر الأمور، ولنقل كما نقل حكمه فيما إذا اجتمع عيدان ونحو ذلك، فلما لم ينقل دل على أنه باطل لا أصل له. ولأنه لا يجوز - إذا قلتم باشتراط الأربعين - أن يعطل رسول الله ﷺ الجمعة بلا عذر، بل كان يأمرهم بردهم ويصلي بهم الجمعة، وهذا باطل قطعا. [٤ / أ] وأما على الثاني: فباطل أيضا؛ لأنه لو أتمها ظهرا بعد أن دخلها بنية الجمعة لكان هذا من أشهر الأمور التي لا يجوز على الأمة ترك نقلها وحفظها، فلما لم ينقل دل على أنه باطل لا أصل له. . فإن قيل: فقد روى الدارقطني، والبيهقي - في هذا الحديث - من طريق علي بن عاصم (١)، عن حصين بن عبد الرحمن (٢)، عن سالم بن أبي الجعد (٣)، عن جابر بن عبد الله، قال: «بينما رسول الله ﷺ خطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلوا بالبقيع، فالتفتوا إليها وانفضوا إليها،

стр. 15460

وتركوا رسول الله ﷺ ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم (١)». الحديث. قيل: قال الدارقطني: لم يقل في هذا الإسناد إلا أربعون رجلا غير علي بن عاصم، عن حصين. وخالفه أصحاب حصين، فقالوا: لم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا. وقال يعقوب بن شيبة: كان - رحمة الله علينا وعليه - من أهل الدين والصلاح والخير البارع، شديد التوقي، وللحديث آفات مفسدة (٢). وقال صالح بن محمد: ليس هو عندي ممن يكذب ولكن يهم، وهو سيء الحفظ، كثير الوهم، يغلط في أحاديث يرفعها ويقلبها، وسائر حديثه صحيح مستقيم. وقال زكريا الساجي: كان من أهل الصدق، ليس بالقوي في الحديث (٣) وكان علي بن المديني إذا سئل عن علي بن عاصم، يقول: هو معروف في الحديث، وروى أحاديث منكرة. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء ولا يحتج به، روى أحاديث منكرة. وقال أحمد بن زهير: قيل ليحيى بن معين: إن أحمد بن حنبل يقول: إن علي بن عاصم ليس بكذاب. قال: لا والله ما كان علي عنده ثقة قط، ولا حدث عنه بحرف قط، فكيف صار عنده / اليوم ثقة. [٤ / ب]. وقال محمود بن غيلان: أسقطه أحمد، وابن معين، وأبو خيثمة (٤). وقال الذهبي في مختصر السنن: علي بن عاصم واه. قلت: وبالجملة: فهو رجل صالح، ولكن كما قيل: وللحديث رجال يعرفون به وللدواوين كتاب وحساب (٥).

стр. 15461

فإن قيل: حديث جابر قد قيل: إنه كان لما كان رسول الله ﷺ يقدم الصلاة - يوم الجمعة - على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حيث قال: حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف، أنه سمع مقاتل بن حيان، قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي ﷺ يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل، فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة - يعني فانفضوا - ولم يبق معه إلا نفر يسير (١)». قيل: الجواب من وجوه: الأول: أنه لم يرد في الأحاديث الصحاح أن النبي ﷺ كان يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، إلا في هذا الحديث المعضل، فلا يثبت به شيء. الثاني: أن بكير بن معروف (٢) فيه مقال، فقال (٣) فيه ابن المبارك: أرم (٤) به، وقال أحمد بن حنبل - في رواية ابنه عبد الله -: ذاهب الحديث. وقال - في رواية البخاري -: لا أرى به بأسا. ونحوه قول أبي حاتم والنسائي (٥). وقال الذهبي في المغني: وهاه ابن المبارك. وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به (٦). الثالث: أن هذا معضل؛ لأن مقاتل بن حيان من أتباع التابعين، وبينه وبين العصر النبوي مفاوز.

стр. 15462

القول (١) السادس: أنه إذا كان واحد مع الإمام صليا الجمعة. وبه قال إبراهيم النخعي، والحسن بن صالح أصح بن حي (٢)، وداود، وأهل الظاهر (٣). وحجة أهل هذا القول: أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٤). فأمر الله المؤمنين عموما بالسعي إلى الجمعة بلفظ صالح للعموم، كما أمرهم بطاعته وطاعة رسوله، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٥). [٥ / أ] فالأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها (٦) عام، كما أن الأمر بطاعة الله ورسوله عام؛ إذ هما في اللفظ واحد. فلا يجوز أن يخرج (٧) عن هذا الأمر، وعن هذا الحكم أحد إلا من جاء بنص جلي، أو إجماع متيقن على خروجه عنه، وليس ذلك إلا للفذ (٨) وحده. قالوا: ولأنه قد ثبت بالإجماع أنه لا بد الجمعة من عدد، فكان اثنين، لحديث مالك بن الحويرث - الذي في الصحيح - أن النبي ﷺ قال: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما (٩)». فجعل النبي ﷺ للاثنين حكم الجماعة في الصلاة، في الصلاة، فكذلك الجمعة. قالوا: ولحديث طارق بن شهاب، أن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة (١٠)» الحديث.

стр. 15463

فأوجبها ﷺ في الجماعة مطلقا من غير قيد بعدد من الأعداد، والمطلق - في كلام الشارع - محمول على المقيد. فنظرنا إلى لفظ الجماعة في لسان الشارع فوجدنا اثنين فأكثر، لحديث مالك بن الحويرث الذي تقدم. ولقوله ﷺ : «اثنان فما فوقهما جماعة (١)» رواه ابن ماجه، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي وضعفه، عن أبي موسى. ورواه أحمد في مسنده، والطبراني، وابن عدي، عن أبي أمامة. ورواه ابن سعد، والبغوي، وأبو منصور الباوردي (٢)، عن الحكم بن عمير. ورواه الدارقطني من رواية عثمان بن عبد الرحمن المدني، عن أبيه، عن جده عمرو بن العاص (٣)، وعثمان بن عبد الرحمن هذا، قيل: لعله القاضي (٤)، تركوه. وبالجملة: فهو بالنظر إلى كثرة طرقه، وروايته (٥) تفيد الحديث قوة (٦) على أنه ليس الاعتماد عليه وحده، بل على حديث مالك بن الحويرث السابق. وهذا القول كما ترى في القوة.

стр. 15464

فإن قيل: لو كانت واجبة على الاثنين لفعل هذا في (١) وقت السلف. قيل: ما أبعد هذا الاعتراض، فإن العادة أن القرى لا تبنى لاثنين ولا لثلاثة ونحوهم. فكون هذا لم يفعل في وقت السلف لا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه إنما لم يفعل لتخلف سببه، وهو سكنى اثنين في قرية؛ لأن هذا لا يعهد. وإنما / نتكلم فيه على تقدير أن لو وجد هذا لكان هذا هو الحكم، لما [٥ / ب]. ذكرنا. ولضعف هذا الاعتراض لم يلتفت إليه أحمد في رواية عنه، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية في القول بوجوبها على ثلاثة، ولا كل من قال بوجوبها على ثلاثة، لعلمهم أن هذا اعتراض غير صحيح. فإن قيل: الأصل براءة الذمة، فلا نشغلها إلا بدليل على شغلها. قيل: صدقتم، كان الأصل براءة الذمة من صلاة الجماعة أصلا، فلما ورد الأمر بها كان الأصل الشغل فلا تنتقل (٢) منه إلا بدليل يدل على إسقاط شغلها، ولا دليل على ذلك أصلا إلا في الواحد. فإن قيل: هذا الدليل غير كاف في شغل الذمة. قيل: كون الوجوب هو الأصل كاف في شغلها، إذ لا ينتقل عنه إلا بدليل يدل على إسقاطها عمن دون الأربعين، ولا دليل على ذلك، فكيف إذا انضم إلى هذا الأصل ما ذكرنا من الأدلة. وكم - بدون هذا الدليل - تشغلون الذمم، وتؤذون الأمم، كما أشغلتموها بإيجاب الجمعة على من كان بينه وبين موضع الجمعة فرسخ إذا كان خارج المصر ولا دليل على ذلك. وكما أشغلتموها (٣) بقراءة آية من القرآن في خطبتي الجمعة بغير دليل،

стр. 15465

وكما أشغلتموها بأنه يحضر أربعون رجلا من أهل الجمعة الخطبة بغير دليل، وكما أشغلتموها بأنها لا تصح الخطبة قبل وقت الجمعة، وليس على ذلك دليل، وكما أشغلتموها بإيجاب الزكاة الباقلا والكراويا (١) والكمون والكسفر (٢) وبذر الكتان والقثاء والخيار وحب الرشاد والفجل والقرطم (٣) والترمس (٤) والسمسم وأسقطتموها عن بزر الباذنجان والقت والجزر والسدر والأشنان (٥) والخطمي (٦) والصعتر (٧) والآس ونحو ذلك. فتارة تشغلونها بغير دليل، وتارة تبرؤنها بغير دليل. وكما أشغلتموها فيما إذا كان عليه صوم من (٨) رمضان، فأخر قضاءه من غير عذر إلى رمضان آخر أن عليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم، بغير دليل صحيح مع مخالفته لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٩) ثم قلتم: / إن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين. فأسقطتم عنه القضاء بغير دليل، وأشغلتم ذمته بالإطعام بغير دليل صحيح، مع مخالفته ﷺ في الحديث الصحيح «من مات وعليه صوم صام عنه وليه (١٠)» إلى غير ذلك. [٦ / أ] وكما أشغلتموها بإيجاب الدم على من حلق ثلاث شعرات من رأسه أو نتفها من أنفه، أو قلم ثلاثة أظفار في الإحرام بغير دليل على ذلك. مما تشغلون به الذمم بغير دليل صحيح، مما لو تتبعناه لطال الكلام. القول السابع: أنها تنعقد بستة، وهو قول ربيعة في رواية عنه، ولا

стр. 15466

أدري ما وجهه، والمشهور عن ربيعة أنها تنعقد باثني عشر كما حكيناه عنه. القول الثامن: أنها تنعقد بسبعة، وهو قول عكرمة، ورواية عن أحمد ذكرها ابن حامد وأبو الحسين في رءوس المسائل. القول التاسع: أنها تنعقد بعشرين، رواه ابن حبيب عن مالك. القول العاشر: أنها تنعقد بثلاثين، حكاه ابن حزم عن بعضهم. القول الحادي عشر: أنها تنعقد بثمانين، حكاه الماوردي من (١) الشافعية. القول الثاني عشر: أنها تنعقد بثلاثة من أهل القرى، وبأربعين من أهل الأمصار، وهذا رواية عن أحمد ذكرها ابن عقيل. قال صاحب الحاوي من الحنابلة وهو الأصح عندي. وقيل فيها غير ذلك (٢). واحتج من قال: إنها لا تنعقد إلا بحضور أربعين من أهل وجوبها: بما رواه الدارقطني والبيهقي، من طريق إسحاق بن خالد بن يزيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن، حدثنا خصيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، قال: «مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فصاعدا جمعة وأضحى وفطرا (٣)».

стр. 15467

قالوا: فهذا صريح في أنها تجب على الأربعين، فمفهومه أنها لا تجب على من دونهم. قلنا: هذا حديث ساقط؛ لأنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن (١)، وهو ضعيف، قال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به (٢). ثم لو صح فليس فيه حجة علينا؛ لأنا نقول / بموجبه، وأيضا: فإن كان حجة في اشتراط الأربعين للجمعة فليكن حجة في الاشتراط للجماعة، ولا تقولون به. [٦ / ب] قالوا: قد قال أبو داود في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره - عن أبيه كعب بن مالك: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ، قال: أربعون (٣)، وأخرجه ابن ماجه، وابن حبان، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وقال: هذا حديث حسن الإسناد. وصحح إسناده ابن المنذر، وابن حزم وغيرهم (٤).

стр. 15468

قالوا: فوجه الدلالة منه، أن يقال: أجمعت الأمة على اشتراط العدد، ولا تصح الجمعة إلا بعدد يثبت فيه التوقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز أقل منه إلا بدليل صحيح صريح (١)، ولم يثبت - صلاته ﷺ لها - بأقل من أربعين (٢) قال البدر الزركشي: ووجهه بعضهم، بأن قال: هذه أول جمعة كانت في الإسلام، وكان فرضها نزل بمكة، وكان بالمدينة من المسلمين أربعون أو (٣) أكثر ممن هاجر إليها، وأكثر ممن أسلم بها، ثم لم يصلوا سنتين كذلك حتى كان العدد أربعين؛ فدل على أنها لا تجب على أقل منهم. والجواب من وجوه: الأول: ما قاله ابن المنذر، وابن حزم وهذا لفظه: " أنه لا حجة في هذا؛ لأن رسول الله ﷺ لم يقل: إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد (٤). نعم، والجمعة واجبة بأربعين وبأكثر من أربعين، وأقل من أربعين. الثاني: قوله: وقد ثبت جوازها بأربعين، فيقال: لم يثبت جوازها بأربعين من دليلكم هذا، كما ستعرف (٥) إن شاء الله تعالى. الثالث: / قوله: " ولا تصح الجمعة إلا بعدد يثبت فيه التوقيف، [٧ / أ]، دعوى مجردة، بل إذا ثبت اشتراط العدد لها ولم يبين الرسول ﷺ عددا لها محصورا دل على جوازها (٦) بأقل ما يكون من الإعداد إلا الواحد، للسنة والإجماع أنها لا تجب عليه.

стр. 15469

الرابع: قوله: ولم يثبت صلاته ﷺ لها بأقل من أربعين، إن أراد أنه لم يثبت صريحا أنه صلاها كاملة بدون الأربعين فهو كذلك. وإن أراد أنه لم يثبت أنه صلاها بدون الأربعين - سواء كان نصا أو ظاهرا أو بعضها أو كلها (١) - فهذا يرده ما تقدم في حديث جابر، أخرجه البخاري: «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا (٢)» الحديث. وفي لفظ أبي نعيم في المستخرج: بينما نحن مع النبي ﷺ في الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة (٣). ومن وجه آخر: أن الذين اشترطوا الأربعين، يقولون: إن العدد المشترط في الابتداء مشترط في الدوام، فإذا كان كذلك - وهم قد انفضوا عن النبي ﷺ في الصلاة - سواء صلاها بمن بقي - كما فهم البخاري - أو عادوا فأتم بهم الصلاة أو كان انفضاضهم وقع في الخطبة، أيما كان فإنه يلزم على أصلهم هذا جوازها بدون الأربعين وإلا انتقض أصلهم. والاحتمالات التي ذكروها في الجواب عن هذا الحديث كلها باطلة، وإنما هي رجم بالغيب. الخامس: قول هذا الموجه: أن هذه أول جمعة كانت في الإسلام. ظن وتخمين، فقد ورد أن مصعب بن عمير صلاها باثني عشر، كما سيأتي إن شاء الله في المعارضة. ولا منافاة بين قول كعب أن أسعد بن زرارة أول من جمع بهم (٤) - وبين

стр. 15470

قصة تجميع مصعب باثني عشر، فقد يحتمل أن يكون قول كعب أنه أول من جمع بهم، بمعنى: أنه لم يعلم أنه جمع بهم قبله، أو أنه أول من جمع بهم ظاهرا، أو أنه أول من أشار / بالجمعة وكان ذلك باجتهاد منه ﵁ [٧ / ب]، فوفق لإصابة الحق في اختيار هذا اليوم، وأما اشتراط هذا العدد فليس في الحديث. السادس: أن في كلام هذا الموجه ما يرد دعواه، وهو قوله: وكان بالمدينة أربعون أو أكثر ممن هاجر إليها. مع قوله: وكان فرضها نزل بمكة. ووجه الرد، أن يقال: إذا كان في المدينة أكثر من الأربعين من المسلمين - أنت تزعم أنها فرضت بمكة - فلم أقاموا سنتين لم يصلوها على زعمك مع وجود العدد المشترط لها. السابع: قوله: ثم لم يصلوا كذلك حتى كان العدد أربعين. فيقال: هذا الكلام يفهم أنهم قصدوا ألا يصلوها حتى يبلغ العدد أربعين. وهذا كذب على الصحابة، فمن قال: إنهم قصدوا ألا يصفوها حتى يبلغ (١) العدد أربعين. إنما كان فيه بعض دلالة لو ثبت أنهم قصدوا أن لا يصلوها حتى يبلغ العدد أربعين، فهذا يدل على أن هذا العدد وقع اتفاقا لا مشروطا، وهو واضح. الثامن: لو ثبت أن هذه الجمعة التي صلاها الصحابة ﵃ فرض عليهم، وأن الأربعين شرط - لما ذكرتموه من هذا الحديث - لوجب على أنه يشترط (٢) في الدوام ما يشزط ما بينها ساقط من (ط). في الابتداء - أن يكون هذا الحديث منسوخا بحديث جابر الذي في قصة الانفضاض؛ لأن هذا قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، وحديث جابر بعدما قدمها، سواء كان الانفضاض واقعا في الصلاة أو الخطبة، إذ لا بد عندكم أن يحضر العدد المشترط أركان الخطبة والصلاة، ولم يصح أنهم حضروا شيئا من ذلك. التاسع: أنه لو ثبت أنهم قصدوا ألا يصلوها حتى يبلغ العدد أربعين لم

стр. 15471

يكن في ذلك حجة أيضا على أصلكم - أنه يشترط في الدوام ما يشترط في الابتداء؛ لأن غاية حديث كعب أن يكون من فعل الصحابة، وحديث جابر من فعل رسول الله ﷺ ولا شك أن فعله أحق وأولى بالاتباع / من فعل [٨ / أ] غيره. وهو ينقض عليكم دعواكم أنه يعتبر في الدوام ما يعتبر في الابتداء؛ لأنه لو كان كما قلتم لبطلت جمعة رسول الله ﷺ ، وحاشا لله من ذلك. العاشر: المعارضة بما رواه أبو داود في مراسيله، عن الزهري: أن مصعب بن عمير حين بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة، جمع بهم وهم اثنا عشر رجلا (١). وقد وصله الطبراني في كتاب الأوائل، من طريق صالح بن أبي الأخضر (٢)، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن عقبة بن عمرو (٣) أبي مسعود الأنصاري، قال: أول من جمع بالمدينة - قبل أن يقدم النبي ﷺ مصعب بن عمير، وهم اثنا عشر. وصالح بن أبي الأخضر (٤) وإن ضعفه الأكثر، فقد قال الإمام أحمد: يستدل به [و] (٥) يعتبر به (٦). وقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث (٧). فقد علمت أنه ليس في حديثه ما يزك، بل يعتبر به. وإنما يزك حديثه إذا عارضه ما هو أصح منه، ولم يعارضه هنا معارض أصلا. وحديث كعب لا يعارضه؛ لأن كعب بن مالك حكى ما شاهده وحفظه في الجمعة التي حضرها (٨) وغيره حكى ما شاهده وحفظه في الجمعة التي حضرها فلا منافاة بينهما، وقد جمع بينهما البيهقي: بأن المراد بالانثي عشر

стр. 15472

النقباء الذين بعثه رسول الله ﷺ في صحبتهم، أو على أثرهم إلى المدينة ليقرئ المسلمين ويصلي بهم. ولا يحفى تكلف هذا الجمع على أن كلام البيهقي هذا قد يدل على ثبوت هذا الحديث عنده أو حسنه وصلاحيته (١) للحجة، إذ لو لم يكن كذلك لما احتاج إلى الجمع بينهما، بل كان يكتفي بتضعيفه (٢) عن الجمع بينهما وإن كان حديث كعب أصح إسنادا. الحادي عشر: ما قاله الإمام الحافظ السهيلي: أن تجميع الصحابة كان قبل فرضها، وتسميتهم إياها بهذا الاسم كان عن هداية من الله تعالى لهم قبل أن يؤمروا بها، ثم نزلت سورة الجمعة بعد أن هاجر النبي ﷺ فاستقر فرضها (٣). وهذا قول الأكثر من العلماء: أنه لم ينزل فرض الجمعة إلا بعد الهجرة إلى المدينة. / كما حكاه في الفتح عن الأكثر، وحكى عن الشيخ أبي حامد، يعني الإسفرائيني (٤) أنها فرضت بمكة. [٨ / ب] قال الحافظ: وهو غريب (٥). كذا قال تلميذه الكوراني في شرحه للبخاري، بعد أن حكى قول أبي حامد. وهو غير ظاهر. ثم ذكر السهيلي: عن الحافظ عبد بن حميد - شيخ مسلم، وأبي داود،

стр. 15473

وصاحب المسند والتفسير (١) -: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره - أو كما قال - فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى. فاجعلوا يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ ركعتين، وسموه (٢) الجمعة، حيث (٣) اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا من شاته ليلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ﴾ (٤). قلت: وقد أخرجه عبد الرزاق أيضا. وفي هذا دليل على أنهم كانوا عددا قليلا دون الأربعين، إذ لا يمكن في العادة أن يتغدى الأربعون ويتعشوا من شاة. ويدل أنهم صلوا هذه الجمعة باجتهاد، فأصابوا الحديث الذي في الصحيح «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي أمروا به، فاختلفوا فيه فهدانا الله له (٥)» الحديث. فمرسل ابن سيرين مع هذا الحديث يدل على أن أولئك الصحابة فعلوه بالاجتهاد، واختاروا يوم الجمعة. ولا يمنع ذلك كون النبي ﷺ علمه بالوحي

стр. 15474

وهو بمكة، ولم يتمكن من إقامتها؛ إن سلم أنها فرضت بمكة. فعلى هذا: فقد حصلت الهداية بجهتي التوفيق والبيان، على أحد ما قيل / في معنى قوله: فهدانا الله له (١). [٩ / أ] قالوا: قد روي عن أبي الدرداء ﵁ «إذا اجتمع أربعون رجلا فعليهم الجمعة (٢)». قلنا: هذا الحديث باطل لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث (٣). ولو صح لما كان فيه حجة أصلا، لأنا نقول بموجبه. قالوا: قال أبو أمامة ﵁: لا جمعة إلا بأربعين. قلنا: دعوا (٤) التشبث بالواهيات والأباطيل، فلا يعرف ذلك عن أبي أمامة أصلا، بل قد جاء عنه خلافه، كما تقدم من رواية الدارقطني. فإن كان هذا الحديث المنكر الذي لا يعرف أصلا حجة فلتكن الحجة بحديثه المنكر الساقط: على الخمسين جمعة ليس في ما دون ذلك. كما تقدم من رواية الدارقطني. قالوا: التقدير بالثلاثة والأربعة والاثنان تحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه؛ لأن التقدير بابه التوقيف. قال لهم كل من قال بذلك: اشتراطكم الأربعين العقلاء الحاضرين الذكور الأحرار هو التحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه، وهو إسقاطكم الجمعة عما دون الأربعين بعد أن أوجبها الله على عموم المؤمنين. فإن هذا هو التحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح.

стр. 15475

ثم اشتراطكم كون الأربعين من أهل وجوبها تحكم ثان لا دليل عليه أصلا، لا (١) من كتاب ولا سنة ولا إجماع؛ لأن غاية ما معكم في اشتراط الأربعين حديث كعب، وقد تبين أنه ليس فيه دليل على اشتراط الأربعين. ثم لو كان فيه دليل على الاشتراط لما كان فيه دليل على كونهم من أهل وجوبها، إذ ليس فيه إلا أنهم كانوا أربعين فقط، لا أنهم كانوا من أهل وجوبها ولا أنهم كانوا أحرارا كلهم، بل يحتمل أن يكون فيهم عبيد وصبيان. فهذا هو التحكم المحض في دين الله تعالى بغير دليل. وبما ذكرناه وقررناه يتبين للذكي المنصف / طريق الصواب، والله يقول [٩ / ب] الحق، وهو يهدي السبيل. هذا (٢) آخره. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
следующие страницы →