← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ذلك سارع رسول الله ﷺ لتغيير خط سيره ومال بمن معه ذات اليمين، ثم أمر بالنزول فجمع أصحابه. . فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال. «أما بعد: فإنه بلغني أن قريشا قد جمعت جموعها تريد أن تصدنا عن البيت فأشيروا علي بما ترون. .! أترون أن نعمد إلى الرأس - يريد أهل مكة - أو نعمد إلى الذين أعانوهم فنخالفهم إلى منازلهم فإن جلسوا جلسوا موتورين مهزومين وإن طلبونا طلبوا طلبا مدانيا ضعيفا فأخزاهم الله (١)». فقام أبو بكر وقال: نرى يا رسول الله أن نعمد إلى الرأس فإن الله - جل ثناؤه - ناصرك وإن الله معينك ومظهرك.

стр. 1577

احترام البيت أمر رسول الله ﷺ بالرحيل وتوجه إلى البيت وعندما اقترب من حدود الحرم بركت ناقته فقال الناس: خلأت. . - يعني حرنت وامتنعت - فقال رسول الله ﷺ . «ما خلأت وما الخلاء بعادتها ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. . لا تدعوني قريش إلى تعظيم المحارم فيسبقوني إليه. . .! هلموا ها هنا (١)». . . فتأخر عن حدود الحرم وأخذ ذات اليمين حتى نزل في الحديبية على مقربة من الحرم وصار إذا حضر وقت الصلاة يأتي هو وأصحابه راجلين فيدخلون الحرم ويصلون ثم يعودون إلى منازلهم. . .

стр. 1578

بدء المفاوضات عندما علمت قريش بما فعل محمد. . اختارت رجلا من عقلائها هو حليس بن علقمة فبعثته لمقابلة محمد ومعرفة ما لديه. . فلما أخبر باسمه رسول الله ﷺ قال: «هذا رجل من قوم يعظمون الهدي فابعثوا له الهدي حتى يراه (١)» فسيقت الإبل في وجهه عليها علامات قلائد تدل على أنها مهداة للبيت. . فوقف مكانه يستعرضها فلم يكلم أصحاب رسول الله كلمة واحدة بل عاد أدراجه إلى مكة فقالت له قريش: ما وراءك؟ قال: أتى القوم بالهدي والقلائد. . وأقبلوا قاصدين البيت معظمين لحرماته ليس معهم سلاح فلا أراهم يصدون عن قصدهم. فشتمه قريش وقالوا له: إنما أنت أعرابي لا علم لك بهذه الأمور ولقد أخطأنا ببعثك أنت إليهم. ثم اختاروا عروة بن مسعود الثقفي الذي اشتهر بينهم بالعدالة والرأي وقالوا له: انطلق إلى محمد ولا نؤتى من قبل رأيك. . . فسار إليه عروة وقابله وقال له: يا محمد. .! جمعت أوباش الناس ثم سرت بهم إلى عترتك وبيضتك التي تفلقت عنك لتبيد خضراءهم. . تعلم أنني جئتك من عند كعب بن لؤي وعامر ابن لؤي قد لبسوا جلود النمور عند العوذ المطافيل يقسمون لا تعرض لهم خطة إلا عرضوا لك أمر منها. فقال رسول الله ﷺ : «إنا لم نأت لقتال. ولكن أردنا أن نقضي عمرتنا وننحر هدينا فهل لك أن تأتي قومك فإنهم أهلي وإن الحرب قد أخافتهم، وإنه لا خير لهم أن تأكل الحرب منهم إلا ما قد أكلت فيجعلون بيني وبينهم مدة يزيد فيها نسلهم ويؤمن فيها شرهم ويخلوا بيني وبين البيت فنقضي عمرتنا وننحر هدينا ويخلوا بيني وبين الناس فإن أصابوني فذلك الذي يريدون. .! وإن أظهرني الله عليهم اختاروا لأنفسهم إما قاتلوا معدين وإما دخلوا في السلم وافرين. . فإني والله لأقاتلن على هذا الأمر الأحمر والأسود حتى يمضي أمر الله أو تنفرد سالفتي. . . - رقبتي - (٢)». . . فلما سمع عروة مقالته رجع إلى قريش فقال: (تعلمن أنكم أخوالي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولقد استنفرت لكم الناس في المجامع فلما لم ينصروكم أتيتكم بأهلي حتى سكنت بين

стр. 1579

أظهركم إرادة أن أواسيكم، ولقد تعلمن أني أحب الحياة بعدكم، وتعلمن أني قد رأيت العظماء، وقدمت على الملوك، فأقسم بالله أني ما رأيت ملكا ولا عظيما أعظم في أصحابه من محمد. إن منهم رجل يتكلم حتى يستأذنه في الكلام فإن أذن له تكلم، وإن لم يأذن له سكت. ثم إنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه يصبونه على رؤوسهم يتخذونه حنانا). فلما سمعوا مقالة عروة داخلهم الرعب وفكروا في الأمر، وتراجعوا. . . وتشاوروا واجتمعوا الرجل والرجلين والجماعة والرهط. لقد شكوا في خبر الرسول الأول ولكن أنى لهم أن يشكوا في خبر عروة الرجل المخلص لهم العاقل المجرب. إذا في الأمر جديد، والمسألة تستحق التفكير. . وقد يتغير الرأي وتتحول القوة إلى ضعف. . والعنجهية إلى تودد. . والكبرياء إلى هوان. .

стр. 1580

ساعة الصفر أما في الجانب الآخر وفي جيش المسلمين فإنهم بعد سماعهم لحديث عروة، وموقفه المتصلب، وإدلاله بقوة قريش وتأكيده لتصميمهم بدأوا يتأكدون أن قريشا ستبيتهم وستبدأ القتال. . لكن قائدهم رسول الله ﷺ لم يأذن لهم بالقتال ولا باقتحام الحرم ولا بالمجابهة. وحتى يبلغ الأمر غايته يأتي خبر طائر من مكة ينبئ بأن عثمان بن عفان قد قتل، وقد غدر به أهل مكة. - وكان بعثه رسول الله ﷺ ليطمئن المستضعفين من المسلمين المتخلفين بمكة ويتفقد أحوالهم ويزور أهلا له هناك - عند ذلك ثارت ثائرة المسلمين واجتمعوا حول قائدهم يطلبون منه الإذن لهم بالقتال، ويؤكدون له خبر الغدر بعثمان، ويؤيد ذلك أن قريشا بعثت بخمسين فارسا يطوفون بجيش المسلمين ويعتدون على من شذ منهم. . . فوافق رسول الله على رد الاعتداء واستخلاص عثمان، والأخذ بدمه إن يكن قتل. . وهناك في الحديبية وعلى مقربة من حدود الحرم وقف رسول الله ﷺ تحت شجرة يبايعه أصحابه على الجهاد حتى الموت. . فيتقدم الرجل ويتلفظ بالمبايعة وهو يصافح رسول الله. . ولما انتهت المبايعة بآخر مصافح من الجند وضع رسول الله يده اليسرى على اليمنى وقال: هذه عن عثمان. . لقد كانت القلوب مخلصة حقا وكانت العزيمة صادقة والرغبة في الاستشهاد جامحة. . فأنزل الله في ذلك الموقف قرآنا يتلى على مدى الدهر حيث يقول:

стр. 1581

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١) ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٣) ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٤). وهكذا تنزل الوحي من الله جزاء للصدق والإخلاص، لأنه يعلم أن المؤمنين إنما جاءوا احتراما للبيت والحرم وقد تجنبوا الإثارة ورغبوا في السلم لكن أعداءهم اضطروهم للحرب فلما لم يجدوا بدا منها استعدوا لها استعدادا نفسيا عقيديا يغلب كل تجهيز مادي مهما بلغ من الفتك والإبادة. ويمضي الزمن وتبقى هذه الحقيقة حتى اليوم فالناس بحاجة إلى القوة النفسية قبل القوة المادية.

стр. 1582

بوادر السلم تلوح في الأفق في غمار الحماس وفي معمعة الاستعداد للحرب يأتي من مكة خبر يدل على أن عثمان ما زال حيا وأنه موقوف لدى قريش. . فتهدأ النفوس قليلا. . ويزداد الأمل في انفراج الأزمة فيتقدم رسول الله ﷺ جماعة يخبرونه بأن رجلا من قريش يدعى (سهيل بن عمرو) يستأذن في مقابلة رسول الله بصفته رسولا لقريش ونائبا عنهم. . فيقول رسول الله: «إذا سهل الأمر، ائذنوا له». . فيدخل على رسول الله ومعه عرض من قريش يقول: نطلب من محمد أن يرجع عنا عامه هذا ولا يخلص إلى البيت فإذا كان العام القابل قدم إلى العمرة ودخل مكة ليس معه فرس ولا سلاح. . . فقبل رسول الله ﷺ المبدأ ونادى علي بن أبي طالب. . وأمره أن يكتب عقد الصلح. بعد التفاوض على الشروط. . قال لعلي. . اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا. . لا نكتب هذا أبدا. . فقال رسول الله: (فكيف نكتب؟) قال: اكتب: باسمك اللهم. .! فقال رسول الله ﷺ (وهذه حسنة اكتبوها. .) ثم قال: (اكتب: هذا ما تقاضى عليه رسول الله. .) فقال سهيل: والله ما نختلف إلا في هذا. .! قال رسول الله: (كيف. .؟!) قال: لو كنا نعتقد بأنك

стр. 1583

رسول لصدقناك. ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله. قال: (وهذه حسنة اكتبها. .) فكتب علي العقد وكان من بين الشروط التي تم الاتفاق عليها: (أن بيننا العيبة مكفوفة، وأنه لا أغلال ولا أسلال وأنه من أتى من قريش إلى المدينة يرد إلى مكة. . ومن أتى من المدينة لا يرد إليها. وأن من رغب من القبائل الدخول في شرط الفريقين فله مثل شرطه.) ثم ختم الكتاب ووقع رسول الله ﷺ عن جانب المسلمين وسهيل بن عمرو عن جانب قريش.

стр. 1584

تنفيذ العقد يبدأ بمفاجأة غريبة عندما رفع الموقعان أيديهما موقعين عقد الصلح بشروطه دخل إلى المكان أبو جندل بن سهيل ابن عمرو موثقا بالحديد ربطته قريش عندما أسلم وقد أفلت من أيديهم والتجأ إلى المسلمين هاربا فلما رآه المسلمون قالوا: اللهم أبو جندل. .! فقال رسول الله ﷺ : هو لي وقال أبوه سهيل: لقد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا فهو لي. . فانظروا في الكتاب. . فنظروا فوجدوا الشروط تنص على أنه لسهيل فأمر رسول الله برده إليه - فأخذ أبو جندل ينادي: يا رسول الله. .! يا معاشر المسلمين أتردونني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟! فقال له رسول الله ﷺ : «يا أبا جندل: قد لجت القضية بيننا وبينهم ولا يصلح لنا الغدر، والله جعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا (١)» فتأثر أبو جندل تأثرا عظيما لما يعلم ما سيلقاه من التعذيب - فقال رسول الله لوالده: (هبه لي)! قال سهيل: لا. قال: (فأجره لي.)! قال: لا. وكان مع سهيل في وفادته زميل له يقال له: مكرز بن حفص. . فقال له: أجرته لك يا محمد. . قال سهيل: لن أمض إجارتك. وهكذا يتميز المسلمون بالوفاء حتى في الساعات الحرجة فلقد تأثر المسلمون كثيرا بهذا الموقف المحرج الذي حصل لأبي جندل. . والمسلمون لا يرضون الدنية في دينهم. . ولكنه الوفاء. . ولكنه رسول الله يعلم عن الله ما لا يعلمه صحابته وهم في طاعة رسول الله وفي متابعته يضربون المثل الأعلى لأنهم يعلمون أنه يصدر عن وحي من السماء. .! ويقوم وفد قريش حاملا معه عقدا موقعا من محمد. . ويتفرق من شهد الصلح من المسلمين إلى خيامهم

стр. 1585

قد شردوا في تفكير عميق ولولا إيمانهم بمحمد وما جاء به لكان لهم ولقريش شأن عظيم. فهل يصدق عاقل أن قوما جاءوا مكبرين محرمين ساقوا معهم الهدي يصدون عن البيت. .؟! وهل يتصور أن تقبل شروط الأعداء بما فيها من جيف وتحامل. .!؟ إن كل ذلك بتدبير العزيز الحكيم. .! فرغم قسوة شروط الصلح إلا أن النتيجة للمسلمين. وسيحقق الله أملهم بالنصر والفتح وسيدخلون مكة مهللين ملبين قريبا. . وقد كان ذلك فدخلوها في العام القابل. . .!

стр. 1586

عبد العزيز المسند الاسم: عبد العزيز بن عبد الرحمن المسند. ولد في بريدة، وتلقى القرآن ومبادئ العلوم على مشائخها. ثم كان من الدفعات الأولى - في دار التوحيد بالطائف وهناك حصل على الشهادة الابتدائية والمتوسطة والثانوية. التحق بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة وحصل على الشهادة العالية منها. . عمل مديرا لأحد المعاهد العلمية. . ثم عميدا لكلية الشريعة، وكلية اللغة العربية بالرياض. ثم عين مساعدا لمدير عام المعاهد العلمية والكليات. ثم مديرا عاما ثم نائبا لرئيس الكليات والمعاهد العلمية. ويعمل الآن مديرا للمعاهد العلمية. له نشاط في الدعوة إلى الإسلام في العالم الخارجي. له نشاط ملموس في المحاضرات في مواضيع مختلفة. له نشاط في برامج توجيهية هادفة في الإذاعة والتلفاز. عضو في مؤسسة الجزيرة ومجلس إدارتها. وعضو في جمعية البر بالرياض.

стр. 1587

محمد رجب البيومي افتراء مغرض حول سعد بن معاذ ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في تجريح سيد الأوس سعد بن معاذ حين أصدر حكمه العادل باستئصال بني قريظة إذ خانوا الله ورسوله وتآمروا بالمسلمين فحالفوا قريشا على حرب محمد ناقضين عهودهم الوثيقة، ومعلنين دفائن أحقادهم الثائرة. ثم صدق الله وعده فرد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وحان أوان القصاص فارتضوا سعد بن معاذ حكما فجزاهم بما افتروا من العقوق والغدر أعدل الجزاء. ليس من الغريب أن يندفع غلاة المستشرقين في ذلك عن غرض جائر وهوى مريض إنما الغريب حقا أن يستمع إليهم بعض عقلائنا المسلمين من كبار رجال القانون، فيروا في حكم سعد مغالاة كبيرة ولكنهم يحاولون تهوينها في نظرهم بعض الشيء حين يقولون: إن زمان سعد غير زماننا، وما يعد الآن

стр. 1588

مغالاة خطيرة في القرن العشرين لم يكن ليوصف بذلك في القرن السادس الميلادي، حين صدر هذا الحكم، فلكل عصر قوانينه وملابساته. . ولا أدري كيف يقولون ذلك وقد درسوا القوانين المعاصرة دراسة نافذة، وكان في مقدرتهم أن يطبقوها على قضية بني قريظة ليروا أن قوانين القرن العشرين لا تختلف في شيء عما أصدره سعد بن معاذ، ولكن أقوال ذوي الغرض من المستشرقين قد خدعت رجالنا عن عقولهم، فنسوا ما يحفظون، وتجاهلوا ما يعلمون، وسنضطر هنا إلى مخاطبتهم بلغتهم القانونية فنقول: لقد كان بين الرسول ﷺ وبين يهود بني قريظة معاهدة تحفظ حقوق الفريقين، وتقضي على كل فريق أن ينصر الآخر إذا واجه خطرا في حرب ولكنهم تآمروا به فانضموا إلى أعدائه، وأوقعوه بين شقي الرحى في المدينة مصطليا بنيران أعدائه المشركين من جهة، واعتداء حلفائه اليهود في ساعة العسرة من جهة ثانية فاقترفوا بذاك الغدر الشنيع ثلاث جرائم: أ - رفع السلاح ضد سلطان المدينة مع الأجنبي المعتدي. ب - دس الدسائس لدى العدو ضد المسلمين. ج - تسهيل دخول العدو للبلاد. وقانون العقوبات المصري، وهو أقرب قانون يعرفه من يؤاخذون سعدا من رجالنا القانونيين، يجعل الإعدام عقوبة كل جريمة من الجرائم الثلاث، وينص على ذلك في المواد ٧٧، ٧٨، ٧٩ عقوبات. وهذه هي نصوصه على الترتيب: م٧٧ - يعاقب بالإعدام كل مصري رفع السلاح على مصر أو التحق على وجه يعمل في القوات المسلحة لدولة تحارب مصر. م٧٨ - كل من ألقى الدسائس إلى دولة أجنبية أو إلى أحد مأموريها أو إلى أي شخص يعمل لمصلحتها أو تخابر معها أو معه بقصد استعدائها على مصر أو تمكينها من العدوان عليها يعاقب بالإعدام سواء تحقق الغرض أم لم يتحقق. م٧٩ - يعاقب بالإعدام كل من سهل دخول العدو إلى البلاد أو سلمه مدنا أو حصونا أو منشآت أو مواقع

стр. 1589

أو موانئ أو سفنا أو طائرات مما يستعمل في الدفاع عن البلاد مما عد لذلك، أو نقل إليه أخبارا أو أرشده أو حرض الجنود على الانضمام إليه أو أثار الفتن والشائعات أو نحو ذلك. فقانون القرن العشرين صريح في إدانة بني قريظة حيث ارتكبوا جميع ما تستحق جريمة واحدة منه الإعدام وسنعرض لخيانتهم بالتفصيل، حين نوجز سيرة سعد ليعلم القارئ المنصف كم تجنى عليه أعداء الإسلام إذ وصفوه بالوحشية والقسوة والغدر، وكم تنكب بعض رجالنا من القانونيين سبيل الإنصاف حين زعموا أن حكمه القضائي لا يوائم أحكام القرن العشرين، وقد فاتهم أن يحيطوا بالقضية من أطرافها ليروا شططهم البعيد، أما الرجل فبطل صادق ومسلم صريح. . وسنكتفي من تاريخه الرائع بما كان منه بعد أن أشرق في قلبه نور الإسلام، فبلغ به الخطوة السعيدة ودخل منه أبهاء التاريخ. لم يعتنق سعد الإسلام عفوا ولكنه فكر وقدر، وحاور وجادل وقد عارض في اعتناقه قبل أن يدرك حقيقته، مثله في ذلك مثل الفاروق عمر سواء بسواء - وحين أشرق الإيمان على روحه شعر كأنه انتقل إلى أوج زاهر مشرق ينأى به عن ظلمات الوثنية وحنادس الشرك، وقاد قومه إلى المجد التالد والعز الأبدي، فأصبح الأوس في المدينة يسالمون إخوانهم الخزرج، وكلهم فرح بالقرآن مبتهج بمحمد مؤاخ للمهاجرين، معاهد ربه على أن يحمي الدعوة الجديدة بروحه ودمه، قد صدق الأنصار ما عاهدوا الله عليه، فكانوا درع الإسلام وحصنه الركين. وجاء الامتحان الأول في بدر، فقد خرجت قريش بجموعها الكثيفة لتدرك طائفة تظنها مستضعفة ذليلة وقد نفخ الغرور أوداج المشركين فتساقوا الخمور ودقوا الطبول وشرعوا الأسنة، وإن الثقة لتملأ نفوسهم فتريهم مصارع المسلمين قبل أن يبرحوا أمكنتهم وتقللهم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وقد أخذ رسول الله الأهبة وجمع أنصاره حوله يتشاورون فيما يواجهون به القوم من قوة وعتاد، وقد شع الإيمان القوي على لسان سعد حين أعلن للرسول استعداد الأنصار للجهاد في سبيل الله دون تباطؤ أو تخاذل وأرسل كلمة مؤمنة لا تزال تجلجل في أذن التاريخ فتعرض بطولة هذا الفدائي المؤمن الذي تهتف جوارحه من أعماقه (امض بنا يا رسول الله حيث تريد فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء) (١) وكانت هذه الصيحة الخالدة كفيلة بتوجيه الأنصار إلى الجهاد وإذكاء الحمية المؤمنة في القلوب وواضح أن معاهدتهم مع رسول الله حين قدم إلى المدينة لم تكن تحتم عليهم أن يحاربوا معه أعداءه خارج يثرب ولكنها توجب الدفاع عنه في نطاقها إذا تعرض لمن يغزوه بين ديارهم، فجاءت كلمة سعد شرطا آخر يجيز لمحمد ﷺ أن يلقى خصومه في أي ميدان يريد. ولو كان الأنصار وعلى رأسهم سعد ممن يترددون في الإيمان لحظة واحدة لأقصروا عن متابعة الرسول متعللين بما أخذوا به أنفسهم من شروط، ولكن الإخلاص للمبدأ والتفاني في

стр. 1590

العقيدة، كلاهما ينبذ النصوص الضيقة فلا يتعلل في التخاذل عن الحق، بحروف وكلمات. ولم يكن سعد يجاهد في بدر ببأسه وحده، ولكن عقله من فوقه يرسم الخطة ويدير المعركة، وقد اقترح على الرسول أن يبني له عريشا خاصا به كي لا يتعرض إلى سهم غادر أو رمية آثمة، وعضد رأيه بأن القيادة محتاجة إلى سياج خاص لتتمكن من إدارة المعركة بعيدة عن الزعازع في ظرف عاصف تغشاه النذر وتتهدده الخطوب. وقد أجاب محمد ما اقترح عليه ووقف سعد أمام العريش يدفع عنه بنفسه ويقول لرسول الله مطمئنا لو دارت الدائرة على الأنصار ففي المدينة من إخوانهم من يأخذون مكانهم ذيادا على الإسلام. . وقد صدق الله وعده وانكسر الشرك انكسارا فطأطأت له الرقاب ونكست من أجله الحياة، ونظر سعد فرأى كتائب الأسر تتلاحق وعفو رسول الله يفيض، فعرف الغضب في وجهه إذ كان على رأي عمر ممن يودون أن يقوم السيف بدوره في رقاب ظالمة معتدية، لم يكفها أن فر المسلمون من مكة حتى دفع الغرور أصحابها إلى مهاجمتهم بالمدينة واستئصالهم في غير ديارهم ولكن الرسول يطمئن سعدا فيعود إلى صفائه معتقدا أن هناك من يرجحه في النظر والتدبير. توالت الوقائع بعد بدر في أحد والخندق فأما أحد فقد قام في حلبتها يعد بواجبه فناضل وجالد وتلقى الهزيمة في النهاية بعزيمة ماضية وإيمان حصين، وأما غزوة الخندق فقد كان سيد الأوس بها بطلا مرموقا تتوقف النتائج الحاسمة على كفاحه وجلاده، وقد راعه أن يغدر حلفاؤه اليهود من بني قريظة بعهودهم فيخونوا الإسلام في مأزق ضائق وينضموا إلى المشركين ليوقعوا المسلمين بين المطرقة والسندان. . وكانت هذه الخيانة الرهيبة محنة قاسية تصب ويلاتها المحرقة على الجيش الإسلامي فابتلي المسلمون وزلزلوا زلزالا شديدا، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وقد أظهر الذين في قلوبهم مرض من المنافقين ضغائنهم السوداء فارتابوا في الإسلام وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ثم استأذنوا في الانسحاب متمسكين بأوهى الخيوط ومعتذرين بأفضح التعلات، في هذه الغمرة الغاشية ثبت سعد ثبات الصناديد واستشعر مددا حافلا من السماء يباركه ويؤازره دون أن تميل به الظنون إلى يأس وقنوط بل زادته الرهبة إيمانا بالحق ويقينا بنصرة الإسلام، فحين عرض رسول الله ﷺ على غطفان أن تأخذ ثلث ثمار المدينة وتنفض يدها من الحرب راجعة أدراجها ثانية فتتفرق كلمة المشركين ويدرأ الإسلام بعض الخطر عن كيانه، حين عرض ذلك لم يقبل سعد بن معاذ أن يذيق أعداءه خير بلاده، وقال: (يا رسول الله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطعمون منا ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا ونهديهم خيرنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة ووالله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم) (١) وهذا قول يصدر عن حمية وأنفة، وقد أدرك الرسول صدق صاحبه وإخلاصه، فنزل على رأيه ورفض الصلح مع غطفان، وفي استماع محمد إلى رأي سعد تقدير

стр. 1591

للجندي المخلص وإعزاز لمن يتمسكون بالحق من الأباة المناضلين، ثم هو في الوقت نفسه مثل رفيع للقادة الذين يتطلعون إلى النصر في أحرج أوقاتهم إذ عليهم أن يتدبروا الأمور فلا ينفردوا بأمر دون استشارة وتمحيص فتتحد الكلمة وتتجمع القلوب. وقد انجلت الغواشي الحالكة عن المسلمين بسلام، وعادوا إلى المدينة ظافرين بعد أن أظهر الله نعمته على عباده بالظفر والانتصار، وقد أصيب سعد أثناء المعركة بسهم حاد هز من كيانه وزعزع بأسه فحمل إلى خيمة قريبة ليسعف بالعلاج وكان إذا ضعضعه الألم يصيح داعيا: اللهم لا تمتني حتى أشتفي من بني قريظة، إذ أن هؤلاء الغادرين قد آسفوه بخيانتهم الأثيمة، فما راعوا إلا ولا ذمة، وكان سعد مع قومه من الأوس قد شفع لديهم بادئ ذي بدء ليرجعوا عن غدرهم الفاضح، فما راقبوا الله في حلف أو ميثاق، حتى إذا انكشفت الغمة قبعوا في حصونهم يترقبون ما تتمخض عنه الحوادث، وطبيعي أن يعجل المسلمون بعقاب هؤلاء الخونة عقابا رادعا، فاتجهوا إليهم على الفور وحاصروهم في ديارهم خمسا وعشرين ليلة أججت القلق والحسرة في ضلوعهم فعرضوا شروطا للجلاء كما فعل بنو قينقاع، وأملوا أن يتقبلها الرسول بقبول حسن، وقد اتجهت أنظارهم إلى حلفائهم من الأوس ليكونوا شفعاءهم لدى محمد ورسول الله يدرك نفسيات قومه فيضع الشيء في موضعه إذ يختار سعد بن معاذ ليكون فيصلا قاطعا ينزل الفريقان على رأيه وسعد من هو شدة حمية وقوة إيمان، وقد قدر الموقف تقدير من شاهد كروبه ومآزقه وعرف النذر المستطيرة التي تراءت في الأفق فأوشكت أن تطيح بالعصبة المؤمنة لولا عناية الله بالرياح الثائرة، وقد هم بعض أصحابه يزينون له الإحسان في مواليه ويجنحون به إلى السلام والفداء فماذا فعل عند ذاك؟ لقد حكم بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، وأمر الرسول بتنفيذ الحكم، فخندق الخنادق لدى سوق المدينة ثم أخرج اليهود أرسالا إليها طائفة بعد طائفة فضربت أعناقهم ولاقوا أسوأ مصير على أفظع خيانة توجه إلى معاهد مسالم يأمن حلفاءه فيأتيه الروع في مأمنه الحصين. وقد كانت صرامة هذه العقوبة مدعاة للتقول على الإسلام دون عدالة وإنصاف فالمسلمون لم يتجنوا على بني قريظة باستئصالهم المبيد. لأنهم متهمون بالخيانة العظمى. وقد ثبتت تهمتهم ثبوتا قامت دلائله وفدحت نتائجه، وهذه الخيانة الخطيرة ليس لها في جميع الشرائع غير الإعدام السريع ولم يكن اليهود أسرى حرب فيميل بهم إلى الشفقة، ولكنهم شر من الأعداء إذ بيتوا الغدر لأناس يأمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار، وواجبات الذمام. وموقفهم هنا يختلف اختلافا واضحا عن موقف بني قينقاع وبني النضير فالأولون قد أبدوا البغضاء

стр. 1592

من أفواههم وأشاعوا الريب والشكوك ورأوا في الدعاية المغرضة سلاحا لا يفل، والآخرون قد ائتمروا على قتل الرسول وتحالفوا مع بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهم الفرص طريقا يصلون منه إلى التنفيذ، وهؤلاء وأولئك أهون خطبا من الذين سلوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو وأوقعوا الهلع في قلوب يحيط بها الروع من كل ناحية. فتعادل الكفتين بينهما طيش لا يقره إنصاف. وقد جلا بنو قينقاع وبنو النضير عن المدينة فكانوا مثار القلق والفتنة، ومبعث الضيق للمسلمين فهم الذين ألبوا الأحزاب وجمعوا القبائل مع المشركين ليوم الخندق فأعطوا بمؤامراتهم المزعجة محمدا درسا حاسما يحتم استئصال شأفتهم، وتتبع أفاعيهم في كل مكمن ليطفئ لهبا يستعر إذا هبت عليه الريح وقد تحقق الدرس مبدئيا في يهود بني قريظة، وظهرت نتائجه الحاسمة في خيبر حيث تعرض اليهود على يد محمد لزلزال رهيب. والذين يستهولون حكم سعد على حلفائه يجهلون أن التوراة التي يدين بها هؤلاء اليهود توجبه وتفرضه، فهو حكم يعلمونه من نصوصهم ويشيدون بعدالته في أطوائهم وما على المسلمين ملامة إذا قضوا بحكم يعترف به أعداؤهم دون أن يجدوا وجها للنقض والاستئناف فقد جاء بالإصحاح العشرين في سفر التثنية (وإن لم تسالمك أي قرية بل حاربتك فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يديك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف). ويقول الزعيم الهندي الكبير مولاي محمد علي تعليقا على هذا النص في كتابه " محمد رسول الله ": (لقد كان القاضي من اختيارهم وكان الحكم مطابقا كل المطابقة لشريعتهم فماذا يمكن أن يعاب في ذلك على النبي) وهذا تعليق نؤيده ونستشهد به لكننا نخالف المؤلف الكبير حين ذكر أن يهود بني قريظة لو تركوا أمرهم للنبي دون سعد لقضى عليهم بما قضى به على يهود بني قينقاع وبني النضير، نخالفه في ذلك لأن رسول الله ﷺ لا يسوي في الحكم بين جريمتين متباعدتين تقف إحداهما عند الهم، وتتجاوزه الأخرى إلى التنفيذ والمناجزة، وما لنا نبعد وأمامنا قول الرسول لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات (١)» وإذا كانت الموازنة الدقيقة تكشف عن معادن الرجال وتبين الفروق الواضحة بين الطيب والخبيث فإن موقف سعد من أحلافه يهود بني قريظة يبرز مدى إيمانه الراسخ إذا قورن بموقف عبد الله بن أبي من أحلافه يهود بني قينقاع حين اضطربت عليهم الأمور، وتكشفت للرسول ضغائنهم السود فقد جاء رأس النفاق إلى رسول الله وهو يصيح (أحسن إلي في موالي، أحسن إلي في موالي) فأبطأ عنه الرسول فلجأ إلى التشهير ورفع صوته متشنجا كأنه يدافع عن حق صريح ودفعه سوء الأدب فوضع يده في جيب محمد في صخب مفتعل وهو يقول: (لا

стр. 1593

أرسلك حتى تحسن إلي في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دراع تحصدهم في ليلة واحدة. وقد منعوني من الأحمر والأسود، إني والله لأخشى الدوائر (١). والدوائر التي كان يخشاها رأس النفاق ليست بالتي تصيب محمدا بأذى كما أراد عبد الله بن أبي أي يفهم عنه الرسول ولكنه كان يعتقد أن اليهود شوكة أليمة في جنب المسلمين، فإذا خلص الجو من نتنهم الوبيئ دارت على النفاق دوائره ورجحت كفة الإسلام، وذلك ما يؤرق ابن أبي ويضنيه، ولو صدقت نواياه نحو المسلمين لأظهر من الغيرة على الحق بعض ما أظهره سعد بن معاذ فيا طول ما بين الرجلين من أبعاد! وما عتم سيد الأوس أن انفجر جرحه فلقي الشهادة مستبشرا فائزا وكان لنعيه دوي عاصف في قلوب المسلمين، فهم يتحسرون على ابن سبع وثلاثين قد اكتملت له أسباب السيادة في ريق العمر وربيع الشباب فرفع قومه وحمى عقيدته وأخلص لدينه وقد وقف الرسول ﷺ على قبره فتغير وجهه الكريم أسفا ثم كبر ثلاثا فكبر خلفه المسلمون حتى ارتج البقيع، فسئل عن ذلك فقيل يا رسول الله: (رأينا لوجهك تغيرا ثم سبحت)، فقال: «تضايق على صاحبكم قبره وضمه ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد (٢)» ثم قال: «هنيئا لك أبا عمر، جزاك الله خيرا من سيد قوم فقد أنجزت ما وعدت ولينجز الله وعده فيك (٣)» وذهب محمد إلى بيته وإذا جبريل ينتظره ليسأله: «من رجل من أمتك (٤) مات الليلة فاستبشر بموته أهل السماء» لقد كان سيد الأوس والزعيم الشاب سعد بن معاذ.

стр. 1594

محمد رجب البيومي ١ - الدكتور محمد رجب البيومي. * أستاذ النقد والبلاغة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر. * الحائز على الجوائز الأدبية الأولى لمجمع اللغة العربية في الشعر والمسرحية والبحث الأدبي والتراجم الذاتية. * من مؤلفاته: ١ - ابن حنبل. ٢ - علماء في وجه الطغيان. ٣ - البيان القرآني. ٤ - خطوات التفسير البياني. ٥ - البيان النبوي. ٦ - مع الأبطال. ٧ - موقف النقد الأدبي من الشعر الجاهلي. ٨ - نظرات أدبية ٤ أجزاء. ٩ - الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير. ١٠ - محمد توفيق البكري في الميزان. مسرحيات: ملك غسان - فوق الأبوة - بأي ذنب - انتصار. يكتب منذ ربع قرن في كبريات المجلات الأدبية والعلمية في الوطن العربي.

стр. 1595

محمد أحمد العزب الأمومة في حياة النبي ووصاياه ونظرة على دورها في البناء والتوجيه وحين نودع القرآن لنسير - بعد. . في ظلاله المديد. . متلفتين في منادح المجتمع الإسلامي العريض في محاولة الوقوف على مكانة (الأم) في مثل هذا المجتمع. . لا نستطيع إلا أن نقف لحظات في خشوع وإطراق، أمام الأمومة الشاهقة العظيمة التي أنجبت (محمدا) والتي استطاعت رغم انعتاقها الوامض من رحلة الزمن، أن تغرس فيه كل حوافز التصعيد والسموق. . وأن تهبه في لحظات زمنية خاطفة، كل ما يمكن أن تهبه الأمومة الحالية لوليدها من عطف. . ومن حب. . ومن روعة حنان. ولسنا ندري بعد - ماذا كان يمكن أن يكون. . لو أن محمدا لم يذق في حياته - ولو لفترة زمنية مضغوطة - الحنان في صدر أمه الدافئ؟ أم أن السماء كانت معه على موعد، حين حرمته هذا الصدر النابض الحنون، حتى تذكى في أعماقه

стр. 1596

المضيئة قبس الحب لهذه الإنسانة (الأم) فيخلدها في كل طور من أطوار الزمن. . وفي كل جيل من أجيال التاريخ؟ إن المتصفح لتاريخ النبوة. . وما كان عليه الرسول في هذه المجالات لا يستطيع أمام هذا الطوفان الزاخر من اهتماماته الرائعة بالأمومة إلا أن يرجع بآصرة النسب بينهما إلى وشائج أقوى من وشائج اللحم والدم. . لأن محمدا لم يرتفع بالحديث عن كائن بشري كما ارتفع به عن الأمومة. . وكأنما كان يمنح فيه من معين لا ينضب، أو يقتبس فيه من جذوة لا تخبو مع الأيام! وفي ظلال من رحلة تلمسنا فيها جذور هذه العاطفة، وأغوار هذا الوجدان، لا نستطيع أن ننفصل عن حتمية العودة إلى طفولة محمد، لنرى كيف كانت أمه آمنة بنت وهب إلى جواره؟ هل كانت نبع عطف، وغدير إيمان، فغمرت وليدها البازغ في بهاء ذلك العطف، وصفاء هذا الإيمان، حتى استحال كيانه كله، إلى نبضات خافقة بحب الأمومة، وخلجات هامسة بما لها على الإنسانية من فضل تتضاءل حياله الأفضال؟ أم ماذا؟ ها نحن مع مطالع بزوغ هذا الفجر. . مع محمد جنينا في بطن أمه. . مع إحساساتها الطافرة نحو هذا الجنين الذي ما زال يغالب التيار في ظلمة المجهول. مع حديثها الوامض عن هذه المرحلة من مراحل حملها بالنبي. . قالت لحليمة السعدية ذات يوم: والله ما للشيطان عليه يا حليمة من سبيل وإن لابني هذا لشأنا. . أفلا أخبرك خبره. .؟ فهتفت حليمة: أجل. . قولي يا آمنة. . فانهمرت أم النبي تقول: والله ما رأيت من حمل قط كان أخف من حمله ولا أيسر منه. . إذا فالصداقة معقودة بين محمد وأمه حتى قبل أن يعانق محمد أضواء الوجود. . وحين ولدته يا حليمة وقع وإنه لواضع يديه على الأرض، رافع رأسه إلى السماء. . أرأيت؟ إن أم النبي كانت ترى في الطفل صورة الرسول. . إن إحساسها العارم بتفوق الوليد الجديد قد أثرى إحساسها النابض بالحب. . وأذكى مشاعرها الأمومية البيضاء. . إلا أننا نجرم في جانب الحقيقة حينما نحصر

стр. 1597

الحديث عن أم النبي في هذا الإطار. . إطار المشاعر الحلوة، والعواطف الدافئة، والأحاسيس المنهمرة الثرة. . فما أكثر ما تنساب كل هذه الطاقات الهائلة بين الطفل الصاعد وأمه الرائمة. . فلنثب بالحديث إلى عالم آخر فنتساءل: هل كان لأم النبي دور في تربيته وصقله، وإعداده لما ينتظره من دور على مسرح الوجود؟ الذي أعرفه أن آمنة أم النبي كانت مثلا رائعا للأمومة الحية النابضة. . تعهدت الطفل النبي منذ غضارته، فحدثته عن أبيه وعن روعة حياته. . كيف كان أملا مرجى. . وأسطورة فذة للرجولة، والمجد، والجمال. . حدثته عن قصة الفداء المذهلة، وكيف أن عيون قريش كلها كانت تقطر دما. . وهي تنظر من بعيد إلى شبح الموت القادم في ضوء النهار ليطوي تحت جناحيه الداكنين شباب عبد الله. . وكيف أن هذه العيون الدامعة احتشدت من بعد بالفرحة، وتألقت بأغاريد الخلاص. . وما زالت به هكذا حتى السادسة، تصب في أذنيه ملاحم القوة، وأناشيد البطولة وذكريات الفداء. . حتى استوت للطفل الواعد شخصية تنبئ عن غد رجولي باسل. . وفريد. . وحين شارف هذه السن، ورأت فيه بوادر النضوج والاكتمال. . أصرت - لأن الدور هكذا يحتم عليها - أن تزور به قبر أبيه. . وتألقت دمعات الفرح على وجنتي الصبي أنه سيرى القبر الذي يرقد فيه الحنان الأعظم. . سيرى قبر أبيه الذي لم يره. . والذي طالما حدثته عن أيامه ولياليه أمه الساهرة على كلاءته. . سيرى أخواله هناك، في يثرب ستتوشج أواصر جديدة بينه وبين طفولات كثيرة. . فليذهب إذا. . وذهبا. . وأخذت الأم وليدها لتريه البيت الذي مرض فيه أبوه. . والقبر الذي دفن فيه. وهي بين الفينة والفينة تختلس نظرات نافذة إلى طفلها الساهم، لعلها تريد أن تقرأ ما يجيش في داخله من خيالات. . وما تركته تلك الرحلة في أعماقه من انطباعات كل ذلك والفتى ساهم. . واجم. . كأنه يعايش بنظراته الذهلى من ثوى خلف هذا الركام. . أو كأنه يطالع في صمت روعة المعجزة التي فجرت من هذا الحفير الدارس المتواضع تاريخا سيحول التاريخ. وعادت بمحمد أمه. . وانطلقت القافلة الصغيرة تضرب في بطون الأودية وشعاب الجبال. . ولكن الأم ما تزال صامتة. . كأنها خرساء. . إنها تعانق الأفق البعيد بنظرة ولهى. . بينما يذبل الربيع في وجهها الغارب شعاعا من وراء شعاع!! وحين تخاذلت ذراعاها عن صدر الفتى المبهور. . تلفت إليها فيما يشبه الروع. . فضمته إليها في حنان راعش راعب مقرور. ثم انطلقت في خفوت واهن تتمتم: (كل حي

стр. 1598

ميت. . وكل جديد بال. . وكل كبير يفنى. . وأنا ميتة. . وذكري باق. . فقد تركت خيرا. . وولدت طهرا) ثم طواها بعد ذلك صمت أبدي رهيب. .! وحفرت هذه اللحظات الحزينة المتألمة في أعماق النبي صورة لا تبهت، وانطباعا شاخصا لا يريم. . فعاش حياته كلها في إطار من هذه اللحظات الغائمة، ترتجف أعماقه كلما خايلته الذكرى، أو تخالجه ذهول الموقف المحموم. (١). وما زال محمد يردد في كلماته صدى ما عاش في ضميره من عذابات. . فحين يرى دار بني عدي بن النجار بعد الهجرة ينساب في ألم يقول: هاهنا نزلت بي أمي. . وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله. . وحين يمر بالأبواء في عمرة الحديبية يقول: «إن الله أذن لمحمد في زيارة قبر أمه (٢)» فأتاه فأصلحه، وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكائه، فقيل له في ذلك فقال: (أدركتني رحمتها فبكيت. .). ويروي عبد الله بن مسعود: «خرج النبي ﷺ يوما وخرجنا معه، حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فجلس إليه فناجاه طويلا، ثم ارتفع صوته ينتحب باكيا! فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ثم أن رسول الله أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله فقد أبكانا وأفزعنا؟ فأخذ بيد عمر، ثم أومأ إلينا فأتيناه، فقال: (أفزعكم بكائي؟؟ قلنا: نعم يا رسول الله. . فقال ذلك مرتين أو ثلاثا. . ثم قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر أمي آمنة بنت وهب. . وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي». .!. وكما كان محمد يقدس الأمومة في أمه. . فكذلك كان في موقفه من كل الأمومات لقد انعكس حبه الغامر لأمه الراحلة. . على كل أم في هذا الوجود. . فدأب على توعية الملايين بما للأمومة من حرمة، وما لمكانتها من جلال. . يتألق ذلك في تكريمه الموصول لمرضعته (ثويبة) مولاة أبي لهب. . فكان يصلها وهو بمكة. . فلما هاجر إلى المدينة كان يبعث إليها بصلة وكسوة. . إلى أن ماتت، فلما دخل مكة ظافرا لم تنسه نشوة النصر أن يسأل ما فعل ابنها مسروح؟ وكذلك كان تكريمه لحاضنته (أم أيمن) التي رافقته وأمه إلى يثرب. . وكان إذا رآها قال: «هي أمي. . بعد أمي». . . ولما ماتت فاطمة. . أم علي بن أبي طالب. . ألبسها قميصه واضطجع معها في قبرها فقال له أصحابه: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بها؟ فقال: «إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها. . إني إنما ألبستها قميصي لتكسى حلل الجنة. . واضطجعت معها في قبرها ليهون عليها». . .

стр. 1599

وكان حين يرى (حليمة) المرضعة. . يتلقاها هاتفا: " أمي أمي ". . ويفرش لها رداءه ويمس ثدييها بيديه. كأنه يتذكر فيها غضارة العمر، وبواكير الحياة. . وحين تجيش في صدره الذكرى يجمجم: «لو أدركت والدي أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء وقد قرأت فاتحة الكتاب. . تنادي يا محمد. . لأجبتها: لبيك». .). سأله صحابي: «من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: " أمك ". . قال: ثم من؟ قال: " أمك ". . قال: ثم من؟ قال: " أمك ". . قال: ثم من؟ قال: " أبوك (١)» وجاءه رجل يقول: «يا رسول الله، إن لي أما عجوزا أحملها على عاتقي كل يوم وأطوف بها حول البيت. أفأكون بذلك وفيتها حقها؟ فيقول له النبي: " لا. . ولا بزفرة واحدة. . إنها حملتك وهي ترجو حياتك. . وأنت حملتها. . وتنتظر رحيلها»!. «وحين يستأذنه رجل في الجهاد يسأله النبي: " أحية أمك؟ " فيقول الرجل: نعم. . فيقول له: " اذهب فجاهد في برها ". . فيعاود الرجل الإلحاح فيقول له النبي: " ويحك. . الزم رجلها فثم الجنة (٢)». وتروي لنا أسماء بنت أبي بكر فتقول: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيته قلت: «قدمت على أمي وهي راغبة. أفأصلها؟ قال: نعم. . صلي أمك يا أسماء (٣)» ويحذر النبي من تعريض الأمومة للون من ألوان الهوان. . أو المهاترة. . أو السباب. . فيقول: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قيل: وهل يلعن الرجل والديه يا رسول الله؟ قال: " نعم. . يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه (٤)»! ". وهكذا نجد أن الأمومة قد استوعبت في حديث النبي كل هذه الأبعاد المترامية، مما يؤكد لنا أن لها في أعماقه. . وتعاليمه جميعا. . مكانا يشبه الواحة الخضراء. . تتموج فيه الظلال المرهفة. . وتتناغى على حوافيها الزهور الوادعة. . وتأتلق في كل أرجائها روح الربيع الأخضر الجذلان. وهكذا يسلمنا النبي مفاتيح البر بهذه الأمومة البرة. . حتى لا نستحيل في حياتنا الصاخبة إلى قطيع ذاهل منكود. . لا تربطه إلى أعماق حياته الواثبة وشيجة من عاطفة ولا سبب من أسباب البنوة البيضاء. . ولكن. . إذا كانت هذه مضامين الهتافات العالية الجريئة التي أطلقها محمد رسول الله في طريقه إلى دعم مكانة الأمومة، وتكريم دورها الخطير. . فما هي رسالة الأمومة في الحياة؟

стр. 1600

هل هي مجرد وعاء لحمى يستوعب بذور الخلق ليقذفها بعد آماد محدودة إلى عالم الوجود؟ أم هي مخلوق عاجز مشلول استقر كل هذا الحنان الصيب من قلب الرسول فجاش حيا نابضا في كلماته؟ أم تراها مصدر إشعاع روحي خطير إلى جوار كونها مصدر إشعاع وجودي أصيل؟ الذي أعرفه. . أن الأمومة لو كانت مجرد وعاء لحمي، أو مجرد قوة مشلولة تستأهل العطف. . لكانت في موازين الحياة أخف وزنا مما هي الآن. . فما أكثر ما نشاهد من حشرات. . أو دواب. . أهلتها طبيعتها المؤنثة لكي تصير أما تهب الوجود خلقا جديدا. إن الأمومة قد تبوأت هذه القمة لأن لها دورا. . إنها صاحبة دور من أخطر أدوار البناء والتوجيه في حياة المجتمع. . فعلى قدر ما تبذل. . وتبني. . وتسدد. . نجل فيها مصدر العطاء وسبب الوجود. . وبمقدار ما تتخلى عن هذا الدور أو تنتكس. . ننغض إليها الرأس احتقارا ونشيج عنها بالأعين ازورارا. ألست معي في أن أما كأسماء بنت أبي بكر. . تعدل ملايين الأمهات ممن يقبعن داخل جدران بيوتهن. . يغزلن في قطن خائر رخو. . أو يجدفن في أمواج متلاطمة من دماء الأعراض والحرمات؟ إن هذه أم. . وتلك أم. . بحتمية التقائهما في إطار الإنجاب. . ولكن ما أوسع البون بينهما في مجالات الموازنة أو المقارنة، أو المضاهاة. . إن أسماء بنت أبي بكر. . أم عرفت حقيقة دورها في الحياة. . فدفعت بابنها الباسل عبد الله بن الزبير على خشبة الصلب، غير عابئة بثكل يقترب. . أو خطب يدمدم، أو إعسار أسى ينوح!! وحين تلمح بوادر التردد تزحف على جبين عبد الله من خلال كلماته: يا أمي. . إني خائف أن يمثلوا بي بعد القتل! تنتفض في أمومة فدائية بطلة، تعتصر جراحها بيديها وهي تقول: امض على بركة الله يا بني. . فإن الشاة لا يضرها بعد الذبح أن تسلخ، فتحضأ بكلماتها نار الإقدام في أعماق الفارس المصلوب فيمضي إلى القتل. . كأنه ماض إلى موعد بسام. وحين تطول بابنها ضراوة الصلب. . لا تقعي. . ولا تتهالك. . وإنما تمضي على طريقها الباسل بخطوات فيها تحد. . وفيها كبرياء. . ولا تزيد حين تنظر إليه على أن تغلف كلماتها بالسخرية ممن صلبوه فتقول: ها. . قولوا للحجاج. . أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟! لبيك من كل أعماقنا يا أسماء. . إننا أبناؤك وإن عز البديل عن عبد الله. . إننا أبناء كلماتك الشجاعة الفذة. . أبناء أمومتك الفدائية البطلة. . التي تتحرق إلى أمثالها شوقا أعماق الوجود!! ومن هنا. . ومن نقطة انطلاقنا هذه. . نستطيع أن نلمح في إضاءة كاشفة نظرة الإسلام إلى الأمومة. . إنه يكرم في الأمومة قلبها النابض بالحب. . وعقلها الخافق بالمعرفة. . وجسدها المتأبي على نداءات الحضيض. . إنه يكرم فيها الأم. . والمدرسة. . والكيان المستعلي في كبرياء ذاتي نبيل. وحين تتحقق للأمومة هذه الأقانيم. . أعني قلبها النابض. . وعقلها الخافق. . وجسدها الكبريائي. .

стр. 1601

فإنها لا محالة مؤدية دورها على أكمل وجه. . وأبدع الأنساق. إنها ستنشر من حولها ظلال الحب الوارفة فتنشأ الطفولة في حصنها أليفة متعادلة لا تلوي بها عقد النقص. . ولا يعصف بكيانها شعور لاهب بالحرمان. إنها ستضيء عقول أبنائها بمشاعل النور والمعرفة. فلا يتخبطون في أغوار الجهالة ولا يزحفون على بطونهم في سفوح الفراغ. إنها ستلقنهم - في أسلوب عملي - قضية نظافة الجسد. . فلا يدمرونه في وهدة القاع، ولا يمزقونه على مذبح اشتهاء جنسي رخيص. وهل تستطيع الأمومة أن تؤدي هذا الدور. . أو تنهض بهذه الأعباء. . ما لم يكن لها من دينها. . وبيئتها. . ومجتمعها. . وأنماط السلوك في عالمها. . حافز. . وموجه. . ومنير؟ الذي أعرفه. . أن الإسلام كدين. . وكطراز حياة. . عني في تعاطف جم بهذه الأبعاد المضيئة في حياة الأمومة. . إنه علمها كيف تحب أبناءها. . براعيم الحياة. . في قصد معتدل. . وفي غير إسراف. . إن الحب المسرف قاتل من غير شك. . تماما كالدواء المسرف، إنه يقتل الأحياء. . ومن هنا فقد حرص الإسلام على تعميق هذه الفكرة. . وإثراء هذا الاتجاه في وجدان الأمهات. . حتى لا ينقلب الحب إلى لون حاطم من ألوان التدليل الوبيل. لقد أباح أن تضرب الأم طفلها إذا انحرف. . واستعصى انحرافه على التوجيه الهادئ. . واللوم الخفيف. فقسا ليزدجروا. . ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم ثم ماذا تستطيع الأمومة الجاهلة أن تفعله؟ هل تستطيع أن تربي جيلا من الأجيال ظامئا إلى المعرفة. . متشوقا إلى آفاق الحرية والتطلع. . والنور. .؟ إن فاقد الشيء لا يستطيع أن يهبه. . ومن هنا فقد أطلق الإسلام للمرأة جناحيها تحلق بهما في فضاء المعرفة اللانهائي. . حتى تؤهلها طبيعتها المتعلمة الواعية لتؤدي دورها كأم. . وكأم مثقفة. . ناضجة. . مكتملة النضوج تزرع في أعماق أطفالها روح النزوع الواثب الفاهم العملاق. ثم. . من هي الأم التي فقدت جسدها كأنثى. . وعرضته سلعة رخيصة في سوق النخاسات؟ هل تستطيع مثل هذه الأم أن تنبت جيلا يؤمن بعزته. . وبوطنيته. . وبأنه منحدر من أصلاب مجتمع نظيف؟ أبدا. .

стр. 1602

فالتي فقدت نفسها لا تستطيع أن تعثر على أنفس الغير. . والتي تهون في مخادع الليل المريضة الصفراء. . لا يمكن أن تضيء كفها شعلة ولا أن تدفئ أنفاسها رعشة. . ولا أن ترعرع أحضانها طفلا يريد أن يعانق على الطهر أحضان الحياة! ومن هنا كان الإسلام ثورة عاتية. . وعارمة. . على كل أنماط الأمومات الرخيصة التي تبيع الهوى. . وتنجر في بضاعة الأعراض. . إنه يؤمن بالنظافة الجسدية إيمانه بالنظافة الروحية. . حتى تستحيل الأم - في مفهوم أطفالها إلى مثل أعلى وإلى نموذج كريم. . فيشبون على خلق الطهر. . وتستقيم خطواتهم على طريق النبالة. وهكذا. . نجد أن الأمومة هي المدرسة الأولى التي تتلقف أحضانها البراعم الخضراء. . فتشكلها على نحو أو آخر. . ولذلك. . فإن عناية الإسلام بها من هذه الزاوية. . هي في الواقع عناية بحقيقة الدور الذي تؤديه. . مما يؤكد لنا أن الأمومة رسالة قبل أن تكون وعاء لحميا. . ودور قبل أن تكون كيانا مستوجب الرحمة. . وحركة بناءة قبل أن تكون شيئا يفيض بمجرد الحنان. ولكني في غمار الحديث عن الأمومة في الإسلام كدت أنسى أن البحث ليس محصورا في هذا الصدد. . وليس عائشا فحسب في هذا الإطار. إن الحديث عن الطفولة يشكل جانبا من جوانب هذا البحث. . فلأترك الأمومة الآن - على كره مني - لأتحدث عن الطفولة في الإسلام.

стр. 1603

إسماعيل الأنصاري (١) نشيد الفرح بمقدم النبي ﷺ إن خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ كان قد استقبل بنشيد يحمل الفرح العظيم بمقدمه هو: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع وقد رأيت سؤالا عن هذا النشيد هل كان حينما قدم النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرا إليها أم كان بمناسبة لقاء أهل مكة النبي ﷺ يوم الفتح، أم عند عودته من غزوة تبوك؟ فكان ذلك مما حملني على البحث عن هذه الناحية فتحصلت على ما أسرده مع بيان مستند كل قول وتعقيب ما يحتاج إلى التعقيب فيما يلي:

стр. 1604

إن هذا النشيد كان عند مقدم النبي ﷺ المدينة مهاجرا إليها، روى ذلك البيهقي في " دلائل النبوة " وابن المقري في " الشمائل " وأبو سعد في " شرف المصطفى " والخلعي في " فوائده " ولفظ البيهقي: أخبرنا أبو عمرو الأديب أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع » وقال أيضا: أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع » ثم قال البيهقي: " وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة وقد ذكرناه إلا أنه إنما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم " أ. هـ. كلام البيهقي وممن مال إلى هذا القول الإمام أبو عمر ابن عبد البر قال في كلامه على ثنية الوداع " أظنها على طريق مكة ومنها بدأ رسول الله ﷺ وظهر إلى المدينة في حين إقباله من مكة " فقال شاعرهم: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع نقل ذلك عن ابن عبد البر الحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي في " طرح التثريب " ج ٧ص ٢٢٩. لكن رواية عبد الله بن محمد المعروف بابن عائشة هذه أعلت بالإعضال وبعبارة أخرى بالانقطاع، فقد قال الحافظ أبو زرعة العراقي في " طرح التثريب في شرح التقريب " ج ٧ص ٢٤٠ - ٢٤١ " هذا الذي ذكروه

стр. 1605

أي ابن عبد البر من إنشادهم هذا الشعر عند قدومه ﵊ المدينة رواه البيهقي في دلائل النبوة وأبو الحسن المقري في كتاب الشمائل له عن ابن عائشة " ثم نقل عن والده الحافظ زين الدين العراقي أنه قال في شرح الترمذي " كلام ابن عائشة - أي المذكور - معضل لا تقوم به حجة " أ. هـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري " ج ٧ ص ٢٠٩ شرح باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة قال " أخرج أبو سعد في شرف المصطفى ورويناه في فوائد الخلعي عن طريق عبيد الله بن عائشة منقطعا «لما دخل النبي ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع » وهو سند معضل ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك " أ. هـ. ثم قال الحافظ في شرح قول السائب بن يزيد " أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع نتلقى رسول الله ﷺ وهو في باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر " قال في فتح الباري " ج ٨ ص ١٠٥ بمناسبة إيراد البخاري قول السائب المذكور (قد روينا بسند منقطع في الخلعيات قول النسوة «لما قدم النبي ﷺ المدينة: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع » فقيل ذلك عند قدومه في الهجرة - وقيل عند قدومه من غزوة تبوك " أ. هـ. هذا ما قرره الحافظان زين الدين العراقي وابن حجر العسقلاني حول رواية ابن عائشة هذه وهو الصواب ما وقع للمحب الطبري في " الرياض النضرة في مناقب العشرة " ج ١ ص١٠٦ - حيث قال: " عن ابن الفضل بن الحباب الجمحي قال سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة جعل الصبيان والنساء والولائد يقولون: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع »

стр. 1606

خرجه الحلواني على شرط الشيخين " أ. هـ. نص الرياض النضرة. فقد تعقب الزرقاني في شرح المواهب اللدنية للقسطلاني ج ١ ص ٣٥٩ قول المحب الطبري أن سند هذه الرواية على شرط الشيخين تعقبه قوله: " وفيه مغمز فالشيخان لم يخرجا لابن عائشة فلا يكون على شرطهما ولو صح الإسناد إليه " أ. هـ. الثاني من أقوال العلماء في وقت إنشاد هذا النشيد " طلع البدر علينا " أن إماء أهل مكة قلنه في رجوعهم عند لقاء النبي ﷺ يوم الفتح وأن الوداع مراد بمكة، نقل ذلك القاضي عياض في " مشارق الأنوار على صحاح الآثار ج ١ ص ١٣٦ عن كتاب ابن المظفر وتعقبه القاضي عياض بأنه خلاف ما قاله غيره من أن نساء المدينة قلنه عند دخوله المدينة وقال: والأول أصح لذكر نساء الأنصار ذلك عند مقدم النبي ﷺ المدينة فدل أنه اسم قديم لها، وقال بينها وبين الحفياء ستة أميال أو سبعة عند ابن عقبة وخمسة أو ستة عند سفيان " أ. هـ. كلام القاضي عياض ونقله عنه نور الدين علي بن أحمد السمهودي في " وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى " ج ٢ ص ١١٧٠ - ١١٧١. الثالث من الأقوال في تاريخ هذا النشيد " طلع البدر علينا " أنه عند مقدم خير الخلق ﷺ المدينة من غزوة تبوك، وتقدم ما يدل على اختيار البيهقي هذا القول، وهو أنه قال بعد ذكر القول بأن هذا النشيد عند مقدمه ﷺ المدينة مهاجرا قال: " هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة وقد ذكرناه عنده إلا أنه إنما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم ". أ. هـ. وإلى هذا القول قال الإمام ابن القيم في " زاد المعاد " قال: " «فلما دنا رسول الله ﷺ من المدينة راجعا من تبوك خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع » وبعض الرواة يهم في هذا ويقول إنما كان ذلك عند مقدمه المدينة من مكة وهو وهم ظاهر لأن ثنيات الوداع إنما هي من جهة الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام " أ. هـ. كلام ابن القيم.

стр. 1607

وأيد الحافظ أبو زرعة العراقي في " طرح التثريب " ج ٧ ص٢٤٠ هذا القول في صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: «لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس يتلقونه إلى ثنية الوداع (١)». قال أبو زرعة وهذا صريح في أنها من جهة الشام قال: " ولهذا لما نقل والدي ﵀ في شرح الترمذي كلام ابن بطال رأى في ذلك قال: إنه وهم قال: وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة " أ. هـ. قلت - القائل إسماعيل الأنصاري -: مما جاء بصدد كون هذا النشيد إثر قدوم النبي ﷺ من بعض غزواته رواه بن حبان في صحيحه قال كما في " موارد الظمآن " وزوائد ابن حبان " ص ٤٩٣ - ٤٩٤ أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا زياد بن أيوب حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح حدثني الحسين بن واقد حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «رجع رسول الله ﷺ من بعض مغازيه فجاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب على رأسك بالدف. فقال رسول الله ﷺ : إن نذرت فافعلي وإلا فلا فقالت: إني كنت نذرت. فقعد رسول الله ﷺ وضربت بالدف وقالت: أشرق البدر علينا ... من ثنيات الوداع (٢) وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع » وقد سلك المؤيدون للقول الأول في الإجابة عما أورده الإمام ابن القيم والحافظ ولي الدين العراقي المسالك التالية: ١ - ما ذكره العلامة الشيخ حسين محمد بن حسين الديار بكري في الجزء الأول من تاريخ " الخميس في أحوال أنفس نفيس " فقد قال إثر كلامهما ص ٣٤٢ (لكن قال زين الدين العراقي - أي والد ولي الدين -: يحتمل أن تكون التثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. انتهى. قال مؤلف الكتاب - يعني الديار نفسه -: يشبه أن يكون هذا هو الحق ويؤيده جمع الثنيات إذ لو كان المراد بها الموضع الذي هو من جهة الشام لم يجمع ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر عند قدومه ﵊ من مكة ومرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في صحيح البخاري وغيره - أي الذي استدل به العراقي وقد تقدم - ولا ما قاله " ابن القيم " أ. هـ. وقد نقله عنه الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ج ١ ص٣٠٠ وصرح في

стр. 1608

الجزء الثالث ص ٨٢ بما نصه " لا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة ومرة عند قدومه من تبوك فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة " أ. هـ. ٢ - أن كون ثنية الوداع شمال المدينة لا يمنع كون ذلك النشيد عند مقدم النبي ﷺ إياها للهجرة لأنه ﷺ ركب ناقته وأرخى لها زمامها وقال: «دعوها فإنها مأمورة» ومر بدور الأنصار حتى مر ببني ساعدة ودارهم في شمال المدينة قرب ثنية الوداع فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها، وقد عرج النبي ﷺ في رجوعه من بدر إلى ثنية الوداع كما في مغازي ابن عقبة أنه ﷺ سلك حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار ورجع حين رجع من ثنية الوداع. وهذا جواب نور الدين علي بن أحمد السمهودي في " وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى " ج ٤ ص ١١٧٠ عن كلام ابن القيم في زاد المعاد المتقدم واستحسنه الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ج ١ ص ٣٦٠ واعتمد عليه في نفي الوهم عن ابن عائشة الذي عناه ابن القيم في عبارة " زاد المعاد " ببعض الرواة، قال الزرقاني: " هو جواب حسن وإن كان شيخنا البابلي ﵀ يستبعده بأنه يلزم عليه أن يمر ويرجع على قباء ثانيا فلا بعد فيه ولو لزم ذلك لإرخائه زمام الناقة وكونها مأمورة ". ٣ - مسلك المجد الفيروزابادي فإنه قال بعد أن نقل عن أهل السير والتاريخ وأصحاب المسالك ثنية الوداع من جهة مكة قال: " وأهل المدينة اليوم يظنونها من جهة الشام ". وكأنهم اعتمدوا قول ابن قيم الجوزية في هديه فإنه قال: " من جهة الشام ثنيات الوداع ولا يطأها القادم من مكة البتة، ووجه الجمع أن كلتا الثنيتين تسمين بثنية الوداع " أ. هـ. كلام المجد وقد تعقبه السمهودي في " وفاء الوفاء " ج ٤ ص ١١٧٢ بقوله: " والظاهر أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة وأن ذلك عند القدوم من الهجرة مع الغفلة عما قدمناه من توجيهه وهو في الحقيقة حجة لمن ذكرها في جهة الشام، ولم أر لثنية الوداع ذكرا في سفر من الأسفار التي بجهة مكة " ثم قال السمهودي: " وإن سلم الجمع الذي ذكره المجد من الثنيتين يسمى بذلك، فالمراد من الأخبار المتقدمة كلها الموضع المتقدم بيانه في شمال المدينة، وكذلك من حديث السباق في أمد الخيل المضمرة أنه من الغامة أو الحفيا إلى ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق لانطباق المسافة المذكورة في ذلك على الموضع المتقدم كما سبق في مسجد بني زريق كما سيأتي في الحفيا، مع أن ما بين بني زريق وثنية المدرج لا يصلح للسباق أصلا وهو على نحو ضعفي ما ذكروه في المسافة " أ. هـ. كلام السمهودي. هذه مسالك العلماء في وقت إنشاد ذلك النشيد العظيم أضعها بين يدي القارئ مقرونا كل مسلك منها بما يحتاج إليه من البحث، وأرجو أن يكون في ذلك ما يمكنه من ترجيح ما يرى ترجيحه حسب الأدلة، والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 1609

تعيين مواقيت الصلاة في أي زمان ومكان على سطح الأرض بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن حاجة الإنسان إلى معرفة أوقات الصلاة (مواقيت الصلاة) أي ابتداء وقت الصلاة وكذلك نهاية هذا الوقت من الأمور الأساسية في حياة الإنسان المسلم، وعادة يعتمد الإنسان على سماع الآذان، إذا كان قريبا من المسجد، أو أنه يعتمد على التقويم إذا لم يستطع سماع الآذان. وإذا علمنا أن الأوقات المذكورة في التقاويم تخص قليلا جدا من البلدان الرئيسية مثل عواصم الأقاليم وبعض المدن الكبيرة، بينما الغالبية العظمى من المدن والقرى يحتاج تعيين وقت الصلاة بها إلى تعديل المواقيت المذكورة في التقاويم، بما يتناسب مع فروق خطوط الطول والعرض، وهذا مما لا يتيسر إلا للمختصين في دراسة علم الفلك، وكذلك فإن هنالك مناطق عديدة أخرى لا توجد لها نتائج إطلاقا. . لذلك رأيت عمل هذا البحث خدمة للأمة الإسلامية وللمسلمين المقيمين في بلدان غير إسلامية، حتى يتيسر لهم معرفة وتعيين مواقيت الصلاة بطرق سهلة ومضبوطة. وإنني أسال الله تعالى دوام التوفيق إلى الخير وإلى ما فيه صلاح المسلمين، وأن يتقبل منا هذا العمل الصغير، ويجزينا عليه من فضله الكبير، بجوده وإحسانه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1610

وإنني أتقدم بالشكر الجزيل لكل من عاون من الزملاء الأفاضل في إخراج هذا البحث إلى حيز الوجود. تحديد الشرع الإسلامي لمواقيت الصلاة من المعلوم بالبديهة أن دخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة، وأن الصلاة كذلك يجب أن تؤدى في وقتها شرعا. وسوف نورد فيما بعد تحديد هذه المواقيت كما هو متفق عليه بين أئمة المسلمين. وقد أشار إلى هذه الأوقات الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي، والنسائي عن جابر بن عبد الله، قال: «جاء جبريل إلى النبي ﷺ حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمد فصل الظهر، حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: قم فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا غاب الشفق جاءه فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح، فقال: قم يا محمد فصل الصبح (١)». وإلى هنا قد بين هذا الحديث أول كل وقت، وله بقية اشتملت على بيان نهاية الوقت ومعناها أنه جاءه في اليوم التالي «وأمره بصلاة الظهر حين بلغ ظل كل شيء مثله، وأمره بصلاة المغرب في وقتها الأول، وأمره بصلاة العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، وأمره بصلاة الصبح حين أسفر جدا، ثم قال له ما بين هذين وقت كله (٢)». فهذا الحديث وأمثاله يبين لنا مواقيت الصلاة بالعلامات الطبيعية التي هي أساس التقويم الفلكي، والساعات الفلكية (المزاول)، ونحو ذلك، وسنذكر فيما يلي آراء الأئمة الأربعة في تحديد مواقيت الصلاة تفصيلا، بصرف النظر عن تقسيم الوقت إلى ضروري واختياري عند بعضهم، لأن المقصود في هذا البحث هو تحديد أوائل ونهايات مواقيت الصلاة.

стр. 1611

وقت الظهر يدخل وقت الظهر عقب زوال الشمس، فمتى انحرفت الشمس عن وسط السماء، فإن وقت الظهر يبتدئ ويستمر إلى أن يبلغ ظل كل شيء مثله، وذلك بالإضافة إلى الظل الذي كان موجودا لهذا الشيء عند الزوال، وقد خالف في ذلك المالكية، فقالوا: إن هذا هو وقت الظهر الاختياري، أما وقته الضروري فهو من دخول وقت العصر الاختياري، ويستمر إلى وقت الغروب.

стр. 1612

وقت العصر يبتدئ وقت العصر من زيادة ظل الشيء عن مثله بدون أن يدخل في ذلك الظل الذي كان موجودا عند الزوال، وينتهي عند غروب الشمس، أما المالكية فقالوا: إن للعصر وقتان ضروري واختياري، فأما الضروري فإنه يبتدئ باصفرار الشمس في الأرض والجدران لا باصفرار عينها، لأنها لا تصفر حتى تغرب ويستمر إلى الغروب، وأما وقته الاختياري فهو من زيادة الظل عن مثله، ويستمر لاصفرار الشمس، والمشهور أن بين الظهر والعصر - عند المالكية - اشتراكا في الوقت بقدر صلاة أربع ركعات في الحضر، واثنتين في السفر.

стр. 1613

وقت المغرب يبتدئ وقت المغرب بعد مغيب جميع قرص الشمس تحت الأفق، وينتهي وقت المغرب بانتهاء الشفق الأحمر.

стр. 1614

وقال الحنفية: إن الأفق الغربي يعتريه بعد الغروب أحوال ثلاثة متعاقبة، احمرار، فبياض، فسواد. وإن الشفق المقصود هنا هو الشفق الأبيض بظهور السواد، فمتى ظهر السواد انتهى وقت المغرب. وقال المالكية: إنه لا امتداد لوقت المغرب الاختياري، وأن وقت المغرب هو فقط بقدر الزمن الذي يحتاج إليه الإنسان لأداء الأذان والإقامة والطهارة ثم الصلاة، وبذلك ينتهي وقت المغرب، أما وقتها الضروري فهو من عقب الوقت الاختياري، ويستمر إلى طلوع الفجر.

стр. 1615

وقت العشاء يبتدئ وقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر، ويستمر حتى طلوع الفجر الصادق. وقال الحنابلة: إن للعشاء وقتين، الأول الوقت الاختياري، وهو من مغيب الشفق إلى مضي ثلث الليل الأول. والثاني وهو وقت الضرورة يبتدئ من أول الثلث الثاني من الليل ويستمر إلى طلوع الفجر الصادق. وقال المالكية مثل ذلك.
следующие страницы →