﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وهو القائل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وهو القائل سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤)، فعلينا أن نتقيه سبحانه وتقواه سبحانه هي عبادته، بفعل الأوامر وترك النواهي عن خوف من الله وعن رغبة فيما عنده وعن خشية له سبحانه، وعن تعظيم لحرماته وعن محبة صادقة له سبحانه ولرسوله محمد ﷺ ولجميع المرسلين والمؤمنين، فعلينا أن نحب الله بكل قلوبنا فوق محبة كل أحد، وأن نحب رسوله ﷺ محبة صادقة فوق محبة أنفسنا وآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وغيرهم، وأن نحب الرسل عليهم الصلاة والسلام ونحب إخواننا في الله المؤمنين، فالمحبة من أفضل الواجبات ومن أهم الواجبات المحبة لله وفي الله ثم هذه المحبة لله ولرسوله توجب طاعة الأوامر وترك النواهي، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٥)، فالمحبة الصادقة لله ولرسوله وللمؤمنين تقتضي العمل بطاعة الله وإخلاص العبادة له وترك معصيته، كما تقتضي طاعة رسوله ﷺ واتباع ما جاء به والحذر مما نهى عنه، والوقوف عند الحدود التي حدها مع تقديم سننه وشرعه على أهوائنا، وتوجب أيضا محبة المؤمنين وإعانتهم على الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ومحبة الخير لهم وأداء الأمانة.
ومما يجب على المسئولين عن الناس في المستشفيات وغيرها أداء الأمانة، فالطبيب والعامل والمسئول عن الإدارة وغيرهم كلهم مسئولون عن أداء الأمانة التي وكلت إليهم في العلاج وفي الدواء وفي الرفق بالمريض وفي غير هذا من شئون التطبيب، يجب على الجميع أن يؤدوا الأمانة بكل صدق وعناية وأن
стр. 15507
يحرصوا على العناية بالدواء النافع والوقت المناسب وأن يكونوا على بينة في وضع الدواء على الداء، وأن يحذروا التساهل في ذلك وأن يرفقوا بالمريض وأن يسمع منك اللطف في الكلام وطيب الحديث؛ لأن هذا يعين على زوال المرض بإذن الله وعلى الشفاء من المرض، وهكذا الطبيبة تعنى بهذا الأمر فتكون رفيقة حكيمة كالرجل كل منهم يكون رفيقا حكيما طيب الكلام يشعر منه المريض بالحنو والعطف والمحبة والحرص على شفائه، ويعنى مع ذلك بالدواء المناسب وبالوقت المناسب وبالمقدار المناسب من الدواء حتى لا يزيد فيضر المريض وحتى لا ينقص فلا يحصل به المقصود.
كل من المسئولين عليه أن يعمل من الخير بقدر ما يستطيع وكل عليه أن يؤدي النصيحة، فالطبيب يؤدي الواجب والممرض يؤدي الواجب والمدير يؤدي الواجب، وهكذا الطبيبة والممرضة كلتاهما تؤديان الواجب، وهكذا بقية العاملين كل يتقي الله ويؤدي الأمانة التي وكلت إليه بإخلاص لله وتعظيم له سبحانه وحذر من غضبه جل وعلا، وعناية بالمريض ونصحا له ورفقا به رجاء أن يشفيه الله على يدك أيها الطبيب وعلى يديك أيتها الطبيبة، وكل المسئولين بالمستشفى عليه تقوى الله وأن يبذل الوسع والمستطاع فيما ينفع المريض ويخفف عليه المرض ويخفف عليه الآلام التي يجدها ويحس بها، ولا شك أن الكلام الطيب والأسلوب الحسن والعناية التامة كل ذلك مما يخفف عن المريض آلامه ومما يشرح له صدره ومما يعين على زوال المرض بتوفيق الله وهدايته ورحمته وإحسانه ، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم جميعا لما يرضيه وأن يمنحنا الفقه في الدين وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يوفق القائمين على هذا المستشفى وعلى رأسهم الأخ الكريم الدكتور طه الخطيب، وكذلك أسأله لجميع القائمين على مستشفيات المملكة في كل مكان أسأل الله أن يوفقهم جميعا لما يرضيه وأن يعينهم على أداء الواجب وعلى أداء الأمانة وأن يبارك في جهودهم وينفع بها المسلمين جميعا وأن ينفع جميع المعالجين في المستشفيات وأن يصلح قلوب الجميع وأعمال الجميع، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يولي عليهم
стр. 15508
خيارهم ويصلح قيادتهم ويمنح الجميع الفقه في الدين، والتمسك بشريعة الله والتحاكم إليها والحذر مما يخالفها إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، ولا يفوتني هنا أن أنبه أنه يشرع عند سماع الإنسان ما يسره من خطبة أن يقول الله أكبر أو سبحان الله، أما التصفيق الذي يفعله بعض الناس فليس من شرع الله ، بل هو منكر ومن أعمال الجاهلية التي كانوا يفعلونها، ولكن المشروع عند سماع الإنسان في الخطبة أو ما يقوله مديره أو غيره من كلمات طيبة أن يقول الله أكبر أو سبحان الله، وكذلك عندما يسمع ما يستنكر يقول سبحان الله أو الله أكبر. هكذا كان النبي ﵊ يسبح الله ويعظمه ويكبره إن سمع خيرا أو سمع ما يسوء كبر الله وعظمه وقال سبحان الله، ﵊ إنكارا للمنكر وفرحا للطيب، فنكبر الله عند سماع ما يسر ونشكره ونسبحه عند سماع ما يسر، وكذلك ننكر المنكر عند سماعه بقولنا سبحان الله أو الله أكبر أو ما أشبه ذلك من الكلمات الطيبة التي كان يتعاطاها ﵊. ولما «قال بعض الصحابة للنبي ﵊ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط لما رأوا بعض المشركين يتعلقون بالأشجار وينوطون عليها السلاح قال: الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (١)» «ولما قال له رجل نستشفع بالله عليك قال سبحان الله إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه (٢)». . والمقصود أن سنته ﷺ التكبير والتسبيح وذكر الله عند سماعه أو رؤيته ما يسر، وهكذا عند سماعه أو رؤيته ما ينكر فنقتدي به في ذلك ﵊.
ومما ينبغي التنبيه عليه أنه يجب على المريض أن يؤدي الصلاة في وقتها على حسب استطاعته إن قدر قائما فقائما، وإن لم يستطع صلى قاعدا وإن لم يستطع صلى على جنبه فإن لم يستطع فمستلقيا، ولا يجوز له تأخير الصلاة إلى وقت آخر كما يفعل بعض المرضى ويؤخرها لعله يشفى ليصليها على وجه أكمل، بل يجب على المريض أن يصلي في الوقت على حسب حاله. يقول النبي ﷺ لبعض الصحابة لما كان مريضا: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم
стр. 15509
تستطع فعلى جنب (١)» رواه البخاري في الصحيح. زاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيا»، فبين النبي ﷺ في الحديث أن الواجب على المريض أن يصلي على حسب استطاعته، قائما إذا استطاع فإن عجز الرجل أو المرأة صلى قاعدا على أي صفة كان متربعا أو محتبيا أو غير ذلك، على أي حال كان من القعود على حسب حاله، والأفضل التربع إذا تيسر ذلك لحديث عائشة ﵂ الوارد في ذلك فإن عجز عن القعود صلى على جنبه والأفضل على جنبه الأيمن إذا تيسر، فإن لم يتيسر الأيمن فالأيسر فإن عجز صلى مستلقيا على ظهره ورجلاه إلى القبلة. ثم لا بد من الوضوء مع القدرة فإن لم يستطع يتيمم بالتراب يكون عند سريره شيء من التراب في إناء أو في كيس يتيمم به عند عجزه عن الماء. والواجب على المسئولين في المستشفيات أن يضعوا تحت أسرة المرضى ما يتيممون به إذا عجزوا عن الماء لقول النبي ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره (٢)». . وفي اللفظ الآخر وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء.
والله يقول في كتابه العزيز:. . . ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)، والصعيد هو وجه الأرض وترابها، فالواجب على المسئولين في كل مستشفى وفي هذا المستشفى أن يعنوا بهذا الأمر، وعلى الأطباء والطبيبات أن يعنوا بهذا الأمر حتى لا ينسى المريض، بل يعلم ويوجه لأن يصلي على حاله قاعدا أو قائما أو على جنبه على حسب طاقته، ويعلم المريض أن عليه التيمم عند عدم قدرته على الماء وأن يصلي في الوقت ولا بأس أن يجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما جمع تقديم أو جمع تأخير، وهكذا لا بأس أن يجمع بين المغرب والعشاء في وقت إحداهما جمع تأخير أو جمع تقديم.
وفق الله الجميع لما يرضيه وأصلح حالنا جميعا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 15510
صفحة فارغة
стр. 15511
مقدار دية الكفار من غير الكتابيين
إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه وبعد:
فبناء على محضر مجلس هيئة كبار العلماء المتخذ في الدورة الحادية والعشرين الذي ينص على أن تقوم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداد بحث في مقدار دية الكفار من غير الكتابيين يشتمل على ذكر الأحاديث والآثار الواردة في ذلك وبيان كلام أهل العلم ومناقشة الآراء مع بيان صحيح الأحاديث والآثار وضعيفها.
فبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة بحثا في الموضوع شمل نقولا عن عدد من المفسرين والمحدثين والفقهاء وخلاصة ذلك بإيجاز. وفيما يلي بيان ذلك والله المستعان.
стр. 15512
أولا: نقول من أقوال المفسرين:
١ - قال ابن جرير ﵀:
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١).
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٢) وإن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ (٣) أيها المؤمنون ﴿وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٤) أي: عهد وذمة وليسوا أهل حرب لكم ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٥) يقول: فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٦) كفارة لقتله.
стр. 15513
ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق. أهو مؤمن أو كافر؟
فقال بعضهم: هو كافر، إلا أنه لزمت قاتله ديته؛ لأن له ولقومه عهدا فواجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين، وإنها مال من أموالهم ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم.
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) يقول: إذا كان كافرا في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله. وتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب قال، سمعت الزهري يقول: دية الذمي دية المسلم. قال: وكان يتأول: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)
حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عيسى ابن أبي المغيرة، عن الشعبي في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣) قال: من أهل العهد، وليس بمؤمن.
حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن مهدي عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٤) وليس بمؤمن.
حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥) بقتله، أي: بالذي أصاب من أهل ذمته وعهده.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٦) الآية.
حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٧)
стр. 15514
يقول: فأدوا إليهم الدية بالميثاق. قال وأهل الذمة يدخلون في هذا، وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
وقال آخرون: بل هو مؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين لأنهم أهل ذمة.
ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) قال: هذا الرجل المسلم وقومه مشركون لهم عقد، فتكون ديته لقومه وميراثه للمسلمين ويعقل عنه قومه ولهم ديته. حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك عن هشيم عن أبي إسحاق الكوفي عن جابر بن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٢) قال وهو مؤمن.
حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٣) قال: كلهم مؤمن.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: عنى بذلك المقتول من أهل العهد لأن الله أبهم ذلك فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾ (٤) ولم يقل: (وهو مؤمن)، كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب، وعنى المقتول منهم وهو مؤمن فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل، الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك.
فإن ظن. ظان أن قوله ﵎: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٥) دليلا على أنه من أهل الإيمان؛ لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن. فقد ظن خطأ. وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء، لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء. فكذلك حكم
стр. 15515
ديات أحرارهم سواء، مع أن دياتهم لو كانت على ما قال من خالفنا في ذلك، فجعلها على النصف من ديات أهل الإيمان أو على الثلث، لم يكن في ذلك دليل على أن المعني بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) من أهل الإيمان؛ لأن دية المؤمنة لا خلاف بين الجميع - إلا من لا يعد خلافا - أنها على النصف من دية المؤمن وذلك غير مخرجها من أن تكون دية. فكذلك حكم ديات أهل الذمة، لو كانت مقصرة عن ديات أهل الإيمان، لم يخرجها ذلك من أن تكون ديات. فكيف والأمر في ذلك بخلافه، ودياتهم وديات المؤمنين سواء؟
وأما (الميثاق) فإنه العهد والذمة. وقد بينا في غير هذا الموضع أن ذلك كذلك والأصل الذي منه أخذ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٢) يقول: عهد.
حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٣) قال: هو المعاهدة.
حدثني المثنى قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٤) عهد.
حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة مثله.
فإن قال قائل: وما صفة الخطأ، الذي إذا قتل المؤمن المؤمن أو المعاهد لزمته ديته والكفارة؟
стр. 15516
قيل: هو ما قال النخعي في ذلك، وذلك ما حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن المغيرة عن إبراهيم قال: (الخطأ) أن يريد الشيء فيصيب غيره.
حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: (الخطأ) أن يرمي الشيء فيصيب إنسانا وهو لا يريده، فهو خطأ، وهو على العاقلة.
فإن قال: فما الدية الواجبة في ذلك؟
قيل: أما في قتل المؤمن فمائة من الإبل، إن كان من أهل الإبل، على عاقلة قاتله لا خلاف بين الجميع في ذلك، وإن كان في مبلغ أسنانها اختلاف بين أهل العلم.
فمنهم من يقول: هي أرباع: خمس وعشرون منها حقة، وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علي ﵁ في الخطأ شبه العمد: ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربعة وثلاثون ثنية إلى بازل عامها.
وفي الخطأ: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن فراس والشيباني عن الشعبي عن علي بن أبي طالب بمثله.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ بنحوه.
حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن فضيل عن أشعث بن سوار عن الشعبي عن علي ﵁ أنه قال في قتل الخطأ: الدية مائة
стр. 15517
أرباعا ثم ذكر مثله.
وقال آخرون: هي أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وعشرون بنات مخاض.
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد عن قتادة عن أبي مجلز: عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: في الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون وعشرون بنى لبون وعشرون بنات مخاض.
حدثني واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن فضيل عن أشعث عن عامر عن عبد الله بن مسعود في قتل الخطأ: مائة من الإبل أخماسا: خمس جذاع وخمس حقاق، وخمس بنات لبون وخمس بنات مخاض وخمس بنو مخاض.
حدثنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا يزيد قال: أخبرنا سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: الدية أخماس، دية الخطأ: خمس بنات مخاض وخمس بنات لبون وخمسة حقاق وخمس جذاع وخمس بنو مخاض.
واعتل قائلو هذه المقالة بحديث: حدثنا به أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة وأبو خالد الأحمر عن حجاج عن زيد بن جبير، عن الخشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود: «أن النبي ﷺ قضى في الدية في الخطأ أخماسا» - قال: أبو هشام، قال ابن أبي زائدة: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون ابنة لبون، وعشرون ابنة مخاض، وعشرون بني مخاض.
حدثنا أبو هشام قال حدثنا يحيى عن أبيه عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله أنه قضى بذلك.
стр. 15518
وقال آخرون: هي أرباع، غير أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون ذكور.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: حدثني محمد بن بكر قال: حدثنا سعيد عن قتادة - عن عبد ربه عن أبي عياض. عن عثمان وزيد بن ثابت قالا: في الخطأ شبه العمد: أربعون جذعة خلفه، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات مخاض. وفي الخطأ ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو لبون ذكور.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت: في دية الخطأ: ثلاثون حقة وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض وعشرون بنو لبون ذكور.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو عثمة قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن عثمان بن عفان ﵁ قال وحدثنا سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت مثله.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن الجميع مجمعون أن في الخطأ المحض على أهل الإبل: مائة من الإبل.
ثم اختلفوا في مبالغ أسنانها. وأجمعوا على أنه لا يقصر بها في الذي وجبت له الأسنان عن أقل ما ذكرنا من أسنانها التي حدها الذين ذكرنا اختلافهم فيها. وأنه لا يجاوز بها في الذي وجبت له عن أعلاها. وإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا. الواجب أن يكون مجزيا من لزمته دية قتيل خطأ. أي هذه الأسنان التي اختلف المختلفون فيها. أداها إلى من وجبت له؛ لأن الله تعالى لم يحد ذلك بحد لا يجاوز به ولا يقصر عنه ولا رسوله إلا ما ذكرت من إجماعهم فيما أجمعوا عليه، فإنه ليس للإمام مجاوزة ذلك في الحكم بتقصير ولا زيادة وله التخيير فيما بين ذلك بما رأى الصلاح فيه للفريقين. وإن كانت عاقلة القاتل من أهل الذهب فإن لورثة القتيل عليهم عندنا
стр. 15519
ألف دينار وعليه علماء الأمصار.
وقال بعضهم: ذلك تقويم من عمر رحمة الله عليه للإبل على أهل الذهب في عصره، والواجب أن يقوم في كل زمان قيمتها إذا عدم الإبل عاقلة القاتل واعتلوا بما حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن مكحول قال: كانت الدية ترتفع وتنخفض. فتوفى رسول الله ﷺ وهي ثمانمائة دينار فخشي عمر من بعد فجعلها اثني عشر ألف درهم وألف دينار.
وأما الذين أوجبوها في كل زمان على أهل الذهب ذهبا ألف دينار. فقالوا: ذلك فريضة فرضها الله على لسان رسوله كما فرض الإبل على أهل الإبل. قالوا: وفي إجماع علماء الأمصار في كل عصر وزمان. إلا من شذ عنهم على أنها لا تزاد على ألف دينار ولا تنقص عنها، أوضح الدليل على أنها الواجبة على أهل الذهب وجوب الإبل على أهل الإبل؛ لأنها لو كانت قيمة لمائة من الإبل لاختلف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل.
وهذا القول هو الحق في ذلك لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه.
وأما من الورق على أهل الورق عندنا فاثنا عشر ألف درهم، وقد بينا العلل في ذلك في كتابنا " كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام ".
وقال آخرون؛ إنما على أهل الورق من الورق عشرة آلاف درهم.
وأما دية المعاهد الذي بيننا وبين قومه ميثاق. فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها، فقال بعضهم: ديته ودية الحر المسلم سواء.
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا بشر بن السرى عن إبراهيم بن سعد عن الزهري: أن أبا بكر وعثمان - رضوان الله عليهما - كانا يجعلان دية اليهودي والنصراني إذا كان معاهدين كدية المسلم.
حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا بشر بن السرى عن
стр. 15520
الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الحكم بن عيينة: أن مسعود كان يجعل دية أهل الكتاب إذا كانوا أقل ذمة كدية المسلمين.
حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن حماد قال: سألني عبد الحميد عن دية أهل الكتاب، فأخبرته أن إبراهيم قال: إن ديتهم وديتنا سواء.
حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا حماد عن إبراهيم وداود عن الشعبي أنهما قالا: دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يقال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي كدية المسلم إذا كانت له.
حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء أنهما قالا: دية المعاهد دية المسلم.
حدثنا سوار بن عبد الله قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا المسعودي عن حماد عن إبراهيم أنه قال: دية المسلم والمعاهد سواء.
حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية عن أيوب قال، سمعت الزهري يقول دية الذمي دية المسلم.
حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن أشعث عن عامر قال: دية الذمي مثل دية المسلم.
حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم مثله.
حدثني أبو السائب قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم مثله.
حدثنا عبد الحميد بن بيان قال أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل عن
стр. 15521
عامر وبلغه أن الحسن كان يقول: (دية المجوسي ثمانمائة ودية اليهودي والنصراني أربعة آلاف) قال: ديتهم واحدة.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن الشعبي قال: دية المعاهد والمسلم في كفارتهما سواء.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم قال دية المعاهد والمسلم سواء.
وقال آخرون: بل ديته عن النصف من دية المسلم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود عن عمرو بن شعيب في دية اليهودي والنصراني قال: جعلها عمر بن الخطاب ﵁ نصف دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة، فقلت لعمرو بن شعيب: إن الحسن يقول (أربعة آلاف) قال كان ذلك قبل الغلمة، وقال إنما جعل دية المجوسي بمنزلة العبد.
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبد الله الأشجعي عن سفيان عن أبي الزناد عن عمر بن عبد العزيز قال: دية المعاهد على النصف من دية المسلم.
وقال آخرون: بل ديته على الثلث من دية المسلم ذكر من قال ذلك: حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن فضيل عن مطرف عن أبي عثمان، قال: وكان قاضيا لأهل مرو - قال: جعل عمر ﵁ دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف.
حدثنا عمار بن خالد الواسطي قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن الأعمش عن ثابت عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: دية النصراني أربعة آلاف والمجوسي ثمانمائة.
حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا شعبة عن ثابت قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: قال عمر: دية أهل الكتاب أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة.
стр. 15522
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن ثابت عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال فذكر مثله.
حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أبي المليح أن رجلا من قومه رمى يهوديا أو نصرانيا بسهم فقتله، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأغرمه ديته أربعة آلاف.
وبه عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا بعض أصحابنا عن سعيد بن المسيب عن عمر مثله.
قال: حدثنا هشيم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن عمر مثله.
قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف والمجوسي ثمانمائة.
حدثنا سوار بن عبد الله قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا عبد الملك عن عطاء مثله.
حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك في قوله ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (١) الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء. اهـ (٢).
стр. 15523
٢ - قال الجصاص ﵀:
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي وسفيان الثوري والحسن بن صالح: دية الكافر مثل دية المسلم، واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي سواء، وقال مالك ابن أنس: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك، وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث الدية، ودية المجوسي ثمانمائة والمرأة على النصف. قال أبو بكر الدليل على مساواتهم المسلمين في الديات قوله
стр. 15524
عز وجل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)، والدية اسم لمقدار معلوم من المال بدلا من نفس الحر؛ لأن الديات قد كانت متعالمة معروفة بينهم قبل الإسلام وبعده فرجع الكلام إليها في قوله في قتل المؤمن خطأ ثم لما عطف عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣) كانت هذه الدية هي الدية المذكور بديا إذ لو لم تكن كذلك لما كانت دية لأن الدية اسم لمقدار معلوم من بدل النفس لا يزيد ولا ينقص، وقد كانوا قبل ذلك يعرفون مقادير الديات ولم يكونوا يعرفون الفرق بين دية المسلم والكافر، فوجب أن تكون الدية المذكورة للكافر هي التي ذكرت للمسلم وأن يكون قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٤) راجعا إليها كما علم من دية المسلم إنها المعتاد المتعارف عندهم ولولا أن ذلك كذلك؛ لكان اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان وليس الأمر كذلك. فإن قيل فقوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٥) لا يدل على أنها مثل دية المسلم، كما أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ولا يخرجها ذلك من أن تكون دية كاملة لها. قيل له هذا غلط من وجهين، أحدهما: أن الله تعالى إنما ذكر الرجل في الآية فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (٦) ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٧) فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم كمال الدية كذلك دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف عندهم في مقدار الدية، والوجه الآخر أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية وإنما يتناولها الاسم مقيدا، ألا ترى أنه يقال دية المرأة نصف الدية، وإطلاق اسم الدية إنما يقع على المتعارف المعتاد وهو كمالها، فإن قيل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٨) يحتمل أن يريد به وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فاكتفى بذكر الإيمان للقتيلين الأولين عن إعادته في القتيل الثالث، قيل له هذا غلط من وجوه، أحدها أنه قد تقدم في أول الخطاب ذكر القتيل المؤمن وحكمه وذلك عموم يقتضي سائر المؤمنين إلا ما
стр. 15525
خصه الدليل فغير جائز إعادة ذكر المؤمن بذلك الحكم في سياق الآية مع شمول أول الآية له ولغيره، فعلمنا أنه لم يرد المؤمن ممن كان بيننا وبينهم ميثاق، والثاني لما لم يقيده بذكر الإيمان وجب إجراؤه في الجميع من المؤمنين والكفار من قوم بيننا وبينهم ميثاق وغير جائز تخصيصه بالمؤمنين دون الكافرين بغير دلالة، والثالث أن إطلاق القول بأنه من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهدا مثلهم، ألا ترى أن قول القائل أن هذا الرجل من أهل الذمة يفيد أنه ذمي مثلهم، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) يوجب أن يكون معاهدا مثلهم، ألا ترى أنه لما أراد بيان حكم المؤمن إذا كان من ذوي أنساب المشركين قال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢) فقيده بذكر الإيمان لأنه لو أطلقه لكان المفهوم منه أنه كافر مثلهم، والرابع أنه لو كان كما قال هذا القائل لما كانت الدية مسلمة إلى أهله؛ لأن أهله كفار لا يرثونه، فهذه الوجوه كلها تقتضي المساواة وفساد هذا التأويل. ويدل على صحة قول أصحابنا أيضا ما رواه محمد ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لما نزلت: الآية. قال: كان إذا قتل بنو النضير من بني قريظة قتيلا أدوا نصف الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا الدية إليهم، قال: فسوى رسول الله ﷺ بينهم في الدية (٤)». قال أبو بكر: لما قال أدوا الدية ثم قال سوى بينهم في الدية دل ذلك على أنه راجع إلى الدية المعهودة المبدوء بذكرها؛ لأنه لو كان رد بني النضير إلى نصفها لقال سوى بينهم في نصف الدية ولم يقل سوى بينهم في الدية، ويدل عليه أيضا قول النبي ﷺ في النفس مائة من الإبل وهو عام في الكافر والمسلم. وروى مقسم عن ابن عباس «أن النبي ﷺ ودى العامريين وكانا مشركين دية الحرين المسلمين (٥)»، وروى محمد بن عبدوس قال: حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا أبو بكر قال سمعت نافعا عن ابن عمر «عن النبي ﷺ أنه ودى ذميا دية مسلم»، وهذان الخبران يوجبان مساواة الكافر للمسلم في الدية؛ لأنه معلوم أن النبي ﷺ وداهما بما في الآية في قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٦) فدل على أن
стр. 15526
المراد من الآية دية المسلم، وأيضا لما لم يكن مقدار الدية مبينا في الكتاب كان فعل النبي ﷺ في ذلك واردا مورد البيان وفعله ﷺ إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب، وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن أبي الهيثم «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا دية المعاهد دية الحر المسلم»، وروى إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودي والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم. وروى سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن عبد الله بن الحكم أخبره أن رفاعة بن السموءل اليهودي قتل بالشام فجعل عمر ديته ألف دينار. وروى محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن مسعود قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين، وهو قول علقمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والشعبي. وروى الزهري عن سالم عن أبيه أن مسلما قتل كافرا من أهل العقد، فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم فهذه الأخبار وما ذكرنا من أقاويل السلف مع موافقتها لظاهر الآية توجب مساواة الكافر للمسلم في الديات. وقد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة. قال سعيد وقضى عثمان في دية المعاهد بأربعة آلاف. قال أبو بكر وقد روي عنهما خلاف ذلك وقد ذكرناه. واحتج المخالف بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح قال في خطبته: «ودية الكافر نصف دية المسلم (١)». وبما روى عبد الله بن صالح قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «دية المجوسي ثمانمائة (٢)». قيل له قد علمنا حضور هؤلاء الصحابة الذين ذكرنا عنهم مقدار الدية خطبة النبي ﷺ بمكة فلو كان ذلك ثابتا لعرفه هؤلاء ولما عدلوا عنه إلى غيره، وأيضا قد روي عنه ﷺ أنه قال «دية المعاهد مثل دية المسلم وأنه ودى العامريين دية الحرين المسلمين (٣)»، وهذا أولى لما فيه من الزيادة ولو تعارض الخبران؛ لكان ما اقتضاه ظاهر الكتاب وما ورد به النقل المتواتر عن الرسول ﷺ في أن الدية مائة من الإبل من غير فصل فيه بين المسلم والكافر أولى، فوجب تساويهما في الديات، وأما حديث عقبة بن عامر في
стр. 15527
دية المجوسي فإنه حديث واه لا يحتج بمثله؛ لأن ابن لهيعة ضعيف لا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه. فإن قيل قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) عطفا على ما ذكر في دية المسلم لا يدل على تساوي الديتين كما لو قال من قتل عبدا فعليه قيمته، ومن استهلك ثوبا فعليه قيمته لم يدل على تساوي القيمتين قيل له الفرق بينهما أن الدية اسم لمقدار من المال بدلا من نفس الحر كانت معلومة المقدار عندهم وهي مائة من الإبل، فمتى أطلقت كان من مفهوم اللفظ هذا القدر فإطلاق لفظ الدية قد أنبأ عن هذا المعنى، وعطفها على الدية المتقدمة مع تساوي اللفظ فيهما بأنها دية مسلمة قد اقتضى ذلك أيضا، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب (٢).
стр. 15528
٣ - قال ابن كثير ﵀:
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) الآية، أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء، وقيل يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام (٢).
стр. 15529
٤ - قال القرطبي ﵀:
واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل الكتاب، فقال مالك وأصحابه هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم ودية نسائهم على النصف من ذلك. روي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب، وقال به أحمد به حنبل. وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ جعل دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم (١)»، وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري أيضا. وقال ابن عباس والشعبي والنخعي المقتول من أهل العهد خطأ لا تبالي مؤمنا كان أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم، وهو قول أبي
стр. 15530
حنيفة والثوري وعثمان البتي والحسن بن حيي، جعلوا الديات كلها سواء، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي، والمعاهد والذمي، وهو قول عطاء والزهري وسعيد بن المسيب. وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ﴾ (١) وذلك يقتضي الدية كاملة كدية المسلم. وعضدوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة، «عن ابن عباس في قصة بني قريظة والنضير أن رسول الله ﷺ جعل ديتهم سواء دية كاملة». قال أبو عمر: هذا حديث به لين وليس في مثله حجة. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وحجته أن ذلك أقل ما قيل في ذلك، والذمة بريئة إلا بيقين أرجحه وروي هذا القول عن عمر وعثمان، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وأبو ثور وإسحاق (٢).
стр. 15531
٥ - قال ابن العربي ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) والميثاق هو العهد المؤكد الذي قد ارتبط وانتظم ومنه الوثيقة ففيه الدية.
قال ابن عباس: هذا هو الكافر الذي له ولقومه العهد فعلى قاتله الدية لأهله والكفارة لله سبحانه، وبه قال جماعة من التابعين والشافعي.
وقال مالك وابن زيد والحسن: المراد به وهو مؤمن. واختار الطبري أن يكون المراد به المقتول الكافر من أهل العهد لأن الله سبحانه أهمله ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب، وإطلاقه ما قيد قبل ذلك دليل أنه خلافه.
وهذا عند علمائنا محمول على ما قبله من وجهين: أحدهما: أن هذه الجملة نسقت على ما قبلها وربطت بها فوجب أن يكون حكمها حكمه.
стр. 15532
الثاني: أن الله سبحانه قال: (فدية مسلمة) - وقد اختلف الناس في دية الكافر فمنهم من جعلها كدية المسلم، وهو أبو حنيفة وجماعة، ومنهم من جعلها على النصف وهو مالك وجماعة، ومنهم من جعلها ثلث دية المسلم، وهو الشافعي وجماعة والدية المسلمة هي الموفرة.
قال القاضي: والذي عندي أن هذه الجملة محمولة على ما قبلها حمل المطلق على المقيد وهو أصل من أصول الفقه اختلف الناس فيه. وقد أتينا فيه بالعجب في المحصول، وهو عندي لا يلحق إلا بالقياس عليه.
والدليل على حمل هذه الجملة على التي قبلها أمران: أحدهما: أن الكفارة إنما هي لأنه أتلف شخصا عن عبادة الله فيلزمه أن يخلص آخر لها.
والثاني: أن الكفارة إنما هي زجر عن الاسترسال وتقاة للحذر وحمل على التثبت عند الرمي وهذا إنما هو في حق المسلم. وأما في حق الكافر فلا يلزم فيه مثل هذا. ونحرر هذا قياسا فنقول: كل كافر لا كفارة في قتله (كالمستأمن وقد اتفقنا على أنه لا كفارة في قتله) ولا عذر لهم عنه به احتفال.
المسألة الخامسة عشرة: إذا أثبت أن المذكور في هذه الجملة هو المؤمن. فمن قتل كافرا خطأ وله عهد ففيه الدية إجماعا.
وقد اختلفوا فيه كما تقدم، وهو أصل بديع في رفع الدماء ونحن: نمهد فيه قاعدة قوية فنقول: مبنى الديات في الشريعة على التفاضل في الحرمة والتفاوت في المرتبة؛ لأنه حق مالي يتفاوت بالصفات بخلاف القتل؛ لأنه لما شرع زجرا لم يعتبر فيه ذلك التفاوت. فإذا ثبت هذا نظرنا إلى الدية فوجدنا الأنثى تنقص فيه عن الذكر ولا بد أن يكون للمسلم مزية على الكافر فوجب ألا يساويه في ديته.
стр. 15533
وزاد الشافعي نظرا فقال: إن الأنثى المسلمة فوق الكافر الذكر. فوجب أن تنقص ديته عن ديتها. فتكون ديته ثلث دية المسلم.
وقال مالك بقضاء عمر وهو النصف إذ لم يراع الصحابة التفاوت بينهما إلا في درجة واحدة، ولم يتبع ذلك إلى أقصاه وليس بعد قضاء عمر بمحضر من الصحابة نظر.
وما روي «عن النبي ﷺ أنه أعطى في ذي العهد مثل دية المسلم»، فإنما كان على معنى الاستئلاف لقومهم إذ كان يؤديه من قبل نفسه ولا يرتبها على العاقلة وإلا، فقد استقر ما استقر على يد عمر. حتى جعل في المجوسي ثمانمائة درهم لنقصه عن أهل الكتاب، وهذا يدل على مراعاة التفاوت واعتبار نقص المرتبة (١).
стр. 15534
٦ - قال محمد رشيد رضا:
في تفسير المنار - الجزء الخامس ص ٣٣٤ - على الآية الكريمة ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) وهم المعاهدون لكم على السلم لا يقاتلونكم ولا تقاتلونهم كما عليه الدول في هذا العصر كلهم معاهدون قد أعطى كل منهم للآخر ميثاقا على ذلك، وهو ما يعبر عنه بالمعاهدات وحقوق الدولة ومثلهم أهل الذمة بعموم الميثاق أو بقياس الأولى ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢) أي فالواجب في قتل المعاهد والذمي هو كالواجب في قتل المؤمن - دية إلى أهله تكون عوضا عن حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق الله تعالى الذي حرم قتل الذميين والمعاهدين كما حرم قتل المؤمنين - وقد نكر الدية هنا كما نكرها هناك، أي في حق قتل المؤمن وظاهره أنه يجزئ كل ما يحصل به التراضي وأن للعرف العام والخاص حكمه في ذلك ولا سيما إذا ذكر في عقد الميثاق أن من قتل تكون ديته كذا وكذا، فإن هذا النص أجدر بالتراضي وأقطع لعرف النزاع (٣).
стр. 15535
ثانيا: أحاديث وآثار و نقول عن المحدثين وشراح الحديث:
١ - (أ) قال أبو داود في (باب في دية الذمي) من سننه جـ٢ ص ٥٠٠ طبعة مصطفى البابي الحلبي (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: «دية المعاهد نصف دية الحر (١)» قال أبو داود رواه أسامة بن زيد الليثي، وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب مثله.
وقال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي في الجزء الرابع من معالم السنن ص ٣٧ ط المطبعة العلمية بحلب في كلامه على هذا الحديث ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، وهو قول مالك وابن شبرمة وأحمد بن حنبل غير أن أحمد قال إذا كان القتل خطأ فإن كان عمدا لم يعد به ويضاعف عليه باثني عشر ألفا، وبعد أن تعرض الخطابي للخلاف في دية الذمي قال: قلت: وقول رسول الله ﷺ أولى ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد ويعضده حديث آخر وقد رويناه فيما تقدم من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف (٢)».
وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود جـ ٦ ص ٣٧٤ في كلامه على حديث أبي داود هذا: (هذا الحديث صحيح إلى عمرو بن شعيب والجمهور يحتجون به في غير موضع، واحتج به الأئمة كلهم في الديات) انتهى كلام ابن القيم.
(ب) وقال النسائي في (كم دية الكافر) من سننه جـ ٨ ص ٤٥ طبعة المطبعة المصرية بالأزهر (أخبرنا أحمد بن عمرو بن المسرح قال: أنبأنا ابن وهب، قال أخبرني أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب
стр. 15536
عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «عقل الكافر نصف عقل المؤمن (١)».
(ج) وقال الترمذي في (باب ما جاء في دية الكفار) من جامعه جـ ٦ ص ١٨١ - ١٨٢ المطبعة المصرية بالأزهر حدثنا عيسى بن أحمد حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقتل مسلم بكافر (٢)» وبهذا الإسناد قال عن النبي ﷺ قال: «دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن (٣)» ثم قال الترمذي: " حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب حديث حسن "، وذكر الترمذي أن بعض أهل العلم الذين اختلفوا في دية اليهودي والنصراني ذهب إلى ما دل عليه هذا الحديث وذكر منهم عمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى.
(د) وقال النسائي في (كم دية الكافر) من سننه جـ ٨ ص ٤٥ أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن عن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى وذكر كلمة معناها عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى (٤)».
(هـ) وقال ابن ماجه في (باب دية الكافر) من سننه جـ ٢ ص ١٤٢ ط المطبعة التازية. حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قضى: «أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى (٥)». وعبد الرحمن بن عياش راوي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، وعبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وهو الذي ورد ذكره في قول أبي داود بعد روايته حديث: «دية المعاهد نصف دية الحر (٦)» من طريق
стр. 15537
محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، " رواه أسامة بن زيد الليثي وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب مثله " اهـ. وهو - أي عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش - وإن قال فيه أحمد متروك وضعفه علي بن المديني، وقال النسائي ليس بالقوي، فقد قال ابن نمير لا أقدم على ترك حديثه، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين ليس به بأس، وقال ابن أبي خيشه عن ابن معين صالح وقال أبو حاتم شيخ وقال العجلي مدني ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من أهل العلم (ذكر ذلك كله الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي جـ ٦ ص ١٥٥ ثم قال في ص ٢٤٧، عبد الرحمن بن عياش عن عمرو بن شعيب وغيره، وعنه أبو إسحاق الفزاري وغيره هو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة تقدم) اهـ.
تنبيه: لا يرد على الأحاديث المذكورة كونها من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإن هذه الترجمة وإن تكلم فيها بعض الحفاظ، فقد احتج بها من أئمة الحديث الأجلاء من سيأتي ذكره فيما يلي:
١ - قال الترمذي في (باب كراهة البيع والشراء وإنشاد الشعر في المسجد) في جامعه جـ ٢ ص ١١٨ - ١١٩ بعد روايته حديثا في ذلك الباب من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ وحسنه قال: (وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال محمد بن إسماعيل رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب. قال محمد وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو قال أبو عيسى ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه لأنه يحدث عن صحيفة جده كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده قال علي بن عبد الله وذكر عن يحيى بن سعيد أنه قال حديث
стр. 15538
عمرو بن شعيب عندنا واه). وقال في باب ما جاء في زكاة مال اليتيم من جامعه ص ١٢٧ جـ ٣ بعد روايته حديث الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو، وقد تكلم يحيى بن سعيد في حديث عمرو بن شعيب وقال هو عندنا واه ومن ضعفه، فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث من صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب فيثبتونه منهم أحمد وإسحاق وغيرهما.
٢ - وقال الدارقطني في الجزء الثاني من سننه ص ٣١٠ ط المطبع الفاروقي " هلى " حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا عبد الله بن محمد بن زياد أنا أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثني عمي، حدثني مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول سمعت شعيبا، يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل لأحد أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله (١)»، ثم قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري نا محمد بن علي الوراق قال: قلت لأحمد بن حنبل عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئا قال: يقول حدثني أبي، قال قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو قال: نعم أراه قد سمع منه سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، قال أبو بكر النيسابوري: نا محمد بن يحيى بن فارس وأحمد بن منصور بن راشد، وعلي بن حرب قالوا: نا محمد بن عبيد نا عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأة، فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال أذهب إلى ذلك فأسأله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل فذهبت معه فسأل ابن عمر فقال بطل حجك قال فقال
стр. 15539
الرجل أقعد، قال: بل تخرج مع الناس وتصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلا فحج واهد، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره ثم قال له اذهب إلى ابن عباس فاسأله، قال شعيب فذهبت معه فسأله، فقال له مثل ما قال له عبد الله بن عمرو، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره بما قال ابن عباس ثم قال: ما تقول أنت؟ قال أقول ما قالا ثنا محمد بن الحسن النقاش نا أحمد بن تميم، قال قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري شعيب والد عمرو بن شعيب سمع من عبد الله بن عمرو قال: نعم، قلت له: فعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يتكلم الناس فيه قال رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به، قال قلت فمن يتكلم يقول ماذا، قال يقولون إن عمرو بن شعيب أكثر أو نحو هذا) اهـ. نص الدارقطني.
٣ - وقال الحاكم في الجزء الثاني من المستدرك ص ٤٦ - ٤٧ طبعة حيدراباد بعد روايته حديث: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطى ولده). الحديث من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس ﵃، عن النبي ﷺ قال حديث صحيح الإسناد، فإني لا أعلم خلافا في عدالة عمرو بن شعيب إنما اختلفوا في سماع أبيه من جده. حدثنا علي بن حمشاذ العدل ثنا هشام بن علي، ومحمد بن غالب قالا ثنا مولى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها (١)»، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. سمعت علي بن عمر الحافظ يعني الدارقطني - يقول سمعت أبا بكر بن زياد الفقيه النيسابوري يقول: سمعت محمد بن علي بن حمدان الوراق يقول: قلت لأحمد بن حنبل عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئا، فقال هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وقد صح سماع عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن
стр. 15540
عمرو، وقال في ص ٥ بعد روايته حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال في كنز وجده رجل: (إن كنت وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل ميتاء فعرفه، وإن كنت وجدته في خربة جاهلية أو في قرية غير مسكونة أو غير سبيل ميتاء ففيه وفي الركاز الخمس) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قد أكثرت في هذا الكتاب الحجج في تصحيح روايات عمرو بن شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة ولا يذكر عنه أحسن من هذه الروايات، وكنت أطلب الحجة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو فلم أصل إليها (١) إلى هذا الوقت، حدثني أبو الحسن علي بن عمر الحافظ - يعني الدارقطني - ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد الفقيه النيسابوري، ثنا محمد بن عبيد ثنا عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأة فأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فسله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال بطل حجك، فقال الرجل ما أصنع؟ فقال احرم مع الناس واصنع ما يصنعون وإذا أدركت قابلا فحج واهد، فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه فقال اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال ما تقول أنت فقال قولي مثل ما قالا. (هذا حديث ثقات رواية حفاظ وهو كالأخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو) اهـ. كلام الحاكم، وقد قال الزيلعي في جـ ٣ من نصب الراية في كلامه على هذا الحديث بعد إيراده عن طريق سنن الدارقطني ما نصه (وعن الدارقطني رواه الحاكم وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة، وقال إسناده صحيح وفيه دلالة على صحة سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ومن ابن عباس) انتهى، وقال الشيخ في الإمام رجاله كلهم ثقات مشهورون اهـ.
стр. 15541
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في (التقصي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك) ص ٢٥٥ نشر مكتبة القدسي، قال: (حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مقبول عند أكثر أهل العلم بالنقل أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: أخبرنا علي بن المديني قال: عمرو بن شعيب هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، سمع عمرو بن شعيب من أبيه وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو بن العاص) اهـ.
стр. 15542
٢ - ما ورد من الأحاديث المرفوعة في أن دية الذمي كدية المسلم:
(أ) قال الدارقطني في الجزء الثاني من سننه ص ٣٤٩ نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن بهلول نا جدي نا أبي حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد «أن رسول الله ﷺ جعل دية المعاهد كدية المسلم» (قال الدارقطني) عثمان هو الوقاصي متروك الحديث اهـ كلام الدارقطني. وعثمان الوقاصي الذي أعل به هذا الحديث قال فيه البخاري تركوه، وقال ابن معين: ليس بشيء وقال مرة يكذب وضعفه علي بن المديني جدا، وقال النسائي والدارقطني متروك ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال جـ٣ ص ٤٢.
(ب) قال عبد الرزاق في مصنفه جـ ١٠ ص ٩٢ عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم، وأنه ينفى من أرضه إلى غيرها، وأن رجلا من خثعم قتل رجلا من أهل الحرة على عهد عمر بن عبد العزيز وأن عمر نفاه إلى أرض خثعم، أو قال مربيته. قال عمرو فكان عندنا حتى جهزناه إلى قومه فانطلق، ومن طريق عبد الرزاق روى الدارقطني المرفوع من هذا الحديث وزاد وإن رسول الله ﷺ جعل عقل أهل الكتاب من
стр. 15543
اليهود والنصارى على النصف من عقل المسلمين، وقال الدارقطني في سننه جـ٢ ص ٣٤٩ نا محمد بن إسماعيل الفارسي نا إسحاق ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن شعيب «أن رسول الله ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم» «وأن رسول الله ﷺ جعل عقل أهل الكتاب من اليهود والنصارى على النصف من عقل المسلمين (١)». قال الزيلعي في نصب الراية في حديث عبد الرزاق هذا هو معضل (٢) وهذا الحديث عند البيهقي أيضا في سننه جـ ٨ ص ١٠ من غير طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنبا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ثنا محمد بن عبد الوهاب، أنبا جعفر بن عون أنبا ابن جريج، أخبرني عمرو بن شعيب «أن رسول الله ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف» اهـ.
وقال عبد الرزاق في (باب دية المجوسي من مصنفه جـ ٨ ص ٩٥ - ٩٦) عن معمر عن الزهري قال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي وكل ذمي مثل دية المسلم، قال: وكذلك كانت على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان حتى كان معاوية فجعل في بيت المال نصفها وأعطى أهل المقتول نصفا، ثم قضى عمر بن عبد العزيز بنصف الدية فألغى الذي جعله معاوية في بيت المال قال: وأحسب عمر رأى ذلك النصف الذي جعله معاوية في بيت المال ظلما منه. قال الزهري: فلم يقض لي أن أذاكر ذلك عمر بن عبد العزيز فأخبره أن قد كانت الدية تامة لأهل الذمة، قلت للزهري أنه بلغني أن ابن المسيب قال ديته أربعة آلاف، فقال إن خير الأمور ما عرض على كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣)، فإذا أعطيته ثلث الدية فقد سلمتها إليه. ورواه البيهقي من كتاب الديات من سننه الكبرى جـ ٨ ص ١٠٢ من غير طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق أنبأ أبو عبد الله الشيباني ثنا
стр. 15544
محمد بن عبد الوهاب أنبأ جعفر بن عون أنبأ ابن جريج عن الزهري قال: كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي ﷺ مثل دية المسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال، قال ثم قضى عمر بن عبد العزيز في النصف وألغى ما كان جعل معاوية، وهذا الحديث قال البيهقي فيه: قد رده الشافعي بكونه مرسلا وبأن الزهري قبيح المرسل وإنا روينا عن عمر وعثمان ﵄ ما هو أصح منه. اهـ. وتعقب الزيلعي في نصب الراية جـ ٤ ص ٣٦٨ وابن التركماني في الجوهر النقي صمت١٠٢ - ١٠٣ في ضيع (١) الشافعي في هذا الحديث، فقد قال الزيلعي قلنا يلزم الشافعي أن يعمل بمثله لأنه أرسل من جهة أخرى، كما رواه أبو داود في مراسيله عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن كما تقدم لا سيما وقد عملت به الصحابة مثل أبي بكر وعثمان وابن مسعود وعلي بن أبي طالب؛ حيث روى عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. اهـ.
وقال ابن التركماني المارديني في الجوهر النقي قلت ذكر عبد الرازق هذا الحديث في مصنفه عن معمر عن الزهري، بلغني أن ابن المسيب قال: ديته أربعة آلاف قال: إن خير الأمور ما عرض على كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢) وذكر أبو داود في مراسيله بسند صحيح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: كان عقل الذمي مثل عقل المسلم في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر وعمر وزمن عثمان، حتى كان صدرا من خلافة معاوية إن كان أهله أصيبوا به فقد أصيب به بيت مال المسلمين، فاجعلوا لبيت مال المسلمين النصف ولأهله النصف خمسمائة دينار، ثم قتل رجل آخر من أهل الذمة فقال معاوية لو أنا نظرنا إلى هذا الذي يدخل بيت المال فجعلناه وضيعا عن المسلمين وعونا لهم، قال: فمن هناك وضع عقلهم إلى خمسمائة. قال أبو داود: رواه ابن إسحاق ومعمر عن الزهري نحو هذا، وحديث ابن إسحاق أتم. وأخرج أيضا في مراسيله بسند رجاله ثقات عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول
стр. 15545
الله ﷺ : «دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» وقد تأيد هذا المرسل بمرسلين صحيحين وبعدة أحاديث مسندة وإن كان فيها كلام. وبمذاهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم فوجب أن يعمل به الشافعي كما عرف من مذهبه، وفي التمهيد روى ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قضية بني قريظة والنضير أنه ﵊ جعل ديتهم سواء دية كاملة. وعمر وعثمان قد اختلف عنهما، وقد تقدم عن عثمان على موافقة هذه الأحاديث من وجوه بعضها في غاية الصحة كما قدمنا عن ابن حزم، وهو الذي دل عليه ظاهر كتاب الله تعالى لأنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)، والظاهر أن هذه الدية هي الدية الأولى وكذا فهم جماعة من السلف. قال ابن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم هو ابن سليمان عن أشعث، هو ابن سوار عن الشعبي وعن الحكم وحماد عن إبراهيم قالا: دية اليهودي والنصراني والحربي المعاهد مثل دية المسلم، ونساؤهم على النصف عن دية الرجال وكان عامر يتلو هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣) وأشعث وإن تكلموا فيه يسيرا فقد تقدم أن مسلما روى له متابعة وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال ابن أبي شيبة أيضا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن الزهري سمعته يقول دية المعاهد دية المسلم وتلا الآية السابقة، وهذا السند في غاية الصحة فلو كان مذهب عمر وعثمان كما ذهب إليه الشافعي لما تركت هذه الأدلة لقولهما فكيف وقد اختلف عنهما. اهـ كلام ابن التركماني.
(ج) قال الترمذي في الباب الذي يلي (باب ما جاء فيمن يقتل نفسا معاهدة) من جامعه جـ ٦ ص ١٧٦ - ١٧٧ قال حدثنا أبو كريب حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس «أن النبي ﷺ ودى العامريين بدية المسلمين وكان لهما عهد من رسول الله ﷺ (٤)» - قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وأبو