مطلقا، وقيل: يقضي بها إن كانت على سبب وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء كقولك أريد أن أتزوج أو أن أشتري كذا أو أن أقضي غرمائي فأسلفني كذا، أو أريد أن أركب غدا إلى مكان كذا فأعرني دابتك، أو أن أحرث أرضي فأعرني بقرك، فقال: نعم ثم بدا له قبل أن يتزوج أو أن يشتري أو أن يسافر فإن ذلك يلزمه ويقضي عليه به فإن لم يترك الأمر الذي وعدك عليه وكذا لو لم تسأله وقال لك هو من نفسه: أنا أسلفك كذا لتقضي دينك أو لتتزوج أو نحو ذلك، فإن ذلك يلزمه ويقضي بها عليه ولا يقضي بها إن كانت على غير سبب، كما إذا قلت: أسلفني كذا ولم تذكر سببا أو أعرني دابتك أو بقرك ولم تذكر سفرا ولا حاجة فقال: نعم ثم بدا له والراجح يقضي بها إن كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شيء وهذا هو المشهور من الأقوال قال في آخر الرسم الأول من سماع أصبغ من جامع البيوع قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن رجل اشترى من رجل كرما فخاف الوضيعة فأتى ليستوضعه فقال له: بع وأنا أرضيك قال: إن باع برأس ماله أو بربح فلا شيء عليه وإن باع بالوضيعة كان عليه أن يرضيه فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد وإن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف بالله ما أراد أكثر من ذلك إن لم يكن أراد شيئا يوم قال ذلك: قال أصبغ. . وسألت عنها ابن وهب فقال عليه رضاه بما يشبه ثمن تلك السلعة والوضيعة فيها قال أصبغ قول ابن وهب هو أحسن عندي وهو أحب إلي إذا وضع فيها قال محمد بن رشد قوله: بع وأنا أرضيك عدة إلا أنها عدة على سبب وهو البيع.
والعدة إذا كانت على سبب لزمت بحصول السبب في المشهور من الأقوال، وقد قيل إنها لا تلزم بحال وقيل إنها تلزم على كل حال، وقيل إنها تلزم إذا كانت على سبب وإن لم يحصل السبب. وقول أشهب إن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد يريد مع يمينه ومعناه إذا لم يسم شيئا يسيرا لا يشبه أن يكون أرضاه والدليل على أنه يحلف على مذهبه إذا قال أكثر من ذلك وجوابه هذا على أصله في كثير من مسائله إذ لا يؤخذ بأكثر مما يقربه على نفسه أنه أراده فيدخل فيها من الخلاف ما يدخل في يمين التهمة، وأما ابن وهب فأخذه
стр. 15682
بمقتضى ظاهر لفظه وألزمه إرضاءه إلا أن لا يرضى بما يقول الناس فيه أنه أرضاه فلا يصدق إن لم يرض ويؤخذ بما يقول الناس فيه أنه أرضاه، هذا معنى ولو حلف ليرضيه لم يبر إلا باجتماع الوجهين وهما أن يضع عنه ما يرضى به وما تقول الناس فيه أنه أرضاه، وقد مضى ما يدل على هذا في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النذور في الحلف ليرضين غريمه من حقه. اهـ.
قلت: وهذا القول الذي شهره ابن رشد في القضاء بالعدة إذا دخل بسببها في شيء قال الشيخ أبو الحسن في أول كتاب الأول وفي كتاب الغرر، أنه مذهب المدونة لقولها في آخر كتاب الغرر وإن قال اشتر عبد فلان وأنا أعينك بألف درهم فاشتراه لزمه ذلك الوعد. اهـ.
وهو قول ابن القاسم في سماعه من كتاب العارية وقول سحنون في كتاب العدة ونصه في سماع عيسى قلت لسحنون ما الذي يلزم من العدة في السلف والعارية قال ذلك أن يقول الرجل للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، وعزاه له ابن رشد في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب العارية، وقال القرافي في الفرق الرابع عشر بعد المائتين قال سحنون الذي يلزم من الوعد: اهدم دارك وأنا أسلفك، ما تبني به أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك. أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به بل الوفاء به من مكارم الأخلاق. اهـ.
وقال اللخمي في كتاب الشفعة لها ذكر حجة مقابل المشهور القائل بلزوم إسقاط الشفعة قبل الشراء ما نصه: ولو قال له اشتر هذا الشخص والثمن علي فاشتراه لزم أن يغرم الثمن الذي اشتراه به لأنه أدخله في الشراء، وهذا قول مالك وابن القاسم. اهـ.
والقول بأنه يقضي بها إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء هو قول أصبغ في كتاب العدة وقول مالك في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم وهو قوي أيضا.
стр. 15683
والقول بعدم القضاء بها مطلقا في سماع أشهب من كتاب العارية والقول بالقضاء بها مطلقا لم يعزه ابن رشد وهذان القولان ضعيفان جدا والله أعلم.
فرع:
إذا قال له غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضهم فقال: نعم ثم بدا له فقال أصبغ من سماع عيسى من كتاب العدة يلزمه ذلك ويحكم عليه به، وهو جار على قوله بلزوم العدة إذا كانت على سبب ولم يدخل بسببها في شيء، وقال ابن القاسم إنما يلزمه إذا اعتقد الغرماء منها على موعد أو أشهد بإيجاب ذلك على نفسه وذلك على أصله من أنه لا يقضي بالعدة إلا إذا دخل بسببها في شيء ولو قال أشهدكم أني فاعل أو أفعل فظاهر كلام مالك في سماع ابن القاسم من العارية أنه تردد في الحكم عليه بذلك وأن الظاهر اللزوم. قال ابن رشد ولو قال أشهدكم أني قد فعلت لما وقف في إيجابه عليه ولزوم القضاء به. اهـ.
فرع:
قال في سماع أشهب من كتاب العارية فيمن حلف ليوفين غريمه إلى أجل فلما خشي الحنث ذكر ذلك الرجل فقال لا تخف ائتني هذه العشية أعطيكها، فلما كان العشي جاءه فأبى أن يعطيه فقال له أغررتني حتى خفت أن يدخل علي الطلاق أتراه له لازما فقال له لا والله ما أرى ذلك لازما له وما هو من مكارم الأخلاق ولا محاسنها قال ابن رشد قد قيل: إنه يلزمه وهو الأظهر لأنه غره ومنعه أن يحتال لنفسه بما يبر به من سلف أو غيره. اهـ. قلت فالقول الأول مبني على أن العدة لا يقضي بها ولو كانت على سبب وعلى المشهور أيضا لأنه قد أدخله بسبب العدة في عدم الاحتيال لنفسه حتى خشي الحنث والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وأما الفرق بين ما يدل على الالتزام وما يدل على العدة فالمرجع فيه إنما هو إلى ما يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال بحيث دل الكلام على الالتزام
стр. 15684
ولهذا قال الشيخ خليل في مختصره في باب الخلع ولزوم البينونة إن قال: إن أعطيتني ألفا فارقتك أو أفارقك إن فهم الالتزام أو الوعد إن ورطها فالشرط في قوله إن ورطها راجع إلى الوعد قال في التوضيح كما لو باعت قماشا أو كسرت حليها والله تعالى أعلم.
ولا يفرق بين العدة والالتزام بصيغة الماضي والمضارع كما قد يتبادر للفهم من كلام ابن رشد في رسم حلف من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، وسيأتي في الباب الثالث إن شاء الله تعالى ذكره بتمامه فإن الالتزام قد يكون بصيغة المضارع إذا دلت القرائن عليه كما يفهم من كلام الشيخ خليل الماضي في مسألة الخلع ومن كلام ابن رشد المتقدم قريبا ومن كلام أصبغ الآتي في الفرع بعد هذا، نعم صيغة الماضي دالة على الالتزام وإنفاذ العطية والظاهر من صيغة المضارع الوعد إلا أن تدل قرينة على الالتزام كما يفهم من كلام ابن رشد فتأمله والله تعالى أعلم.
فرع:
قال أصبغ في سماع عيسى من كتاب العدة لو سألك مدين أن تؤخره إلى أجل كذا وكذا فقلت أؤخرك لزمك تأخيره إلى أجل، قلت سواء قلت أنا أؤخرك أو قد أخرتك أوجبهما وأوكدهما. اهـ. ونقل هذا في الذخيرة واقتصر عليه وهو جار على قول أصبغ في القضاء بالعدة إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببه في شيء. وأما على المشهور فإنما يلزمه في قوله: أؤخرك إذا ورطه بذلك أو تدخل قرينة على أنه أراد التأخير لا الوعد به فتأمله وهو يبين لك ما ذكرته من أن صيغة الماضي دالة على الالتزام وصيغة المضارع إنما تدل عليه مع قرينة ولم يتكلم ابن رشد على هذه المسألة بشيء بل قال: مضى تحصيل فيها في سماع ابن القاسم من كتاب العارية ويشير إلى ما تقدم من ذكر الأقوال الأربعة في القضاء بالعدة.
فرع:
قال في رسم حلف ليفعلن من سماع ابن القاسم ومن كتاب النكاح سئل
стр. 15685
مالك عن رجل كانت تحته امرأة فخطب أختها لابنه فقالت له عمتها على صداق أختها فقال لن أقصر بها إن شاء الله تعالى فزوجوه ثم إن الابن طلقها قال: أيقر هو بذلك؟ قال: نعم، قد قلت هذا القول ووعدتهم ولم أوجب على نفسي صداقا فرأيته يراه عليه وقال مرة فيصطلحوا وكأنه يراه عليه تشبيها، ويجاب ولم يبينه، قال ابن القاسم: أرى ذلك عليه إذا زوجوه على ذلك كأنه إنما تزوج على المكافأة قال سحنون مثله قال محمد بن رشد: أما إذا كان قولهم قد زوجناك جوابا لقوله لن أقصر بها عن صداق أختها فبين أن ذلك يلزمه كما قال ابن القاسم لأنه بمنزلة أن لو قال له نزوجك على أن لا تقصر بها عن صداق أختها. وأما إن انقطع ما بين الكلامين فالأمر محتمل والأظهر إيجاب ذلك عليه كما ذهب إليه مالك، وإن كان لم يبينه لأن ذلك أقوى من العدة الخارجة على سبب، وفي التفسير ليحيى عن ابن القاسم أنه يحلف أنه ما أراد إيجاب ذلك على نفسه ولا يلزمه شيء فإن لكل غرم نصف الصداق ووجه ذلك أنه رأى قوله لن أقصر بها إن شاء الله عدة لا تلزم فلم يلزمه شيء إذا حلف أنه لم يرد إيجاب ذلك على نفسه، وحلف بالتهمة دون تحقيق الدعوى ولذلك لم ترد اليمين وذلك فقوله على القول بلحوق يمين التهمة وأنها لا ترجع، وقد اختلف في الوجهين. انتهى والله تعالى أعلم (١). ١١ - وفي الفروق للقرافي الفرق الرابع عشر بعد المائتين بحث مستفيض في مسألة الوعد وحكم الإلزام به، وقد تعقبه ابن الشاط في بعض آرائه في ذلك في حاشيته على الفروق (٢) وحيث إن البحث والمناقشة قد لا تخرج عما ذكره عليش في النقل المتقدم عنه ﵀ فقد رأيت الاكتفاء بلفت النظر إليه لمن يرغب الاستزادة من كلام أهل العلم في ذلك دون نقله اجتنابا للتكرار.
стр. 15686
وبعد استعراضنا ما تقدم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام بعض أهل العلم يظهر لنا قوة القول بلزوم الوفاء بالوعد لا سيما إذا دخل
стр. 15687
الموعود في سببه يدل على صحة القول بذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ والقياس الصحيح وبهذا أخذ مجموعة من الصحابة والتابعين والمحققين من أهل العلم.
فمن الاستدلال بكتاب الله تعالى قوله تعالى؛ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وجه الاستدلال بها أن الله تعالى ذم قوما يقولون على سبيل الوعد ما لا يفعلون بحيث لا يلتزمون بالوفاء به فمقتهم الله بذلك فلو لم يكن الوفاء بالوعد واجبا لما استحقوا من الله هذا المقت والذم.
وقوله تعالى على لسان موسى ﵇ مخاطبا صهره شعيبا: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٢). بعد أن قال لشعيب: ذلك بيني وبينك فلم يعط موسى شعيبا وعدا قاطعا وإنما جعل لنفسه الخيار ونفى عن نفسه العدوان في تخلفه عن الوفاء بالوعد غير الجازم في إتمام عشر سنوات وهذا يعني أن عدم الوفاء بالوعد الجازم عدوان من الواعد على الموعود.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣) وجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى عاقب من وعد الله فأخلف وعده وكذب في تعهده والعقوبة يستحقها من يتخلف عن أداء ما وجب عليه لا من له الخيار في الأداء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ (٤)، فإبراهيم ﵇ يعلم كفر أبيه ولكنه تحرج عن الحنث في الوفاء بالوعد فاستغفر لأبيه للموعدة التي وعدها إياه فلو لم يكن الوفاء بالوعد لازما لما استغفر إبراهيم ﵇ لمشرك عدو لله.
ومن الاستدلال بسنة رسول الله ﷺ ما ثبت عنه ﷺ أن من آية المنافق إذا وعد أخلف وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. ووجه الدلالة أن النفاق
стр. 15688
خلق ذميم يستحق صاحبه العقوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١). فلو لم يكن الوفاء بالوعد واجبا لما كان إخلاف الوعد صفة من صفات النفاق. ومن الاستدلال بسنة رسول الله ﷺ قوله: «إذا وعد أحدكم فلا يخلف،» وقوله ﷺ : «العدة دين،» واعتباره ﷺ عدم الوفاء للصبي بما يوعد كذبا، ونهيه ﷺ عن وعدك أخاك عدة تخلفه فيها وأن ذلك يورث العداوة، وقوله ﷺ : «وأي المؤمن واجب،» والوأي هو الوعد.
فتعبيره ﷺ بالوجوب ونهيه عن إخلاف الوعد ووصفه إخلاف الوعد كذبا، كل ذلك يدل على وجوب الوفاء بالوعد وأن عدم الوفاء به محرم يعاقب عليه الواعد، والاستدلال على وجوب الوفاء بالوعد بالقياس يتضح من إجماع أمة الإسلام على انعقاد الالتزام بما يلزم ابتداء على من التزم لله تعالى طاعة غير واجبة فمن نذر لله صلاة أو صياما أو صدقة لزمه ذلك لقوله ﷺ أوف بنذرك.
ولأمره ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن يفي بنذره في الجاهلية باعتكافه ليلة في المسجد الحرام.
فالنذر في الحقيقة التزام من العبد لربه بما نذر له مما لم يلزم ابتداء والوعد من المرء لغيره من الناس التزام بما لا يلزم ابتداء فكلاهما يجتمعان في الالتزام بما لا يلزم ابتداء ويفترقان بأن النذر لله والوعد لأحد من خلقه، وهذا الفرق في نظري لا يؤثر في الوجوب وعدمه بل قد يكون اتجاه القول بوجوب الوفاء للمخلوق أولى من القول بوجوب الوفاء للخالق لأن حقوق الله تعالى على عباده مبنية على التسامح والسعة وحقوق العباد فيما بينهم مبنية على الشح والتضييق، ومن نظر في مسائل هذه القاعدة أدرك حقيقتها، فإذا كان النذر لله - وهو وعد في الحقيقة - واجب الأداء بشرطه فإن الوعد للمخلوق أولى في الوجوب بشرطه.
وما ذكره ابن حجر ﵀ في رده على المهلب حينما قال باتفاق العلماء
стр. 15689
على أن الوفاء بالوعد ليس بفرض ولكنه مندوب وذلك بقوله: نقل الإجماع في ذلك مردود فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل اهـ. أقول ليس القائل به قليلا فقد نقلنا بعضا من قول الله تعالى في الوجوب وعقوبة مخلف الوعد ونقلنا ما تيسر لنا نقله من أقوال رسول الله في ذلك.
ونقول: قال بذلك وفعله أبو بكر ﵁ في حديث جابر بن عبد الله المتقدم ذكره ولا يرد على فعل أبي بكر ﵁ في وفائه وعد رسول الله ﷺ لجابر القول بأن أبا بكر فعل ما هو مندوب فتصرفه في بيت مال المسلمين بالعطاء الجزل وهو هو تقى وصلاحا وأمانة وشعورا بحقوق الولاية العظمى وواجباتها وهو يؤدي عدات وعد بها رسول الله ﷺ قبل موته تصرفه هذا يظهر منه جليا أنه يرى وجوب الوفاء بالوعد، فقد طلب حضور من له عدة من رسول الله ﷺ ومن حضر وادعى العدة وفاه كجابر وصاحب الثلاث عشرة قلوصا.
وقال بذلك وطالب به جابر بن عبد الله وهو من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ومن حظي بمزيد صحبة رسول الله ﷺ وروى الكثير من أحاديثه ويعتبر من فقهاء الصحابة، فلو لم ير القول بلزوم الوفاء بالوعد لما تقدم لأبي بكر ﵁ طالبا إنفاذ عدة رسول الله ﷺ وهو يعلم أن أبا بكر لا يعطيه من ماله الخاص وإنما يعطيه من بيت مال المسلمين.
وقال بذلك عبد الله بن عمر حينما أنفذ وعده بتزويجه ابنته من وعده تزويجه إياها وقال تعليلا لذلك فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق.
وقال بذلك سمرة بن جندب ذكره عنه سعيد بن عمرو بن الأشوع واعتبر ذلك من سمرة مستند الأخذ به، فهؤلاء أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقول بلزوم الوفاء بالوعد سواء أكان ذلك قولا باللسان أم قولا بلسان الحال.
وممن قال به من التابعين وغيرهم:
١ - عمر بن عبد العزيز ﵀ قال ابن حجر في الفتح: وقال ابن عبد البر
стр. 15690
وابن العربي أجل من قال به عمر بن عبد العزيز (١). اهـ
٢ - الحسن البصري. قال البخاري وفعله الحسن. قال في الفتح: قوله: وفعله الحسن أي ألزم بإنجاز الوعد (٢). اهـ.
٣ - سعيد بن عمرو بن الأشوع، قال ابن حجر في الفتح وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب. . . . . وقد وقع بيان روايته كذلك عن سمرة بن جندب في تفسر إسحاق بن راهويه، قوله: قال أبو عبد الله هو المصنف رأيت إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه يحتج بحديث ابن الأشوع أي هذا الذي ذكره عن سمرة بن جندب والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد. اهـ (٣).
٤ - عبد الله بن شبرمة. قال العيني في عمدة القارئ: وفي تاريخ المستملي: إن عبد الله بن شبرمة قضى على رجل بوعده وحبسه وتلا قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) سورة الصف آية ٣.
٥ - أبو بكر بن العربي. قال في كتابه أحكام القرآن: والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر. أ. هـ (٥).
٦ - القاضي شريح قال البخاري في صحيحه: وقال ابن عون عن ابن سيرين قال الرجل لكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه، وذكر مسألة أخرى. قال ابن حجر في الفتح:
стр. 15691
وحاصله أن شريحا في المسألتين قضى على المشترط بما اشترطه على نفسه بغير إكراه (١) اهـ.
٧ - محمد بن إسماعيل البخاري حيث بوب في صحيحه بما يستظهر منه أنه يقول بإنجاز الوعد قال ابن حجر: قوله باب من أمر بإنجاز الوعد. وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه قاله الكرماني. أ. هـ (٢).
٨ - أحمد بن حجر العسقلاني قال في الفتح: وقرأت بخط أبي ﵀ في إشكالات على الأذكار للنووي ولم يذكر جوابا عن الآية يعني قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)
وحديث آية المنافق ثلاث قال: والدلالة للوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد. وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك؟! أ. هـ (٤).
٩ - إسحاق بن إبراهيم بن راهويه شيخ البخاري قال البخاري في صحيحه: رأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع. قال ابن حجر أي هذا الذي ذكره عن سمرة بن جندب والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد. أ. هـ (٥).
١٠ - الإمام الغزالي. قال في الإحياء: الآفة الثالثة عشرة الوعد الكاذب فإن اللسان سباق إلى الوعد والنفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا وذلك من أمارات النفاق قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦) المائدة آية (١) إلى أن قال- ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر. وقد يفهم الجزم في
стр. 15692
الوعد إذا اقترن به حلف أو إقامة شهود على الوعد أو قرائن أخرى. أ. هـ (١).
١١ - ونقل تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية عن أبيه تقي الدين السبكي أنه يقول بلزوم الوفاء بالوعد.
١٢ - وذكر ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم وجوب الوفاء مطلقا عن طائفة من أهل الظاهر وغيرهم (٢).
١٣ - وقال به من الحنابلة مجموعة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ذكره عنهما ابن قاسم في نقل متقدم، وكذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وتقدم النقل عنه.
١٤ - وصدرت فتاوى الهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية- دار المال الإسلامي، بيت التمويل الكويتي، شركة الراجحي المصرفية للاستثمار- بلزوم الوفاء بالوعد.
١٥ - صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في الدورة الخامسة المنعقدة في الكويت في أول الشهر الخامس لعام ١٤٠٩هـ وذلك برقم ٣ - ٤ هذا نصه:
" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ - ٦ من جمادى الأولى لعام ١٤٠٩ هـ كانون الأول ديسمبر ١٩٨٨م بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوعي الوفاء بالوعد والمرابحة للأمر بالشراء واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما قرر: أولا: إن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور وحصول القبض المطلوب شرعا هو بيع جائز طالما كانت تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من
стр. 15693
موجبات الرد بعد التسليم وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.
ثانيا: الوعد وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد يكون ملزما للواعد ديانة إلا لعذر وهو ملزم قضاء إذا كان معلقا على سبب يدخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
ثالثا: المواعدة وهي التي تصدر من الطرفين تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده. أهـ.
وقد وفق مجمع الفقه الإسلامي في النص في قراره على أثر الإلزام بالوفاء وذلك بتنفيذ الوعد أو بالتعويض عن الضرر الواقع فعلا على الموعود بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر حيث إن هذا يعني أن الخيار بين الأمرين ليس للواعد وإنما هو للقضاء في حال اللجوء إليه، فمتى أمكن تنفيذ الوعد وانتفت موانع التنفيذ تعين الإلزام بالوفاء بالوعد فإذا وجد مانع من التنفيذ تعين الحكم للموعود بقيمة الضرر الواقع عليه فعلا نتيجة التخلف عن الوفاء بالوعد.
إلا أن قراره بعدم جواز المواعدة في بيع المرابحة إذا لم يكن بين المتواعدين خيار فيه نظر حيث إن كل واحد من المتواعدين أعطى وعدا التزم به للآخر ببيع أو شراء أو تأجير أو تمليك أو غير ذلك من مواضع العقود. وتعليل منع الإلزام بالمواعدة في بيع المرابحة بتشبيهه بالبيع نفسه حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكا للمبيع نفسه حتى لا يعتبر بائعا ما ليس عنده. هذا التعليل غير ظاهر فليست المواعدة بيعا ولا شراء ولا تمليكا ولا تأجيرا وإنما هي وعد من كل واحد من المتواعدين بإجراء ذلك عند تمام شروط صحة التعاقد
стр. 15694
بموجبها، ولا تسري آثار العقد على أي واحد من المتواعدين إلا بعد وقوع العقد واستيفاء شروط صحته، ومن ذلك أن يكون المبيع مملوكا للبائع وقت العقد، ولهذا جاء النص في قرار المجمع على أن من أثر الإلزام في حالة تعذر الوفاء بالوعد التعويض عن الضرر الواقع فعلا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر، فانتفاء آثار العقد في المواعدة به على كل واحد من المتواعدين من حيث الدرك والقبض وخيارات العقد وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالعقد بعد وقوعه انتفاء آثار ذلك عن المواعدة يبعدها كل البعد عن اعتبارها بيعا أو شبه بيع، هذا يعني سقوط التعليل بعدم جوازها فهي وعدان من المتواعدين بها لا بيعا ولا شبه بيع. قال ابن حزم ﵀ في المحلى جـ٥ ص٤٩٧ ما نصه:
التواعد في بيع الذهب بالذهب أو الفضة، وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا لأن التواعد ليس بيعا. اهـ والله أعلم ".
١٦ - صدر قرار عن المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي المنعقد في دبي عام ١٣٩٩ هـ الموافق ١٩٧٩م جاء فيه ما نصه:
الوعد بالشراء مرابحة:
يطلب العميل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع أوصافها ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به العميل بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما. وهذا التعامل يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها. ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذات الشروط ومثل هذا الوعد ملزم للطرفين طبقا لأحكام المذهب المالكي. وملزم للطرفين ديانة طبقا لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه. اهـ.
وفي عام ١٤٠٣ هـ الموافق ١٩٨٣ م عقد المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي وأصدر قراره الذي جاء فيه:
стр. 15695
يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة للآمر وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الوعد السابق هو أمر جائز شرعا طالما كانت تقع على المصرف مسؤولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي.
وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزما للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو حفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعا. وكل مصرف مخير في أخذ ما يراه في مسألة القول بالإلزام حسبما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه، اهـ.
стр. 15696
و خلاصة القول في المسألة أن لأهل العلم فيها خمسة أقوال:
أحدها: أن الوفاء بالوعد مستحب ومن مكارم الأخلاق وأن التخلف عن الوفاء به من الأمور المكروهة ولكنه لا يلزم قضاء.
الثاني: أن الوفاء بالوعد لازم ديانة وقضاء مطلقا سواء أكان له سبب أم لا سبب له.
الثالث: أن الوفاء بالوعد لازم قضاء وديانة إذا كان له سبب سواء أدخل الموعود في سبب الوعد أم لم يدخل.
الرابع: أن الوفاء بالوعد لازم قضاء وديانة إذا كان له سبب ودخل الموعود في سبب الوعد.
الخامس: أن الوفاء بالوعد لا يلزم ديانة ولا قضاء إذا لم يكن للوعد سبب بحيث لم يتضرر الموعود من إخلاف الوعد.
والذي يظهر لي بعد تأملي أدلة القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا أن القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا سواء أكان للوعد سبب أم لم يكن له سبب هو القول الذي تسنده الأدلة الصريحة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله ﷺ ومن أقوال وأفعال بعض أصحاب رسول الله ﷺ ومن القياس الصحيح على
стр. 15697
النذر ومن التوجيهات الصحيحة لأقوال مجموعة من أهل العلم بالتفسير والحديث واللغة والفقه، وفي القول بذلك مصلحة كبرى لعموم المسلمين وتسهيل لمعاملاتهم التجارية وليس في ذلك ترتيب مضرة على الواعد فهو الذي التزم على نفسه ولغيره بما لا يلزمه ابتداء طائعا مختارا غير مكره ولا ملجأ.
والوعد عهد وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والوعود والعهود واعتبر ﷺ المتخلف عن الوفاء بالوعد فيه خصلة من خصال المنافقين وأن إخلاف الوعد كذب والكذب نوع من الفجور.
نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويجنبناه وألا نقول على الله إلا الحق. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب وخطأ وخطيئة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 15698
صفحة فارغة
стр. 15699
الدعوة إلى الله
منهجها ومقوماتها
د / محمد بن أحمد الصالح (١)
أستاذ الفقه بكلية الشريعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. . أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله وظيفة الرسل. . ومهمة الأنبياء. . ليردوا الناس إلى توحيد الخالق. . لأن الناس هم الأساس الحقيقي للتغيير، والجماهير هم الذين ذهب إليهم الأنبياء والرسل وعلى رأسهم أميرهم محمد ﷺ ، فقد اتجهوا إلى أفراد الأمة يقوون الضعيف، ويعلمون الجاهل، ويشدون أزر المستوحش في هذه الحياة، كل ذلك لغرس الإيمان بالله في النفوس، والاعتماد عليه، والتعلق به، والاستناد إليه عندما يشعرون بالضعف والمسكنة، أمام متاعب الحياة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).
وهكذا كانت مهمة خاتم الرسل محمد ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣).
وكان الأمر له أمرا إلى الدعاة من بعده.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٤)
стр. 15700
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١).
وكانت أهم صفات الأمة المسلمة الدعوة إلى الله يصفها بها رب العالمين الإيمان لأهميتها ويجعل منها أساس الخيرية على العالمين، قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢). وهكذا يجعل واجب هذه الأمة الدعوة إلى الله أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر على رأي، ويجعله واجب طائفة منها على وجه آخر. تبعا لاختلاف حول تفسير قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
فالذين فسروا منكم بأن من بيانية. قالوا إنه واجب الأمة كلها وأن الغرض " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلى الله " فرض عين على كل قادر عليه والذين فسروا من بأنها تبعيضية قالوا أنه واجب طائفة من الأمة إذا قامت به سقط عن الباقين، ولعلهم استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤).
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وإذا كانت هذه مهمة الأنبياء والمرسلين فقد وجب أن يكون الدعاة من بعدهم على مستوى رفيع يتسنى معه حسن حمل الرسالة وحسن أدائها، ونتناول بإذن الله في مبحثين: صفات الدعاة، ثم طرق الدعوة إلى الله.
стр. 15701
المبحث الأول
صفات الدعاة
لا بد للداعية من صفات يرتفع بها إلى أهلية حمل الرسالة التي حملها الرسل من قبل لا بد له من:
١ - إيمان عميق.
٢ - علم دقيق.
٣ - خلق وثيق.
١ - أما الإيمان العميق:
وليس الإيمان علم القلب فحسب، لكنه كذلك عمل القلب، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وإن كان لازما إلا أنه لا يكفي وحده لقيام الإيمان بل لا بد معه من عمل القلب، حبا لله ورجاء في الله، وخوفا من الله واعتصاما بالله، وحبا في الله وبغضا في الله. . إلخ.
هذا الإيمان بتفصيلاته يورث الداعية إلى الله شجاعة في الدعوة فهو لا يخشى إلا الله قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١).
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).
وينبثق عن هذا الإيمان نشيد يردده الداعية في كل وقت ويواجه فيه الظلم
стр. 15702
والظالمين قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (٢).
فيعطي ذلك كله الداعية طاقة من التوكل لا تمنعه الأخذ بالأسباب كما تعطيه طاقة على مواجهة الأحداث والصبر عليها.
كذلك فالداعية ينفث هذا الإيمان بين من يدعوهم تصحيحا لعقائدهم واستكمالا لنقصها، وزيادة فيما كان طيبا منها.
والعقيدة دائما نقطة البدء اللازمة إما عطاء لمن حرمها أو تصحيحا لمن غلط فيها أو استكمالا لما نقص منها.
стр. 15703
٢ - العلم الدقيق:
فاقد الشيء لا يعطيه ومن ثم فالداعية الجاهل لا يستطيع أن يعلم غيره.
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم
بيد أن العلم المطلوب بالنسبة للداعية يتعدد، فهو
أولا: العلم بالدعوة، العلم بأصول هذا الدين، وفروضه، وأحكامه. والعلم بمصادر هذا الدين من قرآن، وسنة وكيفية تفهمهما، وما يتفرع عن هذه المصادر ويستمد منها مثل الإجماع والقياس والمصلحة إلخ. وذلك اللون من العلم لازم وإلا فكيف يدعو إلى ما لا يعلم؟. وهو
ثانيا: العلم بأحوال المدعوين، العلم بعقلياتهم وعقائدهم وظروفهم وبيئتهم، فذلك يمكنه من حسن الاختيار، لما يناسبهم
стр. 15704
ولما يعالج أدواءهم، وقد كان كل نبي يعرف ظروف قومه فيدعوهم بعد التوحيد إلى ترك ما يغضب الله.
فبعد أن يدعوهم إلى الله يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (١) ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (٣) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٤) وصالح يقول لقومه ثمود: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ (٥) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٦) ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (٧) ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٨) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٩) ولوط يقول لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١٠) ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (١١) وشعيب يقول لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ (١٢) ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (١٣) ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٤).
وهكذا. . يلزم معرفة ظروف المدعوين وأدوائهم تماما كما يفحص الطبيب أولا ليحدد الداء قبل أن يصف الدواء. وهو
ثالثا: العلم بالتيارات الفكرية المختلفة:
وهو وإن كان يدخل في ظروف المدعوين، لكننا خصصناه بالذكر لأنه لا يحظى في بلاد كثيرة إسلامية باهتمام المفكرين والذين يخططون لإعداد الدعاة.
وذلك رغم أن التيارات الفكرية العالمية صارت تتحكم في العالم وتتقاسم
стр. 15705
فيه النفوذ وصار لها من التأثير والأهمية ما يجعل الإلمام بها مهما لكل داعية لدفع أثرها من النفوس فالكفر يسبق الإيمان والتخلية تسبق التحلية وهدم الأنقاض يسبق البناء قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (١) وهو
رابعا العلم بطرق الدعوة ووسائلها وغاياتها:
أو بعبارة عامة- العلم بفن الدعوة. فالدعوة إلى الله فن لا يستطيعه إلا من آتاه الله أسبابه وسعى إليها سعيا حثيثا فالأمر يقتضي الاستعداد أولا ثم التدريب أو الممارسة ثانيا.
والدعوة إلى الله. . ليست هي الخطابة ولا القدرة على الحديث بألوانه المختلفة، إنما هي قبل ذلك كله إخلاص والتزام وقدوة ومواقف يقفها الداعية لله انتصارا للحق وانتصارا من البغي.
стр. 15706
٣ - أما الصفة الثالثة: فهي الخلق الوثيق:
وهي مرتبطة بالإيمان والعلم وناتجة عنهما: وهي التي تغزو قلوب المدعوين قبل أن يغزوها حلو الكلام أو حسن الاستدلال. . وفي مقدمة الأخلاق اللازمة للداعية. . الإخلاص والتجرد. . يليها الحلم يليها الصبر.
فلئن كانت الأخلاق صفة لازمة على وجه عام فتلك الألوان من الأخلاق لازمة بوجه خاص لأنها تساعد الداعية على ممارسة الدعوة كما تحفظ له حسن الاستمرار وحسن الإنتاج.
ويذكر بعض الفقهاء تلك الصفات عند الحديث عن النهي عن المنكر وهو أحد شقي الدعوة. . فيقولون:
العلم قبل الإنكار، والحلم عند الإنكار، والصبر بعد الإنكار.
стр. 15707
ولقد يكون واضحا علة العلم قبل الإنكار وعلة الحلم عند الإنكار أما الصبر بعد الإنكار فهو صبر لازم لما يستتبع الإنكار عادة من انصراف المدعوين في البداية مما يلزم معه الصبر عليهم.
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١).
والصبر معها على أذى الطاغين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
وأخيرا الصبر انتظارا للنصر:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٤) ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (٥) ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٦).
ولذا كان من صفات المؤمنين ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٧) تلك كانت صفات لازمة: إيمان عميق، وعلم دقيق، وخلق وثيق.
ننتقل بعدها للحديث بإذن الله عن طرق الدعوة.
стр. 15708
المبحث الثاني
طرق الدعوة
تمهيد:
ليست الدعوة علما يلقن أو فنا يدرس بقدر ما هي موهبة وفضل يؤتيه الله من يشاء وإن كان من كسب للإنسان فهو أولا من خلقه فالتحلي بخلق الإسلام هو أكبر دعوة يسير بها المسلم بين الناس، هي التي تفتح قلوبهم وعقولهم على هذا النور العظيم.
ثم هي ثانيا في إحساسه بمسئوليته تجاه الدعوة أنها ليست حكرا على صنف من الناس وإنما الأمة كلها شاهدة على الناس بما دعتهم إليه بسلوكها وإيمانها وعملها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١). ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) وهذه الأمة التي تكررت في الآيتين هي التي وجه الله إليها الخطاب.
قال جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣).
فكان فهمها الصحيح ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويزيد من مسئوليتنا تجاه الدعوة إحساسنا بتخلي الكثيرين عنها، ثم إحساسنا بتجمع الأعداء عليها من كل جانب كأنها تركة أيتام تجمع حولها اللئام.
وليس من أمة محمد ﷺ رجال يدفعون عنه.
وبعد فإن الخلق إذا تحلى به المسلم فإنه يصير دعوة تتحرك.
стр. 15709
العوامل التي تنهض بها الدعوة
تتوقف طرق الدعوة على عدة عوامل:
١ - من ندعو:
فأسلوب الدعوة إلى الشباب غير أسلوب الدعوة إلى الشيوخ، وأسلوب الدعوة إلى النساء غير أسلوب الدعوة إلى الرجال، وأسلوب الدعوة إلى الأطفال غير أسلوب الدعوة إلى الكبار وأسلوب الدعوة إلى المؤمنين غير أسلوب الدعوة لغير المؤمنين. ويكفي أن نأخذ نموذجا من منهج النبي ﷺ ، فقد أخرج الإمام أحمد ﵁ في المسند من رواية أبي أمامة، قال «إن فتى من الأنصار أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إئذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه فقال: أدنه فدنا منه قريبا قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أفتحبه لعمتك؟ قال لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.
قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (١)». فصرف الله عنه السوء وكان تساؤل رسول الله ﷺ خير دعوة لترك الزنا.
стр. 15710
أسلوب القرآن في الدعوة:
وفي القرآن أساليب كثيرة لدعوة غير المسلمين، تستجيش فيهم فطرتهم السليمة، وتستجيش فيهيم عقولهم السليمة، وتستجيش فيهم القيم والمثل والأخلاق، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ (١)
مكان الدعوة
أين ندعو:
مكان الدعوة كذلك يكيف طريقها، فالدعوة في بلاد الإسلام غير الدعوة في ديار غير المسلمين. والدعوة في مكان انتشر فيه العلم غير الدعوة في مكان خيم عليه الجهل، والقصد بالجهل والعلم العلم بالدين والجهل به ولو بلغ أصحابه أرقى المؤهلات العلمية في تخصصات أخرى. . بيد أن ارتفاع المستوى الفكري بصفة عامة يحدد كذلك أسلوب الدعوة.
стр. 15713
إلى من ندعو:
فأسلوب الدعوة إلى العقيدة يغاير أسلوب الدعوة إلى المعاملات وقد قدمنا الحديث في هذا العنصر الأخير.
هذه العناصر إلى جوار غيرها كالظروف السائدة وكالزمان القائم إلى غير ذلك تحدد أسلوب الدعوة وهي بعد ذلك:
стр. 15714
أسلوب السلوك والأخلاق:
وهو أول الأساليب وأنجعها وأنجحها في الدعوة وهو أهم الأساليب
стр. 15715
كذلك من ناحية من يخاطب ومن يخاطب فهو خطاب في الواقع من الكافة إلى الكافة.
كل إنسان يستطيع هذا الخطاب وكل إنسان يفهم هذا الخطاب وبهذا الخطاب فتحت القلوب لرسول الله ﷺ .
ولنأخذ مثلا أول:
حيث داهم أعرابي رسول الله ﷺ وهو نائم فرفع عليه السيف وقال له من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ الله فسقط السيف فأمسك به رسول الله ﷺ وقال له من يمنعك مني. . فقال لا أحد. . ولكن الرسول ﷺ صفح عنه فدخل الإسلام (١).
ولنأخذ مثلا ثانيا:
يوم فتح مكة حين قال لهم رسول الله ﷺ ، وهم الذين آذوه وأخرجوه من بلده «ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء (٢)».
ولنأخذ مثلا ثالثا:
أسلوب يوسف ﵇ مع إخوته الذين ألقوا به في الجب قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٣).
ثم لنعلم بعد ذلك:
أنه بهذا الأسلوب فتحت على المسلمين مساحات من الأرض أكثر مما فتحت بحد السيف، إن السيف يطيح برءوس الطغاة، أما السلوك والأخلاق فتفتح قلوب الناس.
стр. 15716
وإذا كان السلوك والأخلاق أسلوبا عاما يخاطب به الكافة الكافة فهو أسلوب أخص وألزم لمن اتخذ الدعوة مهنة له ومهمة، وبغيره يغدو كل أسلوب آخر سيفا مغلولا وسلاحا مغمدا لا قيمة له.
ولذا فننصح الدعاة أن يكون لهم من الفهم الدقيق والإيمان العميق، والخلق الوثيق ما يفتحون به القلوب:
المواقف والمثل:
لعل هذه تدخل في الأولى لكنها أخص فلا يستطيعها إلا أولو العزم، ونحن نندب الدعاة أن يأخذوا دائما بالعزيمة فليس لمن كان في موضع القدوة أن يترخص ولذلك لم يترخص الرسول ﷺ حين اشتد به أذى الكفار ودعاه عمه أن يلين لكنه قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه (١).
ولم يترخص عمر بن عبد العزيز ﵁ ويتبع نهج ملوك بني أمية ويسير في ركابهم وإنما أعرض عن بهجة الحياة الدنيا وزخرفها وعاد بالأمة إلى عهد الخلفاء الراشدين وصدق عليه قول النبي ﷺ إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها فكان ﵁ هو المجدد الأول.
ولم يترخص الإمام أحمد بن حنبل ﵁ حين دعاه الحكام أن يقول إن القرآن مخلوق بل احتمل الأذى والعذاب.
وهكذا فإن على الداعية أن يقتدي بهؤلاء وغيرهم من المصلحين والمجددين والعلماء العاملين أمثال العز بن عبد السلام وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية وإمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب ممن تحملوا العذاب في سبيل الحق لأنهم علموا أن ثباتهم يبقيهم مشاعل على الطريق تضيء لمن خلفهم وهم كثير، وأن لينهم مع الباطل وترخصهم يطفئ ضوءهم
стр. 15717
فلا يعودون صالحين لأن يضيئوا لمن خلفهم وكم من الناس أطفأ بترخصه نوره الذي آتاه الله، وكم من الناس نزل أكثر من ذلك ليصح فيه قول الله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ (٢).
ولئن كانت الأخلاق سببا ناجحا للدعوة، فالمواقف والمثل سبب أنجح.
ولننظر من القديم. . غلام كان موقفه سببا في إيمان أمه حين قتل الغلام (الراهب) وقتل (جليس الملك) وجرب الملك مع الغلام وسيلتين للقتل فنجا منهما فدعا الملك أن يربطه بجذع نخلة ويجمع شعبه كله في صعيد واحد ثم يطلق السهم ويقول باسم الله رب الغلام ففعل الملك المقالة وأصاب السهم صدغ الغلام فسقط شهيدا فقال الناس أجمعون: أمنا بالله رب الغلام ولم يكن موقف الغلام دافعا إلى إيمان أمته فحسب، بل دفعها إلى الإصرار على هذا الإيمان حين شق لهم الملك الأخاديد وأضرمها بالنيران وخير شعبه بين الرجوع عن دينهم أو الإلقاء في النار، ففضلوا جميعا أن يلقوا في النيران على أن يرجعوا عن الحق الذي آمنوا به وخلد القرآن قصتهم في سورة البروج ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ (٣) ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ (٤) ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (٥) ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (٦) ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٧).
وفي الزمن الحديث أيضا خلد الدعوة الإسلامية في مصر قتل حسن البنا سنة ١٩٤٩ سنة ١٣٦٨ هـ، وقتل عبد القادر عودة ومن معه سنة ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥م. وقتل سيد قطب ومن معه سنة ١٩٦٦م ١٣٨٥ هـ.
стр. 15718
وبين القديم والحديث مواقف رسول الله ﷺ ومواقف الصحابة ﵃ ومواقف الأئمة التابعين ﵃ ومواقف الأئمة والدعاة والعلماء من بعدهم فلم يخل وجه الأرض من قائم لله بحجة.
стр. 15719
من وسائل الدعوة الخطابة والمحاضرة والدرس:
وهي كلها وسائل كلامية وإلى جوارها المقال والخطابة والقصة وهي وسائل كتابة وكل واحد من هذه له أصول ولكن يجمعها في مجال الدعوة:
стр. 15720
١ - ابتغاء وجه الله:
لأنه بذلك ينقلب العمل عبادة يراد بها وجه الله ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس.