← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 15716–15755 · переход к 15721.

стр. 15716

وإذا كان السلوك والأخلاق أسلوبا عاما يخاطب به الكافة الكافة فهو أسلوب أخص وألزم لمن اتخذ الدعوة مهنة له ومهمة، وبغيره يغدو كل أسلوب آخر سيفا مغلولا وسلاحا مغمدا لا قيمة له. ولذا فننصح الدعاة أن يكون لهم من الفهم الدقيق والإيمان العميق، والخلق الوثيق ما يفتحون به القلوب: المواقف والمثل: لعل هذه تدخل في الأولى لكنها أخص فلا يستطيعها إلا أولو العزم، ونحن نندب الدعاة أن يأخذوا دائما بالعزيمة فليس لمن كان في موضع القدوة أن يترخص ولذلك لم يترخص الرسول ﷺ حين اشتد به أذى الكفار ودعاه عمه أن يلين لكنه قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه (١). ولم يترخص عمر بن عبد العزيز ﵁ ويتبع نهج ملوك بني أمية ويسير في ركابهم وإنما أعرض عن بهجة الحياة الدنيا وزخرفها وعاد بالأمة إلى عهد الخلفاء الراشدين وصدق عليه قول النبي ﷺ إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها فكان ﵁ هو المجدد الأول. ولم يترخص الإمام أحمد بن حنبل ﵁ حين دعاه الحكام أن يقول إن القرآن مخلوق بل احتمل الأذى والعذاب. وهكذا فإن على الداعية أن يقتدي بهؤلاء وغيرهم من المصلحين والمجددين والعلماء العاملين أمثال العز بن عبد السلام وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية وإمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب ممن تحملوا العذاب في سبيل الحق لأنهم علموا أن ثباتهم يبقيهم مشاعل على الطريق تضيء لمن خلفهم وهم كثير، وأن لينهم مع الباطل وترخصهم يطفئ ضوءهم

стр. 15717

فلا يعودون صالحين لأن يضيئوا لمن خلفهم وكم من الناس أطفأ بترخصه نوره الذي آتاه الله، وكم من الناس نزل أكثر من ذلك ليصح فيه قول الله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ (٢). ولئن كانت الأخلاق سببا ناجحا للدعوة، فالمواقف والمثل سبب أنجح. ولننظر من القديم. . غلام كان موقفه سببا في إيمان أمه حين قتل الغلام (الراهب) وقتل (جليس الملك) وجرب الملك مع الغلام وسيلتين للقتل فنجا منهما فدعا الملك أن يربطه بجذع نخلة ويجمع شعبه كله في صعيد واحد ثم يطلق السهم ويقول باسم الله رب الغلام ففعل الملك المقالة وأصاب السهم صدغ الغلام فسقط شهيدا فقال الناس أجمعون: أمنا بالله رب الغلام ولم يكن موقف الغلام دافعا إلى إيمان أمته فحسب، بل دفعها إلى الإصرار على هذا الإيمان حين شق لهم الملك الأخاديد وأضرمها بالنيران وخير شعبه بين الرجوع عن دينهم أو الإلقاء في النار، ففضلوا جميعا أن يلقوا في النيران على أن يرجعوا عن الحق الذي آمنوا به وخلد القرآن قصتهم في سورة البروج ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ (٣) ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ (٤) ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (٥) ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (٦) ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٧). وفي الزمن الحديث أيضا خلد الدعوة الإسلامية في مصر قتل حسن البنا سنة ١٩٤٩ سنة ١٣٦٨ هـ، وقتل عبد القادر عودة ومن معه سنة ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥م. وقتل سيد قطب ومن معه سنة ١٩٦٦م ١٣٨٥ هـ.

стр. 15718

وبين القديم والحديث مواقف رسول الله ﷺ ومواقف الصحابة ﵃ ومواقف الأئمة التابعين ﵃ ومواقف الأئمة والدعاة والعلماء من بعدهم فلم يخل وجه الأرض من قائم لله بحجة.

стр. 15719

من وسائل الدعوة الخطابة والمحاضرة والدرس: وهي كلها وسائل كلامية وإلى جوارها المقال والخطابة والقصة وهي وسائل كتابة وكل واحد من هذه له أصول ولكن يجمعها في مجال الدعوة:

стр. 15720

١ - ابتغاء وجه الله: لأنه بذلك ينقلب العمل عبادة يراد بها وجه الله ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس.

стр. 15721

٢ - الثقة بالله: وهي تشيع الثقة والطمأنينة والثبات فتكون عامل نجاح للخطيب والمحاضر والكاتب ما دام في نطاق الإسلام. ويؤكدها قول رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه «أنا عند حسن ظن عبدي بي (١)».

стр. 15722

٣ - اتقاء ما يغضب الله لفظا ومعنى: فالمؤمن ليس بطعان ولا لعان ولا بذيء ولا سباب، وهو ما يعلمنا إياه القرآن: قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).

стр. 15723

٤ - الصدق: والمؤمن يفطر على كل خلق إلا الكذب والخيانة وحديث الصدق من القلب يصل إلى القلب ولو كان بعيدا عن الطلاء والزخرف فماذا لو كان الشكل متقنا بجوار صدق الموضوع.

стр. 15724

٥ - الإحساس بالأمانة: فالداعية حامل أمانة يبذل في سبيلها ويدافع عنها ولو أدى به الوقت أن يبذل في سبيلها الروح فإنه يفعل، فوضعه مغاير لمن يؤدي وظيفة حسبما اتفق. بقي أن نقول إن الأساليب تتغاير للزمن. . في القديم كانت الخطابة هي الوسيلة الأولى، واليوم تقدمتها وسائل. . أخطرها ما يقدم على الشاشة والمسرح لأنه يترك تأثيرا عميقا في نفوس الحاضرين بما يستحوذ على كل الحواس. . سمعا، وبصرا، وفؤادا، إلى جوار ذلك نقول: إنه لا قيمة على المستوى العام لكل وسائل الدعوة إذا بقيت وسائل الإعلام في أيدي خدمة اليهود وعملائهم الذين ينفذون مخططاتهم في إشاعة الانحلال بين الشعوب الإسلامية ليسهل على الصهيونية أن تحقق حلمها التلمودي في أن تركب الجنس الإسلامي كما امتطت من قبل الجنس النصراني وسخرته لأغراضها. وينبغي أن تنقل وسائل الإعلام إلى أيدي الدعاة المخلصين ليسخروها في خدمة دعوة الإسلام حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٢) ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (٣). وإذا كانت الدعوة الصالحة المخلصة الصادقة تتحقق من خلال هذه

стр. 15725

المقومات وتبلغ حدها وتحقق أهدافها بصدق الداعية وإخلاصه في دعوته ولكونه يمثل إسلاما متحركا بما في الكلمة من معنى. فإن لنا في دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب خير مثل للدعوة الصادقة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. والتي أضحت مثلا لكل زعماء الإصلاح ورواده من بعده. والله نسأل أن يوفق علماء المسلمين ودعاتهم إلى الأخذ بكتاب الله وسنة المصطفى ﷺ والعمل على إخراج الناس من الظلمات إلى النور كما نسأله تعالى أن يهدي ضال المسلمين ويثبتهم على الصراط المستقيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 15726

أهمية الوقف وحكمة مشروعيته الدكتور: عبد الله بن أحمد الزيد مقدمة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد: فإن الله حين خلق الإنسان يسر له سبل السعادة والفلاح في الدارين فأرسل الرسل لهدايته إلى الطريق المستقيم الذي يوصله إلى جنته فجاءت شرائع الله سبحانه محققة لمصالح العباد فشرع له فعل الطاعات وترك المنهيات في حياته تقربا إليه لمرضاته ولم تقتصر شرائع الله على تحصيل الأعمال الصالحة في فترة الحياة فقط فقد شرع له من الوسائل والأسباب ما يحقق له تلك الغاية بعد مماته وهي الصدقات الجارية كما قال الرسول ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (١)». والوقف أحد تلك الأسباب التي تكون طريقا لزيادة الحسنات وتكثير الأعمال الصالحة في الدنيا والآخرة في حياة الفرد وبعد مماته، وقد غفل عنه كثير من الناس في عصرنا الحاضر وانشغلوا في أمور الحياة والتكاثر في الأموال

стр. 15727

والأولاد وقلما نجد من يعتني بهذا الأمر إلا القلة من الناس، مع أن ذلك من الأمور الهامة التي عن طريقها تتحقق سعادة الإنسان في آخرته وتزداد أعماله الصالحة وهو بهذا يعتبر وسيلة عظيمة بعد انقضاء الأجل لرفع الدرجات والتكفير عن السيئات، هذا من جانب النفع العائد على الموقف أما المنافع التي تعود على الأحياء وعلى المجتمع بأسره فكثيرة وعظيمة وأهمها تحقيق مبدأ التكافل بين المسلمين والبر والصلة بالقريب والصديق وسد حاجة الفقير وتوفير حاجات الناس والتسهيل والتيسير على المجتمع بأسره بما يتحقق عن طريق الوقف من خدمات وما يموله من مشاريع لها صفة النفع العام. . روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: (لم نر خيرا للميت ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة أما الميت فيجري أجرها عليه وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها) (١). وقد جرى إعداد هذا البحث لبيان أهمية الوقف والتعريف به وبيان حكمه ومشروعيته وأهدافه ليكون تنويرا لمن من الله عليه بالتوفيق والقبول ولمن يتلمس أسباب جلب الأعمال الصالحة له في حياته وبعد مماته ويبحث عن مواطن البر والإحسان لتكثير حسناته ورفع درجاته وسميته (أهمية الوقف وحكمة مشروعيته) ورتبته على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. الفصل الأول: في تعريف الوقف لغة واصطلاحا. الفصل الثاني: في تاريخ الوقف. الفصل الثالث: في حكم الوقف. الفصل الرابع: في أهداف الوقف وحكمة مشروعيته. أسال الله الكريم أن ينفع به وأن ينير به بصائر العباد وأن يجعله سببا لحصول الثواب لي ولمن استفاد منه إنه ولي ذلك والقادر عليه ورحم الله من استفاد منه فدعا لي في ظهر الغيب وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 15728

الفصل الأول في تعريف الوقف وفيه مبحثان المبحث الأول: تعريف الوقف لغة: الوقف لغة يطلق ويراد به الحبس كما أنه يطلق ويراد به المنع، فأما الوقف بمعنى الحبس فهو مصدر من قولك: وقفت الشيء وقفا، أي حبسته. ومنه وقف الأرض على المساكين وللمساكين، وقفت الدابة والأرض ونحو ذلك أي جعلتها محبوسة على ما وقفت عليه ليس لأحد تغييرها ولا التصرف فيها. والأصل (وقف) فأما (أوقف) في جميع ما تقدم من الدواب والأرضين وغيرها فهي لغة رديئة (١). وقيل: (وقف) وأوقف سواء. و (أحبس) بالألف بمعنى (وقف) أكثر استعمالا من (حبس) بدون الألف على العكس من (وقفت) و (أوقف) ولهذا قال بعضهم: إن (أحبس) أفصح من (حبس). وتعقب هذا القول بأن (حبس) هي الواردة في الأخبار الصحيحة عن المصطفى ﷺ وهو أفصح العرب لسانا وأبلغهم بيانا. من ذلك حديث عمر ﵁ حين قال له النبي ﷺ «حبس الأصل وسبل الثمرة (٢)» أي اجعلها وقفا. ومنه الحديث الآخر «ذلك حبيس في سبيل الله (٣)» أي موقوف على الغزاة يركبونه في الجهاد.

стр. 15729

والحبيس فعيل بمعنى مفعول أي محبوس على ما قصد له لا يجوز التصرف فيه لغير ما صير له (١). واحتبست فرسا في سبيل الله أي وقفت، فهو محتبس وحبيس و (الحبس) بالضم ما وقفت (٢). وسمي الموقوف (وقفا) من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، ولهذا جمع على (أفعال) تقول: (وقف) و (أوقاف) كوقت وأوقات. وأما الوقف بمعنى المنع فلأن الواقف يمنع التصرف في الموقوف فإن مقتضى المنع أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده، وهو خلاف الإعطاء، ويقال هو تحجير الشيء، من منعه فامتنع منه وتمنع (٣). وأصل (وقف) يطلق على الوقوف خلاف الجلوس من وقف بالمكان وقوفا فهو واقف، ويقال: وقفت الدابة تقف وقوفا، ووقفتها أنا أي جعلتها تقف (٤). ويقال: وقفت على ما عند فلان أي تبينته وفهمته قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ (٥) الآية ٢٧ من سورة الأنعام. ووقفته على ذنبه أي أطلعته عليه. ورجل وقاف أي متأن غير عجل، قال الشاعر: وقفتني بين شك وشبهة ... وما كنت وقافا على الشبهات وفي الحديث: «وكان وقافا عند كتاب الله (٦)». وواقفه مواقفة ووقافا، وقف معه في حرب أو خصومة وتوقيف الناس في الحج وقوفهم بالمواقف واستوقفته سألته الوقوف (٧).

стр. 15730

المبحث الثاني تعريف الوقف اصطلاحا عرف الفقهاء الوقف بتعاريف كثيرة ومختلفة تبعا لاختلاف مذاهبهم في الوقف فكل منهم يعرفه تعريفا ينسجم مع آرائه في مسائله الجزئية. فبعضهم يرى أن الوقف لازم وآخرون يرون أنه غير لازم وبعضهم يشترط فيه القربة وغيرهم على العكس من ذلك. كما اختلفوا في الجهة المالكة للعين الموقوفة، وفي كيفية إنشائه هل هو عقد أم إسقاط؟ وما يترتب على ذلك من اشتراط القبول أو التسليم لتمامه وغير ذلك. ولهذه الأسباب فقد اختلف الفقهاء في تعريف الوقف تبعا لرأي كل منهم في تلك المسائل، ولذا فسوف اقتصر على ذكر تعاريف أصحاب المذاهب الأربعة فقط، ولا يعني هذا أن تلك التعاريف صادرة من أئمة المذاهب أنفسهم الذين ينسب لهم ذلك المذهب كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏ ولكن المتأخرين من فقهاء كل مذهب

стр. 15731

صاغوها بما يتفق مع قواعد مذهبهم فجاءت تلك التعاريف مطابقة لما قرره إمام المذهب. وعند الرجوع إلى كتب أصحاب تلك المذاهب نجد أن للوقف تعاريف كثيرة تختلف قي ألفاظها عن الأخرى وإن اتفقت في كثير من الأحيان في معانيها، ولذا فسوف أذكر أهم التعاريف التي صدرت عن أصحاب تلك المذاهب مع شرح موجز لألفاظ كل تعريف، مع الالتزام بعدم إعادة شرح اللفظ في التعريف اللاحق إذا كان قد تم شرحه في التعريف السابق وذلك تجنبا للتكرار.

стр. 15732

أولا: تعريف الحنابلة للوقف: عرفه ابن قدامة في المقنع بأنه (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة) (١). وعرفه في المغنى بأنه (تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة) (٢). وكلا التعريفين متفقان في المعنى إلا أنه عبر (بالثمرة) في التعريف الذي ذكره في المغني بدل (المنفعة) التي عبر بها في المقنع، وكلاهما بمعنى واحد. وإن كان التعبير (بالمنفعة) أشمل وأكثر دلالة على المقصود. شرح التعريف: قوله: (تحبيس) من الحبس وهو المنع ضد الإطلاق، وهو اسم جنس يشمل كل حبس كالرهن والحجر، والمقصود إمساك العين ومنع تملكها بأي سبب من أسباب التملكات (٣). قوله: (الأصل) أي العين الموقوفة. قوله: (تسبيل المنفعة) أي إطلاق فوائد العين الموقوفة وعائداتها- من غلة

стр. 15733

وريع وغير ذلك- للجهة المقصودة في الوقف والمعنية به، أي يجعل سبيلا أي طريقا لمصرفها (١). وعبر (بتسبيل المنفعة) لأنه أراد أن يكون على بر أو قربة (٢). والتسبيل يقتضي إخراج الأحباس الأخرى غير الوقف كالرهن والحجر لأنها غير مسبلة. واحترز بقوله: (المنفعة) عن إعطاء الذات كالهبة فإن الواهب يعطي ذات العين الموهوبة له بخلاف الوقف فإن المعطى هو منفعته وثمرته لا غير. الاعتراض على هذا التعريف: اعترض على هذا التعريف بأنه لم يجمع شروط الوقف (٣). وأجيب بأن التعريف هدفه ذكر حقيقة الشيء المعرف دون الدخول في تفصيل جزئياته، وهذا التعريف اقتصر على ذكر حقيقة الوقف فقط، ولم يدخل في تفاصيل أخرى تعتبر من الأمور المختلف فيها، بل ترك بيان ذلك وتفصيله عند الكلام عن تلك الأمور، إذ أن الدخول في التفاصيل قد يخرج التعريف عن دلالته ويبعده عن الهدف المقصود منه. وعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه (كل عين تجوز عاريتها) (٤). شرح التعريف: قوله: (كل عين) أي كل مال وقوله: (تجوز عاريتها) قيد أخرج به ما لا يجوز إعارته كوقف الدار لمن يشرب فيها الخمر أو يبيعه فيها.

стр. 15734

الاعتراض على هذا التعريف: أنه يدخل في هذا التعريف أشياء كثيرة لا يجوز وقفها عند الإمام أحمد- ﵀ وأصحابه (١). واستحسن برهان الدين بن مفلح في كتابه المبدع شرح المقنع تعريف الوقف بأنه (حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، ممنوع من التصرف في عينه بلا عذر، مصروف منافعه في البر تقربا إلى الله تعالى) (٢). وعرفه تقي الدين محمد بن أحمد بن النجار الفتوحي في منتهى الإرادات بأنه (تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه، ممنوع من التصرف في عينه بلا عذر، مصروف منافعه في البر تقربا إلى الله تعالى) (٣). وهذا التعريف والذي قبله متقاربان في المدلول، ولذا سنشرح الألفاظ الزائدة فيهما عما تقدم، ثم نورد ما عليهما من اعتراض. فقوله: (مال) قيد خرج به ما ليس بمال كالخمر والخنزير فإن كلا منهما ليس بمال عند المسلمين، وإنما المال عندهم هو العين المعينة المملوكة ملكا يقبل النقل ويحصل منها فائدة (٤). وقوله: (يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه) قيد آخر احترز به عما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالريحان والطعام، إذ لا يجوز وقفهما لأن الأول

стр. 15735

لا يضر إلا نادرا كما أنه يسرع إليه الفساد، والثاني: لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه (١). وقوله: (ممنوع من التصرف في عينه بلا عذر) يخرج ما كان التصرف فيه لعذر كالوقف المتعطل فإنه يجوز التصرف فيه بما هو من مصلحته. وقوله: (مصروف منافعه في البر) يخرج ما كانت منافعه في معصية الله من المحرمات كالوقف على أهل الحرب أو الزنا. وقوله: (تقربا إلى الله تعالى) أي ينوي به القربة وفيه إشارة إلى أن التقرب إلى الله شرط لصحة الوقف. واحترز بقوله: (مالك) في تعريف الفتوحي عمن ليس بمالك فلا يجوز وقف مال الغير. وقوله: (مطلق التصرف) قيد احترز به عن المحجور عليه لسبب من أسباب الحجر المعتبرة شرعا وقصد به المكلف الحر الرشيد. وقوله: (بقطع تصرفه وغيره في رقبته) أخرج به ما ليس بوقف من أموال الحبس الأخرى كالمال المرهون. الاعتراض على هذين التعريفين: اعترض على هذين التعريفين بأنهما قد أدخلا شروط الوقف في تعريفه وهذا خروج بالتعريف عن المقصود منه (٢). ثم إنهما أدخلا أمورا مختلفا فيها في التعريف والأولى الاقتصار على ما يدل على الشيء المعرف بصرف النظر عن الجزئيات الخلافية فيه.

стр. 15736

ثانيا: تعريف الوقف عند الحنفية: يفرق فقهاء الحنفية بين تعريف الوقف عند أبي حنيفة ﵀ وبين تعريفه على رأي الصاحبين- رحمهما الله تعالى-.

стр. 15737

وسبب ذلك اختلافهم في جملة من المسائل أهمها: ١ - اختلافهم في عقد الوقف من حيث اللزوم وعدمه. ٢ - اختلافهم في الجهة التي تنتقل إليها العين الموقوفة، وهل تخرج العين عن ملك واقفها أم لا؟ ولهذا فسوف نبين هنا تعريف الوقف على رأي الإمام أبي حنيفة ﵀ ثم نتبعه ببيان تعريفه على رأي صاحبيه. ١ - تعريف الوقف عند أبي حنيفة: لقد ذكر بعض فقهاء الحنفية تعريف الوقف مما يشبه رأي الإمام أبي حنيفة، وبعضهم نص في تعريفه على أنه هو نفسه تعريف الوقف عند أبي حنيفة. (ا) فنجد الإمام السرخسي قد عرفه بقوله: (حبس المملوك عن التمليك من الغير) (١). فقوله: (المملوك) قيد يراد به الاحتراز عن غير المملوك لأن الواقف إذا لم يكن مالكا للعين الموقوفة حين الوقف فإنه لا يصح وقفه، ولو آلت العين إلى ملكه بعد ذلك. فمن وقف أرضا غير مملوكة له بناء على أن نيته شراؤها ووقفها فإنه لا يصح وقفه. ويراد من قيد (عن التمليك من الغير) أن العين الموقوفة لا يصح أن يجري عليها أي تصرف من التصرفات التي تجوز للمالك في ملكه. كما أن إضافة (من الغير) إلى (التمليك) تفيد بقاء العين على ملك الواقف، حيث خص الغير دون الواقف نفسه (٢).

стр. 15738

وما جاء بعد كلمة (حبس) في التعريف هو في مجموعه قيد أخرج به ما ليس بوقف، إذ أن الراهن غير ممنوع من تمليك العين المرهونة من الغير عند استيفاء شروط ذلك. الاعتراضات على هذا التعريف: اعترض على هذا التعريف بعدة اعتراضات أهمها: ١ - أن قوله (حبس المملوك) يقتضي لزوم الوقف وعدم جواز الرجوع فيه وهذا خلاف قول الإمام أبي حنيفة حيث إن الوقف غير لازم عنده، وعلى هذا فإن هذا التعريف لا يناسب الوقف غير اللازم، إذ لا حبس فيه لأنه غير ممنوع من بيعه، بخلاف اللازم فإنه محبوس حقيقة (١). ٢ - أن هذا التعريف غير مانع وذلك لأن لفظ (المملوك) الوارد في التعريف لفظ عام يشمل كان مملوك سواء كان عقارا أو منقولا وأبو حنيفة ﵀ لا يرى صحة وقف المنقول. (ب) ونجد المرغيناني يعرف الوقف فيقول: (وهو في الشرع عند أبي حنيفة ﵀: (حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة) (٢). وبمثل هذا التعريف عرفه التمرتاشي في تنوير الأبصار (٣).

стр. 15739

وإذا كان هذا التعريف هو تعريف الوقف عند أبي حنيفة فهو في الحقيقة تعريف للوقف غير اللازم، فإن غالبية فقهاء الحنفية ينقلون عنه أنه يرى جواز الوقف إلا أنه غير لازم كالعارية (١). الاعتراض على هذا التعريف: ١ - يعترض عليه بمثل ما اعترض به على التعريف الأول الذي عرف الوقف به السرخسي، وذلك أنه أورد لفظ (الحبس) المقتضي للزوم الوقف وهو خلاف قول أبي حنيفة ﵀ فتعريفه بأنه حبس غير صحيح. وفي هذا يقول الكمال بن الهمام في فتح القدير: (ولفظ "حبس " إلى آخره، لا معنى له لأن له أن يبيعه متى شاء وملكه مستمر فيه كما لو لم يتصدق بمنفعته فلم يحدث الواقف إلا مشيئة التصدق بمنفعته وله أن يترك ذلك متى شاء، وهذا القدر كان ثابتا له قبل الوقف) (٢). ٢ - كما يعترض عليه بأن جعل ملكية العين باقية على ملك الواقف، يرد عليها (وقف المسجد) فإنه وقف على ملك الله تعالى. وعلى هذا فإن هذا التعريف غير جامع. ويمكن دفع هذا الاعتراض: بأنه تعريف للوقف المختلف فيه، وليس هو للوقف المتفق عليه. ويجاب عن ذلك بأن إيراده تعريفا للوقف يرد هذا الجواب وهو إنما أورده معرفا به الوقف، ولو أراد التفصيل لذكر له تعريفين ولم يقتصر على هذا التعريف فقط.

стр. 15740

٣ - ومن الاعتراضات عليه أيضا أن التعريف قيد مصرف الإنفاق بـ (التصدق بالمنفعة) فإذا أخذ بإطلاق التصدق فإنه لا يصرف إلا إلى الفقراء لأنهم مصرف الصدقات، مع أن الحنفية يجيزون الوقف على النفس وعلى الأغنياء بشرط أن يكون آخره للفقراء وعلى هذا يكون التعريف غير جامع (١). ورد هذا الاعتراض بأن في التصدق على الغني نوع قربة دون قربة الفقير. ويدفع هذا الرد بأنه لو كان هذا النوع من القربة كافيا في الوقف، لصح الوقف على الأغنياء دون أن يجعل آخره للفقراء (٢). وبناء على هذا الاعتراض زاد ابن الهمام على هذا التعريف عبارة: أو صرف منفعتها إلى من أحب (٣). كما زاد أيضا صاحب الدر على هذا التعريف عبارة: (ولو في الجملة (٤)، وذلك ليدخل فيه الوقف على نفسه ثم على الفقراء وكذا على الأغنياء ثم على الفقراء).

стр. 15741

٢ - تعريف الوقف عند الصاحبين: أورد فقهاء الحنفية للوقف تعاريف كثيرة- على رأي الصاحبين- كلها لا تخرج في معناها ومضمونها عن تعريف صاحب تنوير الإبصار حيث يقول: (وعندهما هو: حبسها على ملك الله تعالى، وصرف منفعتها على من أحب) (١). وقد زاد صاحب الدر المختار كلمة (حكم) بعد (على) وقبل (ملك الله تعالى) ليفيد أنه لم يبق على ملك الواقف، ولا انتقل إلى ملك غيره بل صار

стр. 15742

على حكم ملك الله تعالى (١). الاعتراض على هذا التعريف: يمكن الاعتراض بمثل لما اعترض به على تعريف السرخسي السابق. كما يمكن الاعتراض عليه بأنه أطلق القول في قوله: (وصرف منفعتها على من أحب) فدخل في ذلك صرفها إلى الأغنياء وحدهم، وهو خلاف قول الحنفية (٢).

стр. 15743

ثالثا: تعريف الوقف عند المالكية: أمثل تعريف للوقف عند المالكية ما عرفه به ابن عرفة حيث قال: (هو إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديرا) (١). فقوله: (إعطاء منفعة) احترز به عن إعطاء الذات كالهبة فإن الواهب يعطي ذات العين الموهوبة للموهوب له. وقوله: (شيء) أي مال أو متمول وعبر بـ (شيء) لقصد التعميم لكل الأشياء إلا أنه خصصه بما جاء في التعريف وقوله: (مدة وجوده) قيد احترز به عن العارية والعمرى لأن للمعير الحق في استرجاع العين المعارة متى شاء، كما أن الشيء المعمر يرجع بعد موت المعمر ملكا له أو لورثته. وقوله: (لازما بقاؤه في ملك معطيها). قيد خرج به العبد المخدم حياته بموت قبل موت سيده لعدم لزوم بقائه في ملك معطيه لجواز بيعه برضاه مع معطاه.

стр. 15744

قوله: (ولو تقديرا) يحتمل أن يكون اللفظ راجعا إلى الملك فيكون المعنى: إن ملكت داري فلانا فهي حبس. ويحتمل أن يكون اللفظ راجعا إلى الإعطاء فيكون المعنى: داري حبس على من سيكون، وعلى كلا الاحتمالين فالمراد بالتقدير: التعليق، ولم يرجح المالكية أيا من الاحتمالين وذلك لأنهم يجيزون الوقف المعلق (١). الاعتراضات على هذا التعريف: اعترض على هذا التعريف باعتراضين: الأول: أن هذا التعريف يفيد تأبيد الوقف، وقد خرج به الوقف المؤقت، وذلك لأن المالكية يرون صحته، وعلى هذا فإن التعريف غير جامع. الثاني: اعترض الشيخ محمد عليش ﵀ على هذا التعريف بأن الوقف تمليك انتفاع لا منفعة كما تقرر (٢).

стр. 15745

رابعا: تعريف الوقف عند الشافعية: قال محرر المذهب الإمام النووي في تعريفه للوقف بأنه (حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته وتصرف منافعه إلى البر تقربا إلى الله تعالى).

стр. 15746

وعرفه في تصحيح التنبيه فقال: قال أصحابنا (الوقف تحبيس ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته ويصرف في جهة خير تقربا إلى الله تعالى) (١). وعرفه ابن حجر الهيتمي، والشيخ عميرة، بأنه (حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح) (٢). وعرفه الشربيني الخطيب والرملي الكبير بأنه: (حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود) (٣). وعند استعراض تلك التعريفات للشافعية نجد أن القدر المشترك بينها هو تعريف الشيخ القليوبي القائل بأن الوقف: (حبس ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح). وقد مر شرح أكثر ألفاظه أما قوله: (على مصرف مباح) فهو قيد احترز به عن الوقف على جهة غير مباحة. وتعبير بلفظ (مباح) بدل (بر) في التعريفات الأخرى يزيل شبهة اشتراط

стр. 15747

القربة لصحة الوقف فعلى هذا يصح الوقف ولو بغير نية القربة إذا كان لغرض غير محرم. واستحسن صاحب كفاية الأخيار حذف كلمة (مال) الواردة في التعريف، ليشمل التعريف (الكلب المعلم) كما هو رأي في المذهب الشافعي (١). ويعترض البعض على وجود عبارة (بقطع التصرف في رقبته) مع عبارة (حبس) في أول التعريف معللا بأن وجود تلك العبارة تكرار لا معنى له، فهي لمعنى الحبس. كما يعترض على هذه التعاريف بما سبق الاعتراض به على تعريف ابن مفلح من الحنابلة على الوقف.

стр. 15748

التعريف المختار: التعريف الذي أميل إليه من التعاريف السابقة هو قول ابن قدامة ﵀ ومن وافقه بأن الوقف (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة). وقد اخترت هذا التعريف للأسباب الآتية: أولا: أن هذا التعريف اقتباس من قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: «حبس الأصل وسبل الثمرة (١)». والرسول ﷺ أفصح العرب لسانا وأكملهم بيانا، وأعلمهم بالمقصود من قوله. ثانيا: أن هذا التعريف جامع مانع لكونه قد سلم من الاعتراضات التي اعترض بها على التعريفات الأخرى.

стр. 15749

ثالثا: أن هذا التعريف يؤدي المعنى الحقيقي للوقف بأقصر عبارة تفيد المقصود منه دون الدخول في تفصيلات جانبية كبقية التعاريف الأخرى. رابعا: أن ذكر الأركان والشروط ضمن التعريف يخرجه عن الغرض الذي وضع لأجله.

стр. 15750

الفصل الثاني لمحة من تاريخ الوقف عند المسلمين إن أول وقف في الإسلام هو مسجد (قباء) الذي أسسه الرسول ﷺ حين قدم مهاجرا إلى المدينة قبل أن يدخلها. ثم بعد ذلك المسجد النبوي بالمدينة، حيث بناه الرسول ﷺ في السنة الأولى للهجرة عند مبرك ناقته حين قدم المدينة (١). أما أول وقف خيري في الإسلام فقد اختلف المسلمون فيه: فقيل إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة رسول الله ﷺ حين وقف الحوائط (٢) السبعة بالمدينة التي كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، وكان محبا ودودا للنبي ﷺ وقاتل مع المسلمين يوم أحد وأوصى إن أصبت أي قتلت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل يوم أحد وهو على يهوديته، فقال النبي ﷺ : «مخيريق خير يهود» وقبض النبي ﷺ تلك الحوائط السبعة فتصدق بها أي وقفها. وقيل إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة عمر بن الخطاب - رضي الله

стр. 15751

عنه- سنة سبع من الهجرة حين رجع النبي ﷺ من خيبر (١). وسواء قلنا أن أول صدقة في الإسلام هي صدقة الرسول ﷺ أو صدقة عمر بن الخطاب، فالوقف في الإسلام نوع من أنواع الصدقات التي رغب الشارع فيها وندب إليها وهو قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه ولا فرق في ذلك بين الوقف على جهة عامة كالفقراء وطلبة العلم ونحو ذلك أو الوقف على القرابة والذرية، إلا أن السلف الأول من هذه الأمة يفضلون أن يكون آخره للمساكين. وقد توالت أوقاف الصحابة الكرام لا يبتغون من ذلك إلا مرضاة الله تعالى، والتقرب إليه واستمر الناس من بعدهم يقفون أموالهم تقربا إلى الله تعالى. إلا أنه ظهر في آخر عصر الصحابة اتخاذ الوقف طريقا لحرمان بعض البنات من نصيبهن، حتى لقد صاحت أم المؤمنين عائشة ﵂ باستنكار ذلك، فكانت تقول: (ما وجدت للناس مثلا اليوم في صدقاتهم إلا كما قال الله : ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢) الأنعام (١٣٩)، والله انه ليتصدق الرجل الصدقة العظيمة على ابنته فترى غضارة صدقته عليها وترى ابنته الأخرى وإنه لتعرف عليها الخصاصة لما حرمها من صدقته (٣). ولقد هم عمر بن عبد العزيز أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء ولكن المنية عاجلته قبل أن ينفذ ذلك. ولقد كثرت الأوقاف في العصر الأموي كثرة عظيمة بمصر والشام وغيرهما من البلاد المفتوحة بسبب ما أغدقه الله على المسلمين بعد الفتوحات

стр. 15752

الإسلامية، فتوافرت لديهم الأموال والدور والحوانيت، كما امتلك كثير منهم المزارع والحدائق وتيسرت لهم سبل الوقف (١). ولما كان زمن هشام بن عبد الملك، صارت للأوقاف إدارة خاصة بمصر تشرف عليها وترعاها، وأول من فعل ذلك توبة بن نمر قاضي مصر، فقد كانت الأحباس في أيدي أهلها وفي أيدي الأوصياء فلما تولى توبة قال: (ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظا لها من الضياع والتوارث). ولم يمت توبة حتى صار للأوقاف ديوان مستقل عن بقية الدواوين يشرف عليه القاضي. وكان لأهل مصر رغبة شديدة في الأحباس ولعل ذلك قد قر في نفوس المصريين قبل الإسلام، ولقد حدث أن ولي قضاء مصر إسماعيل بن اليسع الكندي، من قبل المهدي، سنة (١٦٤) وكان يذهب مذهب أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف وقد نفذ رأي شيخه أبي حنيفة فتملل به المصريون وأبغضوه وذهب إليه الليث بن سعد وقال له: جئت مخاصما لك، فقال

стр. 15753

له: في ماذا؟ قال في إبطال أحباس المسلمين، ثم كتب للمهدي كتابا جاء فيه: (إنك وليتنا رجلا يكيد سنة رسول الله ﷺ بين أظهرنا مع أنا ما علمناه في الدينار- والدرهم إلا خيرا) فكتب أمير المؤمنين بعزله (١). وقد وجدنا في كتاب الأم للشافعي وثيقة وقف كتبت في حياته (٢) يستفاد منها أن الأحباس في ذلك الوقت وهو القرن الثاني وأول القرن الثالث تشبه في شروطها ومصارفها الأحباس في القرن الرابع عشر الهجري، وإن كانت عبارات الأقدمين فيها شيء من التكرار والبسط في العبارات ولكن المعنى واحد، وقد ورد في تلك الوثيقة بصريح اللفظ حرمان أولاد البنات وقصر الانتفاع على أولاد الصلب. وقد كانت الأوقاف في مصر خاصة تقتصر على الدور والرباع، ولكن الأمر لم يستمر بل اتجه إلى وقف الأراضي والبساتين واتسع هذا الأمر في عهد المماليك، وقد كثرت الأحباس كثرة ملحوظة واتسع نطاقها، مما كان سببا في أن يجعل للأوقاف ثلاثة دواوين: ديوان لأحباس المساجد، وديوان لأحباس الحرمين الشريفين وجهات البر الأخرى المختلفة، وديوان للأوقاف الأهلية (٣). وقد كانت أكثر الأوقاف في البلاد الإسلامية تسير على مقتضى تأبيد الوقف فيبقى الوقف جيلا بعد جيل وقد تجهل مصارفه والولاية عليه بمرور الزمن وترادف الحوادث المختلفة. وقد اتخذ بعض الولاة من هذا ومن جواز استبدال الوقف طريقا للاستيلاء عليها باسم الاستبدال. وقد عاونهم على ذلك بعض فسقة القضاة والشهود وكان هذا في القرن السابع والثامن وما يليه وبذلك صارت الأوقاف نهبا مقسما.

стр. 15754

ولقد كان لذلك أثره في الفقهاء الذين عاصروا تلك الفترة فمنهم من شدد في فتاويه في الاستبدال وصعب طريقه ومنهم من أكثر من النكير على فعل هؤلاء (١). وعلى كل حال فإن الأوقاف في ذلك الوقت تحت تصرف القضاة فهم الذين يولون النظار عليها ويحاسبونهم ويشرفون على أوجه صرف ريعها. وفي عهد العباسيين كان لإدارة الوقف رئيس يسمى (صدر الوقف) أنيط به الإشراف على إدارتها وتعيين الأعوان لمساعدته على النظر عليها. ولما تولى العثمانيون مقاليد السلطة في معظم البلاد الإسلامية اتسع نطاق الوقف لإقبال السلاطين وولاة الأمور في الدولة العثمانية على الوقف، وصارت له تشكيلات إدارية تعنى بالإشراف عليه وصدرت تعليمات متعددة لتنظيم شئونه وبيان أنواعه وكيفية إدارته، ولا زال الكثير من هذه الأنظمة معمولا بها إلى يومنا هذا. فمن الأنظمة التي صدرت في العهد العثماني: نظام إدارة الأوقاف (٢) الذي نظم كيفية مسك القيود من قبل مديري الأوقاف، وكيفية محاسبة مدير الأوقاف الجديد لمن سبقه، وتعمير وإنشاء المباني على العقارات الخيرية، وكيف يتم تحصيل حاصلات الوقف وغير ذلك من الأحكام المنظمة لأعماله، وقد اهتم العثمانيون بالأوقاف اهتماما بالغا فتعددت في عصرهم أغراضه وكثرت أهدافه حتى شمل الكثير من الأعمال التي تساعد على بنيان المجتمع وتكافله وما يحتاج إليه من خدمات عامة كبناء الحصون والقلاع وتسليح الجيوش ومن ذلك أيضا وقف الأربطة والبيوت على عابري السبيل وعلى طلبة العلم، وغير ذلك من المقاصد الحسنة التي كان لها الأثر الأكبر في توفير كثير من متطلبات الحياة للناس وتمكين المسلمين من اتصال بعضهم ببعض ودفع الحركة العلمية والثقافية حتى أعجب بأفعالهم كثير من غير المسلمين وتأثروا بأخلاقهم وفي

стр. 15755

هذا يقول السائح (دولوير) في كتابه الذي نشره سنة ١٦٥٤ (ص ١٨٩ - ١٩٠): (ولم تنحصر خيرات المسلمين في الأحياء فقط بل امتدت إلى الأموات، وشجعت الدولة العثمانية إقامة بيوت الضيافة التي يستفيد منها كل إنسان مهما كان دينه وتقدم فيها الخدمة لكل من يأتيها حسب حاجته لمدة ثلاثة أيام،، وينشئ بعض الأتراك على جوانب الطرق العيون الجارية لسقاية المسافرين). ويسهب بعد ذلك في بيان كثير من الأمور التي كان يفعلها الأتراك على سبيل الصدقة والقربة ممتدحا تلك الأعمال. وقد توالت بعد ذلك القوانين والأنظمة الخاصة بالوقف منذ العهد العثماني إلى يومنا هذا. وتعرض الوقف خلال تلك الفترة إلى حملات واسعة تهدف إلى إلغائه وخاصة الأهلي منه. ففي القرن الثامن فكر (برقوق أتابك) بإبطال الأوقاف الأهلية، وقد عقد مجلسا من العلماء لاستفتائهم في ذلك. ويرى البعض أن فكرة برقوق كانت تقتصر على إبطال أوقاف الأمراء السابقين (١) فقط أما في العصر الحاضر فقد كان موضوع إلغاء الوقف الذري مدار جدل محتدم بين مؤيد ومعترض. وحجة مؤيدي الإلغاء أنه يساعد على البطالة والتسكع بين المستفيدين. وعند النظرة الأولى لهذه الحجة نجد أنها مقبولة في ظاهر الأمر، ولكن عند إمعان النظر والتركيز على الأسباب الحقيقية لهذه الدعوى نجد أنها
следующие страницы →