عنه- سنة سبع من الهجرة حين رجع النبي ﷺ من خيبر (١).
وسواء قلنا أن أول صدقة في الإسلام هي صدقة الرسول ﷺ أو صدقة عمر بن الخطاب، فالوقف في الإسلام نوع من أنواع الصدقات التي رغب الشارع فيها وندب إليها وهو قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه ولا فرق في ذلك بين الوقف على جهة عامة كالفقراء وطلبة العلم ونحو ذلك أو الوقف على القرابة والذرية، إلا أن السلف الأول من هذه الأمة يفضلون أن يكون آخره للمساكين.
وقد توالت أوقاف الصحابة الكرام لا يبتغون من ذلك إلا مرضاة الله تعالى، والتقرب إليه واستمر الناس من بعدهم يقفون أموالهم تقربا إلى الله تعالى.
إلا أنه ظهر في آخر عصر الصحابة اتخاذ الوقف طريقا لحرمان بعض البنات من نصيبهن، حتى لقد صاحت أم المؤمنين عائشة ﵂ باستنكار ذلك، فكانت تقول: (ما وجدت للناس مثلا اليوم في صدقاتهم إلا كما قال الله : ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢) الأنعام (١٣٩)، والله انه ليتصدق الرجل الصدقة العظيمة على ابنته فترى غضارة صدقته عليها وترى ابنته الأخرى وإنه لتعرف عليها الخصاصة لما حرمها من صدقته (٣).
ولقد هم عمر بن عبد العزيز أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء ولكن المنية عاجلته قبل أن ينفذ ذلك.
ولقد كثرت الأوقاف في العصر الأموي كثرة عظيمة بمصر والشام وغيرهما من البلاد المفتوحة بسبب ما أغدقه الله على المسلمين بعد الفتوحات
стр. 15752
الإسلامية، فتوافرت لديهم الأموال والدور والحوانيت، كما امتلك كثير منهم المزارع والحدائق وتيسرت لهم سبل الوقف (١).
ولما كان زمن هشام بن عبد الملك، صارت للأوقاف إدارة خاصة بمصر تشرف عليها وترعاها، وأول من فعل ذلك توبة بن نمر قاضي مصر، فقد كانت الأحباس في أيدي أهلها وفي أيدي الأوصياء فلما تولى توبة قال: (ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظا لها من الضياع والتوارث).
ولم يمت توبة حتى صار للأوقاف ديوان مستقل عن بقية الدواوين يشرف عليه القاضي.
وكان لأهل مصر رغبة شديدة في الأحباس ولعل ذلك قد قر في نفوس المصريين قبل الإسلام، ولقد حدث أن ولي قضاء مصر إسماعيل بن اليسع الكندي، من قبل المهدي، سنة (١٦٤) وكان يذهب مذهب أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف وقد نفذ رأي شيخه أبي حنيفة فتملل به المصريون وأبغضوه وذهب إليه الليث بن سعد وقال له: جئت مخاصما لك، فقال
стр. 15753
له: في ماذا؟ قال في إبطال أحباس المسلمين، ثم كتب للمهدي كتابا جاء فيه: (إنك وليتنا رجلا يكيد سنة رسول الله ﷺ بين أظهرنا مع أنا ما علمناه في الدينار- والدرهم إلا خيرا) فكتب أمير المؤمنين بعزله (١).
وقد وجدنا في كتاب الأم للشافعي وثيقة وقف كتبت في حياته (٢) يستفاد منها أن الأحباس في ذلك الوقت وهو القرن الثاني وأول القرن الثالث تشبه في شروطها ومصارفها الأحباس في القرن الرابع عشر الهجري، وإن كانت عبارات الأقدمين فيها شيء من التكرار والبسط في العبارات ولكن المعنى واحد، وقد ورد في تلك الوثيقة بصريح اللفظ حرمان أولاد البنات وقصر الانتفاع على أولاد الصلب.
وقد كانت الأوقاف في مصر خاصة تقتصر على الدور والرباع، ولكن الأمر لم يستمر بل اتجه إلى وقف الأراضي والبساتين واتسع هذا الأمر في عهد المماليك، وقد كثرت الأحباس كثرة ملحوظة واتسع نطاقها، مما كان سببا في أن يجعل للأوقاف ثلاثة دواوين: ديوان لأحباس المساجد، وديوان لأحباس الحرمين الشريفين وجهات البر الأخرى المختلفة، وديوان للأوقاف الأهلية (٣).
وقد كانت أكثر الأوقاف في البلاد الإسلامية تسير على مقتضى تأبيد الوقف فيبقى الوقف جيلا بعد جيل وقد تجهل مصارفه والولاية عليه بمرور الزمن وترادف الحوادث المختلفة.
وقد اتخذ بعض الولاة من هذا ومن جواز استبدال الوقف طريقا للاستيلاء عليها باسم الاستبدال.
وقد عاونهم على ذلك بعض فسقة القضاة والشهود وكان هذا في القرن السابع والثامن وما يليه وبذلك صارت الأوقاف نهبا مقسما.
стр. 15754
ولقد كان لذلك أثره في الفقهاء الذين عاصروا تلك الفترة فمنهم من شدد في فتاويه في الاستبدال وصعب طريقه ومنهم من أكثر من النكير على فعل هؤلاء (١).
وعلى كل حال فإن الأوقاف في ذلك الوقت تحت تصرف القضاة فهم الذين يولون النظار عليها ويحاسبونهم ويشرفون على أوجه صرف ريعها.
وفي عهد العباسيين كان لإدارة الوقف رئيس يسمى (صدر الوقف) أنيط به الإشراف على إدارتها وتعيين الأعوان لمساعدته على النظر عليها.
ولما تولى العثمانيون مقاليد السلطة في معظم البلاد الإسلامية اتسع نطاق الوقف لإقبال السلاطين وولاة الأمور في الدولة العثمانية على الوقف، وصارت له تشكيلات إدارية تعنى بالإشراف عليه وصدرت تعليمات متعددة لتنظيم شئونه وبيان أنواعه وكيفية إدارته، ولا زال الكثير من هذه الأنظمة معمولا بها إلى يومنا هذا.
فمن الأنظمة التي صدرت في العهد العثماني: نظام إدارة الأوقاف (٢) الذي نظم كيفية مسك القيود من قبل مديري الأوقاف، وكيفية محاسبة مدير الأوقاف الجديد لمن سبقه، وتعمير وإنشاء المباني على العقارات الخيرية، وكيف يتم تحصيل حاصلات الوقف وغير ذلك من الأحكام المنظمة لأعماله، وقد اهتم العثمانيون بالأوقاف اهتماما بالغا فتعددت في عصرهم أغراضه وكثرت أهدافه حتى شمل الكثير من الأعمال التي تساعد على بنيان المجتمع وتكافله وما يحتاج إليه من خدمات عامة كبناء الحصون والقلاع وتسليح الجيوش ومن ذلك أيضا وقف الأربطة والبيوت على عابري السبيل وعلى طلبة العلم، وغير ذلك من المقاصد الحسنة التي كان لها الأثر الأكبر في توفير كثير من متطلبات الحياة للناس وتمكين المسلمين من اتصال بعضهم ببعض ودفع الحركة العلمية والثقافية حتى أعجب بأفعالهم كثير من غير المسلمين وتأثروا بأخلاقهم وفي
стр. 15755
هذا يقول السائح (دولوير) في كتابه الذي نشره سنة ١٦٥٤ (ص ١٨٩ - ١٩٠): (ولم تنحصر خيرات المسلمين في الأحياء فقط بل امتدت إلى الأموات، وشجعت الدولة العثمانية إقامة بيوت الضيافة التي يستفيد منها كل إنسان مهما كان دينه وتقدم فيها الخدمة لكل من يأتيها حسب حاجته لمدة ثلاثة أيام،، وينشئ بعض الأتراك على جوانب الطرق العيون الجارية لسقاية المسافرين).
ويسهب بعد ذلك في بيان كثير من الأمور التي كان يفعلها الأتراك على سبيل الصدقة والقربة ممتدحا تلك الأعمال.
وقد توالت بعد ذلك القوانين والأنظمة الخاصة بالوقف منذ العهد العثماني إلى يومنا هذا.
وتعرض الوقف خلال تلك الفترة إلى حملات واسعة تهدف إلى إلغائه وخاصة الأهلي منه.
ففي القرن الثامن فكر (برقوق أتابك) بإبطال الأوقاف الأهلية، وقد عقد مجلسا من العلماء لاستفتائهم في ذلك.
ويرى البعض أن فكرة برقوق كانت تقتصر على إبطال أوقاف الأمراء السابقين (١) فقط أما في العصر الحاضر فقد كان موضوع إلغاء الوقف الذري مدار جدل محتدم بين مؤيد ومعترض.
وحجة مؤيدي الإلغاء أنه يساعد على البطالة والتسكع بين المستفيدين.
وعند النظرة الأولى لهذه الحجة نجد أنها مقبولة في ظاهر الأمر، ولكن عند إمعان النظر والتركيز على الأسباب الحقيقية لهذه الدعوى نجد أنها
стр. 15756
مرفوضة من أساسها. وما كانوا ليقولوا هذه المقالة لو أنه نظام مستورد من شرق أو من غرب، ولكنه الإسلام الذي أصبح غرضا يرمى وهدفا يقصد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو أن أصحاب هذه المقالة وضعوا الحلول المناسبة لمواطن البطالة الأخرى بين الناس، تلك التي خلفت لنا صفوفا متراصة في الأندية والمقاهي ودور اللهو التي امتلأت بالعاطلين مع الاهتمام البالغ بما يعين على ذلك ويشجع على ارتياد تلك الأماكن بشتى الأساليب وعلى أعلى المستويات، لو فعلوا ذلك لما وجدوا لتلك الحجة من أثر.
غير أنهم قصدوا إزالة نظام الوقف الذري الذي ندب إليه الشرع ليقضوا بذلك على الترابط الأسري بين المسلمين مما يعينهم على هدم الأسرة المسلمة الذي يسعون إليه (١).
ومع التسليم جدلا بما قالوا فليس ذلك بسبب الوقف نفسه وإنما هو راجع إلى الأسلوب المتبع في ذلك الوقف مما أخرجه عن مقصده الأساسي.
فلوا أننا أعدنا النظر وجددنا الأساليب بما يحقق المصلحة الشرعية من الوقف لزالت تلك العيوب.
ومع ذلك فقد أثبتت الأيام أن لأصحاب تلك الفكرة قوة استطاعت تنفيذها في كثير من بلاد المسلمين، وهكذا تكون الحال إذا تولى الأمر غير أهله من الفسقة والمنافقين وعملاء أعداء المسلمين.
стр. 15757
الفصل الثالث
في أهداف الوقف وحكمة مشروعيته
يطلق فقهاء المسلمين (الحكمة من الشيء) ويريدون بذلك ما يسمى في الاصطلاح الحديث (الهدف من الشيء) والهدف من الشيء هو السبب المبين لمصلحة ومزية الشيء المراد.
الوقوف على حكمة الشيء من دواعي القناعة والاطمئنان إلى صحته وأهمية ما يحصل بسببه من منافع. وقبل أن نقف على أهداف الوقف والحكمة منه ينبغي لنا أن نتصور الأمور التالية:
١ - أن الإسلام دين شامل لكل ما يعود بالنفع على الإنسان سواء في أمور دينه أو دنياه.
٢ - أن ذلك الشمول يتمشى مع متطلبات المرء بما يحقق له العزة والكرامة في الدارين.
٣ - أن أحكام الإسلام جاءت متفقة مع حاجته سليمة من كل عيب أو نقص يخل بها عند تطبيقها لأنها كلها جاءت من عند الحكيم العليم الذي يعلم بحكمته ما يصلح له وما لا يصلح فأرشده إلى ما فيه الخير كل الخير، وحذره عما فيه الشر.
٤ - أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العبد سواء في أمور دينه أو في مصالحه الدنيوية التي يتمتع بها في حياته ويستعين بها على تأدية ما وجب عليه تجاه خالقه ومنشئه.
٥ - أن الإنسان مهما أوتي من ذكاء وفطنة ودراية فأحكامه عبارة عن نظريات قابلة للصواب والخطأ غير ملائمة لكل المجتمعات، وعلى هذا فكل ما وضعه من حلول لمشاكل المجتمع فإنه ينطبق عليه هذا الوصف.
فكل هذه الأمور مجتمعة تجعلنا نجد أن في الوقف الذي أقره الشرع
стр. 15758
الحنيف تحقيقا لكثير من المصالح الدينية التي تعود على الموقف في الآخرة كما أن فيه معالجة حقيقية لكثير من احتياجات المجتمع الدنيوية التي لا غنى له عنها فإن المسلم مأمور وموعود، مأمور بالإنفاق للتوسعة على من هو في حاجة من العباد ولرفع الضيق والحرج والمشقة عنهم، ولتهيئة سبل الراحة والطمأنينة للمسلمين، وموعود مقابل ذلك بالأجر الجزيل من الله .
ولهذا نجد أن الله قد رغب في البذل والإنفاق في كثير من الآيات في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
كما أن الرسول ﷺ قد حث على التصدق وفعل المعروف وتقدم قوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٤)».
وهناك آيات وأحاديث كثيرة حثت على التصدق والبذل والإنفاق في وجوه البر والإحسان، ولسنا في صدد حصرها ولكن يكفينا ما ذكرناه لإظهار ترغيب الشريعة الإسلامية بهذا الأمر.
والإنسان حبب إليه تملك المال وجمعه والحرص عليه وأقرت الشريعة الإسلامية الملكية الفردية بعد أن جعلت لها قواعد معينة لكي تتلاءم تلك الملكية مع الواقع الفعلي لبنى البشر بما يحفظ لكل حقه من غير ظلم لأحد على
стр. 15759
حساب الآخر لأن الناس متفاوتون في الإمكانات والقدرات، فمنهم من تتهيأ له الظروف فينال نصيبا وافرا من المال بسبب ما يسره الله له.
وصنف آخر قل نصيبه أو عدم لسبب آخر قد يكون مرجعه عوامل طبيعية كقلة الموارد، وقد يكون مرجعه الشخص نفسه وما جبله الله عليه من قدرة وطاقة، أو لعاهة فيه ابتلي بها ومنعته من القيام على أمور نفسه كالآخرين. ولهذا نجد أن الإسلام حافظ على الملكية الفردية وجعلها حقا من حقوق المرء ولكنه مقابل ذلك لم يترك الفئة الأخرى التي قدر لها عدم المقدرة على تحصيل المال. فجعل لتلك الفئة نصيبا مما في أيدي أصحاب الأموال لكي يحصل التوازن بين بني البشر وتظهر حكمة الله وعدله بين خلقه. فجاء ضمان هذا الحق لتلك الفئة بأسلوبين:
أحدهما: إلزامي وهو الحق المتمثل في الزكاة الواجبة على أصحاب الأموال لتلك الفئة، ولسنا بصدد الحديث عنها، الثاني: أسلوب تطوعي رغب الإسلام به وحث عليه وهو أنواع الصدقات الأخرى، والوقف نوع من أنواع الصدقات، وقد تركت الشريعة الإسلامية للمالكين سعة من أمرهم في أن يحققوا ما يرونه مناسبا من أوجه الإنفاق.
وإذا كان الدين الإسلامي لا يفرض هذا الأسلوب كما فرض الأسلوب الأول، فإنه بلا شك يحبذه ويستحسنه كما يستحسن سائر أعمال البر الأخرى.
فقد أمر الإسلام بكل ما يقوي عرى الصلة والتراحم بين المسلمين ويحقق التكافل فيما بينهم، وحض على التعاون والتكاتف في كل سبل الخير والبر والمعروف، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١).
ودعوة الإسلام إلى التعاون فيما بين المجموعة لا يترتب عليه مردود عكسي على الترابط الخاص فيما بين الأقارب والأسر بل إن الإسلام دعا إلى مراعاة ذلك وقدمه على الترابط العام بين المسلمين قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢).
стр. 15760
والوقف فيه تحقيق لكلا الغرضين، التكافل العام بين المسلمين، والتكافل الخاص في نطاق الأسرة الواحدة.
ولما كان المال محببا إلى النفوس ويصعب على المرء التفريط فيه، فقد شرع الإسلام حبس عين المال، والتصدق بمنفعتها وفي هذا تحقيق لرغبة الإنسان المتمشية مع ما جبل عليه من حرص على المال، وذلك لأن عين ماله باقية في الوقف ليس لأحد التصرف فيها.
كما أن في ذلك تحقيقا لنفع الآخرين بريع هذا المال، ومراعاة لحالهم، وفيه أيضا تحقيق لحصول الأجر والثواب لصاحب ذلك المالك الموقوف (١). فاجتمع بذلك تحقيق الرغبتين وتعميم النفع للجميع.
كما أن في الوقف تحقيقا لمصالح الأمة وتوفيرا لاحتياجاتهم ودعما لتطويرها ورقيها، وذلك بما يوفره من دعم لمشروعاتها الإنمائية، وأبحاثها العلمية، وذلك أن الوقف لا يقتصر على الفقراء وحدهم وإنما يمتد نفعه ليشمل كثيرا من المجالات التي تخدم البشرية.
ومن خلال هذا العرض الموجز لتلك التصورات يمكننا أن نوضح الهدف العام للوقف، والأهداف الخاصة له، ولو أن مجالات الوقف واسعة ومتجددة يصعب الإلمام بها ووضعها تحت عبارة تشملها، ولكنني سوف أبين الأهداف التي وقفت عليها أو استنبطتها من الواقع الفعلي لما يحققه الوقف من مصالح مراعيا في ذلك الشمولية في الألفاظ ليدخل تحتها ما يستجد من مجالات خيرة وما يبتكر من وسائل للاستفادة من الوقف مستقبلا في تحقيقها.
стр. 15761
الهدف العام للوقف:
هو إيجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق غرض مباح من أجل مصلحة معينة.
فالإيجاد هو الإنشاء لشيء لم يكن موجودا إنشاء اختياريا، والمورد هو
стр. 15762
المصدر الذي يزود منه غيره جمعه موارد وهي المناهل، واحترز (بدائم) عن عدم التأبيد في الوقف و (بالاستمرار) بعدم توقيته بوقت معين، واحترز (بالمباح) عن الوقف على المحرمات واحترز (بالمصلحة المعينة) من الوقف على ما لا نفع فيه وعلى غير المعين.
стр. 15763
الأهداف الخاصة للوقف:
للوقف عند المسلمين عدة أهداف خيرية واجتماعية حميدة، منها ما يقصد به المجتمع ومنها ما يقصد به حماية الأسر وتلاحمها وترابطها وتعاونها على البر والتقوى بصفتها اللبنة الأولى للمجتمع ومنها ما يعود على الموقف نفسه من أجر وثواب يناله بسبب الوقف وإليك أهم أهداف الوقف:
١ - تحقيق مبدأ التكافل بين الأمة المسلمة وإيجاد التوازن في المجتمع فإن الله جعل الناس مختلفين في الصفات متباينين في الطاقة والقدرة، والوقف عامل من عوامل تنظيم الحياة بمنهج حميد يرفع من مكانة الفقير ويقوي الضعيف، ويعين العاجز، ويحفظ حياة المعدم، من غير مضرة بالغني ولا ظلم يلحق بالقوي، وإنما يحفظ لكل حقه بغاية الحكمة والعدل، فتحصل بذلك المودة وتسود الأخوة ويعم الاستقرار، وتتيسر سبل التعاون والتعايش بنفوس راضية مطمئنة.
٢ - في الوقف ضمان لبقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة، فإن الموقوف محبوس أبدا على ما قصد له لا يجوز لأحد أن يتصرف به تصرفا يفقده صفة الديمومة والبقاء.
٣ - في الوقف استمرار للنفع العائد من المال المحبس، فثوابه مستمر لموقفه حيا أو ميتا وداخل في الصدقة الجارية التي أخبر الرسول ﷺ أنها من العمل الذي لا ينقطع، وهو أيضا مستمر النفع للموقوف عليه ومتجدد الانتفاع منه أزمنة متطاولة (١). قال الدهلوي (استنبطه - أي
стр. 15764
الوقف- النبي ﷺ لمصالح لا توجد في سائر الصدقات فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالا كثيرا ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجئ أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه ويبقى أصله) (١).
٤ - للوقف هدف أعلى وأسمى من بقية الأهداف وهو امتثال أمر الله بالإنفاق والتصدق والبذل في وجوه البر. كما في الآيات التي سبق ذكرها وغيرها من الآيات المماثلة، كما أن فيه امتثالا لأمر الرسول ﷺ بالصدقة وحثه عليها.
٥ - في الوقف تحقيق لأهداف اجتماعية واسعة وأغراض خيرية شاملة كدور العلم والوقف على طلبة العلوم الشرعية والعلوم المباحة التي تعود بالنفع على المسلمين والتي هي من متطلبات المجتمع المسلم، وما يتبع ذلك من أبحاث ودراسات تكون من وسائل تنمية المجتمع المسلم وإغنائه عما بيد عدوه.
وقد قام على الوقف جامعات علمية نشرت نورها على الأرض، وحملت رسالة الإسلام إلى الناس، وبسبب الوقف وحده نشطت في البلاد الإسلامية حركة علمية منقطعة النظير غير متأثرة بالأحداث السياسية والاجتماعية التي سادت بلاد المسلمين. فوفرت للمسلمين نتاجا علميا ضخما وتراثا إسلاميا خالدا، وفحولا من العلماء لمعوا في التاريخ العالمي كله (٢).
فمن الوقف يمكن إيجاد مؤسسات وقفية تعمل بحرية كاملة بعيدا عن المؤثرات الخارجية تؤدي غرضا أو أغراضا متعددة تخدم المجتمع، وتساهم في
стр. 15765
نشر الإسلام وتبلغ رسالته تدعم تلك المؤسسات الوقفية من قبل من يسر الله لهم أموالا تزيد عن حاجتهم.
كما أن في تلك المؤسسات تحقيقا لغرض كثير من الأفراد الذين يرغبون في فعل الخير ولكن أعمالهم والتزاماتهم تمنعهم من ذلك أو ليس لديهم الخبرة الكافية للقيام بتلك الأعمال فإذا وجد من يخدمهم باستغلال ما ينفقونه على سبل الخير من المتخصصين في مجال الاستفادة به بما يحقق الغاية منه دفعهم هذا إلى كثرة الإنفاق لاطمئنانهم إلى أن عائد ما ينفقونه سوف يصرف في مصرفه السليم.
٦ - بالوقف يمكن للمرء أن يؤمن مستقبله ومستقبل ذريته بإيجاد مورد ثابت يضمنه ويكون واقيا لهم عن الحاجة والعوز والفقر، فقد جبلت النفس البشرية على الحرص على المال وفي الوقف وسيلة مباحة لتحقيق تلك الرغبة.
٧ - في الوقف وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيرها. كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها، وفي الكل تحقيق للراحة والطمأنينة النفسية في الدنيا، والفوز بنتائج ذلك في الدار الآخرة.
٨ - في الوقف حماية للمال ومحافظة عليه من عبث العابثين كإسراف ولد أو تصرف قريب، فيبقى المال وتستمر الاستفادة من ريعه، ويدوم جريان أجره له.
٩ - وأيضا في الوقف بر للموقوف عليه وقد حث الشرع الكريم على البر ورغب فيه ففي البر تدوم الصلة وتنقطع البغضاء ويتحاب الناس فتسمو الهمم وتأتلف القلوب وتتعاون على الأمور النافعة وتتجنب الكيد للآخرين وتتجه إلى العمل المنتج النافع. كما أن ذلك من أسباب ترابط الأسرة الواحدة وتماسكها وهي اللبنة الأولى للمجتمع.
١٠ - في الوقف تطويل لمدة الانتفاع من المال ومد نفعه إلى أجيال متتابعة، فقد تتهيأ السبل لجيل من الأجيال لجمع ثروات طائلة ولكنها قد
стр. 15766
لا تتهيأ للأجيال التي تليه فعن طريق الوقف يمكن إفادة تلك الأجيال اللاحقة بما لا يضر الأجيال السابقة.
وسبق قول زيد بن ثابت ﵁ (لم نر خيرا للميت ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة، أما للميت فيجري أجرها عليه وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها).
١١ - الحاجة ماسة إلى الوقف ففيه تحقيق لكثير من الأهداف والأغراض التي ذكرنا، وبعدمه يحرم المجتمع منها (١).
стр. 15767
الفصل الرابع
في حكم الوقف وبيان مشروعيته
للعلماء في مشروعية الوقف مذاهب: فمنهم من أجازه مطلقا ومنهم من منعه مطلقا ومنهم من أجازه في حال ومنعه في أخرى.
فذهب الجمهور من العلماء: إلى أن الوقف جائز شرعا في كل شيء ينتفع به ويجوز فيه الملك.
وهو قول الحنابلة (١) والمالكية (٢) والشافعية ورواية عن أبي حنيفة (٣). مع اختلاف بينهم في بعض الشروط على ما سيأتي تفصيله.
وذهب آخرون إلى منع الوقف مطلقا، وهو قول: شريح وأبي حنيفة في رواية عنه، وهو مذهب أهل الكوفة.
وذهب آخرون إلى جوازه في الكراع والسلاح فقط، وروي هذا القول عن ابن مسعود، وعلي، وابن عباس ﵃ (٤).
ويحسن بنا هنا سرد ما استدل به كل فريق على رأيه، فنقول وبالله التوفيق:
стр. 15768
أولا: أدلة الجمهور:
أولا: استدلوا ب أدلة عامة شملت جميع أنواع التبرعات ومنها الوقف:
стр. 15769
١ - منها قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) آل عمران (٩٢) أي من الصدقات والوقف منها فهو مندوب إليه.
قال القرطبي: عند تفسير هذه الآية (ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب، وعمومه، فإن الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك) انظر: تفسير القرطبي (٤: ١٣٢)، وتفسير ابن كثير (٣: ١٣٨).
٢ - ومثل الآية الماضية بهذا المعنى:
قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) سورة الحج آية: ٧٧. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ (٣) سورة آل عمران آية: ١١٥. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤) سورة البقرة آية: ٢٨٠.
٣ - ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٥)».
وقال في كفاية الأخيار: (١: ٦٠٣) بعد ذكر هذا الحديث: (وحمل العلماء الصدقة الجارية على الوقف، قال جابر ﵁: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف).
стр. 15770
ثانيا: استدلوا ب أدلة نصت عن جواز الوقف كوقف النبي ﷺ - من ذلك:
١ - ما ورد عن عمرو بن الحارث أنه قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته
стр. 15771
درهما، ولا دينارا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة (١)».
وهذا فيه التصريح بجعل الرسول ﷺ الأرض صدقة ولا يتأتى ذلك إلا بحبسها على ما هي عليه، وهذا هو الوقف.
٢ - أخرج أبو داود في كتاب الخراج والفيء والإمارة باب في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال (٣: ١٤١) رقم (٢٩٦٧) من طرق عن أسامة بن زيد عن الزهري عن مالك بن أوس الحدثان قال:
(كان فيما احتج به عمر أنه قال: «كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء (٢)». . الحديث.
٣ - وروي عن ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: أخبرني حجر المدري «أن صدقة رسول الله ﷺ يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر (٣)».
٤ - روي عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني المطلب وبني هاشم (٤)».
وقالوا: تلك الأحاديث نص في جواز الوقف لفعل النبي ﷺ .
стр. 15772
ثالثا: استدلوا ب ما ثبت من وقف أصحاب النبي ﷺ وموافقته على ذلك وحثه عليه ، منها:
١ - ما ورد في وقف عمر بن الخطاب المشهور «أنه تصدق بمال له يقال له ثمغ على عهد رسول الله ﷺ وكان نخلا فقال عمر يا رسول الله إني استفدت مالا وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدق به فقال النبي ﷺ : (تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره) فتصدق به عمر (١)» وفيه أمر الرسول ﷺ له وهو صريح في ذلك.
قال النووي في الكلام على هذا الحديث: (فيه دليل على صحة أصل الوقف وأنه مخالف لشوائب الجاهلية) (٢).
٢ - ما ورد في وقف عثمان بن عفان ﵁ لبئر رومة حين قال النبي ﷺ «من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين فاشتراها عثمان ﵁ (٣)».
٣ - ما ورد أيضا في وقف علي بن أبي طالب ﵁ فقد روى جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب قطع له عمر بن الخطاب ﵁ ينبع ثم اشترى على قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عينا فبينما هم يعملون تفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتى علي وبشر بذلك فقال بشر الوارث ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل القريب والبعيد وفي السلم والحرب. . . الحديث (٤).
стр. 15773
وفيه أنه تصدق بأملاكه بينبع على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل.
٤ - ورد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: وإن أحب أموالي إلي (بيرحاء) وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله؛ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله ﷺ : بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (٣)».
٥ - ما ورد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر بالمسجد وقال: يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله (٤)».
стр. 15774
٦ - ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «بعث النبي- ﷺ عمر بن الخطاب على الصدقات فمنع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس فقال: رسول الله ﷺ ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس، عم رسول الله ﷺ فهي علي ومثلها. - وفي لفظ عند البخاري - هي عليه ومثلها معها (١)».
فقد أقر النبي ﷺ خالد بن الوليد على حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، ولو كان ذلك غير جائز لما أقره النبي ﷺ .
٧ - ما ورد عن هشام بن عروة أن الزبير جعل دوره صدقة قال: (وللمردودة من بناتي أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها فإن استغنت بزوج فلا شيء لها).
стр. 15775
رابعا: استدل الجمهور ب إجماع العلماء من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف .
قال ابن قدامة في المغني: (٥: ٥٩٧ - ٥٩٨) (وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف، وهذا إجماع منهم فإن الذي قدر على الوقف وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعا.
وقال القرطبي: في تفسيره (٣: ٣٣٩) فإن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابر كلهم أوقفوا الأوقاف.
стр. 15776
وقال الشوكاني: في نيل الأوطار (٦: ٢٦) (وقد ذهب إلى جواز الوقف ولزومه جمهور العلماء، قال الترمذي لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين).
وقال في موضع آخر: (٦: ٢٤) (ويدل عليه إجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايا).
فهذه النقول تدل على إجماع الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم على الوقف وصحته وأنه مشروع بل مندوب إليه.
стр. 15777
ثانيا: أدلة الفريق الثاني. وهم القائلون بجواز الوقف في السلاح والكراع فقط .
١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله (١)».
ورد الاستدلال بهذا الحديث بأن ذلك لا يعني منع الوقف في غير السلاح والكراع كما أنه ﷺ قد ثبت عنه الوقف في غير السلاح والكراع على ما سبق في أدلة الجمهور كما في رواية عمرو بن الحارث المتقدمة في (١/ ٢) من أدلة الجمهور وكما في رواية عائشة المتقدمة في (٤/ ٢) من أدلة الجمهور فوجب الأخذ بها.
٢ - ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦: ٢٥٠) وابن حزم في المحلى (١٠: ١٧٤) من طريق ابن فضيل عن مطرف عن رجل عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود: (لا حبس إلا في كراع أو سلاح).
ورد الاستدلال به: بأنه لم يثبت ذلك عنه، وأن تلك الرواية باطلة لسببين:
стр. 15778
١ - أنها عن رجل لم يسم.
٢ - أن والد القاسم ناقل الرواية لا يحفظ عن أبيه فقد مات أبوه وهو ابن ست سنين فكيف بولده (١) وعلى فرض صحته فلا يقابل ذلك ما ثبت عن الرسول ﷺ .
٣ - وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (٦: ٢٥٠) قال: حدثنا هشيم عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي قال: قال علي لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع.
وهذا مردود بمخالفته الواقع وفعل علي ﵁ فإن وقفه (ينبع) مشهور وقد تقدم في أدلة الجمهور.
ويمكن أن يقال: إنه قصد أن الأفضل أن يكون الوقف في السلاح والكراع، ولا يمتنع فيما سواه.
ثالثا: أدلة الفريق الثالث: وهم القائلون بمنع الوقف مطلقا هي:
١ - استدلوا بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (٢) المائدة ١٠٣.
فقد عاب الله على العرب ما كانت تفعله، من تسييب البهائم وحمايتها عن الانتفاع بها والوقف مثل ذلك.
ورد الاحتجاج بالآية: بأن الله إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم في قطع طريق الانتفاع وإذهاب نعمة الله وإزالة المصلحة للعباد في تلك الإبل ونحوها. وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والوقوف لأنه إنما قصد بها نفع العباد (٣).
ثم إن الوقف غرضه الانتفاع بمنافعه من قبل الموقوف عليهم على عكس إهدار المنافع فيما ذكر في الآية الكريمة.
стр. 15779
٢ - ما روي «أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن حائطي هذا صدقة وهو إلى الله تعالى ورسوله، فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله كان قوام عيشنا فرده رسول الله ﷺ عليهما، ثم ماتا فورثهما بعدهما (١)».
ورد هذا الحديث بما قاله البيهقي بعد روايته للحديث حيث قال: (هذا مرسل)، وعلى فرض صحته فإن الرسول ﷺ أبطله بسبب أنه جميع ما يملك، وليس لأحد أن يضر بنفسه وبمن يعول بسبب الوقف.
قال ابن قدامة: في المغني (٥/ ٥٩٩) في معرض الرد على الحديث: (وحديث عبد الله بن زيد إن ثبت فليس فيه ذكر الوقف والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوفة استناب فيها رسول ﷺ فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما، ويحتمل أن الحائط كان لهما وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه فأتيا النبي ﷺ فرده إليهما).
وقال ابن حزم في المحلى (١٠/ ١٧٩) بعد ذكره الحديث: (لا حجة لهم فيه لوجوه): أولها: أنه منقطع، والثاني: أن فيه أنه قوام عيشهم وليس لأحد أن يتصدق بقوام عيشه بل هو مفسوخ إن فعله).
٣ - روى الدارقطني (٤: ٦٨) قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أخبرنا كامل بن طلحة أخبرنا ابن لهيعة أخبرنا عيسى بن لهيعة عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ بعد ما أنزلت سورة النساء، وفرض فيها الفرائض يقول: «لا حبس بعد سورة النساء (٢)».
стр. 15780
وهو ضعيف بل قال ابن حزم: في المحلى (١٠: ١٧٨) بأنه حديث موضوع.
وبيان تقرير وضعه: أن آية المواريث أو بعضها نزلت بعد أحد وحبس الصحابة بعلم رسول الله ﷺ بعد خيبر أي بعد نزول آية المواريث وهذا متواتر.
ولو صح الخبر لكان منسوخا لاستمرار الحبس بعلمه ﷺ إلى أن مات.
٤ - وروى الدارقطني أيضا (٤: ٦٨) عن ابن عباس قال قال: ﷺ «لا حبس عن فرائض الله (١)»
وهو ضعيف أيضا وبمثل ما قيل في الذي قبله يقال فيه.
وعلى فرض صحته فليس فيه ما يؤيد دعواهم لأن الوقف ليس حبسا عن فرائض الله، وإنما هو تصرف في العين حال الحياة كما يتصرف في الصدقة والهبة ونحو ذلك. ولأن معناه إبطال ما كان سائدا في الجاهلية من حبس الأموال والنساء، وتسييب السيب ونحو ذلك.
قال أبو الطيب: في التعليق المغني على الدارقطني (٤: ٦٨) (وكأنه أشار إلى فعلهم في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه كانوا إذا كرهوا النساء لقبح أو قلة مال حبسوهن عن الأزواج لأن أولياء الميت أولى بهن عندهم).
وقال الطرابلسي في كتاب الإسعاف في أحكام الأوقاف (ص: ١٣) (وأما الجواب على قوله ﷺ «لا حبس عن فرائض الله» فنقول: إنه محمول على أنه لا يمنع أصحاب الفرائض عن فروضهم التي قدرها الله لهم في سورة النساء بعد الموت بدليل نسخها لما كانوا عليه من حرمانهم الإناث قبل نزولها وتوريثهم بالمواخاة والموالاة مع وجودهن.
стр. 15781
٥ - قول شريح القاضي (جاء محمد ببيع الحبس) وهو دليل على إبطال الوقف.
ورد الاستدلال به من وجوه:
أحدها: أنه منقطع فلا تقوم به حجة بل الصواب عكسه فإن النبي ﷺ جاء بإثبات الحبس وإقرارها كما تقدم في وقف عمر ﵁.
الثاني: أنه خلاف الواقع فلم يكن الوقف يعرف في الجاهلية بصفته بعد النبوة بل هو تشريع إسلامي جاء به محمد ﷺ كما جاء بالصلاة والصيام وباقي التشريعات.
الثالث: أنه محمول على حبس الجاهلية وما كانوا يحبسونه من السوائب والبحائر والحوامي وما أشبهها فنزل القرآن الكريم بإحلال ما كانوا يحرمون منها وإطلاق ما حبسوا بغير أمر الله.
نقل الذهبي أن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: (حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول: اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين فتكلموا في الوقوف وما يحبسه الناس فقال يعقوب: هذا باطل).
قال شريح جاء محمد بإطلاق الحبس فقال مالك: إنما أطلق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة وأما الوقوف: فهذا وقف عمر قد استأذن رسول الله ﷺ فقال: «حبس أصلها وسبل ثمرتها (١)» وهذا وقف الزبير فأعجب الخليفة ذلك منه) (٢).
وقال الطرابلسي في كتاب الإسعاف قي أحكام الأوقاف (ص: ١٤) (قول شريح جاء محمد ببيع الحبس) محمول على حبس الكفرة مثل البحيرة والوصيلة والسائبة والحام).
стр. 15782
٦ - وروى عطاء بن السائب قال: أتيت شريحا في زمن بشير بن مروان، وهو يومئذ قاض فقلت يا أبا أمية أفتني فقال: يا ابن أخي إنما أنا قاض ولست بمفت قال: فقلت إني والله ما جئت أريد خصومة. إن رجلا من الحي جعل داره حبسا قال عطاء: فدخل من الباب الذي في المسجد في المقصورة فسمعته حين دخل وتبعته وهو يقول لحبيب الذي يقدم الخصوم إليه (أخبر أنه لا حبس عن فرائض الله) (١).
وقد سبق الجواب على الرواية المذكورة بهذا اللفظ عن ابن عباس. قال ابن حزم: في المحلى (١٠: ١٧٧) بعد أن ساق قول شريح هذا:
(وأما قوله (لا حبس عن فرائض الله) فقول فاسد، لأنهم لا يختلفون في جواز الهبة، والصدقة في الحياة والوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة عما لو لم تكن فيه لورثوه على فرائض الله ، فيجب بهذا القول إبطال كل هبة وكل وصية لأنها مانعة من فرائض الله تعالى بالمواريث).
اعتراض وجوابه:
قال المانعون: يحتمل أن تكون أوقاف الرسول ﷺ وأصحابه قبل نزول آية المواريث. وأن ما كان بعد ذلك يحتمل أن ورثتهم أمضوه بالإجازة.
وهذا مردود من وجوه:
الأول: أنه بالرجوع إلى نزول آية المواريث نجد أنها نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري ﵁ فقد مات فجاء ابنا عمه وأخذا الميراث ولم يتركا لامرأته وأولاده شيئا كما هي عادة أهل الجاهلية.
فتشكتهما إلى رسول الله ﷺ وأنزل الله هذه الآية.
وذكر القرطبي في تفسيره (٥: ٥٨) بعض الروايات في سبب نزول هذه الآية غالبها قريبة من قصة أوس بن ثابت.
стр. 15783
وأوس قتل في أحد وأحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة النبوية ووقف النبي ﷺ ووقف عمر كان في خيبر وقد كان فتحها سنة سبع من الهجرة النبوية الشريفة (١).
فنتبين من هذا أن نزول آية المواريث كان قبل وقف النبي ﷺ ووقف عمر ﵁ فانتفي ما قالوه.
الثاني: قولهم يحتمل أن ورثتهم أجازوه مردود بأن عمر وعثمان وعليا ﵃ تركوا بعد وفاتهم أبناء لهم صغارا فلو كان الحبس غير جائز لما حل ترك أنصباء الصغار تمضي حبسا. انظر: المحلي لابن حزم (١٠ - ١٨٥).
ولو علم الصحابة أن الوقف لا ينفذ إلا بالإجازة من قبل الورثة. لأخرجوا الوقف مخرج الوصية، ولم يتصرفوا بالغلة حال حياتهم ولكنهم علموا صحة الوقف فعملوا به.
الخلاصة:
مما تقدم يتبين أن الراجح والله أعلم الذي يؤيده الدليل ويعضده النص هو جواز الوقف على وجه الاستحباب عملا بما هو صريح اللفظ متواتر المعنى وحملا للمحتمل عليه وتوفيقا بين الأدلة.
قال ابن قدامة: في المغني: (٥: ٥٩٧) (والوقف مستحب). وقال البهوتي في كشاف القناع (٤/ ٢٦٧): (وهو مسنون لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٢) ولفعله ﷺ .
فعلم من ذلك أن القول بصحة الوقف هو القول الصائب إن شاء الله تعالى، ولم يزل المسلمون من عهد رسول الله ﷺ إلى عصرنا هذا يوقفون الوقوف. ولو لم يكن في الأمر إلا وقف عمر بن الخطاب لكفى دليلا على جوازه فإنه قد وقع منه بأمر النبي ﷺ والله أعلم.
стр. 15784
الخاتمة
يتضح لك أيها القارئ الكريم أن هذا البحث الموجز وضع أمامك الوقف بصورته الحقيقية الناصعة لدى المسلمين وبين لك بعض مباحثه المهمة دون الدخول في تفصيل أحكامه ولعل ذلك كافي لإيضاح أهميته وبيان ما يحققه من أهداف سامية تعود على المجتمع وعلى الأسرة وعلى الفرد.
وقد أبان الفصل الأول المقصود من كلمة "وقف " وعرف بها تعريفا تاما سواء في اصطلاح أهل اللغة العربية أم في اصطلاح علماء الفقه والشريعة وحدد المقصود منها عند كل منهم.
وفي الفصل الثاني جرى سرد لتاريخ الوقف عند المسلمين وعند غيرهم من الأمم برز من خلال السرد التاريخي عدة أمور أهمها: ثبوت الوقف كنظام اجتماعي درج عليه كثير من الأمم. وكذا ظهر من خلال هذا الفصل أهمية الوقف في الحياة العامة والنتائج التي حققها أثناء تطبيقه وخاصة في العصور الإسلامية التي صار الوقف فيها مصدرا لغالب النتاج الفكري لدى المسلمين سواء في تنمية المهارات واكتساب العلوم، أو في مجال الصناعة والاختراع، أو في مجال توفير حاجات الناس.
وفي الفصل الثالث تم كشف أهداف الوقف وحكمة مشروعيته وظهر من خلال ذلك أهمية الوقف، والمقاصد التي يحققها لبناء المجتمع وحصول الأجر والثواب، للواقف. وأن في الوقف حلا لكثير من المشاكل الاجتماعية التي تنتاب المجتمعات في كل عصر وحين.
وفي الفصل الرابع ظهر القول الصحيح في حكم الوقف وأن القول باستحبابه هو الذي يعضده الدليل وهو الموافق لما عليه الرسول ﷺ وأصحابه. وعرف من خلال هذا الفصل الرأي المقابل لرأى الجمهور وظهر ضعفه وأن ما تشدق به من خالف الجمهور لا يعتبر دليلا يعول عليه.
كما ظهر مدى ترغيب الشريعة بالأعمال الصالحة ووضح السبيل لمن يريد رفع درجاته في الدار الآخرة بما أعطاه الله من مال وأملاك في الحياة الدنيا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله أعلم.
стр. 15785
صفحة فارغة
стр. 15786
تعدد الزوجات في الإسلام
بقلم: د. محمد بن مسفر بن حسين الطويل الزهراني
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد:
فهذا بحث قصير عن نظام تعدد الزوجات في الإسلام، وتعدد الزوجات موضوع هام وحساس اشتد حوله الجدل كثيرا، وما زال وسيبقى إلى ما شاء الله. وهذا النظام الاجتماعي الإسلامي مثار نقد وطعن ومادة للهجوم علي الإسلام والمسلمين عند الغربيين وعند من تأثر بأفكارهم. وهؤلاء جميعا يحاولون دائما أن يوهموا الناس أن الدين الإسلامي هو الذي أتى بتعدد الزوجات وأن التعدد يكاد يكون مقصورا على الأمم التي تدين بالإسلام، وأن تعدد الزوجات لا تقوم له قائمة إلا لدى الشعوب المتأخرة في ميدان الحضارة والمدنية.
والحقيقة أن هذا النظام كان سائدا قبل ظهور الإسلام في شعوب كثيرة متحضرة وغير متحضرة، مثل الصينيين والهنود والفرس والمصريين القدماء والعبريين والعرب والشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها سكان أوربا الشرقية والغربية مثل: ألمانيا والنمسا وسويسرا وتشيكوسلوفاكيا والسويد وإنجلترا وبلجيكا وهولندا والنرويج. وما زال هذا النظام منتشرا في الوقت الحاضر في بلاد الهند والصين واليابان وإفريقيا (١).
والإسلام لم ينشئ نظام تعدد الزوجات ولم يوجبه على المسلمين خاصة،
стр. 15787
فلقد سبقته إلى إباحته الأديان السماوية التي أرسل بها أنبياء الله قبل محمد ﷺ " اليهودية والنصرانية" والنظم الدينية الأخرى كالوثنية والمجوسية، فلما جاء الإسلام أبقى على التعدد مباحا ووضع له أسسا تنظمه وتحد من مساوئه وأضراره التي كانت موجودة في المجتمعات البشرية التي انتشر فيها التعدد.
كما أن الشريعة الإسلامية لم تجعل نظام تعدد الزوجات فرضا لازما على الرجل المسلم، ولا أوجبت الشريعة الإسلامية على المرأة أو أهلها أن يقبلوا الزواج برجل له زوجة أو أكثر. بل أعطت الشريعة المرأة وأهلها الحق في القبول إذا وجدوا أن في هذا الزواج منفعة ومصلحة بابنتهم أو الرفض إذا كان الأمر على العكس من ذلك.
وسنتحدث هنا على تعدد الزوجات في الإسلام بتركيز شديد ومن خلال أربعة مباحث هي:
١ - مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام.
٢ - شروط تعدد الزوجات في الإسلام.
٣ - مبررات تعدد الزوجات في الإسلام.
٤ - موقف أعداء الإسلام من تعدد الزوجات.
стр. 15788
١ - مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام:
ورد تشريع تعدد الزوجات في القرآن الكريم، وبالتحديد في آيتين فقط من سورة النساء وهما:
١ - ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١).
٢ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).
стр. 15789
وتفيد هاتان الآيتان كما فهمها الرسول ﷺ وصحابته والتابعون وجمهور المسلمين الأحكام التالية:
١ - إباحة تعدد الزوجات حتى أربع كحد أعلى.
٢ - أن التعدد مشروط بالعدل بين الزوجات، ومن لم يكن متأكدا من قدرته على تحقيق العدل بين زوجاته فإنه لا يجوز له أن يتزوج بأكثر من واحدة. ولو تزوج الرجل بأكثر من واحدة وهو واثق من عدم قدرته على العدل بينهن فإن الزواج صحيح وهو آثم.
٣ - العدل المشروط في الآية الأولى هو العدل المادي في المسكن والمأكل والمشرب والملبس والمبيت والمعاملة.
٤ - تضمنت الآية الأولى كذلك شرطا ثالثا هو القدرة على الإنفاق على الزوجة الثانية وأولادها، كما يظهر في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) أي: لا تكثر عيالكم فتصبحوا غير قادرين على تأمين النفقة لهم، والأرجح أن العول الجور.
٥ - تفيد الآية الثانية أن العدل في الحب والميل القلبي بين النساء غير مستطاع، وأنه يجب على الزوج ألا ينصرف كلية عن زوجته فيذرها كالمعلقة، فلا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، بل عليه أن يعاملها بالحسنى حتى يكسب مودتها، وإن الله لا يؤاخذه على بعض الميل إلا إذا أفرط في الجفاء، ومال كل الميل عن الزوجة الأولى (٢).
وكان رسول الله ﷺ يعدل كل العدل في الأمور المادية بين زوجاته ولكنه ﷺ كان يميل عاطفيا إلى زوجته السيدة عائشة ﵂ أكثر من بقية زوجاته، وكان ﵊ يبرر ميله القلبي هذا بقوله: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك (٣)» وقد زعم بعض من ليس له علم بالشريعة الإسلامية أن القرآن الكريم منع تعدد
стр. 15790
الزوجات في الآيتين السابقتين، بحجة أن الآية الأولى تبيح التعدد شريطة العدل بين الزوجات. وتقرر الآية الثانية- كما يزعمون- أن العدل بين الزوجات مستحيل، وعلى هذا الاعتبار فإن التعدد مشروط بأمر يستحيل القيام به، وبالتالي فهو ممنوع.
ونرى هنا أن هذه الدعوى باطلة كل البطلان للأسباب التالية:
١ - أن العدل المشروط في الآية الأولى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١) هو غير العدل الذي حكم باستحالته في الآية الثانية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٢) فالعدل في الآية الأولى هو العدل في الأمور المادية المحسوسة والذي يستطيع الإنسان أن يقوم به، وهو العدل في المسكن والملبس والطعام والشراب والمبيت والمعاملة. أما العدل المستحيل الذي لا يستطيعه الرجل فهو العدل المعنوي في المحبة والميل القلبي.
٢ - ليس معقولا أن يبيح الله تعدد الزوجات ثم يعلقه بشرط مستحيل لا يقدر الإنسان على فعله، ولو أراد الله أن يمنع التعدد لمنعه مباشرة وبلفظ واحد، وفي آية واحدة، لأن الله قادر على ذلك وعالم بأحوال عباده.
٣ - نص الله في كتابه الكريم على تحريم الجمع بين الأختين فقال : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣) كما «نهى الرسول ﷺ عن أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أخيها، أو المرأة على خالتها أو الخالة على بنت أختها (٤)».
فما هو معنى تحريم الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها إذا كان التعدد- أصلا- محرما؟.
٤ - ثبت من الحديث النبوي الشريف أن العرب الذين دخلوا في الإسلام