تعدد الزوجات في الإسلام
بقلم: د. محمد بن مسفر بن حسين الطويل الزهراني
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد:
فهذا بحث قصير عن نظام تعدد الزوجات في الإسلام، وتعدد الزوجات موضوع هام وحساس اشتد حوله الجدل كثيرا، وما زال وسيبقى إلى ما شاء الله. وهذا النظام الاجتماعي الإسلامي مثار نقد وطعن ومادة للهجوم علي الإسلام والمسلمين عند الغربيين وعند من تأثر بأفكارهم. وهؤلاء جميعا يحاولون دائما أن يوهموا الناس أن الدين الإسلامي هو الذي أتى بتعدد الزوجات وأن التعدد يكاد يكون مقصورا على الأمم التي تدين بالإسلام، وأن تعدد الزوجات لا تقوم له قائمة إلا لدى الشعوب المتأخرة في ميدان الحضارة والمدنية.
والحقيقة أن هذا النظام كان سائدا قبل ظهور الإسلام في شعوب كثيرة متحضرة وغير متحضرة، مثل الصينيين والهنود والفرس والمصريين القدماء والعبريين والعرب والشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها سكان أوربا الشرقية والغربية مثل: ألمانيا والنمسا وسويسرا وتشيكوسلوفاكيا والسويد وإنجلترا وبلجيكا وهولندا والنرويج. وما زال هذا النظام منتشرا في الوقت الحاضر في بلاد الهند والصين واليابان وإفريقيا (١).
والإسلام لم ينشئ نظام تعدد الزوجات ولم يوجبه على المسلمين خاصة،
стр. 15787
فلقد سبقته إلى إباحته الأديان السماوية التي أرسل بها أنبياء الله قبل محمد ﷺ " اليهودية والنصرانية" والنظم الدينية الأخرى كالوثنية والمجوسية، فلما جاء الإسلام أبقى على التعدد مباحا ووضع له أسسا تنظمه وتحد من مساوئه وأضراره التي كانت موجودة في المجتمعات البشرية التي انتشر فيها التعدد.
كما أن الشريعة الإسلامية لم تجعل نظام تعدد الزوجات فرضا لازما على الرجل المسلم، ولا أوجبت الشريعة الإسلامية على المرأة أو أهلها أن يقبلوا الزواج برجل له زوجة أو أكثر. بل أعطت الشريعة المرأة وأهلها الحق في القبول إذا وجدوا أن في هذا الزواج منفعة ومصلحة بابنتهم أو الرفض إذا كان الأمر على العكس من ذلك.
وسنتحدث هنا على تعدد الزوجات في الإسلام بتركيز شديد ومن خلال أربعة مباحث هي:
١ - مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام.
٢ - شروط تعدد الزوجات في الإسلام.
٣ - مبررات تعدد الزوجات في الإسلام.
٤ - موقف أعداء الإسلام من تعدد الزوجات.
стр. 15788
١ - مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام:
ورد تشريع تعدد الزوجات في القرآن الكريم، وبالتحديد في آيتين فقط من سورة النساء وهما:
١ - ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١).
٢ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).
стр. 15789
وتفيد هاتان الآيتان كما فهمها الرسول ﷺ وصحابته والتابعون وجمهور المسلمين الأحكام التالية:
١ - إباحة تعدد الزوجات حتى أربع كحد أعلى.
٢ - أن التعدد مشروط بالعدل بين الزوجات، ومن لم يكن متأكدا من قدرته على تحقيق العدل بين زوجاته فإنه لا يجوز له أن يتزوج بأكثر من واحدة. ولو تزوج الرجل بأكثر من واحدة وهو واثق من عدم قدرته على العدل بينهن فإن الزواج صحيح وهو آثم.
٣ - العدل المشروط في الآية الأولى هو العدل المادي في المسكن والمأكل والمشرب والملبس والمبيت والمعاملة.
٤ - تضمنت الآية الأولى كذلك شرطا ثالثا هو القدرة على الإنفاق على الزوجة الثانية وأولادها، كما يظهر في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) أي: لا تكثر عيالكم فتصبحوا غير قادرين على تأمين النفقة لهم، والأرجح أن العول الجور.
٥ - تفيد الآية الثانية أن العدل في الحب والميل القلبي بين النساء غير مستطاع، وأنه يجب على الزوج ألا ينصرف كلية عن زوجته فيذرها كالمعلقة، فلا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، بل عليه أن يعاملها بالحسنى حتى يكسب مودتها، وإن الله لا يؤاخذه على بعض الميل إلا إذا أفرط في الجفاء، ومال كل الميل عن الزوجة الأولى (٢).
وكان رسول الله ﷺ يعدل كل العدل في الأمور المادية بين زوجاته ولكنه ﷺ كان يميل عاطفيا إلى زوجته السيدة عائشة ﵂ أكثر من بقية زوجاته، وكان ﵊ يبرر ميله القلبي هذا بقوله: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك (٣)» وقد زعم بعض من ليس له علم بالشريعة الإسلامية أن القرآن الكريم منع تعدد
стр. 15790
الزوجات في الآيتين السابقتين، بحجة أن الآية الأولى تبيح التعدد شريطة العدل بين الزوجات. وتقرر الآية الثانية- كما يزعمون- أن العدل بين الزوجات مستحيل، وعلى هذا الاعتبار فإن التعدد مشروط بأمر يستحيل القيام به، وبالتالي فهو ممنوع.
ونرى هنا أن هذه الدعوى باطلة كل البطلان للأسباب التالية:
١ - أن العدل المشروط في الآية الأولى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١) هو غير العدل الذي حكم باستحالته في الآية الثانية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٢) فالعدل في الآية الأولى هو العدل في الأمور المادية المحسوسة والذي يستطيع الإنسان أن يقوم به، وهو العدل في المسكن والملبس والطعام والشراب والمبيت والمعاملة. أما العدل المستحيل الذي لا يستطيعه الرجل فهو العدل المعنوي في المحبة والميل القلبي.
٢ - ليس معقولا أن يبيح الله تعدد الزوجات ثم يعلقه بشرط مستحيل لا يقدر الإنسان على فعله، ولو أراد الله أن يمنع التعدد لمنعه مباشرة وبلفظ واحد، وفي آية واحدة، لأن الله قادر على ذلك وعالم بأحوال عباده.
٣ - نص الله في كتابه الكريم على تحريم الجمع بين الأختين فقال : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣) كما «نهى الرسول ﷺ عن أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أخيها، أو المرأة على خالتها أو الخالة على بنت أختها (٤)».
فما هو معنى تحريم الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها إذا كان التعدد- أصلا- محرما؟.
٤ - ثبت من الحديث النبوي الشريف أن العرب الذين دخلوا في الإسلام
стр. 15791
كان لدى بعضهم أكثر من أربع زوجات، وكان لدى قيس بن ثابت عندما أسلم ثمان زوجات، وكان لدى غيلان بن سلمة الثقفي عشر زوجات وكان عند نوفل بن معاوية خمس زوجات، فأمرهم النبي ﷺ بأن يقتصر كل واحد منهم على أربع زوجات فقط ويفارق الأخريات. وهذا دليل قوي على إباحة الإسلام للتعدد.
٥ - عدد الرسول ﷺ زوجاته، وكان في عصمته عندما توفي تسع زوجات. كما أقر تعديد أصحابه للزوجات. وظل المسلمون يقومون بالتعدد خلال ١٤٠٠سنة لفهمهم التام واعتقادهم الراسخ بإباحة الإسلام للتعدد ويرى الدكتور مصطفي السباعي أن القائلين بهذه الدعوى الباطلة عبارة عن فريقين؛ الأول منهما حسن النية، رأى هجوم الغربيين ومن يجري في فلكهم على نظام تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية، فظن أنه يستطيع بهذا القول أن يخلص الإسلام مما يتهمونه به.
أما الفريق الثاني فيرى السباعي أنه فريق سيئ النية، وهدفه هو أن يخدع المسلمين بهذا القول الباطل ويشككهم في فعل الرسول ﷺ وصحابته ومن جاء بعدهم من المسلمين خلال أربعة عشر قرنا، بحجة أنهم جميعا لم يفهموا الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر التعدد (١).
ويرى الشيخ محمود شلتوت أن الآية الثانية (٢) تتعاون مع الآية الأولى (٣) على تقرير مبدأ التعدد الأمر الذي يزيل التحرج منه، وفي ضوء هذا المبدأ عدد النبي ﷺ زوجاته، وعدد الأصحاب والتابعون زوجاتهم، ودرج المسلمون بجميع طبقاتهم وفي جميع عصورهم يعددون الزوجات، ويرون أن التعدد مع العدل بين النساء حسنة من حسنات الرجال إلى النساء بصفة خاصة وإلى
стр. 15792
المجتمع بصفة عامة (١) ويصف الشيخ محمود شلتوت القائلين بأن التعدد غير مشروع لارتباطه بشرط يستحيل القيام به بأنهم يعبثون بآيات الله ويحرفونها عن مواضعها (٢).
كذلك وضحت السنة النبوية الشريفة أفضلية الزواج بأكثر من واحدة، فقد جاء في صحيح البخاري (٣) أن سعيد بن جبير قال: "وقال لي ابن عباس: هل تزوجت قلت: لا. قال فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء ".
ويذكر ابن حجر (٤) أن معنى هذا الحديث هو أن خير أمة محمد ﷺ هو من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل. وورد في حديث نبوي آخر ما معناه: أن بعض الصحابة أرادوا أن يضاعفوا جهودهم في العبادة، وينقطعوا لها، ويتركوا شهوات الدنيا، فقال واحد منهم: «أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الثاني: أما أنا فأصلي ولا أنام. وقال الثالث: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الرابع: أما أنا فلا أتزوج النساء. فلما علم النبي ﷺ بذلك خطب في الناس وقال: إنه بلغني كذا وكذا، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (٥)».
"وأتزوج النساء" الواردة في الحديث تشمل الزوجة الواحدة وأكثر من الواحدة.
ويبين ابن قدامة في معرض حديثه عن النكاح أن الإسلام يحث على تعدد الزوجات وأن التعدد ليس مجرد إباحة، ولكنه مندوب إليه، فيقول: " ولأن النبي ﷺ تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل " (٦).
стр. 15793
ويلاحظ كذلك أن الإسلام أباح للمسلم بأن يعاشر ما ملكت يمينه من الإماء دون التقيد بعدد معين، كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) ولكن الشريعة الإسلامية لا تسمي هذه المعاشرة زواجا، وإنما يطلق عليها تسريا والحكمة من التسري هي أنه يترتب على التسري بعض الالتزامات والحقوق ومنها أن ولد الأمة "ملك اليمين " الذي أنجبته من سيدها يعتبر ابنا شرعيا لذلك السيد، ويولد حرا، والأمة نفسها تصبح تبعا لذلك أم ولد. وهذا العمل قصد منه- بلا شك- تيسير عتق ملك اليمين (٢).
وقد قامت عدة حركات- مناوئة للعقيدة الإسلامية- تطالب بمنع التعدد أو تقييده، وكان من أبرزها تلك الحركة التي قامت في الديار المصرية سنة ١٣٦٥هـ / ١٩٤٥ م، ونادى القائمون بها بمنع تعدد الزوجات أو على الأقل، وضع شروط جديدة له غير الشروط التي حددتها الشريعة الإسلامية من أجل الحد من الإقبال على التعدد، ومؤدى الشروط الجديدة هو عدم إباحة تعدد الزوجات إلا بوجود مبرر قوي يخضع تقديره للقضاء، وأن على من يرغب أن يعدد أن يقدم دليلا على أن زواجه بامرأة أخرى له مبرر قوي، فإذا اقتنع القاضي بما أبداه الرجل من أسباب تدعوه للزواج على زوجته، أذن له القاضي عند ذلك بالزواج. وإذا لم يقتنع القاضي رفض طلب الرجل.
وقد حدد بعض هؤلاء الدعاة نوع المبرر المقبول الذي يسمح القضاء بموجبه بتعدد الزوجات، ويتمثل في حالتين فقط لا ثالث لهما، وهما مرض الزوجة مرضا مزمنا لا شفاء منه، وعقم الزوجة الثابت بمرور أكثر من ثلاث سنوات عليه. وفي غير هاتين الحالتين يحرم القانون على الرجل الزواج على امرأته.
стр. 15794
ويرى أصحاب هذه الدعوى أن الزواج بواحدة هو الأصل في الإسلام، وأن التعدد هو الاستثناء، ولا يعمل بالاستثناء إلا عند الضرورة (١).
ونقول نحن هنا إن هذا الكلام غير صحيح، فالآيتان الكريمتان اللتان جاء فيهما تشريع التعدد وهما الآية (٣) والآية (١٢٩) من سورة النساء لم يظهر فيهما ما يفيد أن الزواج بواحدة هو الأصل، وأن التعدد هو الاستثناء والعكس- في نظرنا- هو الصحيح، فقد بدأت الآية الكريمة (٣) بالتعدد وهو الأصل، ثم ذكرت الزواج بواحدة، وهو الاستثناء والأصل دائما يقدم على الاستثناء.
كذلك لم تشترط آيتا التعدد أن تكون الزوجة مريضة، أو عقيما لكي يتسنى للرجل الزواج عليها. هذا بالإضافة إلى أن الرسول ﷺ طلب من أصحابه بعد نزول آيتي التعدد أن يفارقوا ما زاد على الأربع زوجات، ولم يقل لهم آنذاك أن بقاء أكثر من زوجة لدى الرجل مشروط بكون زوجته مريضة مرضا مستعصيا أو بكونها عقيما. وكان الوقت آنذاك وقت تشريع.
ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن تقييد تعدد الزوجات بدعة دينية ضالة لم تقع في عصر النبي ﷺ ، ولا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين (٢).
وإذا كان نظام تعدد الزوجات يفرض على الزوجة الأولى لظرف من الظروف زوجة أخرى، فإنه لا يحرمها من أن تكون سيدة منزلها والمتصرفة في شئونه، فالإسلام يجعل لكل امرأة متزوجة الحق في أن تكون لها دار مستقلة، ولا يجعل لإحدى الزوجات سيطرة على الزوجات الأخريات.
ويرى بعض الفقهاء أن للمرأة الحق في أن تشترط وقت زواجها أن لا يتزوج زوجها عليها، فإذا تم الزواج، ولم يلتزم الزوج فيما بعد بهذا الشرط كان للمرأة الحق في طلب الطلاق، كما يظهر في النص الفقهي التالي: " وإن
стр. 15795
تزوجها وشرط لها أن لا يتزوج عليها، فلها فراقه إذا تزوج عليها " (١) وإذا فات الزوجة أن تشترط هذا الشرط في عقد الزواج فإن لها الحق في طلب الطلاق إذا قصر زوجها في حق من حقوقها أو ألحق بها أذى، ولا نختلف هنا على أن اشتراك امرأة مع امرأة أخرى أو أكثر في زوج واحد لا يريحها ولا يمنحها السعادة التي تنشدها في حياتها ولكن الضرر الذي يلحق بالمرأة عند اشتراكها مع غيرها في زوج واحد أقل كثيرا من الضرر الذي يلحق بها إذا بقيت بدون زواج.
ونرى هنا أن الغيرة عند بعض النساء تكون قوية جدا لدرجة أنها تسيطر على كل تصرفاتها، وتكون أشد ما تكون عند اقتران زوجها بامرأة أخرى والغيرة أمر عاطفي بحت، يظهر منها ثلاثة مشاعر مختلفة هي حب المرأة لزوجها، وأنانيتها المفرطة في الاستئثار به دون غيرها من النساء، ثم خوف المرأة على مستقبلها. والعاطفة لا تقدم إطلاقا على الشرع في أي أمر من الأمور وكما أن تعدد الزوجات يبعث الألم والغيرة في نفس الزوجة الأولى فإنه يبعث الأمل في نفس الزوجة الجديدة، ويتيح لها أن تحيا حياة زوجية آمنة زد على ذلك أنه ليس كل النساء هن المتزوجات فقط، فالتشريع جاء لكل النساء المتزوجات وغير المتزوجات، فإذا وفق بعضهن في الحصول على أزواج فما هو ذنب الأخريات- وهن بلا شك كثيرات- أن يبقين بدون زواج وقد جعل لهن الإسلام الحق كل الحق في الزواج والعيش في بيت وأسرة تماما مثل المتزوجات؟
ويرى العقاد - ونحن معه- أن تحريم التعدد يكره المرأة على حالة واحدة لا تملك سواها، وهي البقاء عزباء لا عائل لها، وقد تكون عاجزة عن إعالة نفسها (٢). وعلى وجه العموم فإن أخذ بعض الرجال والنساء بنظام تعدد الزوجات يعد برهانا واضحا وقويا على أنهم اختاروا طريق الاستقامة بدلا من طريقة الغواية والضلال، لأن التعدد يرسم سبيلا للمحافظة على الأخلاق،
стр. 15796
ويوثق الروابط الاجتماعية، ويحفظ للبيت المسلم أمنه واستقراره، وهو الطريق السليم المشروع لإشباع الرغبات دون التردي في مهاوي الشهوات.
стр. 15797
٢ - شروط تعدد الزوجات في الإسلام:
شرع الله تعدد الزوجات وأباحه لعباده، وحددت الشريعة الإسلامية له شروطا لا يجوز الأخذ به دونها وهي:
(أ) العدد .
(ب) النفقة.
(ج) العدل بين الزوجات.
(أ) العدد:
كان نظام تعدد الزوجات معروفا ومباحا قبل ظهور الإسلام وكانت الديانة اليهودية (١) والديانات الوضعية مثل الوثنية والمجوسية والبوذية تبيح التعدد بغير تحديد للعدد. ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح يمنع أتباع هذه الديانة من التزوج بامرأتين أو أكثر (٢).
وكان نظام تعدد الزوجات معروفا لدى القبائل العربية في الجاهلية ولم تكن له آنذاك ضوابط معينة ولا حدود معروفة. وقد تضمن الحديث النبوي الشريف- كما ذكرنا سابقا- عدة شواهد على وجود التعدد لدى العرب قبل الإسلام على هذا النحو غير المحدد، ومنها:
١ - روي «عن قيس بن ثابت أنه قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: اختر منهن أربعا (٤)».
стр. 15798
٢ - وروي «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : اختر منهن أربعا وفارق سائرهن (١)».
٣ - وروي «عن نوفل بن معاوية أنه قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت النبي ﷺ فقال: فارق واحدة وامسك أربعا (٢)» ولما ظهر الإسلام هذب التعدد، ووضع له الأسس والشروط المناسبة وقيده بالعدد، وجعله قاصرا على أربع زوجات فقط، وشدد فيه على العدل بين الزوجات في الأمور المادية التي يستطيع الإنسان القيام بها. واشترط فيه قدرة الرجل على الإنفاق على زوجاته وأولاده. وظهر هذا بوضوح في الآية الكريمة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٣).
ويلاحظ أن التعدد في الإسلام ليس مشروطا- كما يقال- بكون الزوجة الأولى مريضة أو لا تنجب، وإنما هو مباح من الأصل، وللمسلم أن يتزوج اثنتين أو ثلاثا أو أربعا ما دام يرى في نفسه القدرة على الإنفاق على زوجاته والعدل بينهن (٤).
وها هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ يعرض ابنته حفصة على أبي بكر الصديق ﵁، وهو يعرف أن لدى الصديق أكثر من زوجة ولم يكن مريضات ولا عقيمات. وعرض عمر بن الخطاب ﵁ ابنته حفصة كذلك على عثمان بن عفان ﵁ وهو زوج لإحدى بنات رسول الله ﷺ ، ولم يجد ﵁ في ذلك غضاضة ولا ضررا على ابنته.
وهناك ثلاث وجهات نظر حول الحد الأقصى لتعدد الزوجات تخالف ما أجمع عليه المسلمون وهو أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع، وهي:
стр. 15799
أولا: زعم فريق أن الآية الكريمة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) تفيد إباحة الجمع إلى تسع زوجات، مستدلين على زعمهم بأن الكلمات: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) الواردة في الآية الكريمة ألفاظ مفردة معدول بها عن أعداد مفردة، وأن الواو الموجودة بين هذه الكلمات للجمع، فيكون معنى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) اثنين وثلاثا وأربعا ومجموعها تسع (٢+٣+٤=٩).
ثانيا: ويقول فريق آخر أن الآية الكريمة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) تفيد إباحة الجمع للرجل إلى ثماني عشرة زوجة، ويرون أن الكلمات: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٥) ألفاظ مفردة معدول بها عن ألفاظ مكررة وأن الواو الموجودة بين هذه الكلمات للجمع، وتفسير الآية الكريمة عندهم هو فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا فيكون المجموع حسب فهمهم ثماني عشرة (٢+٢ + ٣+٣+٤+٤ =١٨).
ثالثا: وادعى فريق ثالث أن الآية الكريمة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٦) تبيح تعدد الزوجات بدون حصر للأسباب التالية:
١ - أن صيغة: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧) تفيد العموم، وأن ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٨) كلمات معدول بها عن أعداد مكررة إلى غير نهاية ذكرت بعد صيغة العموم السابقة الذكر على سبيل المثال لا الحصر والتحديد وأنها بهذا الوضع تفيد رفع الحرج عن المسلم في تزوج من شاء من الزوجات إلى غير حد.
٢ - أن الزواج كملك اليمين كلاهما غير مقيد بعدد.
стр. 15800
٣ - أن الأخبار الواردة عن النبي ﷺ في تقييد تعدد الزوجات بأربع إنما هي أخبار آحاد، وخبر الآحاد لا ينسخ به القرآن الذي فهموا منه أنه يبيح تعدد الزوجات بدون حد.
ونقول لهؤلاء أن المراد هو أحد هذه الأعداد، فمثنى يراد بها اثنتين، وكلمة ثلاث يراد بها ثلاثة، وكلمة ورباع يراد بها أربعة، وأن الواو الموجودة بين هذه الكلمات هي للتخيير وليست للجمع، فقد أجمعت الأمة الإسلامية على أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة، ولم ينقل عن أحد في حياة الرسول ﷺ ولا بعده إلى يومنا هذا أنه جمع بين أكثر من أربع زوجات، وأن فهم هؤلاء للآية الكريمة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) فهم خاطئ بني على أساس خاطئ، ولو كان تعدد الزوجات يباح في الإسلام إلى تسع أو إلى ثماني عشرة أو إلى ما لا نهاية لصرح القرآن بهذا ولم يدع للمسلمين مجالا للشك والحيرة، كما أن تزوج الرسول ﷺ بأكثر من أربع زوجات يعتبر من خصوصياته التي لا يجوز الاقتداء به فيها (٢).
وقد يسأل بعض من الناس عن حكمة تحديد الإسلام للحد الأقصى لعدد الزوجات بأربع فقط لا أقل ولا أكثر. وهنا نقول إن التحديد العددي لكثير من الأمور شيء يعلمه الله وحده، فبالنسبة للأمور الشرعية لا نعلم لماذا كان عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس صلوات فقط؟ ولماذا لم تكن أربعا أو ستا؟ ولا نعلم شيئا عن تحديد عدد ركعات صلاة الظهر بأربع، وصلاة المغرب بثلاث ركعات فقط بينما صلاة الفجر ركعتان.
وهكذا الأمر بالنسبة لعدد الأعضاء في جسم الإنسان؛ فالإنسان له عينان ويدان ورجلان، فما الحكمة في الاقتصار على عينين فقط أو يدين فقط؟ ولماذا تشتمل اليد الواحدة والرجل الواحدة على خمس أصابع فقط؟ وليست أربع أو ست أو أكثر أو أقل؟ علم هذه الأمور عند الله تعالى. ولم تخل كتابات بعض
стр. 15801
المفكرين من محاولات لتبرير جعل الحد الأقصى لتعدد الزوجات أربع زوجات فقط فذكر بعضهم أنه ربما كان التحديد متفقا على عدد فصول السنة. وقد يكون التحديد منسجما مع نسبة عدد الرجال إلى نسبة عدد النساء، وهذه النسبة في الغالب (١: ٤) بحيث لو اقتصر التعدد على زوجتين فقط لظل هناك عدد من النساء بدون أزواج ولو زاد العدد على أربع زوجات لأدى ذلك إلى بقاء بعض الرجال عزابا بدون زواج، ومن ثم كان الحد الأقصى المعقول بناء على هذا الاعتبار هو أربع زوجات فقط.
ويرى آخرون أن هذا التحديد قد يستهدف كل أنواع النساء في الغالب وبالتالي يتمكن الرجل من أن تكون لديه الزوجة الطويلة والزوجة القصيرة والزوجة النحيفة والزوجة البدينة هذا بالنسبة للقوام. أما بالنسبة للون فيكون له إذا أراد الزوجة البيضاء والشقراء والسمراء والصفراء. أو يكون لدى الرجل الزوجة ذات الدين، وذات الجمال، وذات المال وذات الحسب والنسب، وهي الخصال الأربع التي تغري الواحدة منها الرجل بالتزوج بالمرأة، فالبعض يفضل المرأة المتدينة، والبعض الآخر يفضل المرأة الجميلة أو ذات المال أو ذات الحسب.
وقد يتفق هذا التحديد مع الدورة الشهرية للمرأة، وعادة يستمر حيض المرأة أسبوعا كل شهر، وبطبيعة الحال يترك الرجل زوجته في فترة الحيض حتى إذا مضت أربعة أسابيع- إذا كان متزوجا أربع زوجات- عاد إلى الزوجة الأولى فيجدها طاهرة.
وعلى العموم فإن هذه كلها تفسيرات اجتهادية قابلة للخطأ والصواب، والأخذ والرد والله أعلم بمراده.
стр. 15802
(ب) النفقة:
وتشمل النفقة الطعام والشراب والكسوة والمسكن والأثاث اللازم له.
стр. 15803
ويجب أن تكون لدى الرجل الذي يقدم على الزواج بادئ ذي بدء القدرة المالية على الإنفاق على المرأة التي سيتزوج بها. وإذا لم يكن لديه من أسباب الرزق ما يمكنه من الإنفاق عليها، فلا يجوز له شرعا الإقدام على الزواج. ويظهر هذا واضحا جليا في الحديث النبوي الشريف التالي: قال ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢)».
وهكذا الأمر بالنسبة للرجل الذي لا يستطيع أن ينفق على أكثر من زوجة واحدة، فإنه لا يحل له شرعا أن يتزوج بأخرى، فالنفقة على الزوجة أو الزوجات واجبة بالإجماع (٣). ويظهر هذا الوجوب من ثنايا خطبة حجة الوداع (٤)، حيث قال ﷺ مخاطبا المسلمين.
«واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (٦)» كما يتبين وجوب النفقة على الزوجة في الحديث النبوي الشريف.
«ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في نفقتهن وكسوتهن وطعامهن (٧)» وجاء في حديث آخر أن الرسول ﷺ سئل عن حق الزوجة على زوجها فقال مخاطبا السائل: «وتطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت (٨)».
стр. 15804
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب على الرجل القيام بكل ما يلزم زوجته أو زوجاته من طعام مناسب ولبس ومسكن مناسب وما يتبع ذلك من احتياجات.
стр. 15805
٣ - العدل بين الزوجات:
قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١).
والمراد بالعدل في هذه الآية الكريمة هو العدل الذي يستطيعه الإنسان ويقدر على تحقيقه، وهو التسوية بين الزوجات في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والمعاملة بما يليق بكل واحدة منهن أما العدل في الأمور التي لا يستطيعها الإنسان، ولا يقدر عليها مثل المحبة والميل القلبي، فالزوج ليس مطالبا به، لأن هذا الأمر لا يندرج تحت الاختيار، وهو خارج عن إرادة الإنسان، والإنسان- بلا شك- لا يكلف إلا بما يقدر عليه. كما يظهر في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) والعدل في المحبة والميل القلبي هو الذي قال عنه الله : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٣).
ويحاول بعض الناس أن يتخذ من هذه الآية الكريمة دليلا على تحريم التعدد وهذا غير صحيح فشريعة الله لا يمكن أن تبيح الأمر في آية وتحرمه في آية أخرى فالعدل المطلوب في الآية الأولى هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة وسائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا تتميز إحدى الزوجات بشيء دون
стр. 15806
الأخريات سواء في الملبس أو المسكن أو الطعام أو المبيت. أما العدل في المحبة والعاطفة والمشاعر، وهو المشار إليه في الآية الثانية، فهذا شيء لا يملكه الإنسان، فالقلوب ليست ملكا لأصحابها، وإنما هي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء (١). وكان رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الناس معرفة بدينه وبمشاعره وأحاسيسه القلبية وأشد الناس حرصا على تحقيق العدل بين زوجاته، كان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (٢)» وذلك بعد أن عدل بين زوجاته في كل شيء ما عدا العاطفة فإن قلبه ﷺ كان يميل أكثر إلى أم المؤمنين عائشة ﵂. وفي حالة حب الزوج لإحدى زوجاته لجمالها أو لخلقها وتعلقه بها أكثر من زوجاته الأخريات فإن الله قد نهاه وحذره من أن يميل نهائيا أو يشتط في الميل إلى التي تعلق بها قلبه الأمر الذي يؤدي إلى ترك الزوجة الأخرى أو الزوجات الأخريات معلقات فلا هن متزوجات لعدم حصولهن على حقوقهن كزوجات ولا هن مطلقات فيستطعن الزواج وذلك لأنهن مرتبطات بعلاقة زوجية، ويظهر هذا النهي عن الاشتطاط في الميل في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) وقال عبد الله بن عباس ﵁: إن العدل المشار إليه في هذه الآية هو العدل في الحب والجماع (٤).
وإذا أقدم المسلم على التعدد وهو على يقين بعدم قدرته على العدل بين زوجاته في الأشياء المادية، وهي المعاملة والمأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت، فهو آثم عند الله ، وكان من الواجب عليه ألا يتزوج بأكثر من واحدة.
стр. 15807
وقد أكد رسول الله ﷺ وشدد على موضوع العدل بين الزوجات ووضح ﵊ عقاب الزوج الذي يقصر في حق من حقوق زوجاته فقال: «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط (١)».
وإذا ثبت تقصير الزوج في حق زوجة من زوجاته، فإن لها الحق شرعا في الشكوى إلى الحاكم، وهناك يطلب الحاكم من الزوج إمساك زوجته بالمعروف أو تسريحها بإحسان كما قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) وفي آية ثانية: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣).
أما المبيت فهو أن يخصص الزوج لكل زوجة من زوجاته ليلة أو أكثر يبيت فيها معها في بيتها إذا كان لها بيت مستقل، أوفي الحجرة الخاصة بها، ويتساوى في ذلك الصحيحة والمريضة والحائض والنفساء. لأن القصد من المبيت هو الأنس الذي يحصل للزوجة، لأن الرجل يستمتع بزوجته دون حدوث الوطء فيستمتع كل منهما بالآخر بالنظر والملامسة والتقبيل وما إلى ذلك (٤).
ولا يلزم الزوج أن يجامع زوجته في ليلتها، ولا يجب عليه أن يساوي بين زوجاته في الجماع، وله أن يجامع بعضهن دون البعض الآخر، ولكن يستحب
стр. 15808
له أن يسوي بينهن في ذلك (١).
والسنة في المبيت أن يكون لكل زوجة ليلة واحدة مع يومها (٢) ويجوز أن يجعل القسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثا ثلاثا، ولا يجوز الزيادة على ثلاث ليال إلا برضى زوجاته (٣).
وإذا سافر الزوج سفرا يحتاج منه إلى مرافقة إحدى زوجاته فإن له الحق في اختيار من يريد أن ترافقه منهن. وإذا رفضت زوجاته الأخريات ذلك، وتنازعن فيمن تسافر معه، فعند ذلك لا بد للزوج أن يلجأ إلى الاقتراع، ومن وقعت عليها القرعة خرجت معه.
وكان رسول الله ﷺ يختار رفيقته في السفر من زوجاته بالقرعة كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، وهو: «أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه (٤)».
وإذا تزوج الزوج بامرأة أخرى، فإن كانت ثيبا أقام معها ثلاثة أيام وإن كانت بكرا أقام معها سبعة أيام، ولا يحق للزوجات الأخريات المطالبة بقضاء مثل هذه المدة عندهن (٥).
وأخيرا نقول: إن العدل بين الزوجات لا يعني مطلق التسوية بين الزوجتين أو الزوجات، بل العدل هنا هو إعطاء كل زوجة ما هي في حاجة إليه فعلا إلى درجة الكفاية اللائقة بمثلها في الطعام والشراب والملبس
стр. 15809
والمسكن. يقول ابن حجر: "فإذا وفي لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره. ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة" (١).
هذه هي الشروط الثلاثة التي وضعتها الشريعة الإسلامية لإباحة تعدد الزوجات، وأرى هنا اجتهادا - إذا جاز لي ذلك أن أضيف إلى هذه الشروط تحريم الجمع بين المحارم، فقد ورد في الكتاب والسنة نصوص تحرم تحريما قطعيا أن يجمع الرجل المسلم في عصمته بين الأختين، وقال الله في ذلك: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ (٢) وتستمر الآية الكريمة في تعديد المحرمات من النساء حتى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) وجاء في الحديث النبوي الشريف عن أبي خراش الرعيني عن الديلمي قال: «قدمت على رسول الله ﷺ ، وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية فقال: إذا رجعت فطلق إحداهما (٤)».
وتحريم الجمع بين الأختين هو من أجل الحفاظ على صلات المودة والرحمة بين أفراد الأسرة المسلمة. والمعروف أن كل زوجة تعمل باستمرار على أن يكون خير زوجها لها، وتكره أن يعطي زوجها لوالده أو لوالدته أو لواحد من إخوانه أو أخواته شيئا من ماله. وهكذا الأمر بالنسبة لمن لديه أكثر من زوجة، فإن الزوجة تكره أن يعطي زوجها لضرتها مثل ما يعطيها، ولهذا الاحتمال حرم الله على الرجل أن يجمع في عصمته بين أختين حتى لا تسعى الواحدة منهما إلى حرمان أختها من خير زوجها، فيكون ذلك سببا في قطع صلات الرحمة والمودة والقرابة بينهما، أو على الأقل تفتر بينهما هذه العلاقات بسبب الغيرة والنزاع حول الزوج. ويذكر ابن حجر (٥). أن الجمع بين الأختين حرام
стр. 15810
بالإجماع سواء كانتا شقيقتين أو من أب أو من أم. ويستوي في ذلك النسب والرضاع. وإذا كان الجمع بين الأختين حراما فإن الجمع بين الأم وابنتها يكون من باب أولى حراما، وذلك لأن القرابة بين الأم وابنتها واجبة الأصل، والجمع بينهما كزوجتين لرجل واحد يؤدي إلى قطع أواصر القرابة والمودة، ويتسبب في إيقاع العداوة بينهما (١).
كذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وبين العمة وبنت أخيها، وبين الخالة وبنت أختها، وقد ثبت هذا التحريم بأحاديث رويت عن رسول الله ﷺ منها:
١ - قال جابر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها (٢)».
٢ - عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أخيها أو المرأة على خالتها أو الخالة على بنت أخيها (٣)».
وجاء في بعض الروايات تحريم الجمع بين العمتين أو الخالتين سواء كانت العمتان أو الخالتان أختين أو غير أختين (٤).
وعلى العموم فإنه يحرم على الرجل أن يجمع في عصمته بين امرأتين بينهما رحم محرمة، لما قد يؤدي هذا الجمع من إيقاع العداوة بينهما وقطع صلة الأرحام.
стр. 15811
(ج) مبررات تعدد الزوجات في الإسلام:
الإسلام نظام يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه، وينسجم مع ضرورات حياته، ويعنى الدين الإسلامي برعاية خلق الإنسان، ويحرص على نظافة المجتمع، ولا يسمح بقيام واقع مادي يؤدي إلى فساد الأخلاق وانحلال المجتمع (١).
ولقد أراد الله أن يجعل الأسرة عماد الحياة وقاعدة العمران، وأساس نشأة المجتمعات، وقيام الحضارات، ولذلك أحاط الله بنيان الأسرة بمجموعة من القواعد الثابتة والركائز الصلبة لحماية هذا البنيان مما قد يعتريه من وهن أو ضعف. ومن هذه القواعد تشريع نظام تعدد الزوجات.
والدين الإسلامي، وهو يبيح للمسلم أن يتزوج بأربع زوجات كحد أعلى لم يكن هدفه إشباع الرغبة الجنسية لدى الرجل فحسب، وإنما هناك مبررات ودوافع قد تحمل الرجل على أن يتزوج بأكثر من امرأة. ومن هذه المبررات ما يلي:
١ - الاقتداء برسول الله ﷺ ، الذي توفي وفي عصمته تسع زوجات، ورسول الله ﷺ بلا شك- أسوة وقدوة للمسلم في كل شيء إلا ما خص به من أمور. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢) ومن هذا المنطلق يجب على كل مسلم ومسلمة الاعتقاد بإباحة التعدد سمعا وطاعة لله ولرسوله، لأن إنكار هذه الإباحة يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله.
٢ - تدل الإحصائيات التي جرت وتجرى في بلاد العالم المختلفة دلالة واضحة على أن عدد الإناث أكثر من عدد الذكور، وذلك نتيجة لكثرة ولادة البنات.
стр. 15812
ولأن موت الرجال بمشيئة الله تعالى وقدرته- أكثر من موت النساء، فالرجال هم وقود المعارك العسكرية، وتلتهم الحروب عددا كبيرا منهم. هذا بالإضافة إلى تعرض الرجال للحوادث بشكل أكثر من النساء، فهم يخرجون للكسب وطلب الرزق وينتقلون من أجل ذلك من مكان إلى آخر، ويبذلون كل ما في وسعهم من جهد للحصول على لقمة العيش، الأمر الذي يجعلهم أكثر قابلية للمرض والموت هذا في الوقت الذي يكون فيه النساء في بيوتهن.
ويترتب على ما سبق أن ذكرناه آنفا وجود فارق بين نسبة الإناث ونسبة الذكور، ومن ثم يكون تعدد الزوجات هو العلاج الناجح لهذا الفارق. وقد أظهرت الإحصائيات التي أجريت في أوربا عقب الحرب العالمية الثانية أن نسبة النساء هناك كانت تمثل آنذاك (٧) إلى (١) من نسبة الرجال أي أن كل رجل يقابله سبع نسوة، حيث كثر النساء في أوربا كثرة فاحشة عقب تلك الحروب التي ذهبت بالكثير من الرجال.
وجاء في الكتاب السنوي للأمم المتحدة عن تعداد السكان الصادر سنة ١٩٦٤م- ١٣٨٤هـ أن الإحصاءات أثبتت أن عدد النساء في الاتحاد السوفيتي يزيد على عدد الرجال بنحو عشرين مليون نسمة، ونحو مليوني نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ونحو ثلاثة ملايين في ألمانيا الغربية (١).
ومما يضاعف المشكلة ويزيد الفرق أن بعض الرجال لا يتزوجون بسبب ظروف اقتصادية تتمثل في عدم قدرتهم على توفير النفقة اللازمة لفتح بيت وتكوين أسرة.
كما أن بعضهم يؤخر الزواج إلى سن متأخرة نسبيا من أجل تحسين مستواه المادي ليتمكن من الإنفاق على المرأة التي سيرتبط بها والأولاد الذين سيرزق بهم. وهذا على العكس من الفتيات اللاتي يكن مستعدات للزواج في سن مبكرة.
стр. 15813
وتظهر في أغلب التقديرات زيادة عدد النساء الصالحات للزواج على عدد الرجال الصالحين للزواج بنسبة (٤) إلى (١) وهذا بطبيعة الحال اختلال يجب معالجته لتكرر وقوعه بنسب مختلفة، ونجد أمامنا في هذه الحالة ثلاثة حلول هي:
(١) أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة صالحة للزواج ثم يبقى عدد من النساء بدون زواج.
(٢) أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة واحدة فقط زواجا شرعيا ثم يعاشر حراما في الظلام واحدة أو أكثر من النساء اللواتي ليس لهن مقابل من الرجال في المجتمع.
(٣) أن يتزوج الرجال الصالحون للزواج- كلهم أو بعضهم- أكثر من امرأة واحدة زواجا شرعيا في وضح النهار بدلا من العشيقة أو البغي التي يعاشرها حراما بعيدا عن أعين الناس.
ولمناقشة هذه الحلول واختيار الحل الأفضل منها نرى أن الحل الأول وهو أن تبقى المرأة بلا زوج أمر غير طبيعي، وضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها فالمرأة لا يمكن أن تستغني عن الرجل، والعمل والكسب لن يعوضا المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية، سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة أو مطالب الروح والعقل من السكن والأنس بالعشير.
أما الحل الثاني فهو ضد الشريعة الإسلامية، ولا يتناسب مع أخلاق المجتمع الإسلامي العفيف، كما أنه ضد كرامة المرأة وإنسانيتها، ويؤدي بالتالي إلى شيوع الفاحشة في المجتمع.
ويكون الحل الثالث - بلا شك هو الحل الأمثل الملائم الذي يختاره الإسلام لمواجهة الواقع الذي يعيشه الناس (١).
стр. 15814
ويقول الشيخ محمد الغزالي في أحد أعداد صحيفة (المسلمون) الصادرة في عام ١٤١٠هـ يقول: إن النسبة بين عدد الرجال وعدد النساء إما أن تكون متساوية وإما أن تكون راجحة لأحد الطرفين، فإذا كانت متساوية أو كان عدد النساء أقل فإن نظام تعدد الزوجات لا بد أن يختفي تلقائيا، ويكتفي كل شخص طوعا أو كرها بما عنده. أما إذا كان عدد النساء أكثر من عدد الرجال فنكون بين واحد من ثلاثة حلول، فإما أنه نقضي على بعض النساء بالحرمان حتى الموت من الزواج. وإما أن نبيح اتخاذ العشيقات والخليلات فنقر بذلك جريمة الزنا. وإما أن نسمح بتعدد الزوجات. وبالتأكيد فإن المرأة ترفض حياة الحرمان من الزواج، وتأبى فراش الجريمة والعصيان، وبالتالي لا يبقى أمامها إلا أن تشارك غيرها في رجل يرعاها وينسب إليه أولادها. ولا مناص بعد ذلك من الاعتراف بمبدأ تعدد الزوجات الذي أباحه الإسلام.
وعموما فإن النساء دائما أكثر من الرجال، وجاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «يقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد (١)» وجاء في حديث آخر: «وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء (٢)» والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن عدد النساء يكون دائما أكثر من عدد الرجال.
ويمكن للواحد منا أن يتأكد من هذا الأمر بالنظر في عدد الشباب والشابات خاصة أو في عدد الأطفال ذكورا وإناثا في الأسرة التي له صلة بها، وسيرى- كما رأيت- الفارق الواضح بين عدد الجانبين.
٣ - ومن المعروف أن الرجل يكون مستعدا لوظيفة النسل من البلوغ إلى نهاية العمر الطبيعي، وهو في المتوسط ثمانون سنة، قد تزيد قليلا أو تنقص، وأن فترة الإخصاب عند المرأة تقف عند سن اليأس، وتكون هذه السن عند بعضهن في الأربعين وعند البعض الآخر في الخامسة والأربعين، والغالبية في الخمسين من العمر. ويكون الفارق هنا قرابة ثلاثين سنة بين
стр. 15815
فترتي الإخصاب عند الرجل والمرأة. ومن الطبيعي أن يستفاد من هذا الفرق في الإخصاب لعمران الأرض بالتكاثر والتناسل. وكثرة النسل مطلب شرعي، وفيها تحقيق لمباهاة الرسول ﷺ بأمته كما جاء في الحديث النبوي الشريف التالي: «النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم (١)».
كما أن المرأة إذا حملت يكون حملها شاغلا لها عن الأمور الحياتية الأخرى حتى نهاية مدة الحمل، وهي تسعة شهور. هذا بالإضافة إلى أن استعداد المرأة للحمل في فترة الرضاعة يكون ضعيفا جدا، ومدة الحمل والرضاعة في الغالب عامان ونصف العام كما قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) ويكون الرجل في خلال هذه الثلاثين شهرا على أهبة الاستعداد للقيام بوظيفته الطبيعية إن لم يكن يوميا فثلاث أو أربع مرات في الأسبوع، وذلك حسب المزاج وسلامة البنية وحسن الغذاء. واقتصار الرجل على زوجة واحدة في هذه الفترة التي ليست بقصيرة يكون عائقا له عن أداء وظيفته الطبيعية لإعفاف نفسه أولا وللإنجاب وهو الأهم ثانيا.
٤ - أعطى الله بعض الرجال طاقة جنسية كبيرة، ورغبة قوية على الوطء (الجماع) ويشعر هذا الرجل أن الزوجة الواحدة لا تكفي لإعفافه وسد حاجته الجنسية وبخاصة إذا كان زمن حيض الزوجة يستغرق جزءا كبيرا من أيام الشهر، وعند ذلك يجد الرجل أنه أصبح مضطرا إلى أحد أمرين أولهما: أن يجد مصرفا مباحا مشروعا لشهوته، وهو الزواج بامرأة ثانية وثانيهما ارتكاب جريمة الزنا التي تذهب بالدين والمال والصحة، وتكون
стр. 15816
شرا على الزوجة (١).
يقول سيد قطب (٢) عن هذه القضية: إن من الأمور الواقعية التي لا نستطيع أن ننكرها أن الزوج يرغب في أداء الوظيفة الفطرية "الجنس " ولا تكون لدى المرأة رغبة في معاشرة الرجل لمرضها أو كبر سنها مع وجود رغبة مشتركة لدى الزوجين في دوام العشرة الزوجية وكراهية الانفصال وهنا نجد أنفسنا في مواجهة هذه المشكلة أمام ثلاثة احتمالات هي:
(أ) أن نكبت الرجل، ونمنعه بالقوة من مزاولة نشاطه الفطري.
(ب) إعطاء الرجل الحرية في معاشرة من يشاء من النساء الساقطات.
(ج) أن نبيح لهذا الرجل أن يتزوج بامرأة ثانية مع الاحتفاظ بزوجته.
ويظهر هنا أن الاحتمال الأول ضد الفطرة، وفوق طاقة الإنسان، وإذا أكرهناه على ذلك فإن النتيجة ستكون حتما كراهية الحياة الزوجية والنفور منها.
أما الاحتمال الثاني فهو ضد الأخلاق الإسلامية، ويخالف المنهج الإسلامي الرامي إلي تطهير الحياة البشرية وتزكيتها. ويكون الاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الحياة الفطرية الواقعية ويحقق المنهج الإسلامي، ويحتفظ للزوجة الأولى بالرعاية ودوام العشرة.
٥ - قد تكون الزوجة عقيما وليست لديها القدرة على الإنجاب، والزوج يرغب في الذرية، ومن ثم يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما وهما:
(أ) أن يطلق زوجته العقيم، ويتزوج بثانية تحقق رغبته في النسل.
(ب) أن يتزوج امرأة أخرى، ويبقي الزوجة الأولى في عصمته.
والطريق الأولي يؤدي إلى أن تبقى المرأة- في أغلب الأحوال- بلا زوج لأن الرجال لا يرغبون بطبيعة الحال في التزوج بامرأة مطلقة وعقيم لا تنجب، الأمر الذي يسبب لها التعاسة والشقاء طوال حياتها.
стр. 15817
ولا شك أن ٩٩% من الزوجات يفضلن الطريق الثاني، ويعملن جاهدات على الابتعاد عن الطريق الأول الذي يحطم عليهن بيوتهن، ويحرمهن مما يحتجن إليه من مسكن وكساء وغذاء ودواء، وشريك للحياة (١).
ويلاحظ هنا أن إبقاء الرجل زوجة هذه حالتها تحت عصمته من الأمور التي يستحق عليها الشكر والثناء من الناس والأجر من الله تعالى.
٦ - قد تكون الزوجة مصابة بمرض مزمن لا تستطيع معه القيام بالواجبات الزوجية فيضطر الزوج إلى أن يتزوج عليها. وتبقى في عصمته يرعاها ويؤمن لها ما تحتاج إليه من متطلبات الحياة.
٧ - قد يكون لدى الرجل رغبة قوية في الإكثار من النسل، وأولاد زوجته الأولى قليلون، فيتزوج الرجل عند ذلك بأخرى من أجل تحقيق هذه الرغبة النبيلة التي دعا إليها الرسول ﷺ في قوله.
«تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة (٢)». وفي قوله في حديث آخر: «تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم (٣)».
٨ - يكون الرجل كثير الأسفار بحكم عمله، وتطول مدة إقامته في غير بلده، ولا يستطيع أن يأخذ زوجته معه كلما دعته الضرورة إلى السفر وبطبيعة الحال سيكون في غربته بين أمرين من أجل إشباع حاجته الفطرية (الجنس) أولهما أن يفتش عن امرأة يعاشرها بطريقة غير مشروعة، وثانيهما أن يتزوج بثانية ويقيم معها إقامة مشروعة وهو قادر على ذلك صحيا وماديا. وبالتأكيد فإن الأمر الثاني هو الحل الأفضل والأمثل لحل مشكلته، لأن في الأمر الأول إشاعة للفاحشة وانتشار الفساد.
стр. 15818
٩ - قد يكره الرجل زوجته لسبب من الأسباب، ولا يجد نحوها ميلا أو رغبة، ربما لأنها سيئة الخلق أو دميمة الخلقة، الأمر الذي يفقد الرجل رغبته الجنسية نحوها. وترى هذه المرأة أن من مصلحتها وخيرها أن تعيش مع زوجها الكاره لها لأسباب تحتم عليها ذلك، فيتزوج الرجل بامرأة يستمتع بها وتعصمه عن الوقوع في الفاحشة (١).
١٠ - يتيح نظام تعدد الزوجات فرص الزواج أمام كثير من العانسات والأرامل والمطلقات، فعيش بعض النساء بدون زواج أشد ضررا من عيش بعضهن بنصف أو ثلث أو ربع زوج (٢).
١١ - كما أن نظام تعدد الزوجات يعالج بعض المشكلات الإنسانية، ويسهم في حلها إسهاما حقيقيا ومنها:
(أ) امرأة توفي زوجها وعندها أطفال، ففي هذه الحالة الإسلام يحث الرجال على الزواج منها لسببين هامين، أولهما: إعفاف المرأة وصون كرامتها في بيت تجد فيه الراحة والاطمئنان، وكل ما تحتاج إليه من متطلبات الحياة. وثانيهما كفالة أطفالها الأيتام ورعايتهم، وقال رسول الله ﷺ في ذلك: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما (٣)».
(ب) امرأة تولد وجمالها بسيط أو يكون بها عاهة، وهي بطبيعة الحال ليس لها دخل في خلقها، فهل يجوز لنا أن نحرمها من متعة الحياة الزوجية وإنجاب الأطفال؟ والجواب لا يجوز لنا ذلك، والإسلام يشحذ همم المؤمنين ويشجعهم على الزواج بأمثال هذه المرأة، وإدخال الفرحة والسرور إلى قلبها.
(ج) امرأة بقيت لظروف معينة بدون زوج، حتى وصلت سن اليأس
стр. 15819
وهي راغبة في الزواج، فالأفضل لها طبعا أن تتزوج رجلا متزوجا بأخرى فيملأ عليها حياتها، ويؤنس وحدتها بدلا من أن تظل بقية حياتها عزباء.
(د) قد يتوفى أحد إخوان الرجل أو أحد أقاربه، ويترك زوجته وأولاده فيخشى عليهم الرجل من الضياع والتشرد، فيتزوج عند ذلك بدافع إنساني محض بأرملة أخيه أو قريبه ليرعاها ويرعى أولادها، ويحميهم من العوز والضياع (١).
(هـ) قد يكون للرجل المتزوج قريبة لا يأويها أحد غيره، ويكون لديها أولاد لا يمكن أن يؤمن لهم الزوج الغريب الرعاية الكافية، فإذا تزوجها قريبها المتزوج أصلا، وأصبحت في عصمته، فقد كفل لها بذلك ولأولادها الأيتام العطف والحنان والرعاية والحماية من شرور الحياة (٢).
وأخيرا نقول إن هذه ليست كل المبررات للأخذ بنظام تعدد الزوجات وهناك بالتأكيد مبررات أخرى تختلف من مجتمع إلى آخر، وتكون دافعا للرجل المسلم على تعدد زوجاته.
ومما لا شك فيه أن نظام تعدد الزوجات- كما رأينا- يحفظ المجتمعات الإنسانية من الفساد الخلقي الذي يؤدي إلى انتشار البغاء وكثرة اللقطاء ويحمي الناس من الإصابات بالأمراض التناسلية التي تنتشر الآن على نطاق واسع ومنها الزهري ومرض انعدام المناعة " الإيدز".
стр. 15820
٤ - موقف أعداء الإسلام من تعدد الزوجات:
إن نظام تعدد الزوجات نظام إلهي محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأن كل ما يأتينا من الله عن طريق القرآن الكريم أو السنة النبوية المشرفة فهو حق لا باطل فيه. وإذا كان لتعدد
стр. 15821
الزوجات مساوئ كما يذكر بعض من كتب عن هذا النظام من أعداء الأمة الإسلامية فإن تلك المساوئ ناتجة عن قصورنا وسوء تطبيقنا للنظام، وإن ما يحدث في بعض حالات تعدد الزوجات من خلافات وظلم فإن سببها هو تهاون الزوج وعدم عدالته وسوء معاملته لبعض زوجاته. هذا بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني لدى بعض الزوجات الأمر الذي يدفعها إلى إثارة المشاكل مع زوجها وزوجاته الأخريات.
وفيما يلي بعض الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام نحو نظام تعدد الزوجات وسنذكرها ونقوم بالرد عليها إن شاء الله ردا مقنعا، وهي ولله الحمد شبه وليست حقائق كما سنرى. وهذه هي الشبه:
١ - إباحة الدين الإسلامي للرجل أن يعدد زوجاته وتحريم ذلك على المرأة.
٢ - يكون الزواج بأكثر من امرأة سببا في إثارة الخصام والنزاع بين أفراد الأسرة الواحدة الأمر الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة وتشرد الأطفال. وبمعنى آخر يكون التعدد سببا للعداوة بين زوجات الرجل الواحد وتنتقل العداوة بالتالي إلى أولادهن.
٣ - إن في تعدد الزوجات ظلما للمرأة وهضما لحقوقها وإهدارا لكرامتها ووسيلة لتسلط الرجل عليها من أجل إشباع شهواته.
٤ - يؤدي تعدد الزوجات إلى إهمال تربية النشء وتشردهم.
٥ - يكون تعدد الزوجات سببا رئيسا في كثرة النسل، وكثرة النسل يؤدي إلى انتشار الفقر والبطالة في البلاد.
٦ - الظروف الاقتصادية في العصر الحديث لا تسمح للرجل بأن يعدد زوجاته لأن هذا التعدد يفرض عليه أعباء مالية، فهو سيطالب بالإنفاق على عدد من الزوجات والأولاد في الوقت الذي ازدادت فيه مطالب كل فرد وقلت الموارد المالية.
стр. 15822
ونقول هنا لأعداء الإسلام الذين يحاربون نظام تعدد الزوجات: إن الله شرع التعدد، وأباحه لعباده، وأن التعدد سنة أنبياء الله عليهم أفضل الصلاة والسلام، فقد تزوجوا النساء، وجمعوا بينهن في حدود شريعة الله، وأنتم أيها المتحاملون على التعدد أعداء لله ورسوله وأعداء للمرأة نفسها، فالتعدد يكون في معظم الأحيان سياجا يحمي الأسرة من التصدع، ويصون المرأة من الضياع والحرمان.
أما فيما يتعلق بالشبهة الأولى وهي أن الإسلام أباح للرجل أن يعدد زوجاته وحرم ذلك على المرأة فنقول إن المساواة بين الرجل والمرأة في نظام الزواج لا ينبغي أن تكون مساواة مطلقة لاختلاف طبيعة كل من الرجل والمرأة، والمساواة بين مختلفين تعني ظلم أحدهما، فالمرأة خلق الله تعالى لها رحما واحدة، وهي تحمل في وقت واحد ومرة واحدة في السنة ويكون لها تبعا لذلك مولود واحد من رجل واحد. أما الرجل فغير ذلك من الممكن أن يكون له عدة أولاد من عدة زوجات، ينتسبون إليه ويتحمل مسئولية تربيتهم والإنفاق عليهم، وتعليمهم وعلاجهم وكل ما يتعلق بهم وبأمهاتهم من أمور. أما المرأة فعندما تتزوج بثلاثة أو أربعة رجال، فمن من هؤلاء الرجال يتحمل مسئولية الحياة الزوجية؟ أيتحملها الزوج الأول؟ أو الزوج الثاني؟ أم يتحملها الأزواج الثلاثة أو الأربعة؟ ثم لمن ينتسب أولاد هذه المرأة متعددة الأزواج؟ أينتسبون لواحد من الأزواج؟ أم ينتسبون لهم جميعا؟ أم تختار الزوجة أحد أزواجها فتلحق أولادها به؟ (١).
وفي الحقيقة إن سنة الله في خلقه جعلت نظام الزوج الواحد والزوجة الواحدة يصلح لكل من الرجل والمرأة. وجعلت نظام تعدد الأزواج لا يصلح للمرأة، بينما جعلت نظام تعدد الزوجات مناسبا جدا للرجل؛ فالمرأة - كما هو معروف- لها رحم واحد، فلو تزوجت بأكثر من رجل لأتى الجنين من دماء متفرقة، فيتعذر عند ذلك تحديد الشخص المسئول عنه
стр. 15823
اجتماعيا واقتصاديا وقانونيا. بينما صلحت طبيعة الرجل لأن يكون له عدة زوجات، فيأتي الجنين من نطفة واحدة، وبالتالي يكون والد هذا الجنين معروفا ومسئولا عنه مسئولية كاملة في جميع الأحوال.
وتقوم المسئولية الاجتماعية في نظام تعدد الزوجات على أساس رابطة الدم وهي رابطة طبيعية متينة، بينما يفتقر نظام تعدد الأزواج إلى أساس طبيعي تبنى عليه الروابط الاجتماعية، لأن الإنسان بغير اقتصار المرأة على زوج واحد لا يستطيع أن يعرف الأصل الطبيعي له ولأولاده (١).
كما أن تعدد الأزواج يمنع المرأة من أداء واجبات الزوجة بصورة متساوية وعادلة بين أزواجها سواء أكان ذلك في الواجبات المنزلية أو في العلاقات الجنسية وبخاصة وأنها تحيض لمدة خمسة أو سبعة أيام في كل شهر، وإذا حملت تمكث تسعة أشهر في معاناة جسدية تحول دون القيام بواجباتها نحو الرجال الذين تزوجوها. وعند ذلك سيلجأ الأزواج- بلا شك - إلى الخليلات من بنات الهوى أو يطلقونها فتعيش حياة قلقة غير مستقرة (٢).
وختاما فإن المجتمع لا يستفيد شيئا من نظام تعدد الأزواج للمرأة بعكس نظام تعدد الزوجات للرجل الذي يتيح فرص الزواج أمام كثير من العانسات والمطلقات والأرامل. هذا إلى جانب أنه لو أبيح للمرأة أن تتزوج ثلاثة أو أربعة رجال لزاد عدد العانسات زيادة كبيرة وأصبح النساء في وضع اجتماعي لا يحسدن عليه (٣).
وهكذا فإنه ليس من العدالة في شيء أن يباح للمرأة أن تعدد أزواجها بحجة مساواتها بالرجل. وليس عدلا كذلك أن يحرم الرجل من صلاحيته في أن يعدد زوجاته بدعوى مساواته بالمرأة في حق الزواج. وسنرى في الصفحات القليلة لهذا البحث أن الله قد أعطى الرجل صلاحية تعدد
стр. 15824
الزوجات لخير المرأة ومن أجل إسعادها، وزيادة فرص الزواج أمامها.
ونأتي بعد ذلك إلى الشبهة الثانية القائلة بأن تعدد الزوجات يؤدي إلى قيام النزاع بين أفراد الأسرة الواحدة نتيجة للعداوة بين زوجات الرجل الواحد وبين أولادهن فنقول: إن هذا النزاع يرجع إلى الغيرة الطبيعية التي لا يمكن أن تتخلص منها النفوس البشرية، فالغيرة موجودة في كل مكان تتساوى فيه الفرص للأفراد، وهكذا تظهر الغيرة بين النساء في ظل نظام تعدد الزوجات.
والغيرة والحزن اللذين تحس بهما المرأة حينما يتزوج زوجها بأخرى شيء عاطفي، والعاطفة لا يصح أن تقدم في أي أمر من الأمور على الشرع (١).
والضرر الذي يلحق بالمرأة نتيجة للتعدد أخف بكثير من الأضرار التي تلحق بها في حالة بقائها بدون زوج.
ويلاحظ أن الغيرة بين الزوجات لم تمنع الرسول ﵊ ولم تمنع أصحابه من الأخذ بنظام تعدد الزوجات. وتحدث العداوة كثيرا بين الزوجة الواحدة وبين أقرباء زوجها، وقد يرجع ما يحدث من خلافات ومنازعات في بعض حالات تعدد الزوجات إلى تهاون الزوج وضعفه وعدم عدله وإنصافه في معاملة أهل بيته. هذا بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني في نفوس بعض الزوجات بحيث لا يستطعن كبح جماح الغيرة، ومن ثم يعمدن إلى العمل على إلحاق الضرر بضرائرهن، وتعكير صفو الأسرة (٢).
كما يلاحظ أن النزاع بين الزوجات وبين الزوج إنما يحدث في الغالب من أجل الحصول على مطلب من مطالب الحياة الأسرية من مأكل وملبس ومسكن وما شابه ذلك. وقد يكون النزاع حول مكانة كل زوجة من زوجها، ومكانة كل ولد لدى والده. ولهذه المنازعات شبيه في حالة وحدة الزوجة ففيه نجد الزوجة تتنازع مع زوجها في بعض الأحيان من أجل مكانتها عنده بالنسبة لأمه أو أخته. وقد تختلف معه خلافا حادا يؤدي إلى الطلاق لأنه لم يوفر لها بعض ما تحتاج إليه من ملابس أو أثاث أو حلي.
стр. 15825
ونرى أن علاج هذه المشكلات الأسرية يعتمد في الدرجة الأولى على شخصية الرجل وعلى قدرته على إدارة شئون منزله، فإذا كان الرجل عادلا حازما فإن النزاع لا يجد طريقا إلى منزله. أما إذا كان ضعيف الشخصية فإن النزاع سيدب- بلا شك- بين أفراد أسرته، وسواء أكان لديه زوجة واحدة أم عدة زوجات.
وقد تتألف الأسرة من زوج واحد وزوجة واحدة فقط وأولاد ولكن أمور هذه الأسرة ليست على ما يرام وذلك لوجود تنافر بين الزوجين أو لأن العلاقة الزوجية بينهما لم تقم على أساس سليم. أو يكون النزاع لسوء خلقهما معا أو سوء خلق واحد منهما.
وتقول الشبهة الثالثة: إن في نظام تعدد الزوجات هضما لحقوق المرأة، وإهدارا لكرامتها، وهذا كلام غير صحيح ألبتة، فتعدد الزوجات رحمة للنساء، وذلك لأن عدد الرجال الصالحين للزواج أقل بكثير من عدد النساء الصالحات للزواج كما مر بنا في ثنايا هذا البحث، ووجود المرأة كزوجة ثانية أو ثالثة أو حتى رابعة في أسرة خير لها من أن تكون بدون زواج. ويقول أحد المفكرين الغربيين المنصفين عن هذا الموضوع:
" إن نظام الزواج بامرأة واحدة فقط وتطبيقه تطبيقا صارما قائم على أساس افتراض أن عدد أعضاء الجنسين متساويا، وما دامت الحالة ليست كذلك، فإن في بقائه قسوة بالغة لأولئك اللاتي تضطرهن الظروف إلى البقاء عانسات " (١).
كذلك نرى أن في التعدد صيانة للمرأة بجعلها زوجة فاضلة بدلا من أن تكون خليلة أو عشيقة. ويجب أن يعلم النساء أن اكتفاء الرجل بزوجة واحدة لا يحقق آمال الكثيرات من النساء اللواتي لهن الحق في أن يكن زوجات وأمهات وربات بيوت. وعدم أخذ الرجال بنظام التعدد يؤدي إلى بقاء الكثيرات من النساء بلا زواج ولا أولاد ولا أسر، وهذا يمثل خطرا كبيرا على