← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 15856–15895 · переход к 15861.

стр. 15856

رجل به زمانة، فنزل وسجد، ومر به أبو بكر فنزل وسجد، ومر به عمر فنزل وسجد». الدليل الثالث: «ما روي عن عرفجة أن النبي ﷺ أبصر رجلا به زمانة فسجد (١)». الدليل الرابع: أن في السجود عند رؤية المبتلى شكرا لله الذي سلمه مما أصيب به هذا المبتلى (٢)، فيكون مشروعا، كما يشرع عندما تحدث له نعمة أو تندفع عنه نقمة. والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول، لقوة أدلته، فهي نص في محل النزاع، ولضعف دليل المخالفين، والله أعلم.

стр. 15857

المبحث الثالث: هل لسجود الشكر شروط ؟ اختلف أهل العلم في سجود الشكر، هل يشترط له ما يشترط لصلاة النافلة من الطهارة من الحدث، وطهارة البدن والثوب والمكان عن النجاسة، واستقبال القبلة وغيرها أم لا؟ اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: أن هذه الأمور ليست شرطا لصحة سجود الشكر، وهذا قول كثير من السلف (١)، واختاره بعض المالكية (٢)، وكثير من المحققين كابن جرير الطبري (٣)، وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٤)، والشوكاني والصنعاني (٥)، ورجحه كثير من مشايخنا، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين وغيرهم. القول الثاني: أنه يشترط لسجود الشكر ما يشترط لصلاة النافلة، وهذا

стр. 15858

هو مذهب الشافعية، وقال به أكثر الحنابلة، وبعض الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: أن السجود المجرد كسجود التلاوة وسجود الشكر صلاة، لأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله تعالى، له تحريم وتحليل، فشرط له شروط صلاة النافلة، لعموم قوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٣)»، وقوله ﵊: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٤)»، وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (٥)» ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بعدم التسليم بأن السجود المجرد كسجود

стр. 15859

التلاوة وسجود الشكر صلاة، لأنه لم يرد في الشرع تسميته صلاة، ولأن النبي ﷺ لم يسن له اصطفافا ولا تقدم إمام كما سن ذلك في سائر الصلوات، ولا يسلم أيضا بأن السجود المجرد له تحريم لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وكذلك لا يسلم بأن له تحليل، لعدم وروده عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف (١). وكون السجود جزءا من الصلاة لا يدل على أنه صلاة، لأن التكبير والتسبيح وغيرهما مما يفعل في الصلاة من أجزاء الصلاة، ولم يقل أحد بأنه يشترط لها شروط الصلاة من الطهارة وغيرها (٢). الدليل الثاني: أنه سجود يفعل على وجه القربة، فشرط فيه الطهارة، قياسا على سجود التلاوة (٣). ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن يقال: إن القول باشتراط الطهارة في الأصل المقيس عليه، الذي هو سجود التلاوة قول ضعيف، لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولأن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمر أحدا من المسلمين بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعا متوضئين، وأيضا فإن المشركين أنجاس لا يطهرهم الماء، وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يسجد على غير طهارة.

стр. 15860

وقد أيد أصحاب القول الأول ما ذهبوا إليه من عدم وجوب الطهارة أو غيرها من شروط الصلاة لسجود الشكر بأدلة وتعليلات أهمها: الدليل الأول: أن اشتراط الطهارة أو غيرها من شروط الصلاة لسجود الشكر يحتاج إلى دليل، وهو غير موجود، إذ لم يأت بإيجاب هذه الأمور لهذا السجود كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، ولا يجوز أن نوجب على أمة محمد ﷺ أحكاما لا دليل عليها. الدليل الثاني: أن ظاهر حديث أبي بكرة وغيره من الأحاديث التي روي فيها أن النبي ﷺ سجد سجود الشكر تدل على أنه ﷺ لم يكن يتطهر لهذا السجود، حيث إنه ﷺ كان إذا جاءه أمر يسره أو بشر به خر ساجدا، فهذا يدل على أنه ﷺ كان يسجد للشكر بمجرد وجود سببه سواء كان محدثا أم متطهرا، وهذا أيضا هو ظاهر فعل أصحابه ﵃ (١). الدليل الثالث: أنه لو كانت الطهارة أو غيرها من شروط الصلاة واجبة في سجود الشكر لبينها النبي ﷺ لأمته، لحاجتهم إلى ذلك، ومن الممتنع أن يفعل النبي ﷺ هذا السجود ويسنه لأمته وتكون الطهارة أو غيرها شرطا فيه، ولا يسنها ولا يأمر بها ﷺ أصحابه، ولا يروى عنه في ذلك حرف واحد (٢). الدليل الرابع: قياس سجود الشكر على سجود التلاوة، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه تطهر لسجود التلاوة، ولم ينقل أنه أمر بذلك، وأيضا فإن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون، ولم ينقل أنه أمر أحدا من المسلمين الذين سجدوا معه بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعا متوضئين، ولم ينقل أنه أنكر على أحد من المشركين سجوده معه، مع أن

стр. 15861

المشرك نجس ولا يطهره الماء. وقد كان النبي ﷺ يقرأ عليهم القرآن في المجامع، فإذا مر بالسجدة سجد وسجدوا معه حتى لا يجد أحدهم مكانا لجبهته، ومن البعيد جدا أن يكونوا كلهم إذ ذاك على وضوء، فمن المعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضئ وغيره (١)، وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يسجد على غير طهارة (٢). الدليل الخامس: أن سبب سجود الشكر يأتي فجأة وقد يكون من يريد السجود على غير طهارة، وفي تأخير السجود بعد وجود سببه حتى يتوضأ أو يغتسل زوال لسر المعنى الذي شرع السجود من أجله. الدليل السادس: أن الله أخبرنا عن السحرة أنهم سجدوا لما آمنوا بموسى ﵊، مع أنهم غير متوضئين، ولم ينكر عليهم جل وعلا هذا العمل، وقد ورد أيضا في شرعنا ما يماثله، ومن ذلك ما روي من قصة المشركين الذين أسلموا فاعتصموا بالسجود، ولم يقبل منهم ذلك خالد بن الوليد ﵁ فقتلهم، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أمر لهم بنصف الدية، ولم ينكر النبي ﷺ هذا السجود مع أنهم لم يتوضئوا، ولم

стр. 15862

يكونوا يعرفون الوضوء، وهذا يدل على أن السجود المجرد لا تشترط له الطهارة وغيرها من شروط الصلاة (١). الدليل السابع: أن هذه الشروط من الطهارة وغيرها إنما تشترط للصلاة، ومما يدل على ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ «عن النبي ﷺ أنه خرج من الخلاء، فأتي بطعام، فذكروا له الوضوء، فقال: أريد أن أصلي فأتوضأ؟ (٢)» ومن المعلوم أن سجود الشكر ليس له صلاة، لأنه لم يرد في الشرع تسميته صلاة، ولأنه ليس بركعة ولا ركعتين، ولأن النبي ﷺ لم يسن له تكبيرا ولا سلاما ولا اصطفافا ولا تقدم إمام كما سن ذلك في صلاة الجنازة وسجدتي السهو بعد السلام وسائر الصلوات، فلا يشترط لسجود الشكر ما يشترط للصلاة. الدليل الثامن: قياس السجود المجرد على سائر الأذكار التي تفعل في الصلاة وتشرع خارجها كقراءة القرآن التي هي أفضل أجزاء الصلاة وأقوالها وكالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، فكما أن هذه الأمور لا تشترط لها الطهارة إذا فعلت خارج الصلاة مع أنها كلها من أجزاء الصلاة فكذلك السجود المجرد (٣).

стр. 15863

والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول لقوة أدلته، ولضعف أدلة القول الثاني، وقد أجيب عنها كما سبق، ولأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يقبل فيها قول إلا بدليل، وليس هناك دليل شرعي صحيح يستند إليه في اشتراط هذه الأمور في سجود الشكر، فتبقى الذمة على أصل البراءة، حتى يثبت خلافه، ومع هذا فإن الأولى والأكمل أن يتطهر المسلم لهذا السجود، خروجا من خلاف من أوجبه، ولأن المسلم يستحب له أن يكون على طهارة في جميع أحيانه، ويتأكد هذا الاستحباب عند الإتيان بشيء من العبادات ولأنه قد اتفق أهل العلم على استحباب الطهارة لسجود التلاوة (١)، فكذلك سجود الشكر. والله أعلم.

стр. 15864

المبحث الرابع: صفة سجود الشكر وكيفيته: وفيه مسائل: المسألة الأولى: هل يجب لسجود الشكر تكبير في أوله أو في آخره ؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه ليس لسجود الشكر تكبير لا في أوله ولا في آخره، لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، أو عن أحد من أصحابه (١). القول الثاني: أنه يجب في أوله تكبيرة واحدة، وفي آخره تكبيرة أخرى للقيام من السجود (٢). واستدل أصحاب هذا القول بأن السجود المجرد صلاة، فيجب فيه ما يجب في الصلاة (٣)، ومن ذلك التكبير، لعموم قوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٤)»

стр. 15865

ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن الصحيح أن السجود المجرد ليس بصلاة (١) فلا يجب فيه ما يجب في الصلاة. ويمكن أن يستدل لهذا القول كذلك بما ذكره بعض العلماء في سجود التلاوة من أنه سجود مفرد، فيجب التكبير إذا سجد وإذا رفع، قياسا على السجود للسهو بعد السلام (٢). ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن السجود للسهو بعد السلام تابع للصلاة، فيجب فيه ما يجب في سجود الصلاة، أما السجود المجرد فليس تابعا للصلاة، فالقياس غير صحيح. ويمكن أن يستدل لهذا القول أيضا بقياس سجود الشكر على سجود التلاوة، فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا (٣)»

стр. 15866

ويمكن أن يناقش هذا الدليل بعدم التسليم بوجوب تكبير الافتتاح في سجود التلاوة، لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، والحديث الذي استدلوا به والذي فيه ذكر التكبير في سجود التلاوة حديث ضعيف، ولهذا فقد ذهب كثير من السلف إلى عدم التكبير في سجود التلاوة (١). والأقرب في هذه المسألة هو القول الأول، لعدم ورود التكبير في هذا السجود عن النبي ﷺ ، ولأن أدلة القول الثاني فيها ضعف، وقد أجيب عنها كما سبق، ومع ذلك فلو كبر الساجد في أول السجود أو في آخره خروجا من خلاف من أوجبه فلا حرج عليه في ذلك إن شاء الله.

стр. 15867

المسألة الثانية: هل يجب في سجود الشكر ذكر معين ؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: أنه لا يجب لسجود الشكر ذكر معين، وإنما يستحب أن يأتي بذكر يناسب المقام. قال الشوكاني ﵀: " فإن قلت لم يرد في الأحاديث ما كان يقوله ﷺ في سجود الشكر، فماذا يقول الساجد للشكر؟ قلت: ينبغي أن يستكثر من شكر الله ، لأن السجود سجود شكر " (١). القول الثاني: أنه يجب أن يقول فيه: سبحان ربي الأعلى مرة واحدة (٢)، لأن سجود الشكر صلاة، فيجب فيه ما يجب في سجود الصلاة (٣).

стр. 15868

ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن الصحيح أن سجود الشكر ليس بصلاة (١)، فلا تشترط فيه شروط الصلاة. والراجح في هذه المسألة هو القول الأول، لأنه لم يرد في سنة المصطفي ﷺ ما يدل على إيجاب ذكر معين في هذا السجود، لكن يستحب للساجد أن يكثر من شكر الله على هذه النعمة، وأن يكثر من التسبيح والدعاء والاستغفار، وإن أتى في سجوده عند رؤية مبتلى بالذكر الذي ندب النبي ﷺ من رآه أن يقوله فحسن، فقد روى أبو هريرة وابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى صاحب بلاء، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، عوفي من ذلك البلاء (٢)»

стр. 15869

المسألة الثالثة: هل يجب في سجود الشكر تشهد أو سلام ؟ اختلف أهل العلم في سجود الشكر هل يجب بعد الرفع منه تشهد أو سلام على أربعة أقوال: القول الأول: أنه لا يجب في سجود الشكر تشهد أو سلام، وهذا هو المنصوص عن الإمام الشافعي، وبه أنه قال الإمام أحمد في رواية عنه، وهو وجه في مذهب الشافعية، لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، أو عن أحد من أصحابه ﵃" (١). القول الثاني: أنه لا يشرع في هذا السجود تشهد أو سلام بل هو بدعة، لا يجوز فعله (٢). القول الثالث: أنه يجب السلام لسجود الشكر، ولا يجب له، تشهد، وإنما

стр. 15870

يجلس بعد رفعه من السجود هنيهة ثم يسلم، وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه (١)، وهو المشهور عند متأخري أصحابه (٢)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣)، وقد ذكر بعض من اختار هذا القول أنه يجزئ فيه تسليمة واحدة (٤). واستدل أصحاب هذا القول بأن السجود المجرد صلاة، فيجب التسليم منه (٥)، لعموم قوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٦)» ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأن الصحيح أن السجود المجرد ليس صلاة، فلا يشرع فيه ما يشرع في الصلاة (٧) ولو كان مشروعا لفعله النبي ﷺ ولنقل عنه (٨). ويمكن أن يستدل لهذا القول أيضا بما ذكره بعض العلماء في سجود التلاوة من قياس التحليل على التحريم، وذلك بأن السجود عبادة لها تحريم، وهو تكبيرة الإحرام، فكذلك يشرع لها تحليل وهو السلام، كصلاة الجنازة، بل أولى، لأن السجود فعل، وصلاة الجنازة قول (٩). وقد أجيب عن هذا الدليل بعد التسليم بوجوب تكبيرة الإحرام في أول السجود، فإن الصحيح أنها غير واجبة (١٠) فالقياس غير صحيح (١١).

стр. 15871

القول الرابع: أنه يجب في سجود الشكر تشهد وسلام، وهذا القول وجه في مذهب الشافعية (١). ويمكن أن يستدل لهذا القول بأن سجود الشكر صلاة، فيجب فيه ما يجب في الصلاة من التشهد والسلام. ويمكن مناقشة هذا الدليل بما نوقش به الدليل الأول للقول الثالث. ويمكن أن يستدل له بالقياس على سجود السهو، فقد روي «عن النبي ﷺ أنه تشهد بعد سجود السهو ثم سلم (٢)» ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن الأحاديث التي ذكر فيها التشهد بعد سجود السهو قد تكلم أهل العلم فيها كلها، وعلى فرض صحتها فإن سجود السهو تابع للصلاة، بخلاف سجود الشكر، فلا يصح قياس أحدهما على الآخر. والراجح في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أنه لا يجب في سجود

стр. 15872

الشكر تشهد أو سلام، لأن النبي ﷺ لم يفعله، إذ لو فعله لنقل، لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله للحاجة إلى ذلك، والله أعلم.

стр. 15873

المبحث الخامس: سجود الشكر في أثناء الصلاة: وفيه مسألتان: المسألة الأولى: السجود عند قراءة سجدة (ص) في أثناء الصلاة: قبل أن نذكر حكم السجود عند قراءة سجدة (ص) في أثناء الصلاة، يحسن أن نمهد لذلك ببيان حكم هذه السجدة هل هي سجدة شكر أم سجدة تلاوة؟ وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنها سجدة شكر، فيسجد المسلم شكرا لله على النعمة التي أنعم الله بها على نبيه داود ﵇، بقبول توبته ومغفرة ذنوبه، والوعد بالزلفى وحسن المآب، والتلاوة سبب لتذكر ذلك. بهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، اختارها أكثر أصحابه (١)، وقال به أكثر الشافعية (٢). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة أهمها: الدليل الأول: ما رواه ابن عباس ﵄ «عن النبي ﷺ أنه سجد في (ص) ثم قال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا (٣)». الدليل الثاني: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «"ص" ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها (٤)».

стр. 15874

الدليل الثالث: ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ (ص) وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، فسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم، فنزل وسجد وسجدوا (١)» القول الثاني: أنها سجدة تلاوة، وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه (٢)، والإمام أبو حنيفة وأصحابه (٣)، وهو مذهب المالكية. وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة أهمها: الدليل الأول: استدلوا بجميع الأحاديث التي روي فيها «أن النبي ﷺ سجد في (ص) (٤)»

стр. 15875

الدليل الثاني: ما روي عن عمرو بن العاص ﵁ «عن النبي ﷺ أنه أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان (١)» قالوا: فتبين بهذا الحديث أن في (ص) سجدة تلاوة (٢). الدليل الثالث: أن هذه السجدة مكتوبة في مصحف عثمان ﵁، فدل ذلك على أنها سجدة تلاوة (٣).

стр. 15876

ويمكن مناقشة هذه الأدلة بأنها لا تفيد أن هذه السجدة سجدة تلاوة، وإنما تدل على مشروعية السجود عند قراءتها فقط، فيكون السجود فيها سجود شكر، كما هو صريح في حديث ابن عباس (١)، وأيضا فإن في إسناد حديث عمرو بن العاص ضعفا كما سبق. والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول، لقوة أدلته، وكونها نصا في محل النزاع، لا سيما حديث ابن عباس ﵄، ولأن في هذا القول جمعا بين الأدلة، والجمع بين الأدلة أولى من قبول بعضها ورد بعضها، والله أعلم. أما حكم السجود عند قراءة هذه الآية في أثناء الصلاة: فعلى القول بأنها سجدة تلاوة يستحب السجود عند قراءتها. أما على القول بأنها سجدة شكر، وهو القول الصحيح كما سبق، فقد اختلف أصحاب هذا القول في جواز السجود في هذه الحال على قولين: القول الأول: أنه يجوز السجود عند قراءتها في أثناء الصلاة، وهذا القول وجه في مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣). ويمكن أن يستدل لهذا القول بما رواه أبو رافع ﵀ قال: "صليت مع عمر الصبح فقرأ بـ (ص) فسجد فيها". القول الثاني: أنه لا يجوز السجود بها في أثناء الصلاة، وهذا القول هو

стр. 15877

المشهور في مذهب الحنابلة (١)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢). وعلى هذا القول فلو سجد لها في أثناء الصلاة فإن كان ناسيا أو جاهلا صحت صلاته، ويسجد للسهو (٣)، وإن كان متعمدا فقد اختلف في ذلك على قولين: القول الأول: تبطل الصلاة، لأن هذه السجدة سجدة شكر فتبطل بها الصلاة كما لو سجد للشكر عند تجدد نعمة (٤)، وهذا القول هو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٦). القول الثاني: أن صلاته صحيحة، لأن سبب هذه السجدة من الصلاة، وله تعلق بالقراءة فهي كسائر سجدات التلاوة (٧). وقال بهذا القول بعض الحنابلة (٨)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٩). والأحوط أن لا يسجد المصلي عند قراءتها في أثناء الصلاة خروجا من الخلاف، فإن سجد لم نجرؤ على القول ببطلان صلاته، لفعل عمر ﵁، والله أعلم.

стр. 15878

المسألة الثانية: هل يسجد للشكر إذا بشر بما يسره وهو يصلي: للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه لا يجوز السجود لذلك، لأن سبب السجود، في هذه الحالة

стр. 15879

ليس من الصلاة، وليس له تعلق بها، بخلاف سجود التلاوة (١)، فإن سجد متعمدا بطلت صلاته، كما لو زاد فيها سجودا متعمدا (٢)، أو سجد فيها لسهو صلاة أخرى (٣)، وكما لو صلى فيها صلاة أخرى (٤). وهذا القول هو مذهب الشافعية (٥)، وقال به أكثر الحنابلة (٦). القول الثاني: أنه يستحب سجود الشكر في هذه الحالة، وهذا قول لبعض الحنابلة (٧)، وليس لهم دليل سوى القياس على سجود التلاوة (٨). ويمكن أن يناقش دليلهم بأن ما ذكروه من القياس غير صحيح، لأنه قياس مع الفارق فإن سجود التلاوة سببه من أفعال الصلاة، وهو القراءة، أما سجود الشكر فسببه من خارج الصلاة (٩). والراجح في هذه المسألة، هو القول الأول، لقوة دليله، ولأن القول الثاني قول شاذ، لا يستند إلى دليل من كتاب ولا سنة، وما ذكروه من القياس، فهو قياس غير صحيح كما سبق، والله أعلم.

стр. 15880

المبحث السادس: سجود الشكر على الراحلة بالإيماء اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجوز فعلها على الراحلة، ويومئ على قدر

стр. 15881

استطاعته. القول الثاني: أنه لا يشرع السجود في هذه الحالة (١). واستدل أصحاب هذا القول بأن السجود على الراحلة بالإيماء يبطل ركنه الأظهر، وهو تمكين الجبهة من موضع السجود (٢)، وبأن سجود الشكر يندر وقوعه بخلاف صلاة النافلة (٣). واستدل أصحاب القول الأول بأن سجود الشكر نافلة فتسومح فيه، لمشقة النزول كما سومح سجود الصلاة وسجود السهو وسجود التلاوة في النافلة المقامة على الراحلة، فكما أن هذه السجدات تجوز بالإيماء على الراحلة بلا خلاف، فكذلك سجود الشكر (٤). والأقرب في هذه المسألة هو القول الأول لقوة دليله، ولأن الصحيح أن سجود التلاوة خارج الصلاة يصح على الراحلة بالإيماء، فكذلك سجود الشكر، ولأن الشارع قد جعل الإيماء بدلا عن السجود في كل موضع يشق فيه السجود أو يتعذر، ولا شك أن في نزول المسافر عن راحلته ليسجد مشقة عليه، وقد لا يجد في كثير من الأحيان مكانا مناسبا يسجد فيه، والله أعلم.

стр. 15882

المبحث السابع: قضاء سجود الشكر: اختلف أهل العلم فيمن حصلت له نعمة أو بشر بها، أو اندفعت عنه نقمة فلم يتمكن من سجود الشكر في وقته، أو نسي أن يسجد ثم أراد أن يسجد بعد ذلك قضاء لما فاته من سجود الشكر، اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يجوز له قضاء هذا السجود الذي فاته. القول الثاني: أنه يشرع القضاء إن كان الفصل قصيرا، أما إن طال الفصل فلا، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (١). واستدل أصحاب هذا القول بأن السجود متعلق بسبب عارض، لا يفعل إلا عند وجوده، فلا يجوز فعله إذا طال الفصل بعد وجود سببه، لأنه قد فات وقته، كصلاة الكسوف، ولأن السجود المجرد لا يجوز فعله ابتداء بغير سبب، فلا يشرع قضاؤه. واستدل أصحاب القول الأول بالقياس على صلاة النافلة، فكما أنه يشرع قضاء صلاة النافلة، فكذلك سجود الشكر (٢)، فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره (٣)» وروى قيس بن عمرو ﵁ قال: «رأى رسول الله ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول ﷺ : صلاة الصبح ركعتان؟، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن،

стр. 15883

فسكت رسول الله ﷺ (١)». والأقرب في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أنه يجوز قضاء سجود الشكر إذا لم يتمكن من أدائه في وقته، لقوة دليله، ولأن السجود يشرع عند رؤية مبتلى (٢)، وهو إنما تذكر برؤيته نعمة حدثت له قبل ذلك، فإذا جاز سجود الشكر في هذه الحالة فقضاؤه من باب أولى، والله أعلم. هذا وإذا بشر الإنسان بما يسره أو حصلت له نعمة ولم يسجد، ولم يأت له عذر في ترك السجود عند حصول سببه، فقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يشرع له قضاء هذا السجود بعد ذلك (٣)، وذلك لأنه غير معذور في تأخير السجود، والله أعلم.

стр. 15884

الخاتمة الحمد لله وحده وبعد: فمن خلال هذا البحث المتواضع تبين لي أمور أهمها: أولا: أن سجود الشكر من أعظم ما يشكر به العبد ربه جل وعلا؛ لما فيه من الخضوع لله بوضع أشرف الأعضاء، وهو الوجه على الأرض، ولما فيه من شكر الله بالقلب واللسان والجوارح. ثانيا: أن سجود الشكر من السنن النبوية الثابتة التي هجرها كثير من الناس. ثالثا: أن الخلاف في مشروعية سجود الشكر يعد خلافا ضعيفا، لمخالفته ما ثبت عن النبي ﷺ وعن كثير من أصحابه ﵃ في ذلك. رابعا: أن سجود الشكر يشرع كلما حصلت للمسلمين نعمة عامة، أو اندفعت عنهم نقمة، أو حصلت للمسلم نعمة خاصة، سواء تسبب في حصولها أو لم يتسبب، وكلما اندفعت عنه نقمة، كما أنه يشرع عند رؤية مبتلى في دينه أو ماله أو بدنه. خامسا: أن الصحيح أنه لا يشترط لسجود الشكر ما يشترط للصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها. سادسا: أن القول الراجح في صفة سجود الشكر أنه لا يجب فيه تكبير في أوله أو في آخره، أو تشهد أو سلام، وأنه لا يجب فيه ذكر معين، وإنما يشرع للساجد أن يقول في سجوده ما يناسب المقام من حمد الله وشكره ودعائه واستغفاره ونحو ذلك. سابعا: أن سجود الشكر يشرع للراكب على الراحلة بالإيماء، ويومئ على قدر استطاعته.

стр. 15885

ولذلك فإنني أوصي نفسي أولا، وأوصى كل مسلم بأن يحافظ على هذه العبادة العظيمة التي هجرها كثير من المسلمين، فيسجد شكرا لله كلما حدثت له نعمة أو لعموم المسلمين، بحصول مرغوب أو دفع مرهوب والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 15886

صفحة فارغة

стр. 15887

الإيمان باليوم الآخر أدلته وأثره في حياة الإنسان بقلم: د / أحمد محمد أحمد جلي. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان العقيدة الإسلامية ومن أهم أصولها بعد الإيمان بالله تعالى، وقد وردت الإشارة إليه في كثير من الآيات القرآنية كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (١) وفي العديد من الأحاديث كما في حديث جبريل الذي ورد فيه الإيمان باليوم الآخر من بين أركان الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . . (٢)». وهو عبارة عن الاعتقاد الجازم بانتهاء هذه الحياة الدنيا وما فيها، وبداية حياة جديدة هي الدار الآخرة، وما يتم فيها من بعث ونشر وحشر وحساب وجزاء وفقا للتفاصيل التي بينها القرآن وأخبر بها الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-.

стр. 15888

اهتمام القرآن بالحياة الآخرة: لقد اهتم القرآن اهتماما عظيما بهذا الركن من أركان العقيدة، وفصل القول فيما يحدث في ذلك اليوم، وفي الحياة الآخرة من مشاهد ومواقف. وبين مصائر الناس بعد حسابهم، وأصناف النعيم التي تنتظر الفائزين الناجين، وما يتعرض له الأشقياء من ألوان العذاب وأنواعه، ويظهر هذا الاهتمام فيما يأتي: أولا: ربط القرآن بين الإيمان بالله تعالى وبين الإيمان باليوم الآخر في آيات كثيرة. كما في آية البقرة السالفة الذكر، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦). ثانيا: ورد ذكر اليوم الآخر في القرآن بأسماء مختلفة تصف في كثير من الأحيان ما يقع فيه من أحداث، وما يصيب الناس من أهوال، فهو يوم البعث، ويوم القيامة، ويوم الدين، ويوم الحساب، ويوم

стр. 15889

الفتح، ويوم التلاق، ويوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد، ويسمى ذلك اليوم أيضا بالآزفة، والساعة، والطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، والواقعة، ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من الإشارة إلى هذا اليوم. . إما بوصفه وتصوير ما يقع فيه كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (١) ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (٢) ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (٣) ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (٤) ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٥) ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٦) ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٧) ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٨) ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٩) ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ (١٠) ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (١١) ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (١٢) ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ (١٣) ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ (١٤) ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (١٥) ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ (١٦) ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (١٧) ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ (١٨) ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (١٩) ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (٢٠) ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ (٢١) ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٢٢) ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ (٢٣) ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (٢٤) ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ (٢٥) أو بتقريره كحقيقة لا ينبغي الشك فيها وأنه آت لا ريب فيه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦) ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢٧). ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٨).

стр. 15890

ثالثا: بين القرآن أن عقيدة الإيمان باليوم الآخر من العقائد التي جاءت بها الرسالات الإلهية جميعا، فنوح ﵇ يخاطب قومه كما ورد في القرآن: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١) ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٢) وإبراهيم يدعو ربه قائلا: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٣)، وموسى يخطابه ربه سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (٤) ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (٥)، كما خاطب القرآن في العديد من آياته مشركي العرب مؤكدا لهم حقيقة البعث وما يجري في اليوم الآخر من أحداث. [انظر آية التغابن السالفة الذكر]. رابعا: جادل القرآن في كثير من آياته وحاج الذين أنكروا البعث وإمكانية الحياة الآخرة، واستبعدوا العودة إلى الحياة بعد تحولهم إلى رفات وعظام وتراب، فقالوا كما أخبر عنهم القرآن: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٦) ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (٧) ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٨)

стр. 15891

إمكانية البعث والأدلة عليه: استند منكرو الحياة الآخرة والبعث على أمرين: أولهما، أن هذه الحياة ستظل مستمرة إلى ما لا نهاية، وأن هذا النظام المشاهد في العالم من تعاقب

стр. 15892

الليل والنهار، وتكون الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان، وتولد النبات، وتولد الحيوان، لا ينعدم أبد الدهر. وثانيهما، أن بعث الإنسان وإعادة أجزائه بعد تحللها وفنائها غير ممكن. وقديما قال المشركون كما يقول أتباعهم من الماديين المعاصرين: حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو ويقول آخر في رثاء أهل بدر من المشركين: فماذا بالقليب , قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (١) وحكى عنهم القرآن قولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٢)، وقد جاءت ردود القرآن مؤكدة نهاية العالم وفناءه من ناحية، ومبرهنة على إمكانية البعث والحياة الآخرة من ناحية أخرى، كما تؤكد الحقائق العلمية المعاصرة أيضا هذه الحقائق وتشهد لها.

стр. 15893

نهاية العالم وفناؤه: إن هذا العالم ليس أزليا بل هو حادث، وإنه قابل للفناء، بل إنه سائر إليه لا محالة، وأن العلم الحديث قدم لنا العديد من الأدلة والقوانين العلمية التي تؤكد أن العالم بما فيه من أشياء يسير إلى نهاية محتومة (١). فالعالم ما هو إلا مجموعة أشياء وكائنات، وأن تلك الأشياء والكائنات يجري عليها الفناء باستمرار، فإننا نلاحظ فناء الإنسان والحيوان والنبات وجريان العدم على أفرادها، ونرى الزلازل والبراكين تجتاح أنحاء كثيرة من العالم، وتدمر المدن والقرى، وتغير معالم الأرض في كثير من البلاد. فالعالم في

стр. 15894

مجمله إذن عرضة للفناء، والعلم يكشف لنا أن الكون عبارة عن فضاء لا حدود له تدور فيه نيران هائلة لا حصر لها وهي السيارات والنجوم ومثالها كما يقول- وحيد الدين خان -: كملايين الخذاريف التي تدور على سطح معين بأقصى سرعة، وهذا الدوران يمكن أن يتحول في يوم ما إلى صدام عظيم لا يمكن تصوره. فدراسة علم الفلك تؤكد إمكان اصطدام الأجرام السماوية وتثبت أن الغريب حقا هو عدم توقع هذا الصدام، وهذا الواقع هو بعينه ما نسميه القيامة (١) ومن ناحية أخرى، فإن العلم يكشف أن بطن الأرض يحتوي على مادة شديدة الحرارة نشاهدها عندما ينفجر البركان. وهذه المادة تؤثر على الأرض بشتى الطرق، فمنها ما تصدر عنه أصوات مروعة رهيبة، وما نحس به من الهزات الأرضية التي نسميها الزلازل (٢) وكما يعبر أحد الجغرافيين: " إن هناك جهنم طبيعية تلتهب تحت بحارنا الزرقاء، ومدننا الحضارية المكتظة بالسكان، وبكلمة أخرى نحن واقفون على ظهر لغم "ديناميت " عظيم، ومن الممكن أن ينفجر في أي وقت ليهدم النظام الأرضي بأكمله (٣) وبعد أن يستعرض وحيد الدين خان رأي العلم في واقع الكون وما يحدق به من عوامل التدمير والفناء ينتهي إلى القول بأن " فكر الآخرة التي تقرر أن نظام الكون الموجود حاليا سوف يدمر يوما، لا تعني سوى أن واقع الكون الذي نشاهده في صورة صغيرة أولية، سوف يتجلى يوما في صورة نهائية كبرى. فالقيامة حقيقة معلومة في أعماقنا ونحن اليوم نعرفها في حد "الإمكان "، وسوف نلقاها غدا في صورة واقع (٤). وقد أشار القرآن من قبل إلى هذه الحقيقة فقرر أن للكون نهاية محتومة ينتهي إليها وأن كل ما فيه مصيره الفناء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٥) ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٦)،

стр. 15895

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) وبين أن القيامة تبدأ في صورة حدوث اضطراب في النظام الكوني يؤدي إلى فساده وتحلله، ويتمثل هذا في انفطار السماء، وانشقاق القمر، وطمس النجوم، وجمع الشمس والقمر، وزلزلة الأرض، وتشقق الجبال وتفتتها حتى تصبح هباء منبثا، إلى غير ذلك من الأحداث الرهيبة التي صورها القرآن في صور تبعث بالرهبة في النفوس. وتشعر بالهول والفزع الذي يحل بالناس في ذلك اليوم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٣) ﴿الْقَارِعَةُ﴾ (٤) ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٥) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٦) ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٧) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٨) ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ (٩) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ (١٠) ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (١١) ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (١٢) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (١٣) ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (١٤) ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (١٥) ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (١٦) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (١٧) ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١٨) ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (١٩) ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (٢٠) ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ (٢١) ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٢٢) ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (٢٣) ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٢٤) ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٢٥) ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢٦) ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (٢٧) ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (٢٨) ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ (٢٩) ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (٣٠) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (٣١) ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (٣٢) ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ (٣٣) ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (٣٤) ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٣٥) ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (٣٦) ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (٣٧)
следующие страницы →