إمكانية البعث والأدلة عليه:
استند منكرو الحياة الآخرة والبعث على أمرين: أولهما، أن هذه الحياة ستظل مستمرة إلى ما لا نهاية، وأن هذا النظام المشاهد في العالم من تعاقب
стр. 15892
الليل والنهار، وتكون الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان، وتولد النبات، وتولد الحيوان، لا ينعدم أبد الدهر. وثانيهما، أن بعث الإنسان وإعادة أجزائه بعد تحللها وفنائها غير ممكن. وقديما قال المشركون كما يقول أتباعهم من الماديين المعاصرين:
حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو
ويقول آخر في رثاء أهل بدر من المشركين:
فماذا بالقليب , قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (١)
وحكى عنهم القرآن قولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٢)، وقد جاءت ردود القرآن مؤكدة نهاية العالم وفناءه من ناحية، ومبرهنة على إمكانية البعث والحياة الآخرة من ناحية أخرى، كما تؤكد الحقائق العلمية المعاصرة أيضا هذه الحقائق وتشهد لها.
стр. 15893
نهاية العالم وفناؤه:
إن هذا العالم ليس أزليا بل هو حادث، وإنه قابل للفناء، بل إنه سائر إليه لا محالة، وأن العلم الحديث قدم لنا العديد من الأدلة والقوانين العلمية التي تؤكد أن العالم بما فيه من أشياء يسير إلى نهاية محتومة (١).
فالعالم ما هو إلا مجموعة أشياء وكائنات، وأن تلك الأشياء والكائنات يجري عليها الفناء باستمرار، فإننا نلاحظ فناء الإنسان والحيوان والنبات وجريان العدم على أفرادها، ونرى الزلازل والبراكين تجتاح أنحاء كثيرة من العالم، وتدمر المدن والقرى، وتغير معالم الأرض في كثير من البلاد. فالعالم في
стр. 15894
مجمله إذن عرضة للفناء، والعلم يكشف لنا أن الكون عبارة عن فضاء لا حدود له تدور فيه نيران هائلة لا حصر لها وهي السيارات والنجوم ومثالها كما يقول- وحيد الدين خان -: كملايين الخذاريف التي تدور على سطح معين بأقصى سرعة، وهذا الدوران يمكن أن يتحول في يوم ما إلى صدام عظيم لا يمكن تصوره. فدراسة علم الفلك تؤكد إمكان اصطدام الأجرام السماوية وتثبت أن الغريب حقا هو عدم توقع هذا الصدام، وهذا الواقع هو بعينه ما نسميه القيامة (١) ومن ناحية أخرى، فإن العلم يكشف أن بطن الأرض يحتوي على مادة شديدة الحرارة نشاهدها عندما ينفجر البركان. وهذه المادة تؤثر على الأرض بشتى الطرق، فمنها ما تصدر عنه أصوات مروعة رهيبة، وما نحس به من الهزات الأرضية التي نسميها الزلازل (٢) وكما يعبر أحد الجغرافيين: " إن هناك جهنم طبيعية تلتهب تحت بحارنا الزرقاء، ومدننا الحضارية المكتظة بالسكان، وبكلمة أخرى نحن واقفون على ظهر لغم "ديناميت " عظيم، ومن الممكن أن ينفجر في أي وقت ليهدم النظام الأرضي بأكمله (٣) وبعد أن يستعرض وحيد الدين خان رأي العلم في واقع الكون وما يحدق به من عوامل التدمير والفناء ينتهي إلى القول بأن " فكر الآخرة التي تقرر أن نظام الكون الموجود حاليا سوف يدمر يوما، لا تعني سوى أن واقع الكون الذي نشاهده في صورة صغيرة أولية، سوف يتجلى يوما في صورة نهائية كبرى. فالقيامة حقيقة معلومة في أعماقنا ونحن اليوم نعرفها في حد "الإمكان "، وسوف نلقاها غدا في صورة واقع (٤).
وقد أشار القرآن من قبل إلى هذه الحقيقة فقرر أن للكون نهاية محتومة ينتهي إليها وأن كل ما فيه مصيره الفناء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٥) ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٦)،
стр. 15895
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) وبين أن القيامة تبدأ في صورة حدوث اضطراب في النظام الكوني يؤدي إلى فساده وتحلله، ويتمثل هذا في انفطار السماء، وانشقاق القمر، وطمس النجوم، وجمع الشمس والقمر، وزلزلة الأرض، وتشقق الجبال وتفتتها حتى تصبح هباء منبثا، إلى غير ذلك من الأحداث الرهيبة التي صورها القرآن في صور تبعث بالرهبة في النفوس. وتشعر بالهول والفزع الذي يحل بالناس في ذلك اليوم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٣) ﴿الْقَارِعَةُ﴾ (٤) ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٥) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٦) ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٧) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٨) ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ (٩) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ (١٠) ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (١١) ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (١٢) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (١٣) ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (١٤) ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (١٥) ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (١٦) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (١٧) ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١٨) ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (١٩) ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ (٢٠) ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ (٢١) ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٢٢) ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (٢٣) ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٢٤) ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٢٥) ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢٦) ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (٢٧) ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (٢٨) ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ (٢٩) ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (٣٠) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (٣١) ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (٣٢) ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ (٣٣) ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (٣٤) ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٣٥) ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (٣٦) ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (٣٧)
стр. 15896
البراهين على إمكانية البعث:
قدم القرآن العديد من الأدلة والبراهين على إمكانية البعث، ورد حجج المنكرين للمعاد، وفند شبههم التي تتلخص كما يقول ابن القيم في ثلاثة أشياء أحدها: اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معه تمييز شخص عن شخص. الثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك. الثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه. أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئا بعد شيء هكذا أبدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر. فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحيه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك. فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه. وثانيها: تقرير كمال قدرته، وثالثها: تقرير كمال حكمته. ومن بين ما قدمه القرآن من أدلة على إمكانية البعث ما يلي:
١ - كان من أهم شبهات منكري المعاد والبعث استحالة إيجاد الأشياء والكائنات بعد عدمها وفنائها، وقد رد عليهم القرآن وبرهن لهم أن هذا غير مستحيل، إذ أن من موجبات العقل أن إعادة الشيء الذي كان موجودا ثم فني أسهل من إيجاده ابتداء، فالله -سبحانه وتعالي- الذي أوجد الأشياء من العدم وأبرزها إلى الوجود، بعد أن لم تكن شيئا، لا يستحيل عليه أن يعيدها مرة ومرة بعد فنائها، ويلاحظ أن الذي يبني بيتا ثم يهدمه لا يستحيل عليه إعادة بنائه، كما كان أو أفضل مما كان، والذي يخترع اختراعا معينا أو يركب جهازا ما لا يصعب عليه أن يعيده مرة أخرى إذا ما فرق أجزاءه أو كسره باختياره وإرادته. وقد أشار القرآن إلى هذا الدليل في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (١) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). فاحتج القرآن- كما قال ابن القيم - بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، إذ كل عاقل
стр. 15897
يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذا، وأنه لو كان عاجزا عن الثانية عجز عن الأولى بل كان أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١) فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله ومواده وصورته وكذلك عليم بالخلق الثاني، فإذا كان تام العلم كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحصي العظام وهي رميم (٢) وإلى نفس هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
وقد قال ابن عباس في تفسيره لهذه الآية: أهون عليه بمعنى أيسر عليه، وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هينة، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك- فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد (٤)» ويتفق مع هذه المعاني قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٥).
وهكذا نرى أن حياتنا التي نعيشها اليوم دليل قوي على إمكانية وجود الحياة مرة ثانية وليس هناك في منطق العقل ما يمنع إعادة التجربة التي نمر بها أو ما يشبهها مرة ثانية.
٢ - ومن الأدلة على إمكانية البعث ما أشار إليه القرآن من ظاهرة النوم واليقظة باعتبارهما نموذجا متكررا للموت والحياة، فالنوم أخو الموت إذ أن كلا منهما عبارة عن انسحاب من الحياة أو توقف الأعضاء عن أداء
стр. 15898
وظائفها على درجات متفاوتة بينهما، واليقظة شبيهة بالبعث إذ أن كلا منهما يعني عودة الأعضاء إلى أداء وظائفها مع اختلاف بينهما في الدرجة. فكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان، وعملية الاستيقاظ لهما، تتم عملية الموت والحياة الكاملة لهما ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) وفي آية أخرى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢)، ولذلك أراد النبي ﷺ أن تتحول هذه الحقيقة الاعتقادية إلى أمر واقعي يتذكره المرء كل صباح ومساء حتى لا نغفل يوما واحدا عن مصيرنا، فأمرنا أن نقول عند النوم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا آوى أحدكم إلى فراشه، فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين (٣)»، وعند اليقظة: «الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد علي روحي وأذن لي بذكره (٤)»، وفي حديث آخر عن حذيفة قال «كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك أموت وأحيا، وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور (٥)»
٣ - ومن الأدلة على إمكانية البعث وإحياء الموتى، ظاهرة الإحياء المتكررة للأرض الموات، والتي يراها الإنسان ويشاهدها في مجال الطبيعة الواسعة. فالإنسان يشاهد أمامه أرضا قفرة لا حياة فيها، ثم ينزل عليها الغيث أو
стр. 15899
تسقى بالماء فتدب فيها الحياة وتنبت فيها الزروع وأنواع النبات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، وليس البعث إلا شبيها بهذه العملية المتكررة والتي يشاهدها الإنسان دوما ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٢) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٤).
فجعل الله كما يقول ابن القيم - إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة مطالب: أحدها، وجود الصانع وأنه الحق المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله. الثاني، أنه يحصي الموتى. الثالث، عموم قدرته على كل شيء. الرابع، إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها. الخامس، أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض (٥)، «وقد سئل رسول الله ﷺ كيف يحصي الله الموتى؟ ما آية ذلك في خلقه؟ فقال للسائل: أما مررت بوادي أهلك محلا؟ قال بلى. قال أما مررت به يهتز خضرا؟ قال قلت؟ بلى. قال: ثم مررت به محلا؟ قالت بلى، قال: فكذلك يحصي الله الموتى، وذلك آيته قي خلقه (٦)»
٤ - نبه القرآن الكريم إلى عظيم قدرة الله تعالى التي أبدع بها السماوات وخلق بها الأرض وما فيها، ولا خلاف في أن
стр. 15900
خلق الإنسان أقل شأنا من خلق السماوات والأرض، ومن ثم فإن الله القادر على خلق السماوات والأرض لا يعجزه خلق الإنسان- الذي هو جزء من هذا الكون- وإعادته: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣) فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتها، وعظم شأنها، وكبر أجسامها وسعتها، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يخلق عظاما كانت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).
٥ - ومن الأدلة على إمكانية البعث ما أشار إليه القرآن من قدرة الله تعالى على إخراج الأشياء من أضدادها. فإذا كانت الحياة ضد الموت، والبعث ضد الفناء، فإن الله الذي يخرج الضد ممن ضده قادر على إحداثه، كما ورد في قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦)، فالله هو الذي يخرج الإنسان الحي من النطفة، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك الأنعام والبهائم، فالنطفة ميتة ثم ينشئ الله منها إنسانا حيا، ومن الإنسان الحي تخرج النطفة الميتة" (٧) ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٨)
стр. 15901
" إذ الله هو الذي يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي " (١).
ومما يدل أيضا على قدرة الله تعالى على إخراج الأشياء من أضدادها قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٢)، أي أن الذي جعل لكم بقدرته من الشجر الأخضر نارا تحرق الشجر لا يمتنع عليه فعل ما أراد ولا يعجزه إحياء العظام البالية وإعادتها خلقا جديدا، وقد أخبر سبحانه- كما يقول ابن القيم- بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده هو الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم " (٣).
٦ - ومن الأدلة أيضا ما أشار إليه القرآن ولفت إليه نظر الإنسان من أن يتدبر في المراحل التي مر ويمر بها خلقه وتكونه وانتقاله من مرحلة التراب إلى أن يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصبح طفلا وكهلا ثم يتوفى. فهذه المراحل في كل واحد من البشر، يلاحظها الإنسان ويشاهدها ولا سبيل إلى إنكارها، ويرتبط بها في النص القرآني مرحلة البعث وما يعقبه من تقييم للأعمال وجزاءه عليها. فالإنسان لا ينبغي أن ينكر البعث، وهو الحلقة الأخيرة من مراحل مسار الإنسان لا لشيء إلا لأنه لم يشاهده، فالله الذي خلق الإنسان ابتداء وجعله ينتقل في تلك المراحل لا يعجزه أن يعيده كما بدأه ويبعثه مرة أخرى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٤) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٦).
стр. 15902
ويعلق ابن القيم على هذه الآية بقوله: " يقول سبحانه إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت، والبعث الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها " (١).
ويقول سيد قطب: "إن هذه الأطوار التي يمر بها الجنين ثم يمر بها الطفل بعد أن يرى النور، لتشير إلى أن الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع بالإنسان إلى حيث يبلغ كماله الممكن في دار الكمال، إذ أن الإنسان لا يبلغ كماله في حياة الأرض فهو يقف ثم يتراجع: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٢) فلا بد من دار أخرى يتم فيها تمام الإنسان.
فدلالة هذه الأطوار على البعث دلالة مزدوجة. فهي تدل على البعث من ناحية أن القادر على الإنشاء قادر على الإعادة، وهي تدل على البعث لأن الإرادة المدبرة تكمل تطوير الإنسان في الدار الآخرة، وهكذا تلتقي نواميس الخلق والإعادة، ونواميس الحياة والبعث، ونواميس الحساب والجزاء، وتشهد كلها بوجود الخالق المدبر القادر الذي ليس في وجوده جدال " (٣).
٧ - بين القرآن أنه لو لم تكن هناك حياة أخرى لكانت الحياة الدنيا عبثا، ولو
стр. 15903
لم يكن هناك يوم آخر يبعث في الناس ويحاسبون على أعمالهم التي قاموا بها في الحياة الدنيا، لكان الخلق كله باطلا، وهذا أمر لا يتفق مع حكمة الله تعالى وعدله، فالله تعالى خلق الإنسان لغايات معينة وجعله كائنا مكلفا مسئولا، وربط هذا التكليف والمسئولية بالحساب والجزاء، ومن ثم نفى القرآن عدم الغاية والقصد من الخلق ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ (٢). ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٣). ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٥)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٧)، والحياة فيها الخير والشر، ومن الناس المحسن والمسيء، الكافر والمؤمن، الصالح والطالح، وقد تكون الغلبة في هذه الحياة للأشرار وقد يفلت الظالمون والمجرمون من عاقبة ما ارتكبوا من آثام وجرائم.
وعدل الله لا يسوي بين من أحسن وأساء: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٨). وحكمته تعالى تقتضي أن تكون هناك حياة أخرى غير هذه الحياة، يقام فيها ميزان العدل الإلهي، وينال كل عامل جزاء عمله خيرا كان أم شرا، وهذا ما أكده القرآن وأشارت إليه آياته: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٩). ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١٠).
стр. 15904
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (١) ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٢). ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٥).
٨ - وقد رد القرآن على حجج الملحدين الذين أنكروا البعث بحجة أن أجزاءهم قد تفرقت، واختلط بعضها ببعض، ومن ثم لا يمكن جمعها بعد تفرق، ووصلها بعد تمزق، وقد رد عليهم القرآن وبين أن الله يعلم ما يتحلل من جسم الإنسان بعد موته وأنه ما من جزء من أجزائه إلا وهو معلوم لديه، ومحفوظ عنده سبحانه، وإن اختلط بالأرض، وامتزج بالتربة، وهذا ما يفهم من قول الله : ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٦) ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٧) ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (٨). فمهما أصاب الجسم إذن من تبديل وتغيير ومهما تمزقت أجزاء الجسم وتحللت، فإن الله قادر على جمعها وإعادتها إلى حالتها السابقة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ (٩) ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (١٠). وهكذا يرد القرآن على المشركين الذين تصوروا صعوبة جمع العظام الذاهبة في التراب، المتفرقة في الثرى، بتأكيده أنه ليس فقط قادرا على جمع العظام- بل إنه قادر على تسوية البنان وتركيبه في موضعه كما كان، وهي كناية- كما يقول سيد قطب- عن إعادة
стр. 15905
التكوين الإنساني بأدق ما فيه، وإكماله بحيث لا تضيع منه بنان، ولا تختل عن مكانها بل تسوى تسوية، لا ينقص منها عضو، ولا شكل هذا العضو مهما صغر ودق " (١).
وقد تشكك بعض الملحدين، واستبعد آخرون أن تحصى على الإنسان أقواله وأعماله، وأن يحاسب من ثم على كل ما قدمت يداه من قول أو عمل، ولكن جاء القرآن داحضا هذا الشك ومبينا أن الله يعلم ما يحيك في صدر الإنسان وتوسوس به نفسه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٢). وأن كل ما يلفظ به الإنسان من كلام أيا كان نوعه، يحفظ في سجل كامل ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣). وقد أثبت العلم الحديث إمكانية استرجاع ما يصدر عن الإنسان من الأصوات، ذلك أن كلام الإنسان يتحول إلى موجات هوائية، وأن هذه الموجات تبقى كما هي في الأثير إلى الأبد بعد حدوثها للمرة الأولى. ومن الممكن سماعه مرة أخرى، ولكن علم البشر الآن قاصر عن إعادة هذه الأصوات أو حفظ تلك الموجات مرة أخرى، ولكن من ناحية علمية نظرية من الممكن التقاط هذه الأصوات مرة أخرى، وسماع الأصوات القديمة إذا ما نجح الإنسان في اختراع آلة تقوم بذلك. وهذا يؤكد إمكانية ما أخبر عنه الوحي من أن كل ما ينطق به الإنسان مسجل وسيحاسب عليه يوم القيامة" (٤).
ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الأعمال. فإن العلم الحديث يؤكد بأن جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان فردا أم جماعة في الضوء أم في الظلام - موجودة في الفضاء في حالة صور، ومن الممكن في أية لحظة تجميع هذه الصور، حتى يعرف كل ما جاء به الإنسان من أعمال طيلة حياته سواء كانت
стр. 15906
تلك الأعمال خيرة أم شريرة، حسنة أم قبيحة، فكل ما يحدث تصدر عنه حرارة بصفة دائمة وهذه الحرارة تعكس الأشكال وأبعادها تماما، وقد تم اختراع آلات دقيقة لتصوير الموجات الحرارية التي تخرج عن أي كائن، وبالتالي تعطي هذه الآلة صورا فوتغرافية كاملة للكائن غير أن الآلات التي تم اختراعها إلى الآن لا تستطيع تصوير الموجات الحرارية إلا خلال ساعات قليلة من وقوع الحادث، أما الموجات القديمة فلا تستطيع هذه الآية تصويرها لضعفها" (١) وإذا ما تذكرنا قدرة الله الشاملة التي لا تقاربها قدرة الإنسان مهما ملك من الإمكانات والوسائل، وعلم الله الشامل الذي لا يماثله علم البشر مهما اكتشف وتعلم، تأكد لنا ما أخبر به القرآن من أن كل إنسان سيعرض عليه كل ما قام به من أعمال صغيرة كانت تلك الأعمال أم كبيرة، أقوالا كانت أم أفعالا أم خطرات النفس: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٢) ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (٣) ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٤).
٩ - وبالإضافة إلى هذه الأدلة العقلية والبراهين الاعتبارية التي قدمها القرآن لإثبات البعث وإمكان تحققه، فإن القرآن قدم نماذج وأشار إلى أحداث تم فيها إحياء بعض الموتى من الإنس أو الحيوان، وهذه طريقة لا شك أعظم لمن يؤمن بالقرآن من طريقة البرهان السالفة الذكر، لأنه لا شيء أدل- كما يقول ابن تيمية - على إمكانية الشيء من وجوده وتحققه، وقد أشار القرآن إلى بني إسرائيل الذين سألوا الله الرؤية وجعلوها شرطا لإيمانهم فأهلكهم الله بالصاعقة ثم بعثهم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦).
стр. 15907
وإلى قصة القوم الذين فروا من الطاعون ونزلوا واديا حماية لأنفسهم من الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم وكان في إحيائهم- كما يقول ابن كثير - دليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني في يوم القيامة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (١) وقصة القتيل الذي تخاصم فيه قومه فأمر الله أن يضربوه ببعض أجزاء البقرة وبين لهم كيف يمكن عودة الميت إلى الحياة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٢) ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وأورد القرآن قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خربة، فاستبعد عودة أهلها إلى الحياة مرة أخرى، فأراه الله عجيب قدرته في الإعادة والإحياء، فأماته مائة عام ثم بعثه، وأراه كيف أن طعامه طيلة هذه المدة لم يفسد، بينما حماره أصبح عظاما بالية وأوقفه الله على كيفية دبيب الحياة في العظام البالية وعودة حماره إلى الحياة مرة ثانية: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤)
стр. 15908
ويورد القرآن أيضا قصة إبراهيم ﵇ وكيف أمره الله بتفريق أجزاء الطير، ثم أراه كيف يعيدها مرة أخرى للحياة ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ويورد القرآن قصة أصحاب الكهف وكيف أماتهم الله ثلاثمائة وتسعة أعوام ثم بعثهم. وكانوا نموذجا حيا لإمكانية البعث والمعاد ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (٢)، فهذه النماذج جميعها وغيرها مما ورد في القرآن تدل أوضح الدلالة وأبينها على إمكانية البعث وتحققه ولا يماري فيها إلا معاند متكبر.
стр. 15909
أثر عقيدة الإيمان بالآخرة في حياة الإنسان
إن للإيمان باليوم الآخر أثرا عظيما في حياة الناس أفرادا وجماعات، إذ تختلف حياة من يؤمن باليوم الآخر عن ذلك الذي لا يؤمن بأن هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة، كما تختلف حالة المجتمعات التي يسود بين أفرادها الإيمان بالآخرة عن تلك المجتمعات التي يؤمن أفرادها بأن الدنيا هي نهاية المطاف، ويظهر هذا الأثر في حياة الإنسان الفكرية والنفسية والخلقية، فالذي يؤمن بالحياة الأخرى يجد من خلال هذه العقيدة تفسيرا لكثير من ظواهر الحياة الإنسانية وما ينبغي أن يسود حياة الإنسان من قيم وفضائل وأخلاق وتضحيات، إذ أن الذي يعتقد بأن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف ستكون غايته الأولى وهمه الأكبر الحصول على أكبر قدر من متعها ولذائذها المادية،
стр. 15910
وسيصير همه في هذا المجال، الصراع من أجله. ومن ثم لن يعرف معنى للقيم الإنسانية، كمعاني الإخاء والمساواة والفضائل الإنسانية؛ من تعاون على الخير إذا ما تصادمت مع متعه الدنيوية، بينما الذي يؤمن بأن الدنيا هي عبارة عن دار ابتلاء وامتحان، وأن متاعها زائل موقوت وأن كل متاع يفوته فيها امتثالا لأمر الله وطاعته، سيعوض عنه في الآخرة متاعا أعلى وأحق وأبقى، وأن كل مجانبة لأمر الله من أجل متاع الدنيا يجازى عليه في الآخرة عذابا ليس في طاقة البشر احتماله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). إن من يدرك هذا ستهون عنده قيمة الحياة الدنيا قياسا إلى الآخرة، وسيبذل جهده في سبيل إبراز أعلى القيم الإنسانية من خلال عمله.
وللإيمان بالحياة الآخرة أثر أيضا في سلوك الإنسان وتصرفاته- فمن يؤمن بأن هناك حياة أخرى، تجده يعيش مطمئنا راضيا يتمتع بالسكينة والقناعة وأمثالها من المشاعر التي هي أساس الحياة الإنسانية، لأن مثل هذا الشخص مطمئن غاية الاطمئنان إلى عدالة الله المطلقة ورحمته وكرمه ومتيقن تماما بأن الدنيا وما فيها موقوت وأنها الطريق إلى وجود حقيقي وخالد. ومن ثم فيتحمل مثل هذا الشخص الابتلاء، ويتحلى بالصبر على المصائب عن رضى، فيصبر على الضراء، كما يعتبر النعم نوعا من الابتلاء يستحق موقف الشكر، ويستخدم ما يناله من نعم فيما يعود عليه وعلى غيره بالخير والنفع، ومن ثم يكون سعيدا في حال السراء والضراء، كما عبر حديث الرسول ﷺ «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان ذلك خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان له خيرا، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن (٢)» أما الشخص الذي لا يؤمن بحياة أخرى فإنه يسابق السنوات القليلة المحدودة التي يعيشها في الدنيا، ويسيطر عليه شعور الضيق والقلق والاضطراب كلما تقدم به العمر وقصرت به طموحاته وآماله، وغالبا ما يكون
стр. 15911
أمثال هؤلاء عرضة للأمراض النفسية والعصبية، والإصابة بأنواع الاكتئاب النفسي والقلق والانتحار، لأنه حصر الوجود كله في هذه الحياة الدنيا فإن فشل فيه أو عجز عن القيام بما يسعى له فقد قيمة الحياة والوجود بأسره. . بينما المؤمن تتسع الحياة عنده لتشمل الآخرة، ويكون له منها غاية وهدف يسعى لتحقيقه ويسعد بذلك كما عبر ربعي بن عامر التميمي: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها- ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) (١).
أما الأثر الأخلاقي للإيمان باليوم الآخر، فيتمثل في الشعور الدائم برقابة الله تعالى، فالذي يؤمن بالله يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وإنه محص عليه كل أعماله صغيرة كانت أم كبيرة ومحاسبه على ما يقدم، لن يجرؤ على الإقدام على غير ما يرضي الله من أقوال أو أفعال، وسيكون في حذر دائم ويقظة لا تغفل عن المحاسبة. وقد اتخذ القرآن من التذكير بهذه الحقائق وسيلة إلى الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية والتمسك بها: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣)، مؤكدا أن هذه الحياة الدنيا متاع زائف، ولحظات عابرة، ومن ثم لا ينبغي الأخذ منها إلا بالقدر المأذون فيه، وما فات منها لا ينبغي الحسرة عليه، وما أصاب الإنسان لا ينبغي السرور به - فضلا عن عدم التكالب عليها وإضاعة العمر في سبيل الصراع حولها. وبدلا من هذا ينبغي السعي إلى النعيم المقيم، واللذة التي لا تنفد، والمتاع الذي لا يزول، ولا يحول في دار غير هذه الدار وحياة غير هذه الحياة" ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٥) ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٦).
المراجع
١ - الإسلام يتحدى " وحيد الدين خان " ترجمة ظفر الإسلام خان، مراجعة وتقديم، عبد الصبور شاهين، القاهرة المكتب الإسلامي، ط. سابعة (١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م).
٢ - إعلام الموقعين عن رب العالمين (ابن قيم الجوزية). راجعه وقدم له وعلق عليه، طه عبد الرءوف سعد، بيروت دار الجبل ١٩٧٣م.
٣ - الله ﷻ " سعيد حوى " بيروت دار الدعوة، ط. ثالثة ١٣٩٢ هـ / ١٩٧٢م.
٤ - الله يتجلى في عصر العلم (نخبة من العلماء الأمريكيين) تحرير جون كلوفر موتسما ترجمة الدمرداش عبد المجيد سرحان. القاهرة مؤسسة الحلبي. ط. ثالثة، ١٩٦٨ م.
٥ - تفسير القرآن العظيم (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير) بيروت دار المعرفة ١٣٨٨ هـ / ١٩٦٩ م.
٦ - حياة الصحابة " الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي " حققه الشيخ ثابت العباس، " ومحمد علي دولة " دمشق. دار العلم للطباعة والنشر والتوزيع. ط. ثانية ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م.
стр. 15914
٧ - سنن الترمذي (أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة) تحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض، مصر مكتبة مصطفى البابي الحلبي. ط. أولى ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥م.
٨ - صحيح البخاري (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري) استانبول المكتبة الإسلامية ١٩٧٩ م.
٩ - صحيح مسلم (مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري)، بيروت دار المعرفة، دون تاريخ.
١٠ - صحيح مسلم بشرح النووي، بيروت دار الفكر، دون تاريخ.
١١ - كتاب الفوائد (ابن قيم الجوزية) بيروت دار مكتبة الحياة، دون تاريخ.
١٢ - في ظلال القرآن (سيد قطب) بيروت، القاهرة / دار الشروق، ط. تاسعة ١٤٠٠ هـ / ١٩٨٥ م.
١٣ - مختصر تفسير الطبري، اختصار وتحقيق، محمد علي الصابوني، وصالح أحمد رضا، بيروت دار القرآن الكريم، ط. أولى ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م.
١٤ - مختصر الصواعق المرسلة (ابن قيم الجوزية). الرياض توزيع إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، دون تاريخ.
١٥ - المسند (الإمام أحمد بن محمد بن حنبل)، بيروت. نشر المكتب الإسلامي. دون تاريخ.
١٦ - الملل والنحل (أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني) تحقيق محمد سعيد كيلاني، بيروت دار المعرفة، دون تاريخ.
стр. 15915
إيضاح البيان
عن
معنى أم القرآن
سليمان بن عبد القوي، الطوفي، الحنبلي
ت. سنة ٧١٦ هـ
تحقيق
د. علي حسين البواب (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وبعد:
مقدمة فهذا كتاب من الكتب التي عنيت بالقرآن الكريم، ودارت حول سورة الفاتحة، واستنباط بعض الأحكام والفوائد منها، وهو واحد مما ألف علماء العربية حول القرآن العظيم.
و مؤلف الكتاب هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري نجم الدين.
ولد في طوفى - من أعمال صرصر - بعد سنة سبعين وستمائة، وتلقى فيها العلوم والمعارف، وتردد على صرصر - وهي على بعد فرسخين من بغداد، فتلقى العلم على شيوخها، ثم ارتحل إلى بغداد سنة إحدى وتسعين وستمائة،
стр. 15916
آخذا ومفيدا من علماء العصر فيها، فحفظ " المحرر" في الفقه الحنبلي لمجد الدين بن تيمية، وتعلم العربية والفرائض والمنطق، وسافر إلى دمشق سنة أربع وسبعمائة، فالتقى بشيوخها ومنهم الإمام تقي الدين بن تيمية، وانتقل إلى مصر سنة خمس وسبعمائة، فأقام بها مدة، تلقى على علمائها، وفيها نال مكانة، وذاع صيته بين أئمة الحنابلة، وهناك ألف عددا من الكتب، وحدثت له فتنة، وسجن، فغادر القاهرة إلى دمياط، ثم إلى قوص - في الصعيد- حيث أقام فترة، ثم غادرها إلى مكة المكرمة حاجا عام أربعة عشر وسبعمائة، وزار المدينة المنورة، ثم حج ثانية في العام التالي، وارتحل بعدها إلى بيت المقدس، فمدينة الخليل ﵇ وفيها وافته المنية سنة ست عشرة وسبعمائة.
أخذ الطوفي في رحلاته عن عدد كبير من علماء الأمصار من الفقهاء والأصوليين والمحدثين واللغويين والنحويين وغيرهم. وممن تلمذ لهم: علي بن محمد الصرصري، وعبد الله بن محمد الزريراتي، ومحمد بن الحسين الموصلي، وإسماعيل بن علي بن الطبال، وأبو بكر أحمد بن علي القلانسي، وتقي الدين بن تيمية، ومحمد بن أبي الفتح البعلي، ويوسف بن عبد الرحمن المزي، وعبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وأبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، وغيرهم.
وتولى الطوفي التدريس ونال مكانة في عصره، ووصفه العلماء بالفضل، والمشاركة في العلوم، وسعة المعرفة، وشدة الذكاء، وقوة الحافظة، وكثرة العبادة، والتقلل من الدنيا.
وألف الطوفي عددا من الكتب في علوم مختلفة، منها: الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية- الإكسير في قواعد التفسير- الانتصارات الإسلامية- البلبل في أصول الفقه- تفسير بعض سور القرآن الكريم- جدل
стр. 15917
القرآن- حلال العقد في أحكام المعتقد- درء القول القبيح- شرح الأربعين النووية- الشعار المختار على مختار الأشعار- الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية- مختصر روضة الناظر- موائد الحيس على فوائد امرئ القيس - وغيرها.
رمي الطوفي بالتشيع، بل بالرفض، ونقل ذلك بعض من ترجم له، وكان أكثر من تعرض له وحمل عليه ابن رجب في " الذيل "، فقد جرحه، وكال له التهم، وذكر بعض الأدلة على ذلك.
واجتهد المحدثون ممن درسوا مؤلفات الطوفي أو كتبوا عنه في رد هذه الشبهة، وتحدثوا عن سببها، وأن الطوفي تكلم عند شيخه سعد الدين الحارثي في القاهرة بكلام عده الشيخ تطاولا، فأوكل شمس الدين ابن الشيخ أمر الطوفي إلى الشرط، واتهموه بالتشيع، فحبس وعزر، وطيف به في شوارع القاهرة.
وقد قدم الدكتور مصطفى زيد، والدكتور إبراهيم بن عبد الله، أدلة كثيرة واضحة تدل على أنه براء من هذه التهمة، وأنه حنبلي النشأة والثقافة، وأنه لم يعرف عنه منذ كان في بلده إلى أن دخل بغداد ودمشق والقاهرة شيء غير ذلك، وأن أقواله ونصوصه في مؤلفاته تبين بوضوح أنه لا علاقة له بالتشيع والرفض، بل إن فقهه الحنبلي، وعنايته بكتب المحدثين من أهل السنة تدل على عكس ذلك، وفي مؤلفاته مناقشات واعتراضات وردود على الشيعة، واعتراض على أصولهم، وأن ما نسب إليه ليس إلا دسيسة ومكيدة، وقد حيكت لعدد من العلماء قبله، بل لم ينج منها شيخه ابن تيمية
стр. 15918
إيضاح البيان عن معنى أم القرآن:
وهذا الكتاب الذي نقدم له- جعله المؤلف في فصول: تحدث في الأول عن معنى " أم "، وعن معنى " القرآن ". وفي الثاني قسم الكلام إلى مجمل ومبين،
стр. 15919
وذكر أن لكل منهما مراتب. وتحدث عن سبب الإجمال، وسبب البيان، وعن بعض مراتب الإجمال والبيان في القرآن الكريم. وفي الفصل الثالث بين أن القرآن يشتمل على مقاصد الإيمان من التصديق بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، وأن هذه المقاصد جميعها في الفاتحة- وأخذ يبين ذلك.
وذكر المؤلف أن ما في القرآن من القصص والأخبار تكميل للمقاصد المذكورة، وأن سورة الفاتحة تتضمن ذلك، كما أن في هذه السورة وعدا ووعيدا، ثم أشار إلى أن القرآن لا يخرج عن أن يكون ثناء على الله تعالى، أو عبادة له سبحانه، والفاتحة أولها ثناء وآخرها عبادة. ثم ذكر أسماء الفاتحة.
وبعد هذا أورد المؤلف بعض الفوائد، فذكر فضائل بعض السور وأسرار ذلك، وأسباب اختصاصها بما ورد فيها، وتخلله تفسير موجز لسورتي الفلق والناس.
أما نسبة الكتاب للطوفي فواضحة جلية، رغم أنني لم أقف على من نسب الكتاب له من القدماء، فقد ذكره إسماعيل باشا البغدادي وهو يعدد مؤلفات الطوفي (١)، والكتاب في مجموع يحتوي على عدد من مؤلفاته، كتب في أول وآخر كثير منها اسم المؤلف، والأوضح من ذلك أن المؤلف أحالت فيه على كتابه "الرياض النواضر في الأشباه والنظائر" وهذا الأخير مما ذكره له المترجمون، كما أنه أحال على "الإيضاح " في كتابه " قاعدة جليلة في علم الكتاب والسنة" (٢)
стр. 15920
مخطوطة الكتاب:
يعرف لإيضاح البيان نسخة مخطوطة واحدة، وردت في فهرس مخطوطات برلين، وذكرها- بروكلمان (١)، ولم يشر إلى غيرها، ولم يهتد الدارسون والمعنيون
стр. 15921
بالطوفي إلى غيرها. والكتاب في مجموع يحوي عدة رسائل للمؤلف، وكتاب "الإيضاح " تحت الرقم ٩٤٠، ويبدأ من ق ٤٩ أوينتهي في الورقة ٥٧ ب. وفي كل صفحة تسعة عشر سطرا.
وقد جعل "الورد" مفهرس مخطوطات المكتبة نهاية الكتاب في الورقة ٦٢، مدخلا معها تفسير المؤلف لسورتي " الطارق " و " الانشقاق "، وقد رجحت ألا تكونا منه، وأن تجعلا مستقلتين، وأنه لا علاقة بينهما وبين الفوائد التي أثبتها إيضاح البيان، ويرجح ذلك احتواء المجموع نفسه على تفسير سور " ق " و "القيامة" و "النبأ" للمؤلف نفسه، فهذا قوى في نفسه أن تكون سورتا " الانشقاق " و " الطارق " مثلها، وأن تنشر مستقلة (١).
ورسالة إيضاح البيان- كسائر الكتب في المجموع- كتبت بخط نسخي واضح، في القرن التاسع الهجري تقديرا، وقد نسخت عن نسخة المؤلف التي كتبها بنفسه في القاهرة سنة ٧١١ هـ- في سجنه، وناسخ المخطوطة- كما ذكر في آخر سورة " ق " و "حلال العقد" هو محمد بن عبد الوهاب بن محمد الأنصاري الحنبلي. وقد قابل الناسخ النسخة على الأصل، وأثبت بعض التصويبات.
وعن هذه النسخة حققت الكتاب، ووضحت ما يحتاج إلى توضيح، وخرجت ما يجب تخريجه، وعلقت عليه بعض التعليقات دون إطالة.
ونسأل الله تعالى أن ينفع بالكتاب، وأن يثيبنا عليه، وأن يعفو عن تقصيرنا.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 15922
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله بجميع محامده كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، على نعمه كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، على خلقه كلهم، ما علمنا منهم وما لم نعلم، ولقد كان فضل الله علينا عظيما.
هذه رسالة نترجمها بـ " إيضاح البيان عن معنى أم القرآن "، ونتبعه (١) فوائد أخر.
والكلام على ذلك في فصول:
стр. 15923
أحدها: بيان حقيقة لفظ "الأم " و" القرآن ":
أما الأم فيقال: هي أصل الشيء، فمنه أم الإنسان، لأنها أصله الذي خرج منه، ومكة أم القرى لأنها أصل القرى، لما ذكر من أنها دحيت من تحتها (١)، فيقال إن الأرض كانت رابية حيث هي مكة، ثم بسطت من هناك قال الله : ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٢). ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ (٣). ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ (٤). وأشباه ذلك. ويقال للأرض أم البشر، لأنها أصله، منها خلق، ومنه قوله : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٥)، ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ (٦). وفي شعر أمية:
والأرض منشأنا , وكانت أمنا ... منها حقيقتنا , وفيها نولد (٧)
وكذا قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (٨) أي يلازم الهاوية ملازمة الطفل أمه التي هي أصله. وقيل: هذا من قولهم: هوت أمه، دعاء عليه (٩)، ولعل أصله أن يتنكس على أم رأسه.
стр. 15924
ويقول النحاة "إن " الشرطية هي أم الباب، و "إلا" أم الباب في الاستثناء، يعني أصله الذي هو أكثر دورانا. وكذلك: روميه أم الروم: أي أصل بلادها التي ترجع إليها ويعتمد عليها ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ (١)، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢) يعني أصله الذي نقل منه، وهو اللوح المحفوظ (٣).
فأم الكتاب يستعمل بمعنيين: أحدهما هذا- لما ذكر. والثاني: الفاتحة لما نذكر إن شاء الله من أنها متضمنة لكليات القرآن إجمالا.
وأما القرآن فالمراد به الكلام الإلهي الجامع النازل على محمد ﷺ ، مشتق من القرء: وهو الجمع، لجمعه ما ذكرنا. ومادة "قرأ" إلى هذا ترجع
стр. 15925
الفصل الثاني:
اعلم أن الكلام من حيث هو على ضربين: مجمل، ومبين مفضل، والضربان متفاوتان في المراتب، فبعض المجمل أشد إجمالا من بعض، وبعض المبين أشد بيانا من بعض، حتى ينتهي المجمل إلى غاية الإجمال، والمبين إلى غاية البيان، وسبب الإجمال تارة قصور المتكلم عن البيان، وتارة قوة إدراك السامع بحيث يفهم بأدنى إشارة، فيتكل المتكلم على ذلك، فيقتصر على الإجمال. وتارة الأمران: قصور المتكلم وقوة السامع، فلا يبالي المتكلم- كان قاصرا عن البيان أو قادرا عليه، وتارة يعلق المصلحة بالإجمال من إخفاء سر أو امتحان سامع بإدراك معنى خفي، وغير ذلك من الأسباب.
وسبب البيان تارة فصاحة المتكلم وبلاغته، وتارة ضعف فهم السامع، فيحرص المتكلم على إفهامه، وتارة الأمران جميعا، وتارة اهتمام المتكلم بمعنى
стр. 15926
الكلام، فيحرص على إظهاره في بعض مراتب البيان وغير ذلك من الأسباب.
ومن أمثلة تفاوت مراتب البيان قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١) الآيات، فإنه أمرهم أولا بذبح بقرة وهي مسمى مطلق في غاية الإجمال، ثم بين لهم أنها ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢) ثم بين لهم أنها ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (٣) ثم بين لهم أنها ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ (٤) فكان ذلك غاية البيان لهم، فحينئذ قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥).
ومن أمثلة ذلك أن الله بين مواقيت الصلاة في كتابه بقوله : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٦) الآية ثم بقوله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٧) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (٨) ثم بقوله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٩) ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١٠) وبقوله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١١) الآيات.
وهي متفاوتة في البيان على ترتيبها الذي ذكرناه. ثم جاءت السنة في رتبة ثانية من البيان، كحديث ابن عباس وجابر وبريدة وغير هذا. ثم جاء كلام الفقهاء في رتبة ثالثة من البيان، فهي في غايته. ثم إن كتب الفقهاء
стр. 15927
متفاوتة في البيان، فبعضها أبين في ذلك من بعض، ولكن جملتها بلغت غاية البيان.
ومن أمثلة ذلك قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (١) فهذا إشارة إلى قصتهم إجمالا، ثم استقصى بيانها في باقي السورة.
وكذلك قوله : ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُُونَ﴾ (٢) فهو إشارة إلى قصتهما إجمالا، ثم استقصى بيانها في سياق السيرة.
وكذلك قصص جماعة من الأمم مع أنبيائها، أجملها في مكان كسورة " الذاريات "، وبينها في مكان كسورة " الأعراف" و " الشعراء " و " هود" وبعضها أبين من بعض بيانا مطلقا، أو من وجه، ولهذا يستفاد من ذلك في بعض السور ما لا يستفاد من بعض، ثم استقصى القصاص بيان ذلك، مثل وهب والكسائي، والثعلبي، وأجودها كتاب وثيمة بن موسى بن
стр. 15928
الفرات، وأبلغ من ذلك بيانا معاينة قصصهم لمن عاينها عند وقوعها. وإذا نظرت في كتابنا المسمى بـ "الرياض النواضر في الأشباه والنظائر" (١) لاحت لك بارقة كبيرة من البيان ومراتبه إن شاء الله .
стр. 15929
الفصل الثالث:
إذا عرفت ما قدمناه من مراتب فاعلم أن القرآن في مراتب بيانه على ذلك: فالفاتحة التي هي أم القرآن مشتملة على مقاصده الكلية من حيث الإجمال، ثم باقي القرآن يبين ذلك في رتبة ثانية من البيان، ثم السنة بينته في رتبة ثالثة من البيان، لأنها بيان القرآن، لقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) ثم العيان في الدنيا والآخرة بينه في رتبة رابعة، وهي غاية البيان، إذ لا أبين من العيان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ (٢)، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣)، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤)، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٥)، ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (٦) الآيات ونحوها.
ولنشرح ذلك على وجه يظهر، وذلك من وجوه:
أحدها: أن القرآن مشتمل على مقاصد الإيمان، وهي التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كما ثبت ذلك في حديث جبريل في الحديث الصحيح، وهذا هو مقصود القرآن بالذات، ولذلك سمى إيمانا في قوله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٧) يعني بالقرآن فيما قاله بعضهم. وهذه المقاصد كلها مشار إليها في الفاتحة:
стр. 15930
أما الإيمان بالله ففي قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فإن إيجاب الحمد لله يقتضي أنه موجود مستحق له.
وأما الإيمان بالملائكة فهو في ضمن قوله : ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) إذ العالمون من سوى الله ، ومنهم الملائكة، وأيضا في ضمن قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) ومن جملة المنعم عليهم ذوي الصراط المستقيم الملائكة، لقوله في صفتهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤) وهذا هو مقصود الصراط المستقيم.
وأما الإيمان بالكتب فقد تضمنه قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥) وهو القرآن في أحد الأقوال (٦)، وهي متلازمة: فالقرآن مراد على تجميعها قصدا أو التزاما، وسؤال الهداية يستلزم الإيمان به، إذ من لا يؤمن بشيء لا يسأل الهداية إليه، والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع كتب الله ، لأنه موافق مصدق لها، آمر بالإيمان بها.
وأما الإيمان بالرسل: فقد تضمنه قوله : ﴿رَبِّ ابْنِ﴾ (٧) إذ هم صفوة العالمين، وأبين منه قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٨) لأن الرسل صفوة المنعم عليهم. وقد بين الله ذلك في قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٩) الآية. فبدأ بهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ (١٠)، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ (١١)، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (١٢) الآيات ونحوها.