س ٥: إذا كان إنسان يرغب العمل بوظيفة وهو يستطيع القيام بعملها والنجاح في المسابقة، ولكن ليس لديه شهادة تخوله الدخول فيها
стр. 16172
فهل يجوز له تزييف شهادة الدخول في المسابقة وإذا نجح فهل يجوز له الراتب أم لا؟
الجواب: الذي يظهر لي من الشرع المطهر وأهدافه السامية عدم جواز مثل هذا العمل؛ لأنه توصل إلى الوظائف من طريق الكذب والتلبيس وذلك من المحرمات المنكرة ومما يفتح أبوابا من الشر وطرقا من التلبيس، ولا شك أن الواجب على من يسند إليهم أمر التوظيف أن يتحروا الأكفاء والأمناء حسب الإمكان.
стр. 16173
س ٦: ما حكم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يستطيع ذلك؟
الجواب: حكمه أنه عاص لله ورسوله ﷺ ، ضعيف الإيمان، وعليه خطر عظيم من أمراض القلوب وعقوباتها العاجلة والآجلة؛ كما قال الله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٣)» وقال ﵊: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٤)»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا للقيام بهذا الواجب العظيم على الوجه الذي يرضيه.
стр. 16174
س ٧: إذا دخل مسابقة الوظائف صديقان قد توفرت فيهما شروط القبول واختير أحدهما عن الآخر، فهل يحل ذلك إذا كان يستطيع القيام بالعمل وهل يباح له الراتب؟
стр. 16175
الجواب: لا يجوز مثل هذا العمل؛ لما فيه من الكذب والتدليس وفتح أبواب تجرؤ غير الأكفاء على الأعمال بوسائل الكذب والاحتيال على ما لا يباح له.
стр. 16176
س ٨: إذا كان الإنسان يجمع مالا يريد أن يتزوج به، فهل يعفى من الزكاة؟
الجواب: لا تسقط عنه الزكاة بنية الزواج، وهكذا من جمع المال ليوفي به دينا أو يشتري به عقارا ليوقفه أو عبدا ليعتقه بل على الجميع أداء الزكاة إذا حال الحول على المال المجموع؛ لأن الله سبحانه أوجب الزكاة ولم يجعل مثل هذه المقاصد مسقطا لها، والزكاة تزيد المال ولا تنقصه وتزكيه وتزكي صاحبه كما قال الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «ما نقص مال من صدقة (٢)» وفق الله الجميع لما فيه رضاه وبراءة الذمة من حقه وحق عباده إنه سميع قريب.
стр. 16177
س ٩: لعل سماحتكم يذكر المسلمين بما قاله رسول الله ﷺ لعائشة في شأن الكعبة؟
الجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين بابا للدخول وبابا للخروج (١)» فترك ﷺ نقض الكعبة وإدخال حجر إسماعيل فيها خشية الفتنة، وهذا يدل على وجوب مراعاة المصالح العامة ، وتقديم المصلحة العليا - وهي تأليف القلوب وتثبيتها على الإسلام - على المصلحة التي هي أدنى منها وهي إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم. وثبت عنه ﵊ أنه قال لعائشة ﵂ لما طلبت دخول الكعبة: «صلي في الحجر فإنه من البيت (٢)» ".
стр. 16178
س ١٠: ما حكم إزالة الشعر الذي ينبت في وجه المرأة ؟
الجواب: هذا فيه تفصيل: إن كان شعرا عاديا فلا يجوز أخذه
стр. 16179
لحديث: «لعن رسول الله ﷺ النامصة والمتنمصة (١)». . الحديث. والنمص: هو أخذ الشعر من الوجه والحاجبين. أما إن كان شيئا زائدا يعتبر مثله تشويها للخلقة كالشارب واللحية فلا بأس بأخذه ولا حرج لأنه يشوه خلقتها ويضرها.
стр. 16180
س ١١: ما حكم ضرب الطالبات لغرض التعليم والحث على أداء الواجبات المطلوبة منهن لتعويدهن على عدم التهاون فيها؟
الجواب: لا بأس في ذلك، فالمعلم والمعلمة والوالد كل منهم عليه أن يلاحظ الأولاد وأن يؤدب من يستحق التأديب إذا قصر في واجبه حتى يعتاد الأخلاق الفاضلة وحتى يستقيم على ما ينبغي من العمل الصالح، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع (١)» فالذكر يضرب والأنثى كذلك إذا بلغ كل منهم العشر وقصر في الصلاة ويؤدب حتى يستقيم على الصلاة، وهكذا الواجبات الأخرى في التعليم وشئون البيت وغير ذلك، فالواجب على أولياء الصغار من الذكور والإناث أن يعتنوا بتوجيههم وتأديبهم لكن يكون الضرب خفيفا لا خطر فيه ولكن يحصل به المقصود.
стр. 16181
س ١٢: امرأة تسأل فتقول: إني أخاف من الرياء وأحذره لدرجة أنني لا أستطيع أن أنصح بعض الناس أو أنهاهم عن أمور معينة مثل الغيبة والنميمة ونحو ذلك، فأخشى أن يكون ذلك رياء مني وأخشى أن يظن الناس في ذلك ويعدوه رياء، فلا أنصحهم بشيء كما أني أقول في نفسي إنهم أناس متعلمون وليسوا في حاجة إلى نصح، فما هو توجيهكم؟
الجواب: هذا من مكائد الشيطان يخذل بها الناس عن الدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك أن يوهمهم أن هذا من الرياء، أو أن هذا يخشى أن يعده الناس رياء، فلا ينبغي لك أيتها
стр. 16182
الأخت في الله أن تلتفتي إلى هذا، بل الواجب عليك أن تنصحي لأخواتك في الله وإخوانك إذا رأيت منهم التقصير في الواجب أو ارتكاب المحرم كالغيبة والنميمة وعدم التستر عند الرجال، ولا تخافي الرياء، ولكن أخلصي لله واصدقي معه وأبشري بالخير واتركي خداع الشيطان ووساوسه والله يعلم ما في قلبك من القصد والإخلاص لله تعالى والنصح لعباده، ولا شك أن الرياء شرك ولا يجوز فعله، لكن لا يجوز للمؤمن ولا للمؤمنة أن يدع ما أوجب الله عليه من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من الرياء، فعليه الحذر من ذلك وعليه القيام بالواجب في أوساط الرجال والنساء، والرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز حيثما يقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
стр. 16183
س ١٣: أرجو أن تفيدونا عن مسألة الشلوخ؛ وهي علامة تعمل بالموس على الوجه، تمييزا لكل قبيلة عن الأخرى، فهل هذا حلال أم حرام؟
الجواب: هذا يسمى في لغة العرب (الوشم) ، وقد نهى عنه النبي ﷺ ولعن من فعله، وقد صح عنه ﷺ «أنه لعن آكل الربا وموكله ولعن الواشمة ولعن المستوشمة (١)»، ولا فرق بين الوشم في الوجه أو في اليد أو في غيرهما، أما ما مضى عن جهل فالتوبة تكفي في ذلك والحمد لله، وإذا أمكن إزالته بدون مضرة وجب ذلك، أما المستقبل بعدما يعلم المسلم حكم الله فالواجب عليه الحذر مما حرم الله، وهذا يعم الرجال والنساء.
стр. 16184
س ١٤: بعض المسلمين يشاركون النصارى في أعيادهم، فما توجيهكم؟
الجواب: لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم، بل يجب ترك ذلك؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم، والرسول ﵊ حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم، فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك، ولا تجوز لهما المساعدة في ذلك بأي شيء؛ لأنها أعياد مخالفة للشرع، فلا يجوز الاشتراك فيها ولا التعاون مع أهلها ولا مساعدتهم بأي شيء، لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك كالأواني وغيرها، ولأن الله سبحانه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). فالمشاركة مع الكفرة في أعيادهم نوع من التعاون على الإثم والعدوان.
стр. 16185
س ١٥: هل التعاون بالجهر أفضل أم بالسر ؟
الجواب: التعاون يكون بالسر ويكون بالجهر، والأصل أنه بالجهر حتى يعلم السامع ما يقال ويستفيد. فالتعاون والإرشاد نصيحة جهرية للمجتمع هذا هو الأصل، إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية عدم الجهر خوفا من الشر من بعض الناس؛ لأنه لو نصح أو وجه جهرا قد لا يقبل وقد يتكبر، فالنصيحة سرا مطلوبة حينئذ، والناصح والموجه والمرشد يتحرى ما هو الأصلح، فإذا كانت النصيحة والدعوة والإعانة على الخير جهرا تنفع الحاضرين وتعم بها المصلحة فعل ذلك، وإذا كانت المصلحة تقتضي أن يكون التناصح في حالة السر فعل ذلك؛ لأن المقصود حصول
стр. 16186
الخير والنفع للمنصوح وللمجتمع، فالوسيلة المؤدية إلى ذلك هي المطلوبة سواء كانت سرية أو جهرية، والناصح والداعي إلى الله كالطبيب يتحرى الوقت المناسب والكمية والكيفية المناسبة. فهكذا يكون الداعي إلى الله، الناصح لعباده يتحرى ما هو الأنسب وما هو الأصح وما هو الأقرب للنفع.
стр. 16187
س ١٦: كيف يكون التعاون على البر والتقوى في البيت إذا كان الأب والأخ الأكبر لا يصلون في المسجد؟
الجواب: هذا من أهم التناصح ومن أوجب التعاون، إذا كان الوالد أو الأخ أو غيرهما من أهل البيت يتعاطى شيئا من المنكر يجب التناصح والتعاون والتواصي بالحق على قدر المستطاع، بالأسلوب الحسن، وتحري الوقت المناسب، حتى يزول المنكر، كما قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٢)» فالوالد له شأن، والوالدة لها شأن، والأخ سواء كان كبيرا أو صغيرا له شأن وكل يعامل بالأسلوب الحسن واللين والرفق بقدر المستطاع حتى يحصل المقصود ويزول المحذور، وعلى الناصح والداعي إلى الله أن يتحرى الأوقات المناسبة والأسلوب المناسب، لا سيما مع الوالدين؛ لأنهما ليسا مثل بقية الأقارب، فلهما شأن عظيم، وبرهما متعين حسب الطاقة، قال الله جل وعلا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٤) الآية، هذا وهما كافران فكيف بالوالدين المسلمين، فإذا كان الوالدان الكافران يصحبهما الولد بالمعروف ويحسن إليهما لعله
стр. 16188
يهديهما بأسبابه، فالمسلمان أولى وأحق بذلك. فإذا كان الوالد يتكاسل عن الصلاة في المسجد أو يتعاطى شيئا من المعاصي الأخرى كالتدخين أو حلق اللحية أو الإسبال أو غير ذلك من المعاصي التي يقع فيها - فإن الواجب على الولد أن ينصح بالحسنى، ويستعين على ذلك بمن يرى من خيار أهل البيت. وهكذا مع الوالدة والأخ الكبير وغيرهما من أهل البيت حتى يحصل المطلوب.
стр. 16189
س ١٧: ما العلاج لمن يعصي ويتوب ثم يرجع إلى المعصية ؟
الجواب: لا بد من جهاد النفس في لزوم الحق والثبات على التوبة؛ لأن النفس تحتاج إلى جهاد، يقول الله : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (١) ويقول : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ومعنى قوله : ﴿جَاهَدُوا فِينَا﴾ (٣) أي: جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا الكفار، وجاهدوا المنافقين، وجاهدوا العصاة، وجاهدوا الشيطان، فالآية عامة تشمل أنواع الجهاد، ومن ذلك: جهاد النفس؛ لأنه سبحانه حذف المفعول، ولم ينص عليه في الآية، حتى تعم جميع أنواع الجهاد، فالنفس تحتاج إلى تربية وعناية وصبر وجهاد كما يقول الشاعر: -
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
ويقول الآخر: -
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
وقال الآخر: -
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
هذه ثلاث أبيات جيدة مطابقة لأحوال النفس، فالمؤمن الحازم هو
стр. 16190
الذي يجاهد نفسه لله حتى تستقيم على الطريق وتقف عند الحدود وبذلك يهديه الله سبيله القويم وصراطه المستقيم، ويكون المؤمن بذلك من المحسنين الذين قال فيهم سبحانه ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وقال فيهم : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٢). والله ولي التوفيق.
стр. 16191
س ١٨: «إن الله خلق آدم على صورته (١)»، هل معنى ذلك أن جميع ما لآدم من صفات تكون لله؟
الجواب: هذا ثبت عن الرسول ﷺ ، في الصحيحين أنه قال ﵊: «إن الله خلق آدم على صورته (٢)» وجاء في رواية أحمد وجماعة من أهل الحديث: «على صورة الرحمن» فالضمير في الحديث الأول يعود إلى الله، قال أهل العلم كأحمد ﵀ وإسحاق بن راهويه وأئمة السلف: يجب أن نمره كما جاء على الوجه الذي يليق بالله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، ولا يلزم من ذلك أن تكون صورته سبحانه مثل صورة الآدمي، كما أنه لا يلزم من إثبات الوجه لله سبحانه واليد والأصابع والقدم والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته - أن تكون مثل صفات بني آدم، فهو سبحانه موصوف بما أخبر به عن نفسه أو أخبر به رسوله ﷺ على الوجه اللائق به، من دون أن يشابه خلقه في شيء من ذلك، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) فعلينا أن نمره كما جاء على الوجه الذي أراده الرسول ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل. والمعنى والله أعلم: أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر، يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن يكون الوجه كالوجه والسمع كالسمع والبصر كالبصر. . . وهكذا لا يلزم أن تكون
стр. 16192
الصورة كالصورة. وهذه قاعدة كلية في هذا الباب عند أهل السنة والجماعة وهي إمرار آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، بل يثبتون أسماءه وصفاته إثباتا بلا تمثيل وينزهونه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بلا تعطيل، خلافا لأهل البدع من المعطلة والمشبهة، فليس سمع المخلوق ولا بصر المخلوق ولا علم المخلوق مثل علم الله ، وإن اتفقا في جنس العلم، لكن ما يختص به الله لا يشابهه فيه أحد من خلقه، ، ولا يماثله شيء؛ لأن صفاته صفات كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، أما أوصاف المخلوقين فيعتريها النقص والزوال في العلم وفي السمع وفي البصر وفي كل شيء. والله ولي التوفيق.
стр. 16193
صفحة فارغة
стр. 16194
ذم الغلو والطعن في الولاية بغير حق
تأليف عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى ١٢٦٥ - ١٣٣٩ هـ
تحقيق الدكتور /
الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان
مقدمة:
الغلو هو: مجاوزة الحد في كل شيء، بأن يزاد في حمده، أو ذمه، أو حبه، أو بغضه، أو عيبه، أو مدحه، أو قبوله، أو رفضه، أو فعله، أو تركه بغير حق أو دليل مأثور.
وقد حذر الرب جل وعلا من ذلك في سياق إخباره عن أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (١).
وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٢).
وحذر المصطفى ﷺ أمته من مغبة السقوط فيه، أو ملابسته، أو
стр. 16195
الاغترار بأهله ومن افتتن به، وتلون بأوضاره وتلطخ بقذره، فقال: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو (١)» فهو مدرجة الهلاك وسابلة التمزق، ومطية ذلول لكل عدو حاقد موتور.
وهذا النهي عام في جميع أنواع الغلو: في الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، والأمثال، والقليل والكثير، والدقيق والجليل (٢).
وانظر إلى آثاره المريرة الموجعة التي حصدت الأمة حصدا، وقوضت دولة الإسلام، وما سببه من آلام ومصائب، وجلبه من دمار في الماضي والحاضر.
وإنك لتعجب كل العجب من أمة حذرها نبيها ﷺ وخوفها الصالحون من سلفها ونهوها عنه (٣). وهي ترى بعد ذلك نتائجه المؤلمة ونهاياته المروعة ثم تقع فيه وتتهافت عليه وتجري وراءه دون رادع أو زاجر.
اللهم لا تمكر بنا ولا تطمس بصائرنا فنضل الطريق ونشقى في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
стр. 16196
المؤلف:
هو العلامة المجاهد الداعية الشيخ / عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل مشرف التميمي.
ولد في بلدة الهفوف بمنطقة الأحساء سنة ١٢٦٥ هـ، وتربى في أحضان جده لأمه الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الوهيبي، وحفظ القرآن في سن مبكرة، ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره قدم به والده إلى الرياض، فواصل تعليمه في حلقات جده العلامة الكبير / عبد الرحمن بن حسن، ووالده الشيخ عبد اللطيف، وغيرهما من علماء نجد.
أعماله:
عصفت الفتن والمشاحنات السياسية الهوجاء بنجد بعد وفاة والده الشيخ عبد اللطيف سنة ١٢٩٣ هـ، فغادر الرياض إلى منطقة الأفلاج في أقصى الجنوب، وبعد ثلاث سنوات أمضاها بعيدا عن وطنه بصحبة الشيخ حمد بن عتيق المقيم هناك عاد إلى الرياض، وأخذ في التدريس والتعليم إلى أن فرض عليه السفر إلى حائل سنة ١٣٠٨ هـ فاجتهد في بث دعوة التوحيد، ولقي من أهلها كل قبول وترحيب مما أضجر ابن رشيد وأفزعه، وبعد عام كامل قضاه في التعليم والدعوة رجع إلى وطنه، وواصل نشاطه العلمي إلى أن استولى الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل على الرياض، واستعاد السلطة فآزره وقام معه حتى استتب الأمن وعادت البلاد إلى ما كانت عليه، ثم تفرغ للتعليم والإصلاح والتوجيه، بالإضافة إلى كونه مستشارا خاصا للإمام، ومسؤولا عن الشئون القضائية والاحتساب وتوطين البادية.
стр. 16197
أخلاقه وسجاياه: -
كان ﵀ على جانب عظيم من الورع والتقوى، مهيبا، وقورا، صادق اللهجة شديد الغيرة على حرمات الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصلحا، جوادا، كريما، سخيا، محبوبا.
تلاميذه: -
قرأ عليه الكثير من الطلاب في الرياض وحائل، ومنهم:
١ - الشيخ الجليل / عبد الله بن حسن بن حسين بن علي آل الشيخ (ت ١٣٧٨ هـ).
٢ - القاضي الورع الشيخ / صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين (ت ١٣٧٢ هـ).
٣ - الشيخ الفاضل / صالح السالم.
٤ - العلامة المصلح الكبير الشيخ / محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف (ت ١٣٨٩ هـ).
٥ - الشيخ المعمر / عبد العزيز بن صالح بن عبد العزيز المرشد حفظه الله.
وفاته: -
بعد حياة حافلة بالدعوة والجهاد والعمل الصالح توفي - رحمه الله تعالى - في أواخر شهر ربيع الأول سنة ١٣٣٩ هـ، عن عمر يناهز الخامسة والسبعين وقد أصيب الناس بفقده، وفجعوا بموته، وبكاه القريب والبعيد، ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به في مستقر رحمته.
стр. 16198
النسخ المعتمدة: -
حصلت عند تحقيق هذه الرسالة على ثلاث نسخ وهي كما يلي.
الأولى: خطية تقع في نحو ورقتين ومصورتها محفوظة لدي برقم ٧٨/ ٦ كتبت بقلم الشيخ محمد بن علي بن عيسى (١) سنة ١٣٣٨ هـ وعلى الصفحة الأولى منها تملك له مؤرخ سنة ١٣٣٩ هـ.
وهي نسخة جيدة مكتوبة في حياة المؤلف وبقلم أحد تلاميذه ولذلك جعلتها أصلا.
الثانية: مطبوعة ضمن كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله تعالى - في الجزء الخامس الصفحات ٢٧٤ - ٢٧٧ من الطبعة الثانية سنة ١٣٨٥ هـ الصادرة من دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية ورمزت لها بحرف (د).
الثالثة: مطبوعة أيضا في صدر مجموعة رسائل لأئمة الدعوة صدرت سنة ١٣٤٦ هـ في مطبعة المنار بإشراف الأستاذ رشيد رضا وعلى نفقة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل ﵀، وتقع في نحو عشر صفحات من القطع الصغير، وعنها طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية سنة ١٤٠٤ هـ مطابع صقر الجزيرة للأوفست، ورمزت لها بحرف (ط).
العنوان والتوثيق: -
لا يوجد في النسخة الخطية ونسخة (د) ما يشير إلى اسمها أما نسخة (ط) فسميت: رسالة في الاتباع وخطر الغلو في الدين، وقد اخترت عنوانا آخر أحسب أنه يتلاءم مع موضوعها.
стр. 16199
والرسالة صحيحة النسبة إلى المؤلف حيث صدرها باسمه وكتبت في حياته وعن طريق أحد تلاميذه فلا مجال للشك فيها.
منهج التحقيق: -
اعتمدت النسخة الخطية أصلا وقابلتها بنسخة (د) و (ط) وأثبت ما بينها من فروق، وما زاد على ما في الأصل جعلته بين حاصرتين وأشرت إليه في موضعه، وقمت بعزو الآيات، وتخريج الأحاديث والآثار، وترجمت للأعلام، وفسرت ما حسبته غامضا، وعلقت باقتضاب على ما رأيت أنه بحاجة إلى ذلك.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن ينفع بها الجميع. وأن يشرح صدورنا للحق ويهدينا لاتباعه والعمل به، وأن يجنبنا وبلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.
كتبه
الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية الشريعة بالرياض
стр. 16200
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النص المحقق
من عبد الله بن عبد اللطيف إلى من يراه من الإخوان، سلك الله بي (١) وبهم صراطه المستقيم، وثبتنا على دينه القويم، وأعاذنا من الأهواء والطرق المفضية بسالكها إلى طريق الجحيم، آمين.
سلام عليكم (٢) ورحمة الله وبركاته. أما بعد: -
فالباعث لهذه النصيحة إقامة الحجة على المعاند، والبيان للجاهل والذي نيته وقصده طلب الحق، ولكنه ابتلي بالوساوس والغرور.
تعلمون - وفقنا الله وإياكم - أن الله بعث نبيه (٣) ﷺ بالهدى ودين الحق (٤) وهو: ما جاء به (٥) من البرهان والنور، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٨) الفتنة: هي الشرك.
стр. 16201
وفرض الله علينا الإخلاص في عبادته، واتباع سنة نبيه (١). ولا يقبل لأحد شيء من الأعمال إلا بالقيام بهذين الركنين: الإخلاص والمتابعة. فالإخلاص: أن يكون العمل (٢) لله. والمتابعة: أن يكون متبعا لأمر رسوله، لأن كل عبادة حدها الشرعي (٣): ما أمر به الرسول ﷺ من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي (٤).
ليست العبادة ما درج عليه عرف الناس، وما اقتضته مقاييسهم وعقولهم، لها حد يقف المؤمن والخائف من عقاب الله عنده، وهو ما أمر به الرسول ﷺ (٥)، قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٦)» وقال: «من أحدث شيئا ليس عليه أمرنا فهو رد (٧)».
وما خرج أحد عن شريعته وطريقته (٨) إلا سلك إحدى الطريقين (٩): -
стр. 16202
إما جفاء وإعراض، وإما غلو وإفراط.
وهذه مصائد الشيطان التي يصطاد بها بني آدم (١)، ولهذا حذر سبحانه من الغلو قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٢) وفي الآية الأخرى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣).
فلما من الله سبحانه على المسلمين في آخر هذه الأزمان - التي اشتدت فيها غربة الدين - باجتماع المسلمين، ورد لهم الكرة، ولم شعثهم بإمام يدعوهم إلى دين الله وإلى طاعته [١ / أ] بماله، ونفسه، ولسانه، وهدى الله بسب ذلك من هدى من البادية، وعرفهم الإسلام ورغبهم فيه، ودانو به - وهي من أعظم النعم عليهم وعلى المسلمين عموما أن هداهم لدينه وعرفهم به - وأخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإسلام وطاعة ربهم، وعرفهم دينهم الذي خلقوا له وتعبدهم الله سبحانه وبحمده به. وقد كانوا قبل ذلك في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، أشقى الناس في الدنيا. من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار.
فالواجب - علينا وعليكم - معرفة هذه النعمة، والقيام بحق الله تعالى
стр. 16203
في ذلك، وشكر نعمه عليكم، ولا تكونوا كالذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١).
وقال تعالى (٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٧) قال ابن عباس ﵄: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل الفرقة (٨) والشناعة.
стр. 16204
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) الآية (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٣). والآيات في النهي عن التفرق في الدين والاختلاف (٤) كثيرة، لكن القصد التنبيه على ما يلقيه الشيطان ويزينه للناس من التفرق والاختلاف.
والذي قصده الله والدار الآخرة يرد ما صدر وما سمع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥).
ولا هنا (٦) عمل إلا بدليل وبرهان يطالب (٧) به صاحب العمل.
وقد بلغني عن بعض من غره الغرور الطعن (٨) في العلماء، ورميهم بالمداهنة وأشباه هذه الأقاويل التي صدت أكثر الخلق عن دين الله
стр. 16205
[١ / ب] وزين لهم الشيطان بسبب ذلك الطعن في الولاية بأمور حقيقتها البهتان، والطعن الباطل (١).
وقد علمتم ما جاء به [رسول الله] (٢) ﷺ ، وفرضه من السمع والطاعة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) ولم يستثن سبحانه برا من فاجر.
ونهى ﷺ عن إنكار المنكر إذا أفضى إلى الخروج عن طاعة ولي (٤) الأمر، ونهى عن قتالهم، لما فيه من الفساد، عن عبادة بن الصامت قال: «دعانا رسول الله ﷺ فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في مكرهنا، ومنشطنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان (٥)» أخرجاه في الصحيحين.
وقوله: «وأن لا ننازع الأمر أهله (٦)» دليل على المنع من قتال الأئمة إلا أن يروا كفرا بواحا وهو: الظاهر الذي قد باح به صاحبه (٧).
стр. 16206
فطاعة ولي الأمر وترك منازعته [طريقة أهل السنة والجماعة وهذا] (١) هو (٢) فصل النزاع بين أهل السنة وبين الخوارج والرافضة.
وعن حذيفة: بن اليمان، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «اسمع وأطع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (٣)».
стр. 16207
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات مات ميتة جاهلية (١)».
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (٢)»، فذكر في هذا الحديث البيعة والطاعة. فالخروج عليهم نقض للعهد والبيعة، وترك طاعتهم ترك للطاعة.
وبهذه الأحاديث وأمثالها عمل أصحاب رسول الله ﷺ بها، وعرفوا أنها من الأصول التي لا يقوم الإسلام إلا بها.
وشاهدوا من يزيد بن معاوية، والحجاج، ومن بعدهم - خلا
стр. 16208
الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - أمورا ظاهرة ليست خفية، ونهوا عن الخروج عليهم والطعن فيهم، ورأوا أن الخارج عليهم خارج عن دعوة المسلمين إلى طريقة الخوارج.
ولهذا لما حج ابن عمر ﵄ مع الحجاج، وطعن في رجله، قيل له: أنبايعك على الخروج على الحجاج، وعزله - وهو أمير من أمراء عبد الملك بن مروان - غلظ الإنكار عليهم، وقال: لا أنزع يدا من طاعة، واحتج عليهم بالحديث الذي تقدم ذكره (١).
فإذا فهمتم ذلك، فاشكروا نعمة الله عليكم بما من به من إمامة إسلام (٢) تدعوكم (٣) إليه ظاهرا (٤) وباطنا مما سمعتم، وصدقه الفعل من بذل المال والسلاح والقوة وإعانة المهاجرين لأجل دينه لا القصد (٥) [٢ / أ] سوى ذلك، يعرف ذلك من عرفه، ولا يجحده إلا منافق مفارق (٦) بقلبه ونيته ما اعتقده المسلمون وقاموا به.
وأما الطعن على العلماء، فالخطأ ما يعصم منه أحد، والحق ضالة
стр. 16209
المؤمن، فمن كان عنده (١) علم يقتضي الطعن فليبين (٢) جهارا (٣) ولا يخف في الله لومة لائم، حتى يعرفوا حقيقة الطعن وموجبه.
واحذروا التمادي في الضلالة، والخروج عن الجماعة، فالحق عيوف (٤) والباطل شنوف (٥) والشيطان متكئ على شماله يدب (٦) بين الأمة بالعداوة والشحناء.
عياذا بالله من فتنة جاهل مغرور، أو خديعة فاجر ذي دهاء وفجور، يميل به الهوى، ويزين له الشيطان طريق الغواية والردى.
والله أسأل أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ
стр. 16210
هدانا، وأن يهب لنا منه (١) رحمة إنه هو الوهاب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.