← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16206–16245 · переход к 16211.

стр. 16206

فطاعة ولي الأمر وترك منازعته [طريقة أهل السنة والجماعة وهذا] (١) هو (٢) فصل النزاع بين أهل السنة وبين الخوارج والرافضة. وعن حذيفة: بن اليمان، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «اسمع وأطع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (٣)».

стр. 16207

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات مات ميتة جاهلية (١)». وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (٢)»، فذكر في هذا الحديث البيعة والطاعة. فالخروج عليهم نقض للعهد والبيعة، وترك طاعتهم ترك للطاعة. وبهذه الأحاديث وأمثالها عمل أصحاب رسول الله ﷺ بها، وعرفوا أنها من الأصول التي لا يقوم الإسلام إلا بها. وشاهدوا من يزيد بن معاوية، والحجاج، ومن بعدهم - خلا

стр. 16208

الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - أمورا ظاهرة ليست خفية، ونهوا عن الخروج عليهم والطعن فيهم، ورأوا أن الخارج عليهم خارج عن دعوة المسلمين إلى طريقة الخوارج. ولهذا لما حج ابن عمر ﵄ مع الحجاج، وطعن في رجله، قيل له: أنبايعك على الخروج على الحجاج، وعزله - وهو أمير من أمراء عبد الملك بن مروان - غلظ الإنكار عليهم، وقال: لا أنزع يدا من طاعة، واحتج عليهم بالحديث الذي تقدم ذكره (١). فإذا فهمتم ذلك، فاشكروا نعمة الله عليكم بما من به من إمامة إسلام (٢) تدعوكم (٣) إليه ظاهرا (٤) وباطنا مما سمعتم، وصدقه الفعل من بذل المال والسلاح والقوة وإعانة المهاجرين لأجل دينه لا القصد (٥) [٢ / أ] سوى ذلك، يعرف ذلك من عرفه، ولا يجحده إلا منافق مفارق (٦) بقلبه ونيته ما اعتقده المسلمون وقاموا به. وأما الطعن على العلماء، فالخطأ ما يعصم منه أحد، والحق ضالة

стр. 16209

المؤمن، فمن كان عنده (١) علم يقتضي الطعن فليبين (٢) جهارا (٣) ولا يخف في الله لومة لائم، حتى يعرفوا حقيقة الطعن وموجبه. واحذروا التمادي في الضلالة، والخروج عن الجماعة، فالحق عيوف (٤) والباطل شنوف (٥) والشيطان متكئ على شماله يدب (٦) بين الأمة بالعداوة والشحناء. عياذا بالله من فتنة جاهل مغرور، أو خديعة فاجر ذي دهاء وفجور، يميل به الهوى، ويزين له الشيطان طريق الغواية والردى. والله أسأل أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ

стр. 16210

هدانا، وأن يهب لنا منه (١) رحمة إنه هو الوهاب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

стр. 16211

صفحة فارغة

стр. 16212

بعض أنواع الشرك الأصغر د / عواد بن عبد الله المعتق (١) المقدمة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: نظرا لخطورة الشرك على عقيدة المسلم، ولخفائه عموما والأصغر منه خصوصا، حيث قد يقع فيه البعض وهم لا يشعرون، وذلك مصداقا لقوله ﷺ : «أيها الناس اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل (٢)». . الحديث. نظرا لما ذكرت فقد أحببت أن أكتب لمحة موجزة عن الشرك الأصغر تتلخص فيما يلي: تمهيد: في التعريف بالشرك وأقسامه. أنواع الشرك الأصغر: وفيه فصلان: الفصل الأول: الشرك في النيات والمقاصد: المبحث الأول: الرياء. المبحث الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا. الفصل الثاني: الشرك في الألفاظ. المبحث الأول: الحلف بغير الله.

стр. 16213

المبحث الثاني: قول ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت ونحوهما. المبحث الثالث: إسناد بعض الحوادث إلى غير الله. المبحث الرابع: قول البعض مطرنا بنوء كذا على طريق المجاز، ثم ختمت البحث بذكر بعض النتائج. وأخيرا أسأله تعالى أن يتقبل صوابه، ويتجاوز عن خطئه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 16214

تمهيد: في تعريف الشرك وأقسامه: أولا: تعريف الشرك: الشرك لغة: تقول شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركا وشركة بفتح الأول وكسر الثاني فيها، ويخففان بكسر الأول وسكون الثاني، وذلك: إذا صرت له شريكا. وأشركته: أي جعلته شريكا، قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (١). أي اجعله شريكي فيه. والشرك بالتخفيف أغلب في الاستعمال، ويكون مصدرا واسما، جمعه أشراك بمعنى النصيب كما في الحديث: «من أعتق شركا له في عبد (٢)». أي حصة ونصيبا، والشراك: سير النعل على ظهر القدم، يقال: أشركت نعلي وشركتها تشريكا: إذا جعلت لها الشراك. والشرك بفتحتين حبالة الصائد، الواحدة منها شركة، والشركة أيضا معظم الطريق ووسطه جمعها شرك. وقال الراغب الأصفهاني في مفرادته: " الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا، عينا كان ذلك الشيء، أو معنى: كمشاركة الإنسان والفرس

стр. 16215

في الحيوانية. . . . . " (١). وعبارة الراغب الثانية في شرح الشركة أعم من الأولى، لأن كون الشيء لاثنين يشمل ما كان لهما ملكا كالمال، أو وصفا كالبياض، أو جزءا ذاتيا كالحيوانية. ومرجع مادة الشرك: إلى الخلط والضم. فإذا كان بمعنى الحصة من الشيء يكون لواحد وباقيه لآخر أو آخرين كما في قوله تعالى. . . ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٢) الآية فالشريك مخالط لشريكه وحصته منضمة لنصيب الآخر. وإذا كان بمعنى الحبالة فإن ما يقع فيها من الحيوان يختلط بها وينضم إلى ملك الصائد. وإذا كان بمعنى معظم الطريق فإن أرجل السائرين تختلط آثارها هنالك وينضم بعضها إلى بعض. وإذا كان بمعنى سير النعل فإن النعل تنضم به إلى الرجل فيخلط بينهما. ثم إن اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أنصبائهم منه، فموسى ﵇ سأل ربه إشراك أخيه في الرسالة وقد أجيب سؤاله لقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ (٣). ومعلوم أن حظ هارون من الرسالة دون حظ موسى.

стр. 16216

ولهذا تقول: فلان شريك لفلان في دار أو بضاعة ولو لم يكن له إلا معشار العشر، هذا في الحسيات، ومثله في المعنويات تقول: الأبوان شريكان في طاعة ابنهما لهما وإن كان حق الأم في الطاعة أقوى، وتقول: أبنائي شركاء في محبتي، وأنت تحب بعضهم أشد من بعض، هذا تقرير معنى الشرك لغة (١). وأما في الشرع: فالشرك: هو كل ما ناقض التوحيد أو قدح فيه مما ورد في الكتاب أو السنة تسميته شركا (٢). ثانيا: أقسام الشرك: الشرك قسمان: (الأول): الشرك الأكبر: وهو أن يجعل الإنسان لله ندا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته (٣). حكمه: الشرك الأكبر يخرج من الملة وصاحبه حلال الدم والمال، وفي الآخرة يخلد في النار. قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٦)

стр. 16217

﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١). ضرره: لهذا الشرك أضرار كثيرة منها: ١ - أنه يحبط العمل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). ٢ - أن صاحبه خالد مخلد في النار لا يغفر الله له إلا بالتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) الآية، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦) الآية. ٣ - أن هذا المشرك حلال الدم والمال، لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٧)

стр. 16218

الآية. وقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١)»، وتحرم مناكحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٢) الآية. كما تحرم ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣) الآية. ويستثنى أهل الكتاب، فحرائر نسائهم العفيفات (٤) غير المحاربات، وذبائحهم حلال لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٥) الآية. كما أن المشرك لا يرث ولا يورث بل ماله لبيت المال، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.

стр. 16219

٤ - أن المشرك قد ارتكب أعظم جريمة وأفظع ظلم، يقول : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك (٤)». الثاني: الشرك الأصغر. أ - تعريفه: هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركا (٥). ب - حكمه: محرم بل وأكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكنه لا يخرج من ارتكبه من ملة الإسلام (٦). ولذا ورد التحذير منه في الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٧)

стр. 16220

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). والآية في الأكبر إلا أن السلف كابن عباس كانوا يحتجون بها في الأصغر، لأن الكل شرك (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (٣). قال مجاهد: هم أهل الرياء (٤). ومعلوم أن الرياء هو رأس الشرك الأصغر. ومن السنة قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٥)». وقوله ﷺ : «أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر (٦)». . . الحديث. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي. . . (٧)» الحديث.

стр. 16221

جـ - ضرره: من أضرار الشرك الأصغر أنه يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر، فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادة خالصة قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) الآية. فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به بل الذي أتى به شيء غير المأمور به فلا يصح، ولا يقبل منه. يقول تعالى - في الحديث القدسي -: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء (٣)». كذلك من أضراره أنه وسيلة قد تؤدي بصاحبها إلى الشرك الأكبر. د - الفرق بينه وبين الشرك الأكبر. هناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها: أولا: أن الأكبر لا يغفر الله لصاحبه، وأما الأصغر فتحت المشيئة. ثانيا: الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه. ثالثا: أن الأكبر مخرج عن الملة الإسلامية، وأما الأصغر فلا يخرج منها ولذا فمن أحكامه أن يعامل معاملة المسلمين. فيناكح، وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. رابعا: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا

стр. 16222

يخلد في النار إن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر (١). هـ: أنواع الشرك الأصغر. وفيه فصلان: الفصل الأول: الشرك في النيات والمقاصد. وفيه مبحثان: المبحث الأول: الرياء. أولا: تعريفه. الرياء: لغة: مصدر راءى يرائي، تقول: رائيت الرجل مراءاة ورياء: أي أريته أني على خلاف ما أنا عليه (٢). وفي الشرع: عرف بتعاريف كثيرة (٣) متقاربة في المعنى أولاها: تعريف ابن حجر حيث قال: " الرياء هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدوا صاحبها " (٤). الفرق بين الرياء والسمعة السمعة: لغة: مشتقة من الإسماع والمراد بها: الذكر. يقال: فعله رياء وسمعة أي ليراه الناس ويسمعوه فيحصل على الصيت والذكر (٥). وفي الشرع: يراد بها نحو ما يراد بالرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر (٦).

стр. 16223

ثانيا: حكمه: الرياء إما أن يدخل في أساس العمل أو في تحسينه. فإن دخل في أساس العمل - بمعنى أنه لا يأتي بأصل العبادة كالصلاة والزكاة والصوم إلا رياء ولولا ذلك ما صلى ولا صام ولا ذكر الله - فهو مشرك شركا أكبر وهو من المنافقين الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). وإن دخل في تحسين العمل - بمعنى أن العامل إنما أراد بعمله وجه الله تعالى لكن حسنه رياء كأن يطيل في الصلاة ليراه الناس، أو يرفع صوته بالقراءة أو الذكر ليسمعه الناس فيحمدوه - فإن الرياء في هذه الحالة يعتبر شركا أصغر لا يخرج صاحبه من الملة إذ المراد بالرياء (الذي هو شرك أصغر) هو يسير الرياء الداخل في تحسين العمل المراد به وجه الله تعالى (٥). لكن هذا الرياء - الذي هو شرك أصغر - هل يبطل العمل الذي قارنه أم لا؟ إن قارن العبادة من بدايتها واستمر فالنصوص الصحيحة تدل

стр. 16224

على بطلانها كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١). وقوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٢)». وإن كان الدافع للعبادة وجه الله تعالى وحده لكن طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف وإن استرسل معه نقص العمل وحصل لصاحبه من ضعف الإخلاص بحسب ما قام في قلبه من الرياء، لكن لا يحبط العمل على القول الراجح من أقوال العلماء. والله أعلم. ثالثا: بعض ما ورد من النصوص في ذم الرياء والتحذير منه: أ - من الكتاب: يقول محذرا من الشرك - ومعلوم أن الرياء من الشرك - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).

стр. 16225

ويقول محذرا عباده المؤمنين أن يبطلوا صدقاتهم بالمن والأذى كما يبطل المرائي عمله بالرياء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ (١) الآية. ويقول عز من قائل مبينا أن الرياء من صفات المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). ويقول : ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (٣). قال مجاهد: هم أهل الرياء (٤). والآية - كما نرى - وعيد لهم بالعذاب الشديد. ويقول سبحانه متوعدا الساهين عن صلاتهم المرائين فيها بويل وهو واد في جهنم - أعاذنا الله منه -: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٧). ب - من السنة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا - «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته

стр. 16226

وشركه (١)». ٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل (٢)». ٣ - وعن أسامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه (٣)». ٤ - وعن شداد بن أوس مرفوعا «من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي فمن أشرك بي شيئا فإن حشده عمله

стр. 16227

قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني (١)». ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت بها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار (٢)».

стр. 16228

٦ - وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به (١)». ومعناه: من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم أظهر الله سريرته على رؤوس الخلائق (٢). ٧ - وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول: يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا، ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية (٣)». هذه بعض النصوص من الكتاب والسنة، التي تحذر من الرياء، وتبين خطره على عقيدة المسلم. رابعا: أمثلة لبيان بعض ما يرائي به المراءون: مما يرائي به المراءون في الغالب ما يلي: أ - الرياء من جهة البدن: كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناس أنه جاد في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في هم الدين لا يتفرغ لتسريح شعره، أو يرائي بحلق الشارب واستئصال الشعر ليظهر بذلك تتبع زي العباد

стр. 16229

والنساك، أو يرائي بخفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليدلك على أنه مواظب على الصوم. ب - الرياء من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيرا ليقال عابد زاهد، أو ارتداء نوع معين من الزي ترتديه طائفة يعدهم الناس علماء ليقال عالم. ج - الرياء من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك. د - الرياء بالعمل: كمراءاة المصلي بطول القيام وتطويل الركوع والسجود وإظهار الخشوع ونحو ذلك، وكذلك المراءاة بالصوم والغزو والحج والصدقة ونحو ذلك. هـ - الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالما أو عابدا ليقال، إن فلانا قد زار فلانا، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ ليقال: لقي فلان شيوخا كثيرين واستفاد منهم فيباهي بذلك.

стр. 16230

هذه مجامع ما يرائي به المراءون - غالبا - يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد (١). خامسا: مضار الرياء: للرياء مضار كثيرة منها ما يلي: ١ - الرياء إما أن يكون شركا أكبر كرياء المنافقين، أو يكون شركا أصغر، فإن كان شركا أكبر فإن أغلب مضار الشرك الأكبر تعتبر مضارا له. كعدم المغفرة له إذا مات على هذه الحالة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وكونه من أهل النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٣). وإن كان شركا أصغر فإنه يحبط العمل الذي يصاحبه لما روى أبو هريرة قال: قال ﷺ : «قال ﵎: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٤)». ٢ - كذلك من مضاره أنه وسيلة قد تفضي بصاحبها إلى الشرك الأكبر.

стр. 16231

٣ - كذلك من مضاره أنه قد يفضي بصاحبه إلى استهزاء الناس به، كما حكي أن طاهر بن الحسين قال لعبد الله بن المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم فقال: يا أبا عبد الله: سألناك عن مسألة، فأجبتنا عن مسألتين. وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال، وإلى جانبه قوم، فقالوا ما أحسن صلاتك! فقال: وأنا مع ذلك صائم. سادسا: علاجه: عرفنا آنفا أن من أضرار الرياء إحباط العمل ووسيلة قد تفضي بصاحبها إلى الشرك الأكبر، وإذا كانت هذه حالته فجدير بالمسلم أن يجد في إزالته وأن يبحث عن علاج يقيه هذا المرض الخطير، ومن وسائل علاجه ما يلي: ١ - تعظيم الله سبحانه ومراقبته في كل عمل وتقديم ذلك على تعظيم الناس ومراقبتهم وعدم المبالاة بما يترتب على ذلك من فوت الحمد أو وجود الذم، وذلك أن من أسباب الرياء حب الحمد والخوف من الذم، فيعظم الناس ويراقبهم في عمله ليحصل على المدح والثناء، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب.

стр. 16232

٢ - الاستعانة بالله على الإخلاص ودعاؤه والتعوذ به من الرياء. قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١) فإليه الملجأ والمفر من كل مرض يفسد إخلاصنا ويبطل أعمالنا وهو المستعان وحده في دفع كل مكروه وفي فعل كل مأمور يقول تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢). كما أرشدنا ﵊ إلى طريقة للتخلص من هذا المرض وذلك بأن نتعوذ به ، ففي الحديث أن الرسول ﷺ قال: «أيها الناس اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ": قالوا: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: " قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه (٣)». ٣ - معرفة الرياء وأسبابه (٤)، ثم التحرز منه دائما، وذلك أن الإنسان قد يؤتى من جهله، وقد يؤتى من قلة حذره. ٤ - معرفة عاقبة الرياء في الدنيا. فإن مما ينفي الرياء ويكرهه أن يعلم المرائي أن رياءه لن يجلب له نفع الناس، ولن يدفع عنه ضررهم، بل قد يجلب له سخطهم وكراهيتهم ومقتهم له، وذلك معاملة من الله له بنقيض قصده. يقول عمر - رضي

стр. 16233

الله عنه -: " ومن تزين بما ليس فيه شانه الله ". كما يجلب له كراهية الله وسخطه ومقته وما يترتب على ذلك من التعاسة في الدنيا فيخسر الدنيا والآخرة، فإذا علم المرائي أن هذه هي عاقبة الرياء في الدنيا، وأن النفع والمنع بيد الله وحده فإنه جدير بالحذر من الرياء لانتفاء السبب الدافع إلى الرياء وهو جلب النفع أو دفع الضر، وكذلك الخوف من هذه العاقبة للمرائي. ٥ - معرفة عاقبة الرياء في الآخرة. كذلك مما يدفع الرياء معرفة عاقبته في الآخرة، والتي منها: رد عمله كما في حديث الثلاثة (١) الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة مع أنهم كانوا فعالين للخير إلا أنهم لم يريدوا به وجه الله وإنما أرادوا به العباد، وفضيحته، كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به (٢)». يقول ابن حجر: قال الخطابي: " معناه: من عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه " (٣). فإذا علم الإنسان أن هناك يوم حساب، وعلم شدة حاجته في ذلك اليوم إلى العمل الصالح، وعلم

стр. 16234

عاقبة الرياء غلب على نفسه الحذر من الرياء كي يقبل عمله وكيلا ينفضح في ذلك اليوم. ٦ - كتمان العمل وإسراره. كذلك ومن وسائل الوقاية من الرياء كتمان العمل وإسراره، حتى لا يخالطه رياء ولا يكون للشيطان مدخل يشوش على صاحبه في نيته. وقد نص على أفضلية الصدقة المخفاة على صدقة العلانية في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) «وعد ﷺ المسر بالصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق - يمينه أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (٢)». ويروى إنه قيل لبعضهم: ما دواء الرياء؟ قال: كتمان العمل، قيل له: فكيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما لم تكلف إظهاره أحب أن لا يطلع عليه إلا الله (٣). وقد خص العلماء أفضلية الإخفاء بالنوافل دون الفرائض (٤). واستثنى بعض العلماء أولئك الذين يقتدى بهم، فهؤلاء يستحب في حقهم الإعلان دون الإسرار بشرط أن يأمنوا على أنفسهم الرياء، وقد فصل

стр. 16235

القول في هذه المسألة العز ابن عبد السلام ﵀ حيث قال: فإن قيل: هل الإخفاء أفضل من الإعلان لما فيه من اجتناب الرياء أم لا؟ فالجواب: أن الطاعات ثلاثة أضرب: أحدها: ما شرع مجهورا كالأذان والإقامة. . . وإقامة الجمعة والجماعات والأعياد والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. . . فهذا لا يمكن إخفاؤه، فإن خاف فاعله الرياء جاهد نفسه في دفعه إلى أن تحضره نية الإخلاص فيأتي به مخلصا كما شرع. الثاني: ما يكون إسراره خيرا من إعلانه كإسرار القراءة في الصلاة، أو إسرار أذكارها، فهذا إسراره خير من إعلانه. الثالث: ما يخفى تارة ويظهر أخرى كالصدقات، فإن خاف على نفسه الرياء. . . كان الإخفاء أفضل من الإبداء لقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١). ومن أمن الرياء فله حالان: إحداهما: ألا يكون ممن يقتدى به، فإخفاؤها أفضل إذ لا يأمن الرياء عند الإظهار.

стр. 16236

والثاني: أن يكون ممن يقتدى به، فالإبداء أولى لما فيه من سد خلة الفقراء مع مصلحة الاقتداء، فيكون قد نفع الفقراء بصدقته وبتسببه إلى تصدق الأغنياء عليهم، وقد نفع الأغنياء بتسببه إلى اقتدائهم به في نفع الفقراء. سابعا: في بيان بعض الأمور التي يظن أنها من الرياء وهي ليست منه. اعلم - رحمك الله - أن هناك أمورا يعملها العبد قد يظنها البعض أنها من الرياء وهي ليست منه، أحببت التنبيه عليها رفعا للبس. منها ما يلي: ١ - تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس إنما هو ليراه الناس، وكذلك كل تجمل لأجلهم، ولا يقال: إنه من الرياء أو منهي عنه، حيث إن كثيرا من الناس لا يحبون أن يراهم أحد بعين نقص في أي حال، ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه - كما أمر الرسول ﷺ بذلك في الحديث الذي رواه ابن مسعود أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله

стр. 16237

حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس (١)». ٢ - كذلك كتمان الذنوب وعدم إظهارها لا يعتبر من الرياء، بل هو واجب شرعي، لأن الله يكره ظهور المعاصي ويحب سترها فعن ابن عمر مرفوعا قال: قال النبي ﷺ : «اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله (٢)». ٣ - كذلك نشاط العبد بالعبادة عند رؤية العابدين، كأن يبيت الرجل مع المتهجدين فيصلون أكثر الليل وعادته قيام ساعة فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولا الله ثم هم ما انبعث هذا النشاط، هذا ليس رياء على الإطلاق بل فيه تفصيل، ولمعرفة العبد ذلك عليه في مثل هذه الحالة أن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه فإذا رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله وليس رياء، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياء، وعلى هذا فقس (٣).

стр. 16238

٤ - كذلك إذا عمل العبد العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين ففرح بفضل الله ورحمته لم يضره ذلك ولم يعد ذلك من الرياء، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). وعن أبي ذر «أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه، فقال: " تلك عاجل بشرى المؤمن (٢)». المبحث الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا. المراد به: هو أن يعمل الإنسان أعمالا صالحة يريد بها الدنيا، إما قصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم العلم ليأخذ مالا، أو ليحتل منصبا، أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا لطلب مرضاة الله. الفرق بينه وبين الرياء: قد يظن البعض أن هذا المبحث داخل في الرياء وأن هذا مجرد تكرار وهو ظن خاطئ، وذلك أن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب (٣).

стр. 16239

حكمه: العمل لأجل الدنيا لا يخلو من ثلاثة أمور: الأول: أن تكون إرادة العبد من عمله كلها منحصرة في العمل لأجل الدنيا ولولا هذا المقصد لم يعمل، وهذا ليس له في الآخرة نصيب، وذلك أن العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن فإن المؤمن وإن كان ضعيف الإيمان فإنه لا بد أن يريد الله والدار الآخرة وإن كان يريد مع ذلك الدنيا. الثاني: أن تكون إرادته من عمله وجه الله والدنيا، والقصدان متساويان أو متقاربان، وهذا شرك أصغر مناف لكمال التوحيد يحبط الأعمال التي قارنها، وذلك لأن إخلاص العمل لوجه الله شرط من شروط صحة العبادة، فإذا كان مراد العامل من عمله وجه الله والدنيا فقد اختل شرط الإخلاص ففسد العمل. الثالث: أن تكون إرادة العبد من عمله وجه الله وحده وأخلص فيه إخلاصا تاما، لكنه يأخذ على عمله جعلا معلوما يستعين به على العمل كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير كالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية والدنيوية النافعة لمن يقوم بها. فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده لكونه لم يرد بعمله الدنيا وإنما أراد الدين، وقصده أن يكون ما حصل له معينا له على قيام الدين، ولهذا جعل الله تعالى في الأموال الشرعية كالزكاة وأموال الفيء وغيرها جزءا

стр. 16240

لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة. والله أعلم. الأدلة على تحريمه نظرا لأن العمل لأجل الدنيا مناف للإخلاص، لذا جاء التحذير منه في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، منها ما يلي: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). يخبر في هاتين الآيتين أن من قصد بعمله الحصول على مطامع الدنيا فقط فإن الله يوفر له ثواب عمله في الدنيا بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد، وهذا مقيد بالمشيئة (٣) كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (٤) الآية وهؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا النار، لأنهم لم يعملوا ما يخلصهم أما أعمالهم التي عملوها فإنها باطلة لا ثواب لها؛ لأنهم لم يريدوا بها الآخرة. قال قتادة: يقول تعالى: من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة (٥).

стр. 16241

وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه الآية، فأجاب بما ملخصه: ذكر عن السلف في معنى هذه الآية أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه: النوع الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس وترك الظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس. النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رئاستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرا. النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له لكنه على عمل يكفره كفرا يخرج عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا

стр. 16242

عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم، وهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها. قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) (٢). والآيتان تتناولان هذه الأنواع الأربعة لأن لفظها عام، لذا يجب الحذر من أن نطلب بعمل الآخرة طمع الدنيا (٣). ومن السنة: ١ - ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش (١٠)». . . الحديث.

стр. 16243

والحديث كما نرى: دعاء على من جعل الدنيا قصده وهمه بالتعاسة والانتكاس، وإصابته بالعجز عن انتقاش الشوك من جسده، ولا بد أن يجد أثر هذه الدعوات كل من اتصف بهذه الصفة الذميمة فيقع فيما يضره في دنياه وآخرته كما أنها ذم له بتسميته عبد الدينار والدرهم. . . . وسماه ﷺ عبدا لهذه الأشياء، لأنها استيسرت قلبه واستعبدته، فلا هم له إلا جمعها والحصول عليها ليرضي نفسه وهواه فصار فيه شعبة من العبادة لغير الله، ولم يبق معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه (١). ٢ - وقال ﷺ : «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة (٢)». ٣ - ويقول ﵊: «من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولا يأتيه منها إلا ما قدر له (٣)» والحديثان الأخيران - كما نرى - وعيد لمن أراد بعمله الدنيا: الأول: بأنه لا يجد عرف الجنة يوم القيامة. والثاني: وعيد بالفقر وتشتيت الأمر، أعاذنا الله من ذلك والله أعلم.

стр. 16244

الفصل الثاني: الشرك في الألفاظ. ومنه ما يلي: المبحث الأول: الحلف بغير الله. مثاله: كقول الرجل: وحياتي، وحياة النبي، والكعبة، والسيد فلان، ونحو ذلك. حكمه: هو من الشرك الأصغر في الألفاظ، إذا كان الحالف بلسانه ولم يعتقد بقلبه تعظيم من حلف به، وكان عالما الحكم أما إذا كان جاهلا فإنه يعلم، فإن أصر فهو والعالم ابتداء، سواء كل منهما مشرك شركا أصغر. ومن الشرك الأكبر: إن قام بقلبه تعظيم من حلف به من المخلوقات مثل تعظيم الله، وكان عالما الحكم، أما إذا كان جاهلا فإنه يعلم فإن أصر فهو والعالم ابتداء سواء كل منهما مشرك شركا أكبر (١). الأدلة على تحريمه: اتفق الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الحلف بغير الله. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: " الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان. . . إلى أن قال: هذا كله

стр. 16245

شرك ". فإن قيل الآية نزلت في الأكبر، قيل: السلف يحتجون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس ﵁ وغيره وذلك لأن الكل شرك (١). ومن السنة ما يلي: ١ - وفي الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعا «أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٢)». ٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكرا ولا آثرا (٣)». ٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان
следующие страницы →