وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه الآية، فأجاب بما ملخصه: ذكر عن السلف في معنى هذه الآية أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه:
النوع الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس وترك الظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رئاستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرا.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له لكنه على عمل يكفره كفرا يخرج عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا
стр. 16242
عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم، وهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها. قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)(٢). والآيتان تتناولان هذه الأنواع الأربعة لأن لفظها عام، لذا يجب الحذر من أن نطلب بعمل الآخرة طمع الدنيا (٣).
ومن السنة:
١ - ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش (١٠)». . . الحديث.
стр. 16243
والحديث كما نرى: دعاء على من جعل الدنيا قصده وهمه بالتعاسة والانتكاس، وإصابته بالعجز عن انتقاش الشوك من جسده، ولا بد أن يجد أثر هذه الدعوات كل من اتصف بهذه الصفة الذميمة فيقع فيما يضره في دنياه وآخرته كما أنها ذم له بتسميته عبد الدينار والدرهم. . . . وسماه ﷺ عبدا لهذه الأشياء، لأنها استيسرت قلبه واستعبدته، فلا هم له إلا جمعها والحصول عليها ليرضي نفسه وهواه فصار فيه شعبة من العبادة لغير الله، ولم يبق معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه (١).
٢ - وقال ﷺ : «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة (٢)».
٣ - ويقول ﵊: «من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولا يأتيه منها إلا ما قدر له (٣)» والحديثان الأخيران - كما نرى - وعيد لمن أراد بعمله الدنيا: الأول: بأنه لا يجد عرف الجنة يوم القيامة. والثاني: وعيد بالفقر وتشتيت الأمر، أعاذنا الله من ذلك والله أعلم.
стр. 16244
الفصل الثاني: الشرك في الألفاظ.
ومنه ما يلي: المبحث الأول: الحلف بغير الله.
مثاله: كقول الرجل: وحياتي، وحياة النبي، والكعبة، والسيد فلان، ونحو ذلك.
حكمه: هو من الشرك الأصغر في الألفاظ، إذا كان الحالف بلسانه ولم يعتقد بقلبه تعظيم من حلف به، وكان عالما الحكم أما إذا كان جاهلا فإنه يعلم، فإن أصر فهو والعالم ابتداء، سواء كل منهما مشرك شركا أصغر.
ومن الشرك الأكبر: إن قام بقلبه تعظيم من حلف به من المخلوقات مثل تعظيم الله، وكان عالما الحكم، أما إذا كان جاهلا فإنه يعلم فإن أصر فهو والعالم ابتداء سواء كل منهما مشرك شركا أكبر (١).
الأدلة على تحريمه: اتفق الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الحلف بغير الله.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: " الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان. . . إلى أن قال: هذا كله
стр. 16245
شرك ".
فإن قيل الآية نزلت في الأكبر، قيل: السلف يحتجون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس ﵁ وغيره وذلك لأن الكل شرك (١).
ومن السنة ما يلي:
١ - وفي الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعا «أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٢)».
٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكرا ولا آثرا (٣)».
٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان
стр. 16246
حالفا فلا يحلف إلا بالله (١)» وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: «لا تحلفوا بآبائكم (٢)».
٤ - وعن سعيد بن عبيدة قال: «كنت عند ابن عمر فقمت وتركت رجلا عنده من كندة، فأتيت سعيد بن المسيب فجاء الكندي فزعا فقال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن أعلي جناح أن أحلف بالكعبة؟ قال: ولم تحلف بالكعبة؟ إذا حلفت بالكعبة احلف برب الكعبة، فإن عمر كان إذا حلف قال: كلا وأبي، فحلف بها يوما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " لا تحلف بأبيك ولا بغير الله فإنه من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٣)».
٥ - وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم (٤)».
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد. . . . . (٥)» الحديث.
стр. 16247
٧ - وعن بريدة مرفوعا «من حلف بالأمانة فليس منا (١)».
٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله (٢)».
٩ - وعن قتيلة «أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: " إنكم تشركون. . . وتقولون: والكعبة " فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة. . . (٣)» الحديث.
١٠ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «حلفت مرة باللات والعزى، فقال النبي ﷺ : " قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ ولا تعد (٤)».
وقال كعب (٥): " إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف بالله صادقا أو كاذبا ولا تحلف بغيره " رواه ابن أبي الدنيا في الصمت (٦).
стр. 16248
الإجماع: لقد أجمع العلماء على أن اليمين الشرعية لا تكون إلا بالله أو اسم من أسمائه أو بصفة من صفاته، وأنه لا يجوز الحلف بغيره.
قال ابن عبد البر: (لا يجوز الحلف بغير الله إجماعا) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشائخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة) (٢).
وقال شيخ الإسلام - في موضع آخر: (. . . ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات، وذكروا إجماع الصحابة على ذلك. . .) (٣).
ولا اعتبار بمن قال من المتأخرين: إن النهي على سبيل كراهة التنزيه فإنه قول باطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (. . . والصحيح أنه نهي تحريم) (٤) وكيف يقال ذلك لما أطلق عليه الرسول ﷺ أنه كفر أو شرك.
ولهذا اختار ابن مسعود ﵁ أن يحلف بالله كاذبا ولا يحلف بغيره صادقا مما يدل على أن الحلف بغير الله أكبر من الكذب مع أن الكذب من المحرمات في جميع الملل، فدل ذلك على أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات (٥).
стр. 16249
اعتراض وجوابه.
اعتراض: فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن.
الجواب: قيل: ذلك يختص بالله ، فإنه - سبحانه - يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته، ومشيئته، وغير ذلك من صفات كماله، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه وتنبيه على شرفه، وأما نحن المخلوقين فليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع كما سبق ذكره (١) آنفا، بل ذلك شرك منهي عنه، وإنا نقسم به وحده، فيجب علينا التسليم والإذعان لما جاء من عنده .
أضف إلى ذلك أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى فلا يضاهى به غيره (٢).
اعتراض: وإن قيل: قد جاء في الحديث: «أن النبي ﷺ قال للأعرابي الذي سأله عن أمور الإسلام، فأخبره، فقال النبي ﷺ : " أفلح وأبيه إن صدق (٣)» «وقال للذي سأله عن أحق الناس بحسن الصحبة؟ فقال:
стр. 16250
" نعم وأبيك لتنبأن. . . (١)» الحديث ". الجواب: قيل: إن العلماء أجابوا عنها بأجوبة منها:
الأول: أن هذه كلمة تجري على اللسان دعامة للكلام لا يقصد بها حقيقة اليمين، كاليمين المعفو عنها من قبل اللغو، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢) الآية (٣). والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله .
الثاني: وقيل: إن هذا - أي الحلف بغير الله - كان في أول الأمر ثم نسخ، فما جاء من الأحاديث فيه ذكر شيء من الحلف بغير الله، فإنما هو قبل النسخ ثم نسخ ذلك ونهي عن الحلف بغير الله.
وهذا الجواب هو الأظهر، يؤيده أن ذلك كان مستعملا شائعا حتى ورد النهي عن ذلك كما في حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٤)».
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «حلفت مرة باللات والعزى فقال النبي ﷺ : " قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثم انفث
стр. 16251
عن يسارك ثلاثا وتعوذ ولا تعد (١)» وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير الله فهو جار على العادة قبل النهي، لأن ذلك هو الأصل حتى ورد النهي عن ذلك.
هل تنعقد اليمين بغير الله؟.
الجواب: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشائخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، ولم يتنازعوا إلا في الحلف برسول الله ﷺ خاصة، والجمهور على أنه لا تنعقد اليمين لا به ولا بغيره، وقد قال النبي ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٢)». . . . فمن حلف بشيخه أو بتربته أو بحياته أو بحقه على الله. . . أو بالكعبة أو بأبيه أو تربة أو نحو ذلك كان منهيا عن ذلك، ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين (٣).
المبحث الثاني: قول ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت ونحوهما.
تمهيد: ومن الشرك في الألفاظ أيضا: قول ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك مما فيه مساواة بين الخالق والمخلوق.
стр. 16252
حكمه: قائل ذلك: إما أن يقوم بقلبه تعظيم لذلك المسوى بينه وبين الله أو لا، فإن قام بقلبه تعظيم لذلك المسوى بينه وبين الله، وكان عالما فهو شرك أكبر، وإن كان جاهلا علم، فإن أصر فهو والعالم ابتداء سواء، كل منهما مشرك شركا أكبر.
وإن لم يقم بقلبه تعظيم لذلك المسوى بينه وبين الله فهو شرك أصغر، فإن كان جاهلا علم، فإن أصر فهو والعالم ابتداءا سواء كل منهما مشرك شركا أصغر (١).
الأدلة على تحريمه.
الأدلة على تحريم قول ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحوهما كثيرة منها ما يلي: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال ابن عباس في هذه الآية: (الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك. . . وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. . . . هذا كله شرك). رواه ابن أبي حاتم.
والآية نزلت في الشرك الأكبر إلا أنها حجة في الشرك الأصغر كما فسرها ابن عباس وغيره لأن الكل شرك (٣).
стр. 16253
ومن السنة:
ا - عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان (١)».
٢ - عن قتيلة بنت صيفي قالت: «إن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت (٢)».
٣ - وعن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: «رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم لولا إنكم تقولون عزير ابن الله قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد: فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن
стр. 16254
أنهاكم عنها، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله وحده (١)».
٤ - وعن ابن عباس ﵁ قال: «قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده (٢)».
وفي رواية: «أجعلتني لله عدلا؟ بل ما شاء الله وحده (٣)».
وقد اتفق جمهور (٤) العلماء على النهي عن هذا القول ونحوه مما فيه تسوية بين الخالق والمخلوق.
وأما قول من قال بالجواز محتجا بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (٦) الآية.
فقول مردود، إذ إن النبي ﷺ أنكره، وقال لمن قال ذلك أجعلتني لله ندا، فمن المحال أن يقال إن ذلك جائز مع إنكار الرسول ﷺ له ونهيه عنه.
стр. 16255
وأما احتجاجهم بالآيات، فقد ذكر العلماء عن ذلك أجوبة منها.
الأول: أن ذلك لله وحده لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا.
الثاني: أن في قوله (ما شاء الله وشئت) تشريكا في المشيئة بين مشيئة الله ومشيئة العبد.
وأما الآيتان: فإنما أخبر بهما عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم، وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك ومن الرسول حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذلك الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي ﷺ أنعم عليه بالعتق.
وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه (١).
كيفية اتقائه:
يمكن اتقاء هذا النوع من الشرك باستبدال الواو بثم، فإذا أردنا أن نقول: ما شاء الله وشئت، نقول: ما شاء الله ثم شئت، وإذا أردنا أن نقول: لولا الله وأنت، نقول: لولا الله ثم أنت ونحوهما. وبذلك يمكن التخلص من هذا الشرك، وذلك لأن الواو تقتضي تسوية المخلوق بالخالق، ومن المعلوم أنه لا يجوز أن نجعل المخلوق مثل الخالق في شيء من خصائصه .
стр. 16256
أما ثم فتقتضي العطف مع الترتيب والتراخي، فمثلا: إذا قلنا: ما شاء الله وشئت إن عطفنا بالواو اقتضى التسوية بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، أما إذا عطفنا بثم فإنه يقتضي تقديم مشيئة الله وأنها فوق مشيئة المخلوق (١).
المبحث الثالث: إسناد بعض الحوادث إلى غير الله واعتقاد تأثيره فيها.
ومن الشرك في اللفظ إسناد بعض الحوادث إلى غير الله واعتقاد تأثيره فيها، كأن يقول مثلا لولا وجود فلان لحصل كذا ولولا يقظة الحارس لدهمنا الجيش، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها نسبة بعض الحوادث إلى أسبابها القريبة، على أنها هي وحدها التي أدت إلى وقوعها.
وليس معنى ذلك نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، فإن ذلك جهل بحكمة الله تعالى الذي وضعها وجعلها أسبابا، وإنما المقصود الاعتقاد أن تأثيرها إنما هو بمشيئة الله وحكمته لا أنها مستقلة بالتأثير (٢).
الدليل على تحريمه:
١ - يقول : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣). يقول ابن عباس في الآية -: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب
стр. 16257
النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول:. . . لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. . . إلى أن قال: هذا كله شرك.
والآية نزلت في الأكبر إلا أنها حجة في الشرك الأصغر - كما فسرها ابن عباس - لأن الكل شرك (١).
٢ - روى ابن أبي الدنيا - في كتابه الصمت - عن ابن عباس أنه قال: (إن أحدكم ليشرك حتى يشرك في كلبه يقول: لولاه لسرقنا الليلة) (٢).
كيفية اتقائه:
للتخلص من هذا الشرك يجب أن نسند الحوادث إلى الله ثم إلى المخلوق، فمثلا إذا أردنا أن نقول: لولا وجود فلان لحصل كذا. نقول: لولا الله ثم وجود فلان لحصل كذا، مع الاعتقاد بأن الأسباب ليست مستقلة بذاتها في التأثير، وإنما يكون تأثيرها بقدرة الله ومشيئته.
المبحث الرابع: قول البعض مطرنا بنوء كذا وكذا على طريق المجاز.
كذلك من الشرك الأصغر في اللفظ قول البعض: مطرنا بنوء كذا وكذا على طريق المجاز، وبيان ذلك: أن يقولها البعض مع عدم اعتقاده بأن
стр. 16258
للنجم تأثيرا في إنزال المطر، وإنما المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فقوله هذا يعتبر شركا أصغر، لأنه نسب نعمة الله إلى غيره ولأن الله لم يجعل النوء سببا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل منه ورحمة، يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء (١).
والدليل على ذلك: ما روي عن زيد بن خالد ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب (٢)».
стр. 16259
الخاتمة
بسم الله بدأنا، وبحمده والشكر له ختمنا، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، وبعد:
فإلى القارئ الكريم بعض النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث المتواضع، إنه من دراستي للشرك وأقسامه وبعض أنواع الشرك الأصغر توصلت إلى نتائج منها:
الأولى: أن الشرك قسمان: أكبر: مبيح للدم والمال ومحبط لجميع الأعمال، وفي الآخرة صاحبه مخلد في النار.
وأصغر: محبط للعمل الذي يقارنه، ووسيلة قد تفضي بصاحبها إلى الشرك الأكبر.
الثانية: أن الشرك الأصغر أنواع كثيرة منها: الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت ونحوها، وإسناد الحوادث إلى أسبابها القريبة مع اعتقاد تأثيرها فيها، وقول البعض مطرنا بنوء كذا على طريق المجاز.
الثالثة: أن الرياء منه ما هو كفر كرياء المنافقين، ومنه ما هو شرك أصغر كيسير الرياء الداخل في تحسين العمل.
الرابعة: أن الرياء داء له علاج، ومن وسائل علاجه: تعظيم الله ومراقبته في كل عمل، والاستعانة به على الإخلاص ودعاؤه
стр. 16260
والتعوذ به من الرياء، ومعرفة الرياء وأسبابه، ثم التحرز منه دائما، ومعرفة عاقبة الرياء في الدنيا والآخرة، كذلك كتمان العمل وإسراره.
الخامسة: أن العمل لأجل الدنيا: لا يخلو من ثلاثة أمور:
الأول: أن تكون إرادة العبد من عمله كلها منحصرة في العمل لأجل الدنيا ولولا هذا المقصد لم يعمل، وهذا ليس له في الآخرة نصيب.
الثاني: أن تكون إرادته من عمله وجه الله والدنيا، والقصدان متساويان، أو متقاربان، وهذا شرك أصغر.
الثالث: أن تكون إرادته من عمله وجه الله وحده لكنه يأخذ على عمله جعلا معلوما، يستعين به على العمل وهذا لا بأس به.
السادسة: أن الحالف بغير الله، إما أن يقوم بقلبه تعظيم لمن حلف به مثل تعظيم الله فيعتبر شركا أكبر، فإن كان جاهلا علم فإن أصر فهو والعالم سواء، كل منهما مشرك شركا أكبر، أو لا يقوم بقلبه تعظيم لمن حلف به فيعتبر شركا أصغر، فإن كان جاهلا علم، فإن أصر فهو والعالم سواء، كل منهما مشرك شركا أصغر.
السابعة: اتفاق الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الحلف بغير الله، واتفاق علماء المسلمين على أن اليمين لا تنعقد بما سوى الله.
الثامنة: أن قائل ما شاء الله وشئت إما أن يقوم بقلبه تعظيم لذلك
стр. 16261
المسوى بينه وبين الله، فيعتبر شركا أكبر، أو لا يقوم بقلبه تعظيم، فيعتبر شركا أصغر، ويمكن اتقاؤه باستبدال الواو بثم، لأنها تقتضي الترتيب مع التراخي.
التاسعة: أن إسناد الحوادث إلى غير الله مع اعتقاد تأثيره فيها، كقولنا لولا وجود فلان لحصل كذا يعتبر شركا أصغر، يمكن اتقاؤه بإسناد الحوادث إلى الله ثم إلى المخلوق، فمثلا إذا أردنا أن نقول لولا وجود فلان، نقول لولا الله ثم وجود فلان.
العاشرة: أن قول القائل مطرنا بنوء كذا، وإن لم يعتقد بأن للنجم تأثيرا في إنزال المطر يعتبر شركا أصغر، لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببا لإنزال المطر، إذ الواجب على الإنسان في مثل هذه الحالة أن يقول مطرنا بفضل الله ورحمته، امتثالا لأمر رسول الله ﵊، واتقاءا لهذا الشرك.
هذا وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 16262
المبادرة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة
في ضوء الكتاب والسنة وأثره على
الرعيل الأول من هذه الأمة
الدكتور عبد الله مرحول السوالمة.
أستاذ الحديث وعلومه المساعد بقسم الثقافة الإسلامية
بكلية التربية - جامعة الملك سعود - الرياض
١ - المقدمة:
الحمد لله جاعل الدنيا دار تكليف وابتلاء واختبار، ومجالا فسيحا للتسابق والتنافس في فعل الخيرات وعمل الطاعات، وذلك شحذا للهمم وإذكاء للعزائم، واستغلالا للطاقات في مجال عمارة الأرض والقيام بمهمة الاستخلاف فيها.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٣).
стр. 16263
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢).
فالابتلاء والاختبار سنة من سنن الله في الكون والمجتمعات، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، ثوابا وعقابا، ورفع المحسنين بعضهم فوق بعض درجات بحسب فضلهم وسبقهم - أيضا - سنة من سنن الله تعالى في الكون والمجتمعات، يظهر ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم حول المجتمعات السالفة والخالفة، فقد قال تعالى - مثلا - في فضل زكريا وأهله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣).
كما شنع الله على بعض الأمم السالفة لإعراضهم عن هدى الله، وعدم مسارعتهم إلى الإيمان به فقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٤) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٥) ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٦) ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ (٧) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٨).
стр. 16264
وهذا الموضوع موضوع " المبادرة والمسابقة. . . . . . . " موضوع هام، وتكمن أهميته في الجوانب الآتية: -
١ - أنه ذو أهمية كبرى في حياة الأمة أفرادا ومجتمعات، لما يترتب عليه من نتائج في الدنيا والآخرة.
٢ - مما يزيده أهمية كونه متعلقا بإبراز جانب مشرق من حياة جيل رباني اعتبر مثالا يحتذى وأثرا يقتفى.
٣ - أن كثيرا من الناس اليوم ألهتهم الشواغل الجانبية والمغريات المادية، واجتالتهم الشهوات الدنيوية فقصرت بهم الهمم إذ لم يتشوقوا للسبق، أو المبادرة في عمل الخيرات بل اكتفوا بأقل القليل من الطاعات مع شيء من التباطؤ والتثاقل في كثير من الأحيان، فحسن تنبيههم وتذكيرهم لما هم فيه.
٤ - لم يتناول أحد هذا الموضوع - رغم أهميته - ببحث مستقل، لذا أرجو أن يكون هذا البحث نواة طيبة في سبيل معالجة هذه القضية وتدعيمها.
وتتلخص النقاط التي يعالجها البحث بما يلي:
١ - المقدمة: وقد تقدمت.
٢ - الندب إلى المبادرة والمسابقة في الكتاب والسنة.
٣ - الحض على التسابق والتنافس في الباقيات الصالحات، والتحذير من التنافس في الملذات والشهوات.
٤ - الرسول ﷺ يتعهد أصحابه بالتربية والقدوة حتى يصبح السبق خلقا من أخلاقهم وجزءا غير منفصل عن ذواتهم.
стр. 16265
٥ - تسابق الصحابة ﵃ وتنافسهم في الجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله متحدين بذلك الصعاب بلا ضجر أو ملل.
٦ - من نتائج المبادرة والمسابقة وآثارها على الصحابة ﵃.
стр. 16266
٢ - الندب إلى المبادرة والمسابقة في الكتاب والسنة
لئن كانت المبادرة إلى فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات مما أمر الله به عباده على مر العصور وتعاقب الرسالات، فإن ذلك كان في الإسلام أوضح وآكد، وذلك لما لهذا الدين من ميزات على غيره، إذ هو آخر الأديان وخاتمها وأشملها زمانا ومكانا وأكثرها أتباعا، ولهذا فإنه لما أمر ﷺ أن يجهر بالدعوة - على الرغم من معاداة المجتمع لما جاء به - بادر وانطلق إلى مكان عال مناديا بأعلى صوته: «يا بني عبد مناف إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه فعجل يهتف يا صباحاه (١)».
هكذا يصور الرسول ﷺ مبعثه ويبين بأنه نذير وأن الأمر أعجل من أن يتريث الإنسان فيه أو يسوف، بل ما على الإنسان إلا الدخول في هذا الدين دون تراخ، وقد جاءت نصوص كثيرة من القرآن والسنة تدعو إلى المبادرة والإسراع إلى الاستجابة لله ولرسوله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (٣).
ففي هاتين الآيتين أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بسرعة الاستجابة
стр. 16267
لله وللرسول مهما كانت ظروفهم ومشاغلهم، وذلك لما في هذه الاستجابة من هدايتهم وصلاحهم وحياتهم حياة طيبة دنيا وآخرة، ونهاهم عن تأخير ذلك أو التباطؤ فيه لئلا يحول بينهم وبين المبادرة إلى الاستجابة حوائل أو يصرفهم عنها صوارف، فيتعرضون إلى عقاب الله أو لومه فيندمون أشد الندم وقد لا ينفعهم - حينئذ - الندم.
وقد جاء عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ أنه قال: «كنت أصلي فمر بي رسول الله ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: " ما منعك أن تأتي؟ ألم يقل الله:. . . . (٢)» الحديث.
وهكذا فقد جاءت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدعو إلى المبادرة والسبق إلى فعل الخيرات عموما، وأخرى تدعو إلى المبادرة إلى فعل أعمال مخصوصة بأعيانها.
فمن النصوص التي دعت إلى المبادرة إلى فعل الخيرات عموما:
أولا: من القرآن الكريم:
قوله تعالى:. . . ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).
وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤).
стр. 16268
والمراد بالاستباق في الآيتين هو المبادرة والمسارعة والاستباق إلى الأعمال الصالحة، كما فسره الطبري (١).
كما جاءت نصوص كثيرة في الكتاب تحض المسلمين على المبادرة والإسراع إلى التوبة من الذنوب عامة، وأن الإنسان لا يعلم الغيب إذ قد يعاجل بالموت وغيره فلا يستطيع التوبة - حينئذ - أو قد لا تقبل منه، ولهذا فقد جاء الندب إلى الإسراع بالتوبة وبالإنابة إلى الله والإقلاع عن المعاصي فور وقوعها لمن تلبس بشيء منها، وعدم التسويف والتمادي، كما جاء الثناء على من غلبت عليه الخشية من الله وتاب من قريب، ومما دل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣).
وقوله تعالى:. . . ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُُونَ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٥)
стр. 16269
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢).
وقد عاتب الله نبيه محمدا ﷺ إذ جاءه الأعمى مسرعا تحدوه الخشية من الله يطلب التذكير والتعليم والاستفتاء فتأخر عنه النبي ﷺ منشغلا عنه ببعض من كان يطمع في إسلامهم من المشركين فأنزل الله العتاب كما هو في صدر سورة عبس.
ثانيا: من السنة النبوية:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا (٣)».
وبين ﷺ هذه الفتن فقال: «بادروا بالأعمال ستا الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم (٤)» وفي رواية «وخاصة أحدكم (٥)»، والخاصة أو الخويصة: هي الموت (٦) ٧).، وأمر العامة: يوم القيامة (٧). .
وقال ﷺ أيضا: «بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا إلى فقر منس، أو غنى مطغ، أو مرض مفسد، أو هرم مفند، أو موت
стр. 16270
مجهز، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر (١)».
ففي هذه الأحاديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم الليل المظلم (٢).
وقال ﷺ : «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك (٣)».
وقال أيضا: «التؤدة في كل شيء خير إلا في أعمال الخير للآخرة (٤)».
كما جاءت السنة - أيضا - بالحض على المبادرة والمسارعة إلى الخيرات من فعل الطاعات، وترك المحرمات التي تكفر الذنوب وتستر الزلات، وتحصل الثواب والدرجات، وتدعو - أيضا - إلى الإسراع بالإقلاع عن الخطايا والآثام، فمن هذه النصوص مثلا: قوله ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة (٥)».
وقوله: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان
стр. 16271
على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح (١)».
وقوله: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن (٢)».
стр. 16272
الندب إلى المبادرة بأعمال مخصوصة بأعيانها
وأما الحض والندب إلى الإسراع والمبادرة في أعمال مخصوصة بأعيانها فهذا كثير في الكتاب والسنة، وسأقتصر على ذكر نماذج من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ومن ذلك:
الجهاد في سبيل الله تعالى:
من المعلوم أن الله كتب القتال على عباده المؤمنين مع ما في النفوس من كراهية له، ولهذا فإنه قد أنزل آيات كثيرة تحض على الجهاد وترغب فيه، وتغري المؤمنين بقتال الكافرين وتستجيش مشاعرهم على قتالهم وأمرهم بسرعة الاستجابة والمبادرة إلى النفير على كل حال، وذلك مسارعة إلى لقاء الله والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض ورزق أبدي غير منقطع، كما جاء التشنيع على كل من يتثاقل أو يتباطأ في الخروج إلى الجهاد، وبهذا يصبح القتال المكروه إلى النفوس طبعا من أغلى وأحلى ما يتمناه المسلم، يطير إليه شوقا وفرحا باذلا نفسه رخيصة إلى شاريها دونما أدنى مماطلة، وبهذا يتميز المؤمن الصادق من غيره.
فمن الآيات الدالة على الحض على القتال وعدم التأخر في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣)
стр. 16273
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ومن السنة:
قوله ﷺ : «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق (٣)».
وقوله: «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل (٤)».
وقوله: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (٥)».
стр. 16274
كما جاء الأمر بالمبادرة ببذل المال والتصدق في سبيل الله في الكتاب والسنة.
ففي الكتاب: مثلا:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
وفي السنة:
ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغني، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا (٣)» وفي رواية لفظ «وأنت صحيح حريص (٤)».
ففي هذه النصوص حث على الإسراع بالتصدق وبذل المال، وتحذير من تأخير ذلك، أو التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية، أو قبل نزول الجوائح المالية فيصبح الإنسان فقيرا بعد غناه
стр. 16275
فيعجز عن التصدق إذ لم يغتنم غناه في المبادرة إلى البذل والعطاء.
كما بينت هذه النصوص أن الصدقة حال الصحة مع وجود مظنة الشح والحرص لما يأمله الإنسان من البقاء والحذر من الفقر أصدق في النية وأعظم للأجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره، فسخاوة المريض بالمال في حال مرضه لا تمحو عنه شيمة البخل إذا لم يكن كذلك في حال صحته (١).
وقد جاء الأمر - أيضا - بالمبادرة والإسراع في أداء الصلوات الخمس في أوقاتها والتبكير لصلاة الجمعة والتوجه إليها بالقلوب والنية والخشوع، وأن للمبادر إلى ذلك من الأجر والفضل ما ليس لمن تباطأ وتأخر، بل قد يعاتب أو يعاقب المتأخر بحسب حاله.
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وقال ﷺ : «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة (٣)».
وقال ﷺ : - أيضا - «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير
стр. 16276
لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا (١)».
ومثل هذا يمكن أن يقال عن باقي العبادات وأعمال الخير والطاعات، فقد جاء الأمر - مثلا - بالإسراع بالحج إذ قال ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة (٢)». وهكذا فقد كان الصحابة ومن بعدهم يحضون على المبادرة، وأقوال الصحابة وأفعالهم في هذا لا تحصى كثرة، وسيأتي شيء منها في البحث وإليك بعض أقوال الصالحين ممن جاء بعدهم:
قال المنذر: سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه: ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر حتى كرر ذلك ستين مرة أسمعه ولا يراني (٣).
وكان الحسن يقول في موعظة: المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله ، رحم الله امرءا نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٤) يعني الأنفاس، آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك إحياء علوم الدين (٤/ ٤١٨) وقال الحسن: يتوسد المؤمن ما قدم من عمله في قبره إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، فاغتنموا المبادرة رحمكم الله في المهلة (٥).
стр. 16277
وكتب محمد بن سمرة السائح رسالة إلى يوسف بن أسباط يحذره فيها التسويف فكان مما قال: وبادر يا أخي فإنك مبادر بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك، وتذكر ما أسلفت، وقصرت، وفرطت، وجنيت، وعملت، فإنه مثبت محصى فكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبطت بما قدمت، أو ندمت على ما فرطت (١).
стр. 16278
٣ - الحض على التسابق والتنافس في الباقيات الصالحات
والتحذير من التنافس في الملذات والشهوات
والمنافسة: مأخوذة من الشيء النفسي، وهو كل ما يتنافس فيه ويرغب، قال تعالى:. . . ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) أي: في ذلك فيتراغب المتراغبون (٢). وقال أبو السعود عند قوله تعالى: وسابقوا أي: سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار (٣).
وقال ابن حجر: حقيقة السبق أن يتقدم على غيره في المطلوب (٤).
وظاهر أن التسابق والتنافس في عمل الخير مطلوب محمود إذ لا يمكن تصور سبق ومبادرة دون منافسة، وأما التنافس والتسابق على الدنيا وزهرتها وملذاتها فهذا مذموم منهي عنه.
ولما كانت الدنيا مجالا فسيحا للتسابق بين الناس ليس فقط في مجال الخير وعمل الطاعات بل في شتى المجالات بحسب الأهواء والرغبات - إذ للناس فيما يعشقون مذاهب وأهواء - فقد حرص الإسلام على أن يكون التسابق والتنافس في أعمال الآخرة، وحذر من التنافس في الدنيا وزهرتها فقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٥).
стр. 16279
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣).
وقال أيضا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٤).
وقد عاتب الله عباده المؤمنين إذ استبطأ إسراعهم إلى الخشوع والخوف منه وهم أحب الخلق إليه، وحذرهم من الغفلة وقسوة القلوب فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥).
قال ابن مسعود: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه
стр. 16280
الآية إلا أربع سنين) (١).
كما جاء التحذير في السنة النبوية من فتنة الدنيا والاغترار بها والتنافس فيها والانشغال بها عن المبادرة في الخيرات والتسابق فيها وذلك في نصوص كثيرة منها:
قوله ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٢)».
وعن عبد الله بن مسعود قال: «نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها (٣)».
وقد أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي عبد الله بن عمر ﵄ وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل (٤)» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك (٥).
وقال ﷺ :. . . . «إني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها (٦)» يعني: الدنيا.
وقال مرة لأصحابه: «أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من