لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا (١)».
ومثل هذا يمكن أن يقال عن باقي العبادات وأعمال الخير والطاعات، فقد جاء الأمر - مثلا - بالإسراع بالحج إذ قال ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة (٢)». وهكذا فقد كان الصحابة ومن بعدهم يحضون على المبادرة، وأقوال الصحابة وأفعالهم في هذا لا تحصى كثرة، وسيأتي شيء منها في البحث وإليك بعض أقوال الصالحين ممن جاء بعدهم:
قال المنذر: سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه: ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر حتى كرر ذلك ستين مرة أسمعه ولا يراني (٣).
وكان الحسن يقول في موعظة: المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله ، رحم الله امرءا نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٤) يعني الأنفاس، آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك إحياء علوم الدين (٤/ ٤١٨) وقال الحسن: يتوسد المؤمن ما قدم من عمله في قبره إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، فاغتنموا المبادرة رحمكم الله في المهلة (٥).
стр. 16277
وكتب محمد بن سمرة السائح رسالة إلى يوسف بن أسباط يحذره فيها التسويف فكان مما قال: وبادر يا أخي فإنك مبادر بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك، وتذكر ما أسلفت، وقصرت، وفرطت، وجنيت، وعملت، فإنه مثبت محصى فكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبطت بما قدمت، أو ندمت على ما فرطت (١).
стр. 16278
٣ - الحض على التسابق والتنافس في الباقيات الصالحات
والتحذير من التنافس في الملذات والشهوات
والمنافسة: مأخوذة من الشيء النفسي، وهو كل ما يتنافس فيه ويرغب، قال تعالى:. . . ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) أي: في ذلك فيتراغب المتراغبون (٢). وقال أبو السعود عند قوله تعالى: وسابقوا أي: سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار (٣).
وقال ابن حجر: حقيقة السبق أن يتقدم على غيره في المطلوب (٤).
وظاهر أن التسابق والتنافس في عمل الخير مطلوب محمود إذ لا يمكن تصور سبق ومبادرة دون منافسة، وأما التنافس والتسابق على الدنيا وزهرتها وملذاتها فهذا مذموم منهي عنه.
ولما كانت الدنيا مجالا فسيحا للتسابق بين الناس ليس فقط في مجال الخير وعمل الطاعات بل في شتى المجالات بحسب الأهواء والرغبات - إذ للناس فيما يعشقون مذاهب وأهواء - فقد حرص الإسلام على أن يكون التسابق والتنافس في أعمال الآخرة، وحذر من التنافس في الدنيا وزهرتها فقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٥).
стр. 16279
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣).
وقال أيضا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٤).
وقد عاتب الله عباده المؤمنين إذ استبطأ إسراعهم إلى الخشوع والخوف منه وهم أحب الخلق إليه، وحذرهم من الغفلة وقسوة القلوب فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥).
قال ابن مسعود: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه
стр. 16280
الآية إلا أربع سنين) (١).
كما جاء التحذير في السنة النبوية من فتنة الدنيا والاغترار بها والتنافس فيها والانشغال بها عن المبادرة في الخيرات والتسابق فيها وذلك في نصوص كثيرة منها:
قوله ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٢)».
وعن عبد الله بن مسعود قال: «نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها (٣)».
وقد أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي عبد الله بن عمر ﵄ وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل (٤)» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك (٥).
وقال ﷺ :. . . . «إني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها (٦)» يعني: الدنيا.
وقال مرة لأصحابه: «أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من
стр. 16281
كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم (١)».
فقد جاء التحذير في هذه النصوص الكريمة من التنافس في الدنيا مبينة أن الخشية من الغنى والتنافس في الأموال وجمعها أشد خطورة من الفقر، وذلك لأن فتنة الغنى غالبا ما تكون دينية وفتنة الفقر غالبا ما تكون دنيوية، ولهذا فقد جاء الندب إلى التقلل من الدنيا والحذر منها، وأن حال المسلم في الدنيا كحال الغريب عن وطنه أو المسافر لبعض أموره فإن كلا منهما يكون متقللا مقتصرا على ما هو ضروري من متاع أو طعام متطلعا إلى قضاء حاجته، متعلقا بعد الله بوطنه الذي سيرجع إليه.
والنهي عن الاستباق والتنافس هنا هو: في حالة ما إذا كان ليس فيه خدمة للآخرة ولا المصلحة العامة المشروعة وإلا فهو مباح ويكون من قبيل قوله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل (٢)».
ومن معاني الحسد في الحديث: " الاغتباط " وعلى هذا ترجم البخاري لهذا الحديث. أو هو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣) ويؤيده ما جاء في لفظ الحديث عند أحمد «لا تنافس بينكم إلا في اثنتين (٤)». . .
стр. 16282
وقال رسول الله ﷺ أيضا -: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر (١)» كما جاء عند أبي داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، والشافعي (٥)، وقال الشافعي: يحرم أن يكون السبق - يعني من أمور الدنيا - إلا في هذا، وهذا داخل في معنى ما ندب الله إليه وحمد عليه أهل دينه من الإعداد لعدوه.
стр. 16283
٤ - الرسول ﷺ يتعهد أصحابه بالتربية والقدوة حتى يصبح السبق
خلقا من أخلاقهم وجزءا غير منفصل عن ذواتهم
وقد أخذ الرسول ﷺ يربي أصحابه ويحضهم على المبادرة في الخيرات، والتسابق في الطاعات وينمي لديهم هذا الخلق ويعالج ما قد ينشأ عند بعضهم من فتور، أو قصور، أو تطلع زائد إلى الدنيا وزهرتها وذلك في سبيل بناء قاعدة صلبة قادرة على حمل أعباء المهمة الشاقة، مهمة حمل الرسالة وأداء الأمانة، ولهذا نجده ﷺ يوجه أمته توجيها رشيدا محذرا إياهم أن يزدروا نعمة الله عليهم وألا يتشوفوا - دائما - إلى ما عند الآخرين ممن هم فوقهم في المادة والغنى، لئلا يحملهم ذلك على المنافسة والمسابقة للحاق بهم فقال ﷺ : «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه (١)». وفي لفظ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله (٢)».
وعن عقبة بن عامر قال: «خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: " أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن عدادهن من الإبل (٣)».
стр. 16284
قال الحافظ ابن حبان: أضمر في الحديث كلمة وهي " لو تصدق بها " أي: فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين أو ثلاث لو تصدق بها (١).
ولعل النبي ﷺ استشعر ما بأهل الصفة من فقر وحاجة وانكسار قد يؤثران لو استمرا على نفوسهم بعض التأثير، فأراد أن ينسيهم ما هم فيه، ويرشدهم في الوقت نفسه إلى ما هو خير لهم من المال والغنى بل ومن الدنيا بأسرها، فأرشدهم إلى تعلم القرآن وأخبرهم بما لهم من الأجر والفضل.
وقد قسم رسول الله ﷺ غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم ومسلمة الفتح، ولم يعط الأنصار شيئا فوجد بعض الأنصار في نفسه، وبلغ ذلك النبي ﷺ ، فجمع الأنصار ليعالج هذا الأمر ويصلح الحال فكان مما قال: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم (٢)»؟ وفي لفظ: «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فبكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا (٣)»، وهكذا فقد صحح الرسول ما بنفوسهم وما التبس عليهم، وربطهم بالله بدلا من التعلق بالدنيا وزهرتها وذكرهم بما نسوه، وقد ذكر الواقدي: «أن الرسول ﷺ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا (٤)».
стр. 16285
ولعله ليس بخاف ما حصل للمخلفين الثلاثة في غزوة تبوك من تأخير التوبة عليهم - مع فضلهم وسبقهم - ومقاطعة المسلمين لهم فضاقت الأرض عليهم بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، فيقول أحدهم وهو كعب ﵁ واصفا حالهم: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكر لنا الناس ما هم الذين نعرف، وهكذا،. . . إلى أن أمروا باعتزال نسائهم وبقوا يبكون لا يكلمهم أحد ولا يرد عليهم سلاما، حتى أذن الله بالتوبة عليهم (١).
كل هذا لا لحرام اقترفوه ولا لجريمة جنوها سوى أنهم لم يبادروا إلى الخروج معه ﷺ في الغزوة لا لنفاق أو شك في قلوبهم ولكن تسويفا وتباطوءا، وهكذا كانت التربية في تلك الفترة تربية جادة، وكانت المؤاخذة لهؤلاء النفر الثلاثة مختلفة عن المؤاخذة لغيرهم من المنافقين والضعفاء، وذلك لإعداد مجتمع رباني وقاعدة صلبة للقيام بمهام الدعوة والدفاع عن الدين وأهله.
وهكذا بقي الرسول ﷺ يربي أصحابه ويتعهدهم ويغرس في نفوسهم روح السبق والمبادرة على ضوء ما يتنزل من الذكر الحكيم، وكان هو ذاته ﷺ لهم قدوة وأسوة حسنة في القول والفعل حتى أصبح هذا العنصر عنصر المبادرة شيمة من شيمهم، وجزءا لا ينفصل عن ذواتهم، يطيرون إليه مستسهلين كل صعب، مستعذبين كل مر، مستقربين كل بعيد، مستبعدين كل عذر وإن بدا وجيها، متجاهلين كل المعوقات
стр. 16286
نفسية كانت، أو اجتماعية، أو مادية، متشوفين إلى نظرة كريمة ربانية، متطلعين إلى جنة علية أبدية.
فهذا حنظلة الغسيل ﵁ قد ألم بأهله فلما سمع الهيعة في غزوة أحد بادر إلى الخروج جنبا وقد أخبرت زوجته أنها غسلت إحدى شقي رأسه فلما سمع الهيعة خرج فقتل، فقال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت الملائكة تغسله (١)».
وهذا عبد الله بن رواحة ﵁ أحد السابقين الأولين من الأنصار وأحد الأمراء الثلاثة في مؤتة يخاطب نفسه - وقد غازلته عندما أخذ الراية وترددت بعض التردد فتغلب عليها - قائلا (٢):
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنة
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
وهكذا يهجم ويقاتل حتى يلتحق بزيد وجعفر شهيدا ﵃ جميعا.
وهؤلاء البكاؤون الذين بادروا إلى تلبية النداء للنفير رغبة في صحبة البشير النذير ﷺ في الحصول على شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله تعالى، ولما لم يجدوا مركبا أو وسيلة تحملهم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع
стр. 16287
حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، نعم إنهم جاءوا مسرعين مبادرين غير معتذرين ولا متعللين بالفقر والحاجة، فنظر الله إلى قصدهم وسلامة نيتهم فعذرهم ورفع الحرج عنهم ﵃.
وهكذا بفضل التوجيهات الربانية ثم التربية النبوية يتأصل في أذهان الصحابة وفي عقولهم أنهم لا بد وأن يكونوا - دائما - سباقين إلى الخيرات مهما كانت الصعاب أو المعوقات، ولهذا فإنهم كانوا يتألمون بل قد يقفون حائرين - أحيانا - في بعض المواقف التي لم يكتب لهم فيها السبق أو الديمومة عليه، أو تحقيق النصر مما يستدعي معالجة حالاتهم، ومسح آلامهم وتخفيف مصابهم وتطييب مشاعرهم.
فهذا الصحابي الجليل: حنظلة الأسيدي يرمي نفسه بالنفاق عند أبي بكر ﵁ ثم عند النبي ﷺ ويقول: «نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قال حنظلة: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا نراها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة (١)» ثلاث مرات.
ويستلم خالد بن الوليد ﵁ الراية بعد استشهاد القادة الثلاثة في سرية مؤتة، وبخدعة ذكية ومن غير تول من المعركة يستطيع
стр. 16288
هذا البطل - أن ينجو هو ومن معه بسلامة، وبالرغم أن الرسول ﷺ أخبر الناس بما فعل القادة الثلاثة وبما حصل للجيش إلا أن الناس جعلوا يحثون على الجيش التراب عند رجوعهم قائلين لهم: يا فرار فررتم في سبيل الله، ويقول الرسول ﷺ : «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى (١)». وما فعل الناس هذا الفعل، وما استقبلوا الجيش هذا الاستقبال إلا لأنه تأصل عندهم أن المسلم ينبغي عليه أن يجاهد ولا ينهزم، فإما أن ينتصر وإما أن ينال الشهادة، ولذا فقد اعتبروا رجوعهم بلا نصر أو شهادة فرارا.
وهؤلاء أهل الحديبية يأمرهم النبي ﷺ بعد الصلح بأن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم، وكرر ذلك عليهم ثلاثا فلم يقم منهم أحد، وإنما لم يفعلوا ذلك ليس عصيانا لأمره ﷺ فهم لم يتنخم رسول الله ﷺ إلا ابتدروا نخامته يدلكون بها وجوههم وجلودهم، وما توضأ إلا تزاحموا على وضوئه، وما أمرهم إلا ابتدروا أمره، ولكن الموقف أخذهم هذه المرة وهم ما زالوا يتشوفون إلى بلوغ غايتهم ودخول مكة وإتمام نسكهم، خاصة وأنهم يعتقدون أنهم أهل للغلبة والعزة والنصر، وأنهم على حق وعدوهم على باطل، فلما رأى رسول الله ﷺ ما حصل لهم قام دون أن يكلمهم فنحر هديه وحلق رأسه، فما كان منهم إلا أن بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبق بعد غاية تنتظر (٢).
стр. 16289
٥ - تسابق الصحابة ﵃ وتنافسهم في الجهاد
بالأموال والأنفس في سبيل الله متحدين الصعاب بلا ضجر أو ملل
لقد كان الصحابة يبادرون ويسابقون في الطاعات، بل ويتنافسون في ذلك، ومن أمثلة ذلك:
ما فعله الفقراء إذ جاءوا إلى النبي ﷺ ومنهم: أبو ذر، وأبو الدرداء، ﵃، فقالوا: «ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون قال: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين. . . . (١)» الحديث.
وظاهر أنه لم يأت بهؤلاء الصحابة ﵃ الحسد لإخوانهم الأغنياء، لا بل جاء بهم حب المبادرة، والرغبة في السبق والمنافسة في فعل الطاعات، فهم يريدون أن يلحقوا بإخوانهم ليحرزوا من الأجر ما أحرزوه، وهكذا يوجههم الرسول ﷺ إلى ما يحقق رغبتهم ويخفف ما بهم، من غير أن يوجههم إلى المنافسة في الدنيا وجمع الأموال، وإن كان بغرض التصدق والطاعات.
" وهؤلاء الأوس والخزرج، كانوا في الجاهلية يتنافسون في العداوة، والبغضاء، والحروب، والثارات، فكان مما صنع الله به لرسوله ﷺ أنهما أصبحا بعد الإسلام يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، لا تصنع
стр. 16290
الأوس شيئا عن رسول الله ﷺ غناء إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذا فضلا علينا عند رسول الله ﷺ وفي الإسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك، فقد قتلت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ فقالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا، فتذاكروا من رجل لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله فأذن لهم فذهبوا إليه فقتلوه. . . " (١).
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لأسماء بنت عميس ﵂ وقد قدمت مع من قدم من الحبشة في السفينة -: «آلحبشية هذه؟ آلبحرية هذه؟ فقالت: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم فغضبت. . . وقالت: وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ذلك لرسول الله ﷺ . . . فلما أخبرت رسول الله ﷺ قال: ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أصحاب السفينة هجرتان، قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ (٢)» -.
وهكذا لا يخفى ما في هذا الخبر من حرص الصحابة ﵃ على السبق والمبادرة والتنافس في أمور الآخرة، كما لا يخفى ما أصاب هذه الصحابية - عندما قال لها عمر: سبقناكم. . . - من غضب
стр. 16291
واضطراب نفسي حتى إنها عافت الأكل والشرب ولم تهدأ حتى سمعت قول النبي ﷺ ، فكان لقوله هذا وقع كبير عليها وعلى أصحاب السفينة لدرجة أنهم كانوا يأتونها أرسالا يسمعون منها هذا الخبر ويستذكرونه.
стр. 16292
نماذج من مبادرات الصحابة وتنافسهم في الجهاد في سبيل الله:
وسأقتصر هنا على ذكر نماذج من جهاد الصحابة بالأموال والأنفس في سبيل الله وتنافسهم في هذا، وذلك لأن النفس والمال هما خير ما يملك الإنسان بعد تقوى الله ، وهما أكثر ما يحرص عليه الناس في دنياهم، فمن يضحي بنفسه في سبيل الله، ويضحي كذلك بماله يكون من باب أولى أن يبذل ما عداهما، والصحابة - رضوان الله عليهم - بما امتن الله عليهم من معايشة التنزيل ومصاحبة البشير النذير قد سطروا أروع الأمثلة في هذا المجال، وإليك - زيادة على ما ذكر آنفا - نماذج من هذا الجهاد والتنافس فيه.
أولا - الجهاد بالأنفس وحب الاستشهاد في سبيل الله:
زيادة على ما مر من أمثلة كثيرة حول جهاد الصحابة ﵃ بالأنفس فإنني سأذكر هنا - أيضا - نماذج توضح سبقهم وتنافسهم في حب الشهادة.
فقد حرض الرسول ﷺ الناس على الجهاد يوم بدر وقال: «لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة (١)» فقال عمير بن الحمام: (وفي يده تمرات يأكلهن) بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده،
стр. 16293
وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل (١).
وقد غاب أنس بن النضر ﵁ عن بدر فشق عليه ذلك وقال: «لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد أسرع إلى المعركة، وهو يقول: إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته: فما عرفت أخي إلا ببنانه (٢)».
وقد رصد معاذ بن عمرو بن الجموح أبا جهل في بدر حتى أمكنه الله منه فقطع رجله قال عمرو: (وضربني ابنه - يعني ابن أبي جهل - فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنها، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها) (٣).
ولا يخفى مدى صبر هذا الصحابي ومصابرته، إذ أشغله القتال عن يده وبقي يسحبها خلفه، وأخيرا رمى بها.
وهذا عمرو بن الجموح رجل شديد العرج وهو ممن عذر الله، وله أربعة أبناء مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، يصر على الخروج يوم أحد قائلا: (إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة) فقتل شهيدا (٤).
стр. 16294
ولما طلب الرسول ﷺ من أصحاب أحد الخروج في اليوم الثاني طلبا للقوم، وقد أصاب المسلمين ما أصابهم من ألم وجراح خرجوا من غير تردد أو تذمر، فقد قال رجل من بني عبد الأشهل: (شهدت أحدا مع رسول الله ﷺ أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت لأخي: أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحا فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون) (١).
وقد كان حسيل بن جابر اليماني " وقيل حسل "، وثابت بن وقش شيخين كبيرين، فبقيا مع النساء والصبيان في غزوة أحد فقال أحدهما لصاحبه: (لا أبا لك ما تنظر؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ ) فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه (٢).
ولما قرأ أبو طلحة ﵁ قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). قال: (أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت
стр. 16295
مع رسول الله ﷺ حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات. . . .) (١).
وقد حضرت أم عمارة نسيبة بنت كعب ﵂ أحدا تسقي الماء، فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله ﷺ فقامت تباشر القتال، وتذب عنه بالسيف، وترمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراحة إليها (٢).
وكانت أم سليم بنت ملحان ﵂ ممسكة بخطام جملها صامدة مع من صمد مع رسول الله ﷺ يوم حنين ومعها خنجر تقول: «إن دنا مني أحد من المشركين بعجته وتقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنك لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ : أو يكفي الله يا أم سليم (٣)».
وقد بادر أولاد الصحابة ﵃ في الاشتراك في الجهاد، فهذا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، يقف أحدهما عن يمين عبد الرحمن بن عوف ﵁، والآخر عن يساره، ويقول كل واحد منهما لعبد الرحمن سرا عن صاحبه: «يا عم هل تعرف أبا جهل؟ فيقول عبد الرحمن: نعم ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فيقول الشاب: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول عبد الرحمن: فتعجبت لذلك، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ابتدراه بسيفيهما
стр. 16296
فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته (١)».
وقد سبق أن معاذا قطع رجل أبي جهل، وأن ابن أبي جهل قطع يد معاذ ولا منافاة بين الخبرين، والله أعلم.
(وقد عرض رافع بن خديج على رسول الله ﷺ في غزوة بدر فرده لصغر سنه ثم أجازه في أحد، وجاء سمرة بن جندب إلى رسول الله ﷺ فرده، فقال سمرة: أجزت رافعا ولو صارعته لصرعته، فصارع رافعا بحضرته فصرعه فأجازه، وكان رافع ابن خمس عشرة سنة وكان راميا) (٢).
وقد «أخذ رسول الله ﷺ سيفا يوم أحد فقال: (" من يأخذ مني هذا "؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا. فقال: " من يأخذه بحقه "؟ فأخذه سماك أبو دجانة وقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: " أن تضرب به العدو حتى ينحني "، فأخذه وأخرج عصابة حمراء تسمى عصابة الموت فعصب بها رأسه وجعل يتبختر، وهي علامة، على شدة بأسه واستعداده لإعطاء هذا السيف حقه كما وعد) (٣)».
وهذا «علي ﵁ كان قد تخلف عن النبي ﷺ رمدا، فخرج فلحق بالنبي ﷺ ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله: لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله
стр. 16297
يفتح الله على يديه ". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، وفي بعض الألفاظ: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: امش على رسلك ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟. . . . . (١)» إلخ.
ولا يخفى ما في هذه القصة من تسابق الصحابة. وتنافسهم على أخذ الراية والفوز بمحبة الله ورسوله، كما لا يخفى موقف علي ﵁ وخروجه إلى الغزو متناسيا ما به من ألم الرمد وغير متعلل بذلك.
وهذا أبو محجن الثقفي ﵁، كان سجينا في بيت سعد بن أبي وقاص أثناء معركة القادسية، وكان سعد مريضا - يومئذ - وفرسه تجول، فتعطش أبو محجن إلى القتال، ولم يصبر عن المسارعة إلى أداء الواجب والاشتراك في المعركة فطلب من زوج سعد أن تخلي سبيله، ويعدها إن سلمه الله أن يأتي ويضع رجله في القيد، وهكذا يخرج أبو محجن على فرس سعد ويبلي بلاء حسنا، فيتعجب الناس له، ثم يعود ويضع رجله في القيد كما وعد (٢).
وهكذا لم يمنع السجن أو القيد هذا البطل من القيام بالواجب، وكان من الممكن أن يقول يكفيني ما أنا فيه من سجن، وقيد، وهم،
стр. 16298
وحزن أن لو كان الأمر أمرا سهلا أو أمر أعذار ومراوغة، ولكنها التربية الجهادية التي أشربها الصحابة أجمعون، ومنهم هذا البطل.
وهكذا فإن حب الشهادة وحب لقاء الله قد سرى في عروقهم، وأشربتها قلوبهم، فكان الواحد منهم يطير إلى الشهادة حامدا الله شاكرا لأنعمه مودعا الرسول ﷺ داعيا له إذ كان سببا في بلوغه هذه النعمة، فالجراح وآلامها ومفارقة الدنيا والأحباب كل ذلك لا ينسيهم توديعهم الرسول ﷺ .
فهذا سعد بن الربيع يقول لمن أرسله النبي ﷺ لينظر هل في الأحياء هو أم في الأموات؟ وذلك في غزوة أحد، قال سعد: (أنا في الأموات فأبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ﷺ ومنكم عين تطرف، قال الرجل ثم لم أبرح حتى مات) (١).
وهذه امرأة من بني دينار ينعى لها يوم أحد زوجها، وأخوها، وأبوها وتقول: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان وتقول: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (٢)، تريد صغيرة.
وهذا أبو عامر الأشعري ﵁ أمير جيش أوطاس أصيب في تلك السرية، وأمر أبا موسى الأشعري بعده وقال له: أقرئ النبي ﷺ
стр. 16299
وقل له: استغفر لي، ثم مات (١).
ثانيا: الجهاد بالأموال في سبيل الله:
فلم يكن الصحابة ﵃ ليبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، ثم يضنوا بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل الله، بل إنهم ضربوا أروع الأمثلة في البذل، والعطاء، والتضحية، والبلاء، سواء منهم المقل، أو المكثر، الأنصاري، أو المهاجر، وكيف لا يكونون كذلك وقد كان المهاجرون هجروا أرضهم، وديارهم، وأقرباءهم، وأموالهم وأرخصوها في سبيل الله.
فهذا صهيب ﵁ مثلا - تمنعه قريش من الهجرة، فيتخلى لهم عن جميع ماله مقابل أن يخلوا سبيله، فيقول النبي ﷺ : «ربح صهيب، ربح صهيب (٢)».
وهؤلاء الأنصار في العقبة الثانية يبايعون الرسول ﷺ على أن يحموه وإن أدى ذلك إلى مصيبة الأموال وهلاكها وقتل الأشراف والأبناء، ولهم بذلك الجنة (٣). وعندما جاءهم المهاجرون استقبلوهم، وآووهم، وآزروهم كما هو معروف.
ومن الأمثلة على مبادرة الصحابة ﵃ بالمال وجهادهم في ذلك ومنافستهم فيه - زيادة على ما ذكر -.
قال رسول الله ﷺ : «سبق درهم مائة ألف درهم قالوا: كيف؟ قال: كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله
стр. 16300
فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها (١)».
فهكذا كان الرسول ﷺ يشجع أصحابه على التنافس في الجهاد بالأموال.
وعن أبي مسعود برواية شقيق عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالصدقة، فما يجد أحدنا شيئا يتصدق به حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء بالمد فيعطيه رسول الله ﷺ إني لأعرف اليوم رجلا له مائة ألف ما كان له يومئذ درهم (٢)».
ويحث النبي ﷺ أصحابه على الصدقة، فيتصدق عبد الرحمن بن عوف ﵁ وغيره من الأغنياء بمال كثير، ويجيء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر، قد كان بات ليلته يجر] بالجرير على صاعين فيترك صاعا لعياله ويتصدق بالآخر، وكان تصدق هؤلاء الصحابة من أغنياء وفقراء كل بحسب طاقته ووسعه شيئا رائعا، مما جعل المنافقين ومرضى القلوب يلمزونهم ويتهمونهم (٣).
وقد «جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة وعوز شديد، فتمعر وجه رسول الله ﷺ حتى رؤي ذلك في وجهه، فخطب الناس وحثهم على الصدقة، فتسابق الناس فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام
стр. 16301
سنة حسن فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء (١)».
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا (٢)».
وقال عمر ﵁ في حديث آخر:. . . . إنه - يعني أبا بكر - سباق بالخيرات ما استبقنا خيرا قط، إلا سبقنا إليها أبو بكر (٣).
وهكذا فإن الأمثلة على تسابق الصحابة ﵃ في الجهاد بالأنفس والأموال في سبيل الله كثيرة لا يحصيها عاد، ولا يستقصيها مستقص، ولا يستوعبها ديوان جامع، وليس في هذا فحسب بل كانوا سباقين في جميع الميادين الخيرة وما أكثرها، مبادرين في كل الظروف والأحوال، مما جعلهم يستحقون ثناء الله تعالى، وثناء رسوله ﷺ عليهم وهم أهل لكل ذلك، فرضي الله عنهم جميعهم وأرضاهم.
стр. 16302
٦ - من نتائج المبادرة والمسابقة وآثارها على الصحابة ﵃ -
مما لا شك فيه أن الصحابة ﵃ هم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ ، وكان هذا الفضل بسبب السبق إلى الإسلام وشرف صحبة الرسول ﷺ والتضحية بالنفوس وبكل ما هو نفيس لإعلاء كلمة التوحيد، ولا يخفى أن لكل بداية صعوبات إذ مرحلة التكوين أو التأسيس ليست كالمراحل التالية لها، وهكذا فإن السبق والمبادرة إلى فعل الخيرات كان له أثر كبير على حياة الصحابة ﵃ أفرادا، وجماعات، بل وعلى غيرهم سواء ممن عاصرهم وأدركهم من المسلمين، أو لم يعاصرهم وهذا الأمر وإن كان واضحا ظاهرا من خلال ما مر سابقا في هذا البحث إلا أنني سأبرز بعض هذه النتائج والآثار نظرا لما لها من أهمية بالغة في حياة الأمة، فمن هذه الآثار:
أولا - الفوز بالدرجات العلى والمكانة العظيمة في العاجلة والآجلة:
فمن الثابت في الكتاب والسنة واتفاق الأمة أن الصحابة ﵃ هم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ ، وهم مع تفضيلهم على غيرهم يتفاضلون - أيضا - فيما بينهم بحسب سبقهم وجهادهم، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من غيرهم ممن جاء بعدهم، ولأهل بدر من هؤلاء ما ليس لغيرهم، ولمن أسلم من قبل الفتح وهاجر وجاهد بماله ونفسه من الفضل ما ليس لمن فعل هذا بعد الفتح، وهكذا يوجد أيضا - لبعض الأشخاص من جميع هؤلاء ما لغيرهم بالجملة،
стр. 16303
وذلك لسبقهم وشدة بلائهم وتضحياتهم.
ولهذا فقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٣) ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٤) ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٥) ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٦).
وقال تعالى:. . . . . ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٧).
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٨) ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٩).
وقال الحافظ ابن حجر تعليقا على حديث حذيفة ﵁ إذ قال: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا (١٠)». . . (١١) قال ابن حجر: قوله: سبقا بعيدا: أي ظاهرا ووصفه بالبعد لأنه غاية شأو السابقين، والمراد أنه خاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام، فإذا تمسك بالكتاب والسنة سبق إلى كل خير، لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم
стр. 16304
يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعد منه حسا وحكما (١).
ولقد عرف الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁ فضله على غيره، وذلك لأنه حائز قصب سبق الأمة إلى الإسلام، وإلى مؤازرة الرسول ﷺ وملازمته ولهذا فقد قال الرسول ﷺ : «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي (٢)» قالها مرتين فما أوذي بعدها (٣).
ولم يزل الرسول ﷺ مفضلا خديجة ﵂ على سائر أزواجه وذلك لسبقها وفدائها الإسلام بنفسها ومالها، وتضحيتها البالغة في ذلك، وهذا ما جعل عائشة ﵂ تغار منها إذ قالت: «ما غرت على امرأة للرسول ﷺ ، كما غرت على خديجة لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها وثنائه عليها، وقد أوحي إلى رسول الله ﷺ أن يبشرها ببيت لها في الجنة من قصب (٤)».
وقال عمر ﵁ لعدي بن حاتم: أسلمت إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا فقال عدي: فلا أبالي إذن (٥).
وقال عمر لعدي أيضا: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء جئت بها إلى رسول الله ﷺ (٦)، وقول عمر
стр. 16305
هذا وإن كان فيه تفضيل نسبي، إلا أنه له دلالته بشكل عام.
وهكذا فإنه لا يخفى ما لاقى الصحابة السابقون من الابتلاءات والمحن والمصاعب والفتن، كل هذا وهم صابرون على قلة عددهم وضيق ذات يدهم، فبقيت قافلة الإيمان سائرة، وكذا قافلة الشهداء إلى أن قوي الإسلام واكتمل نوره، واندحر الشرك وعفا أثره، ولهذا استحق هؤلاء السابقون إلى الخيرات السبق إلى رضوان الله وأعلى الدرجات، إذ الجزاء من جنس العمل فهنيئا لهم ﵃.
ثانيا - السبق والمبادرة دليل على وجود الخشية من الله لدى الإنسان:
فالصحابة ﵃ وإن كانوا أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ إلا أن الصفة الغالبة عليهم هي الخشية والخوف من الله ، والسبق غالبا ما يدل دلالة واضحة على هذه الخشية، بل هو أثر من آثارها، فكلما وجد السبق أو تكرر كان ذلك مؤشرا على وجود الخشية وحجمها لدى المبادر، ولهذا يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٢).
وقال ﷺ : «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة (٣)». فالخشية والسبق متلازمان، ويتأثر كل واحد منهما بالآخر ويتجدد به، وهكذا كان الصحابة ﵃
стр. 16306
في أغلب أحوالهم مبادرة وخشية.
ثالثا - السابق والمبادر غالبا ما يثبت على سبقه، بل قد يتقدم دون تأخر:
إن من طبائع الناس عموما وعلى اختلاف مذاهبهم وأهوائهم حب الازدياد، فمن كانت الدنيا وشهواتها همه ومطلبه لا يزال يسابق وينافس طلبا للمزيد منها دون كلل أو شبع، ومن كان همه طلب العلم والتفوق فيه على أقرانه لا يزال يدأب ويجهد محاولا البقاء على مستواه دونما تأخر أو تراجع، وطلب الآخرة والمبادرة بالخيرات والسبق فيها من باب أولى أن يحرص على الاستمرار وعدم التراجع، بل يطمع في الازدياد والتقدم دون فتور أو ملل مهما كانت الصعوبات والتضحيات.
فهذا كعب بن مالك ﵁، قد وصل به الحال ما وصل من مقاطعة أصحابه إياه وأمر - أخيرا - باعتزال زوجته وقد جاءه وهو في هذه الحال التي مر ذكرها - كتاب من ملك غسان يدعوه بل يرجوه فيه أن يلحق به، ليواسيه ويعرف له حقه وقدره، ولكنه مع كل هذا أحرق الكتاب، وصبر هو وصاحباه حتى تاب الله عليهم.
وهؤلاء أهل الحديبية مع شدة حبهم لرسول الله ﷺ وتسابقهم على إرضائه وحبه يأخذهم موقف الصلح - كما سبق - ويقفون حائرين لأنهم كانوا يعتقدون أنهم سابقون منصورون فلم يسالموا أو يصالحوا، ويرجعون دون أداء نسكهم ودخولهم مكة.
وهذا بلال، وعمار، وياسر، وسمية، وغيرهم من الضعفاء يسامون أشد ألوان العذاب والابتلاء، فكانوا كلما ألهبت جلودهم السياط، أو
стр. 16307
الصخور الصماء تطلعوا عليا إلى السماء وكلما ذكرت لهم عبادة الأسياد والآباء ازدادوا لربهم توحيدا وثناء، وهكذا كانوا طوال بقائهم صبرا ومضاء، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
رابعا - السبق أو المبادرة فرص ثمينة يفوز بثمراتها المبادرون فيها وإلا فلربما يصرف الإنسان عنها ويندم على فواتها:
ولهذا فقد كان الصحابة ﵃ سابقين مغتنمين الفرص الطاعات مجندين كل طاقاتهم وقدراتهم لذلك، فكلما لاحت لأحد فرصة في عمل الخير والطاعة سبق إليها من غير انتظار، أو تسويف وذلك خشية من تغير الأحوال وتضييع الفرص إذ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢).
ولهذا فقد قال العلماء: إن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف لئلا يحرمها (٣)، ولقد جاء في الحديث الذي قال فيه ﷺ : «يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب. . . . . فقال عكاشة ابن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: " نعم " فقال آخر: أمنهم أنا؟ قال: " سبقك بها عكاشة (٤)».
стр. 16308
وهكذا فقد كان لاستغلال الفرص والمبادرات فيها أكبر الأثر على الصحابة ﵃ وعلى من بعدهم - كما مر -.
خامسا - السبق أو المبادرة إلى الخيرات يلائم الفطرة:
فالإكثار من هذه المبادرات ينمي هذا الخلق عند صاحبه، ويحول بينه وبين الهبوط إلى الرذائل أو المغريات المادية الدنيوية.
والصحابة - رضوان الله عليهم - طلبوا الدنيا وزهدوا فيها في آن واحد، وذلك أنهم طلبوها واشتغلوا بها من جهة أنها عون على شكر الله عليها، ومركب للآخرة فكان طلبهم لها - والحالة هذه - عبادة من جملة عباداتهم، وتركوها وزهدوا فيها من جهة أنها مقتنص للذات، ومآل للشهوات، ومجرد نوال مأكول ومشروب وملبوس ومركوب فحسب، فكان تركهم لها على هذا المعنى أيضا عبادة من جملة عباداتهم، ولهذا فقد كان انشغالهم بها على معنى أنها عبادة، فبادروا إلى كل ما من شأنه أن يعود عليهم وعلى الأمة بالنفع الأخروي.
سادسا - الشعور بالطمأنينة النفسية والغبطة والسرور:
فنظرا لما في المبادرة أو السبق من إرضاء للرب واتباع لنبيه ﷺ ، وإعزاز للإسلام وأهله وإرغام للشيطان وحزبه، فإن المبادرين السابقين بالخيرات يسرون لذلك وتحصل لهم السكينة والطمأينة، بل والغبطة لفعلهم هذا، الأمر الذي يجعلهم يستمرون في عملهم ويزدادون في سبقهم.
وقد ترجم البخاري لحديث: «لا حسد إلا في اثنتين (١)». . . فقال: باب اغتباط صاحب القرآن، ومما ذكر ابن حجر تعليقا على هذه الترجمة
стр. 16309
قال: وهذا فعل صاحب القرآن فهو الذي يغتبط، وإذا كان يغتبط بفعل نفسه كان معناه أنه يسر ويرتاح بعمل نفسه، وقيل: معناه: أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن، فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى إذا سمع هذه البشارة الواردة في حديث الصادق (١).
فالصحابة ﵃ وإن كان الخوف والخشية من الله خلقا غالبا عليهم ودافعا ملازما لهم يدفعهم - دائما - إلى المبادرة والسبق في الطاعة، إلا أنهم كانوا في الوقت نفسه كلهم أملا ورجاء بالله وتوكلا عليه، واستغناء به عن أحد من خلقه، وطمأنينة بحكمه وقضائه وكان هذا الأمل والاطمئنان كذلك دافعا وحافزا لهم على السبق والمبادرة، الأمر الذي جعلهم يضاعفون جهودهم ويتسابقون إلى فعل الخيرات مما كان له كبير الأثر عليهم وعلى الأمة من بعدهم.
стр. 16310
سابعا - المبادرة والمسابقة فيها تنشيط للهمم وإذكاء للعزائم وبعث لروح المنافسة بوجود القدوة:
وهكذا فإن الصحابة ﵃ كانوا روحا نابضة، وقوة متجددة، وصفحة مشرقة لم تزدها الأيام إلا قوة ومضاء ولا الأحداث إلا نصوعا وإشراقا، فكانوا يبادرون إلى كل خير ويتنافسون في الاستباق إليه، ويكفيهم فخرا وعزا أنهم - على رغم ما مروا به من ظروف قاسية - سطروا أروع الأمثلة وأنصعها في بلوغ الكمال الإنساني، إذ من السابقين المضحين
стр. 16311
منهم تكون نواة لمجتمع رباني نما واتسع فيما بعد بسرعة فائقة حتى عم خيره بقاع الدنيا بأسرها، ولا تزال آثاره باقية بفضل الله تعالى.
فهذا الذي فعلوه وحققوه ليس ضربا من ضروب الأحلام، أو الخيال، أو المحال، لا بل هو مثال واقع محسوس في دنيا الناس وعلى أرضهم، وسنة سنوها وحازوا سبقها فنالوا أجرها وأجر من تبعهم فيها.
وأخيرا فلئن كانت حياة الصحابة ﵃ كلها مليئة بالصور المضيئة المشرقة فإنني لأرجو أن أكون قد وفقت في عرضي لجانب من هذه الجوانب المشرقة من حياتهم، وذلك تذكيرا بجهادهم وسبقهم وتنويها بمنزلتهم وفضلهم.
سائلا الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء، وأن يمتن علينا بحسن الاتباع والاقتداء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 16312
المراجع
١ - القرآن الكريم.
٢ - إحياء علوم الدين: الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥) دار القلم، بيروت، ط ١.
٣ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبي السعود): أبو السعود ابن محمد العمادي (ت: ٩٨٢ هـ). تحقيق: عبد القادر عطا. نشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
٤ - الاستيعاب في أسماء الأصحاب: أبو عمر يوسف بن عبد البر (ت: ٤٦٣) مطبعة السعادة، مصر، ط ١، ١٣٢٨ هـ بهامش الإصابة.
٥ - أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٠ هـ)، دار الفكر.
٦ - الإصابة في تمييز الصحابة: الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢)، دار صادر، بيروت.
٧ - اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ط ٥، سنة ١٤٠٤ هـ.
٨ - الأم: محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤، دار المعرفة، بيروت، إشراف: محمد النجار.
٩ - تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير (ت: ٧٧٤)، طبعة دار إحياء الكتب العربية، مصر.
стр. 16313
١٠ - تلخيص المستدرك: أبو عبد الله الذهبي (ت: ٧٤٨) بهامش المستدرك.
١١ - جامع البيان عن تأويل القرآن (تفسير الطبري): أبو جعفر محمد بن جرير (ت: ٣١٠). تحقيق: أحمد شاكر، ومحمود شاكر، نشر مكتبة ابن تيمية، ط ٢.
١٢ - الجامع الصحيح: محمد بن إسماعيل البخاري مع شرح فتح الباري، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٠ هـ.
١٣ - الجامع الصحيح: مسلم بن الحجاج النيسابوري: ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي.
١٤ - الجامع الصحيح: أبو عيسى الترمذي بشرح تحفة الأحوذي. مطبعة المدني، ١٣٨٣ هـ.
١٥ - السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. دار إحياء السنة النبوية.
١٦ - السنن: أحمد بن شعيب النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) اعتناء وترقيم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ط ٢، بيروت، ١٤٠٩ هـ.
١٧ - السنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨)، حيدر آباد الدكن، الهند، ط١، ١٣١٤ هـ.
١٨ - السيرة النبوية: أبو محمد عبد الملك بن هشام. تحقيق: مصطفى السقا وآخرين، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط ٢، ١٣٧٥ هـ.
١٩ - شرح صحيح مسلم: محيي الدين بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، المطبعة المصرية.
стр. 16314
٢٠ - الصحيح: أبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت: ٣٥٤)، ترتيب علاء الدين الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وحسين أسد، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٤ هـ.
٢١ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: ابن سيد الناس، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ١، ١٩٧٧ م.
٢٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني. المكتبة السلفية. القاهرة، ١٣٨٠ هـ.
٢٣ - لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت.
٢٤ - المستدرك على الصحيحين: الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم (ت: ٤٠٥)، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ.
٢٥ - المسند: أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت.
٢٦ - الموطأ: مالك بن أنس، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة