منهم تكون نواة لمجتمع رباني نما واتسع فيما بعد بسرعة فائقة حتى عم خيره بقاع الدنيا بأسرها، ولا تزال آثاره باقية بفضل الله تعالى.
فهذا الذي فعلوه وحققوه ليس ضربا من ضروب الأحلام، أو الخيال، أو المحال، لا بل هو مثال واقع محسوس في دنيا الناس وعلى أرضهم، وسنة سنوها وحازوا سبقها فنالوا أجرها وأجر من تبعهم فيها.
وأخيرا فلئن كانت حياة الصحابة ﵃ كلها مليئة بالصور المضيئة المشرقة فإنني لأرجو أن أكون قد وفقت في عرضي لجانب من هذه الجوانب المشرقة من حياتهم، وذلك تذكيرا بجهادهم وسبقهم وتنويها بمنزلتهم وفضلهم.
سائلا الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء، وأن يمتن علينا بحسن الاتباع والاقتداء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 16312
المراجع
١ - القرآن الكريم.
٢ - إحياء علوم الدين: الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥) دار القلم، بيروت، ط ١.
٣ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبي السعود): أبو السعود ابن محمد العمادي (ت: ٩٨٢ هـ). تحقيق: عبد القادر عطا. نشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
٤ - الاستيعاب في أسماء الأصحاب: أبو عمر يوسف بن عبد البر (ت: ٤٦٣) مطبعة السعادة، مصر، ط ١، ١٣٢٨ هـ بهامش الإصابة.
٥ - أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٠ هـ)، دار الفكر.
٦ - الإصابة في تمييز الصحابة: الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢)، دار صادر، بيروت.
٧ - اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ط ٥، سنة ١٤٠٤ هـ.
٨ - الأم: محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤، دار المعرفة، بيروت، إشراف: محمد النجار.
٩ - تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير (ت: ٧٧٤)، طبعة دار إحياء الكتب العربية، مصر.
стр. 16313
١٠ - تلخيص المستدرك: أبو عبد الله الذهبي (ت: ٧٤٨) بهامش المستدرك.
١١ - جامع البيان عن تأويل القرآن (تفسير الطبري): أبو جعفر محمد بن جرير (ت: ٣١٠). تحقيق: أحمد شاكر، ومحمود شاكر، نشر مكتبة ابن تيمية، ط ٢.
١٢ - الجامع الصحيح: محمد بن إسماعيل البخاري مع شرح فتح الباري، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٠ هـ.
١٣ - الجامع الصحيح: مسلم بن الحجاج النيسابوري: ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي.
١٤ - الجامع الصحيح: أبو عيسى الترمذي بشرح تحفة الأحوذي. مطبعة المدني، ١٣٨٣ هـ.
١٥ - السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. دار إحياء السنة النبوية.
١٦ - السنن: أحمد بن شعيب النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) اعتناء وترقيم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ط ٢، بيروت، ١٤٠٩ هـ.
١٧ - السنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨)، حيدر آباد الدكن، الهند، ط١، ١٣١٤ هـ.
١٨ - السيرة النبوية: أبو محمد عبد الملك بن هشام. تحقيق: مصطفى السقا وآخرين، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط ٢، ١٣٧٥ هـ.
١٩ - شرح صحيح مسلم: محيي الدين بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، المطبعة المصرية.
стр. 16314
٢٠ - الصحيح: أبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت: ٣٥٤)، ترتيب علاء الدين الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وحسين أسد، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٤ هـ.
٢١ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: ابن سيد الناس، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ١، ١٩٧٧ م.
٢٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني. المكتبة السلفية. القاهرة، ١٣٨٠ هـ.
٢٣ - لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت.
٢٤ - المستدرك على الصحيحين: الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم (ت: ٤٠٥)، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ.
٢٥ - المسند: أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت.
٢٦ - الموطأ: مالك بن أنس، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة
стр. 16315
صفحة فارغة
стр. 16316
بطلان أدلة المجاز
بقلم
د. مصطفى عيد الصياصنة
الحديث عن (المجاز) حديث جد دقيق، يتطلب قدرا وافيا من الروية، وإعمال الفكر والبصيرة النافذة، من أجل إدراك ماهيته، والوقوف على ما ادعي من مظاهره، وتبين مآلات القول به ومؤداه.
مذاهب العلماء في قضية المجاز:
ومن المعلوم أن متأخري العلماء، قد انقسموا - بصدد قضية المجاز إلى طرفين ووسط:
(أ) فريق قال بوجود المجاز في اللغة والقرآن معا، ودعم ما ذهب إليه بمجموعة من الأدلة العقلية، كأبي حسن الآمدي صاحب كتاب (الإحكام في أصول الأحكام)، وجار الله الزمخشري صاحب (الكشاف) و (أساس البلاغة)، والفخر الرازي صاحب التفسير، وابن حجر العسقلاني في كتابه، (غراس الأساس) حيث جمع فيه المجازات الواردة في (أساس البلاغة)، وإن كان أسقط بعضها أحيانا، فإنه زاد عليها مجازات لم يقل بها الزمخشري أحيانا أخرى.
стр. 16317
وقد كان الإمام الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول) ممن نحا هذا المنحى، بل إنه ذهب إلى اتهام كل من ينكر وقوع المجاز في القرآن أو لغة العرب بالجهل وقلة الاطلاع، قال ﵀: (المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم، وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرائيني، وهذا يدل أبلغ دلالة على عدم اطلاعه على لغة العرب، وينادي بأعلى صوت، بأن سبب هذا الخلاف، تفريطه في الاطلاع على ما ينبغي الاطلاع عليه، من هذه اللغة الشريفة، وما اشتملت عليه من الحقائق والمجازات التي لا تخفى على من له أدنى معرفة بها، فإن وقوع المجاز وكثرته في اللغة العربية أشهر من نار على علم، وأوضح من شمس النهار.
وكما أن المجاز واقع في لغة العرب، فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز، عند الجماهير وقوعا كثيرا، بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز.
وقد روي عن الظاهرية نفيه عن الكتاب العزيز، وما هذا بأول مسائلهم، التي جمدوا فيها، جمودا يأباه الإنصاف، وينكره الفهم، ويجحده العقل.
وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا، فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا، والإنكار لهذا الواقع مباهتة، لا يستحق المجاوبة.
أما ابن جني وشيخه أبو علي الفارسي، فقد توسعا - في القول بالمجاز - توسعا، لم يسبقهما إليه أحد، إذ زعما أن عامة ألفاظ العربية، وأكثر
стр. 16318
ما ورد فيها من أفعال، إنما هي من قبيل المجاز لا الحقيقة.
(ب) وأنكر فريق وجود المجاز في القرآن الكريم ولغة العرب بالكلية، وممن أنكره أبو إسحاق الأسفرائيني، والإمام ابن تيمية في فتاويه، وتبعه تلميذه ابن القيم في (الصواعق المرسلة) حيث عقد فيه فصلا مطولا بعنوان (فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات، وهو طاغوت المجاز)، وقد ذكر فيه أكثر من خمسين وجها، في إبطال حجج القائلين بالمجاز، وكشف عواره، وما له من سيئ الأثر على عقيدة المسلم وتوجيه آيات الله في كتابه العزيز (١).
(ج) أما الفريق الوسط، فقد ذهبوا إلى أن المجاز موجود في اللغة، إلا أن وجوده في القرآن مردود، وممن قال بذلك، محمد بن خويز منداد البصري المالكي، وداود بن علي الأصبهاني، وابن القاص الشافعي ومنذر بن سعيد البلوطي، الذي ذكر ابن تيمية عنه في فتاويه، أنه صنف كتابا في نفيه عن القرآن (٢). وقد قال بقولهم الشيخ محمد أمين الشنقيطي، في رسالته الموسومة بـ (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز).
وقد ذهب الظاهرية أيضا، إلى نفيه عن الكتاب العزيز، وإن كان الإمام ابن حزم قد اتخذ موقفا متأرجحا، حيث قسم الأسماء الواردة في
стр. 16319
القرآن إلى ألفاظ تعبدنا بها قولا وعملا، فهذه ليس فيها شيء من المجاز، وألفاظ موضوعة في اللغة لمعنى تعبدنا بالعمل به، دون التزام اسمه، فهذه هي التي يقع فيها المجاز، قال ﵀: (فكل كلمة نقلها تعالى عن موضوعها في اللغة إلى معنى آخر، فإن كان تعالى تعبدنا بها قولا وعملا، كالصلاة والزكاة والحج والصيام والربا وغير ذلك، فليس شيء من هذا مجازا، بل هي تسمية صحيحة واسم حقيقي لازم مرتب حيث وضعه الله تعالى، وأما ما نقله الله تعالى عن موضوعه في اللغة إلى معنى تعبدنا بالعمل به، دون أن يسميه بذلك الاسم، فهذا هو المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (١)، فإنما تعبدنا تعالى بأن نذل للأبوين ونرحمهما، ولم يلزمنا تعالى قط أن ننطق - ولا بد - فيما بيننا، بأن للذل جناحا، وهذا لا خلاف فيه، وليس كذلك الصلاة والزكاة والصيام، لأنه لا خلاف في أن فرضا علينا، أن ندعو إلى هذه الأعمال بهذه الأسماء بأعيانها ولا بد) (٢).
والذي يبدو أنه لا ابن حزم ولا الشوكاني من بعده، استطاعا أن يضعا قدميهما على أرض صلبة، فيما يخص مسألة المجاز في القرآن واللغة، لما فاتهم من الوقوف عليه، من الآثار والمفاسد المترتبة على القول به.
ما هو المجاز؟
الكلام - عند القائلين بالمجاز - قسمان: حقيقة ومجاز.
والحقيقة - في منظورهم - هي عبارة عن اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلا.
стр. 16320
والمجاز: (هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا)، مأخوذا من (الجواز)، وهو الانتقال من حال إلى حال، ومنه: جاز فلان من جهة كذا إلى جهة كذا، وهو مخصوص - إذا أطلق - بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها.
وتراهم - إذا أرادوا الوصول إلى غاية الدقة في تعريفه - وضعوا له حدا يقول: (إنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي).
قالوا: فالأسد والحمار لفظان جعلا في أصل وضعهما، للدلالة على البهيمة المعروفة، فهما - بهذا الاعتبار - حقيقة، ثم إنهما نقلا عن أصل وضعهما، اللذين كانا عليه، إلى معنى جديد للدلالة على الشجاع والبليد، فأصبحا - بعد النقل - مجازا.
وكذلك العين والرأس. هما حقيقة إن دلا على العضوين المعروفين في الإنسان، أما إذا استعملا في غيرهما صارا مجازا، كأن نقول: عين الشمس، وعين الحقيقة، وعين الماء، والعين الذي هو الجاسوس، وكذا رأس الدرب، ورأس المال، ورأس الدولة، ورأس الأمر، ورأس الجبل.
стр. 16321
بطلان علاماته التي ميزوه بها:
وقد ذكر القائلون بالمجاز علامات يعرف بها المجاز، ويتميز بها - عندهم - عن الحقيقة:
الوضع:
١ - وأول هذه العلامات التي مازوا بها الحقيقة من المجاز: أصل وضع اللفظ، فإذا كان اللفظ قد وضع أصلا للدلالة على معنى معين
стр. 16322
فهو حقيقة في دلالته على ذلك المعنى، أما إذا دل على معنى آخر - لم يكن قد وضع أصلا للدلالة عليه - فهو مجاز في الدلالة على هذا المعنى الجديد. .
قالوا: ونعرف ذلك بطريق النقل عن أهل اللغة، كأن يقول الواضع: هذا حقيقة، وذاك مجاز، أو يقول: هذا اللفظ مستعمل فيما وضع له، وذاك مستعمل في غير ما وضع له.
والقول بأن العرب قد وضعوا هذا اللفظ المعين، للدلالة على هذا المعنى بالذات دون غيره من المعاني، واستعملوه فيه مدة قصيرة أو طويلة على الحقيقة، ثم نقلوه - بعد ذلك - للدلالة على معنى آخر مستحدث، غير معناه الأول، الذي كانوا وضعوه له، ثم استعملوه فيه على المجاز، ليس إلا عبارة عن دعوى بلا علم، وقول لا يقوم عليه دليل، للأسباب التالية:
(أ) إن ادعاء وضع أي لفظ كان - في أصل وضعه الأول - للدلالة على معنى معين بالذات دون غيره من المعاني، لا يمكن الوصول إليه إلا بطريق الوحي أو خبر الصادق المعلوم بالضرورة صدقه، وأنى لبشر أيا كان - حاشا الأنبياء - ادعاء مثل هذا؟؟
إن مثل هذا غيب، لا يمكن لأحد الجزم به، لأن أحدا منا لم يكن مع أهل اللغة الأولين، ليعرف أنهم وضعوا هذا اللفظ - أول ما وضعوه - للدلالة على هذا المعنى المعين بالذات، ولا هم أخبرونا بشيء من هذا عن طريق نص صريح صحيح يمكن الاعتماد عليه أو الركون إليه.
(ب) ثم إن مثل هذا الادعاء مبني على القول بأن ألفاظ اللغة
стр. 16323
اصطلاحية، بمعنى أن مجموعة من العقلاء قد اجتمعوا، واصطلحوا على أن يطلقوا هذا اللفظ على هذا المسمى، ثم استعملوا - بعد هذا الاتفاق - هذا المعنى في الدلالة على هذا المعنى دون غيره، وبعد مرور فترة من الوقت - طويل أو قصير - اجتمعوا مرة أخرى - كاجتماعهم الأول - وتواطئوا على أن يستعملوا ذلك اللفظ، في معنى آخر غير المعنى الأول - جد عليهم - لاكتشافهم وجود علاقة بين هذا اللفظ، وبين هذا المعنى الجديد، ثم قالوا: هذا اللفظ حقيقة في الدلالة على المعنى الأول، مجاز في الدلالة على المعنى الثاني.
ونحن لا نعلم أحدا تجرأ على القول بمثل هذا القول، إلا ما نقل عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي أنه قاله وبسببه خاض معركة كلامية مع صديقه القديم أبي حسن الأشعري، الذي قال في مبدأ اللغات: إنها توقيفية (١).
(جـ) إن الذي يعرفه الناس جميعا، هو استعمال الألفاظ في معانيها المفهومة منها، وأما أن يكون أهل اللغة قد وضعوا هذا اللفظ لهذا المعنى لا يتعداه إلى غيره، فهذا خلاف المعقول والمنقول.
ففي قوله تعالى - مثلا - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢)، قالوا: الجناح - هنا - مجاز، إذ أن الملك ليس له جناح من ريش، وهذا - بلا شك - قول فاسد، بل هو من أفسد الأقوال، فمن ذا الذي جاءنا بنقل ثابت
стр. 16324
متواتر، يفيد أن العرب وضعوا كلمة: (جناح)، ولم يريدوا بها إلا جناح الطائر ذا الريش لا غير؟
إن ادعاء مثل هذا من المحال، ولا يمكن إلا إذا أتانا عن طريق نقل ثابت صدق، كأن يكون وحيا، أما ما عداه فلا شيء يلزمنا بقبوله ألبتة.
ونحن نعرف - وكل العرب تعرف - أن جناح الملك غير جناح الطائر غير جناح الطائرة، غير جناح البناء، غير جناح الذل، غير جناح اليمين أو اليسار في ميدان السياسة، ومن أراد أن يلزمنا بأن الجناح حقيقة في ذي الريش، مجاز في كل هؤلاء، فعليه الدليل، وأعتقد أن قوله هذا لا يعدو أن يكون قولا بغير علم.
стр. 16325
التبادر إلى الذهن حين الإطلاق:
والعلامة الثانية التي يتميز بها المجاز عن الحقيقة: (التبادر إلى الذهن)، فالحقيقة ما تبادر إلى الذهن معناه فور إطلاقه مجردا عن أية قرينة وقيد، والمجاز ما لم يتبادر إلى الذهن معناه عند الإطلاق، بل إن معناه لا يتوصل إليه إلا عن طريق دلالة ما يلازم اللفظ من قرينة أو قيد.
قالوا: فلفظ (الأسد) إذا أطلق، تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع.
ولفظ (الرأس) إذا أطلق تبادر إلى الذهن منه رأس الإنسان، دون غيره كرأس المال أو رأس الدرب.
ولذا فإنهما حقيقة في المعنى الأول، مجاز في المعاني الأخرى.
وهذا المعيار - الذي وضعوه - باطل من وجوه:
(أ) إنه مبني على دعوى إمكانية تجريد اللفظ من القرائن بالكلية،
стр. 16326
والنطق به وحده - هكذا - من غير قرينة تدل على المراد منه فيتبادر حينئذ - منه الحقيقة عند التجرد، وهذه دعوى باطلة، إذ أن اللفظ المطلق عن جميع القيود محال، فهو لا بد أن يكون في كلام متكلم، مقرونا بغيره من الألفاظ، التي تشير إلى مدلوله ومعناه، وهذه قرائن وقيود لا بد منها في كل كلام يفهم معناه.
(ب) إن اللفظ المجرد من كل قيد وقرينة، لا يمكن أن يكون إلا بمثابة الصوت الذي ينعق به، ولا يفيد معنى، فأنت إذا قلت: (افترس الأسد طفلا) و (رأيت أسدا يجز رقاب الفرسان)، فهمنا من الأولى أنك تريد الحيوان المفترس، ومن الثانية أنك تريد الرجل الشجاع لا غير.
وإذا قلت: (انتظرتك على رأس الدرب) و (وقفت على رأس الجبل) و (قطع الأمير رأس المجرم) فهمنا - وفهم كل عربي مثلنا - أنك تريد من رأس الدرب أوله، ومن رأس الجبل قمته، ومن رأس المجرم هذا العضو المعروف في الإنسان ليس غير، وكل من فهم غير هذا الفهم كان فاسد العقل سقيم الإدراك. إن العرب لم تستعمل الألفاظ إلا مقيدة، ولم يرو أبدا أنهم استعملوا لفظا مطلقا من كل قيد، بل ومن أعلمنا أن العرب وضعوا - أول ما وضعوا - لفظ (الرأس) أو (الأسد) مجردا من كل قرينة، وأنهم عندما وضعوها هكذا مجردة، أرادوا بها هذا المعنى المعين بالذات دون غيره من المعاني الكثيرة، التي يدل عليها ذلك اللفظ؟
إنها مجرد دعوى فارغة، اختلقها خيال مهوم، لا يسندها دليل ثبت، ولا واقع حال.
ولو أني قلت: (رأيت أسدا) و (أبصرت رأسا)، فمن من العقلاء
стр. 16327
يستطيع أن يحدد مرادي بلفظي، الأسد والرأس، إذا لم يسمع مني بقية كلامي، بحيث يربط كل عبارة بالسابق واللاحق من ذلك الكلام؟
(ج) إن المتكلم إذا اعتاد أن يعبر بلفظ ما، عن معنى معين مخصوص، صار اعتياده هذا قرينة دالة على إرادته لذلك المعنى، وكذا لو أن أهل بلد أو عصر، اعتادوا إرادة معنى معين، باستخدام لفظ مخصوص له، دون غيره كان عرفهم هذا وما اعتادوه قرينة تكشف عن المعنى المقصود، وهكذا فإن أعراف المتكلم أو المتكلمين في خطابهم قرائن دالة على مرادات ألفاظهم، وبذا لا يكون اللفظ مجردا - إذا أطلق - حيث أضيف إليه عرف المتكلم في استخدامه لهذا اللفظ وعادته بخطابه.
(د) وإذا لم يكن هناك لفظ مجرد من جميع القرائن التجريد الكامل، فإن الذي يسبق إلى فهم المستمع في كل موضع استخدم فيه اللفظ، ما دل عليه دليل في ذلك الموضع.
فأنت إذا قلت: (أشكو من ألم في ظهري) وقلت: (كسر فلان ظهري بعناده) وقلت: (ركبت ظهر الطريق). سبق إلى فهم كل سامع أنك تريد الظهر الذي في الإنسان في العبارة الأولى، وفي الثانية أنه أتعبك، وفي الثالثة أنك علوته مسافرا، وهذا غير قولك: (سافرت بلا ظهر) وقولك: (أنا خفيف الظهر)، فإن الذي يسبق إلى أذهاننا من الأولى أنك بلا ركاب تحمل متاعك، ومن الثانية أنك قليل العيال.
فما دام أنه لا بد لكل لفظ من الارتباط بقرينة أو قيد - أيا كانت هذه القرينة أو هذا القيد - وأن الذي يتبادر إلى الذهن منه ما دل عليه من خلال هذه القرينة أو القيد، فقد تبين فساد معيارهم هذا.
стр. 16328
صحة النفي:
٣ - كما جعلوا صحة نفي اللفظ دلالة على مجازيته، فالمجاز - عندهم - يعرف بصحة نفيه، أما الحقيقة فلا يصح نفيها، بمعنى أن اللفظ إذا صح نفيه عما أطلق عليه، كان مجازا، ويكون نافيه صادقا في نفس الأمر، فيصبح أن يقال لمن قال: (رعت الماشية الغيث): إنها لم ترع الغيث، وإنما رعت النبات، لأن الغيث لا يرعى، وإنما الذي يرعى النبات، وكذلك يقال لمن قال: (رأيت ليثا يجز الرقاب): إنه ليس بليث، وإنما هو إنسان شجاع.
وهذا القول ساقط من وجوه أهمها:
(أ) إنا لا نعرف من هم الذين يستدل بصحة نفيهم، ليكون معيارا على حقيقة أو مجازية كلام الله ورسوله ﷺ ، بل وكلام أي أحد، هل هم أهل اللغة وأرباب اللسان؟ وليس أحد نقل عنهم بأنهم قالوا: إن هذا يصح نفيه وهذا لا يصح، أم هم أهل العرف؟ ونحن نعرف جميعا، أن نفي هؤلاء تابع لعرفهم، فلا يصح أن يكون معيارا في الحكم على اللغة، أم هم أهل الاصطلاح؟ وهؤلاء لا يتعدى نفيهم أن يكون اصطلاحا، وقد اتفقوا عليه فيما بينهم، وقد يتفق غيرهم من أهل الاصطلاح على القول بنقيضه، فتسقط بذلك الحجة، وينتفي البرهان. .
(ب) ونحن لو أردنا مناقشة أصحاب القول بالمجاز، الذين وضعوا هذا المعيار وتبنوه، بلغة العقل ومقدمات المنطق، لقلنا: إنكم تقولون: كل مجاز يجوز نفيه، ونحن وأنتم متفقون على أنه لا شيء في القرآن يجوز نفيه ألبتة، لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. . نتج عن ذلك أن لا شيء من القرآن مجاز، بل ومن قال بأن في
стр. 16329
القرآن ما يجوز نفيه، حكمنا عليه بالكفر. فبطلت حجتكم.
(ب) ثم إن هذا القول هو الذي ركبه المعطلون، وصولا إلى نفي صفات الخالق الثابتة في الكتاب والسنة، إذ جعلوا يد الله ووجهه وساقه وقدمه واستواءه ونزوله مجازات، يصح نفيها، فقالوا: إنه لا يد له سبحانه، ولا ساق، ولا وجه ولا استواء، ولا نزول، بل ولا عرش ولا كرسي، إلى آخر اعتقاداتهم الفاسدة.
стр. 16330
اختلاف صيغة الجمع:
٤ - وفرقوا بين الحقيقة والمجاز، باختلاف صيغة جمع مفرديهما، فإن لفظ الحقيقة إذا جمع على صيغة، ثم جمع ذلك اللفظ على صيغة أخرى، كان في الحالة الثانية مجازا. .
مثاله: لفظ (الأمر)، إذا استعمل في القول المخصوص الدال على التكليف، فإنه يجمع على: (أوامر)، وإذا استعمل في الدلالة على الحال والشأن والفعل، جمع على (أمور)، فدل ذلك على أنه حقيقة في الأول، مجاز في الثاني.
قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٢) فهنا جمع أمر، أوامر، فهو على الحقيقة.
أما في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (٣) ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٤) فإن جمعه على (أمور) فدل ذلك على كونه مجازا.
وذهب بعضهم إلى أن الحقيقة تجمع، والمجاز لا يجمع (٥).
стр. 16331
وهذا التفريق الذي وضعوه فاسد لما هو آت: -
(أ) أن اللفظ الواحد قد تكون له جموع مختلفة، مع دلالته فيها جميعا على المفهوم الواحد. فمثلا: لفظ (شيخ) يجمع على عدة جموع، جمعها البيت الآتي:
شيخ , شيوخ , ومشيوخاء , مشيخة ... شيخة , شيخة , شيخان , أشياخ
وزاد صاحب اللسان عليها: مشيخة (بكسر الميم وسكون الشين) ومشيخة (بفتحها وكسر الشين) ومشايخ (١). وكذا لفظ (عبد) فإنها تجمع على: عبيد، عباد (بكسر العين)، عبدان (بكسرها) وعبدان (بضمها) وعبدان (بكسرها وتشديد الدال) وأعبد، وعبد (٢).
فإذا كان اللفظ - وهو يدل على المعنى الواحد - يجمع على عدة صيغ، ولم يكن ذلك دالا على خروجه عن حقيقته، فكيف يدل اختلاف هذه الصيغ - مع تعدد المدلولات - على المجاز؟
(ب) ثم إن القول بأن جمع (أمر) على (أوامر) ليس بالمتفق عليه عند أهل اللغة، فإذا كان الجوهري في صحاحه قد أقره، وتبعه في ذلك صاحب اللسان، فإن كثيرا من أهل اللغة لم يقروه، بل واستنكروه (٣) ذلك أن (فعل) له عدة جموع، ليس منه (فواعل) ألبتة.
فقد يجمع على (أفعل) ككلب وأكلب، و (فعال) ككعب وكعاب، وعلى (فعول) كقلب وقلوب، وعلى (فعلان) كعبد وعبدان، وشذوذا على (أفعال) كفرخ وأفراخ.
стр. 16332
أما (فواعل) فإنها تكون جمعا لاسم على وزن (فوعل) كجوهر وجواهر أو (فاعل) كطابع وطوابع، أو (فاعلاء) كقاصعاء وقواصع، أو (فاعل) ككاهل وكواهل.
أو يكون جمعا لصفة على وزن (فاعل) لمؤنث عاقل: كحائض وحوائض، أو لمذكر ما لا يعقل: كصاهل وصواهل، أو (فاعلة) كصاحبة وصواحب وفاطمة وفواطم.
(جـ) هذا بالإضافة إلى أن العرب سكتت عن جمع الأمر والنهي، فلم ينطقوا لهما بجمع، لأنها في الأصل مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع إلا إذا تعددت أنواعها (١).
قلت: وعليه فإن (أوامر ونواهي) جمع لـ (آمرة وناهية)، كما هو القياس، وليستا جمعا لأمر ونهي.
стр. 16333
التوقف على المسمى الآخر:
٥ - وقالوا: إن المجاز يتوقف على المسمى الآخر، والحقيقة لا تتوقف، ومثلوا لذلك بالآيات التالية: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١)، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ (٢) ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (٣)، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٤)، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٥).
قالوا: فإن إطلاق المكر والكيد والخداع والنسيان على المعنى المقصود
стр. 16334
من الرب، متوقف على استعماله في المعنى المقصود من الخلق، فهو مجاز بالنسبة إليه، حقيقة بالنسبة إليهم، ولذا فإنه لا يحسن إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى ابتداء، فيقال: إنه يمكر ويخدع ويكيد وينسى، وإنما يكون إضافتها إليه سبحانه من باب المقابلة لا غير.
وهو أيضا قول مردود لسببين:
(أ) إضافة هذه الأمور وأفعالها إلى الله ابتداء في القرآن الكريم، مع عدم وجود المسمى الآخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١)، وقوله ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٢) وفسر المحال: بالكيد والمكر وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤).
ففي هذه الآيات جميعا، تم إضافة المكر والكيد والاستدراج إلى الله تعالى ابتداء، مع عدم وجود مسمى آخر، ليكون ذلك - كما زعموا - على سبيل المقابلة، فبطل ادعاؤهم.
(ب) ثم إن هذه الألفاظ لا تدل دوما على معان مذمومة، بل هي تنقسم إلى محمود ومذموم، فما رجع من معانيها إلى الظلم والكذب، كان مذموما لتضمنه للكذب والظلم، وأما ما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح، فحسن محمود.
فالمخادع إذا خدع بظلم وباطل، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل، كذا إذا مكر أو استهزأ، كان المكر به والاستهزاء منه عدلا حسنا ومحمودا.
стр. 16335
ألم تر كيف أن الصحابة - رضوان الله عليهم - خادعوا كعب بن الأشرف، حتى كفوا شره وقتلوه، وكان هذا الخداع منهم حسنا ومحمودا، لأنه كان في سبيل نصرة الله ودينه؟
ألم تر أيضا، كيف خدع نعيم بن مسعود ﵁ المشركين في وقعة الأحزاب، وكان خداعه لهم في منتهى الروعة، وقد استحسنه منه النبي ﷺ وجميع صحبه الكرام؟
وهكذا هذه الألفاظ - إذا أضيفت إلى البارئ سبحانه - فإنها لا تدل إلا على كمال معاني الحق والعدل، غيرها إذا أضيفت إلى المخلوقين، فقد تحتمل إحدى الحالين: الحمد أو الذم، بحسب حالها في كل واقعة وسياق.
стр. 16336
ما كل ما جاز في اللغة جاز في القرآن:
٦ - ثم إنه ليس كل ما جاز وقوعه في اللغة، كان وقوعه جائزا في القرآن الكريم، فهناك أمور كثيرة أجاز العلماء وقوعها في اللغة، ولم يجيزوا وقوعها في القرآن.
(أ) فـ (الرجوع) الذي هو أحد أنواع البديع المعنوي، ويتمثل في نقض السابق باللاحق، بهدف إظهار ما يشعر به المتكلم من وله وحيرة، بديع المعنى في اللغة، ممنوع في القرآن.
ومثاله قول زهير بن أبي سلمى:
قف بالديار , التي لم يعفها القدم ... بلى , وغيرها الأرواح والديم
فقد رجع عن قوله: (لم يعفها القدم) بقوله: (بلى وغيرها الأرواح والديم)، لأنه قال العبارة الأولى من غير شعور، ثم ثاب إلى رشده
стр. 16337
وعقله، فرجع إلى الحق، ومثل هذا لا يجوز وقوعه في القرآن الكريم ألبتة.
(ب) و (إيراد الجد في قالب الهزل) جميل في اللغة، غير جائز الوقوع في القرآن أيضا.
ومثاله قول الشاعر:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل: عد عن ذا , كيف أكلك للضب؟
فقوله: (كيف أكلك للضب؟) جد في قالب الهزل، إذ يقصد تعييرهم بأكلهم للضب، وهذا مما هو ممنوع في القرآن لاستحالة الهزل فيه، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ (١) ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (٢).
(جـ) ومثله (حسن التعليل)، كقول المتنبي:
لم تحك نائلك السحاب , وإنما ... حمت به , فصبيبها الرحضاء
فهو يدعي أن السحاب قد أصابته الحمى، من الغيرة من كرم الممدوح، فانصب منه العرق، وما هذا الماء الذي يتدفق منه إلا ذلك العرق المتصبب من شدة غيرته. والرحضاء: العرق يكون إثر الحمى.
ولا يخفى أن هذا كذب، لا يجوز وقوع مثله في القرآن، وإن كان بديعا معنويا عند أهل اللغة.
(د) ومنه (الغلو والإغراق في المبالغة).
والإغراق: ما أمكن عقلا، واستحال عادة، كقول أبي الطيب:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
стр. 16338
فوصول الشخص إلى هذه الحال من النحول جائز عقلا، ولكنه ممتنع الوقوع عادة.
والغلو: ما استحال عقلا وعادة، ويكون مقبولا - عند أهل البلاغة - في بعض الأحوال، كاشتماله على حسن تخييل، كقول أبي العلاء المعري:
يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا
فذوبان السيف وانصهاره، فرقا من الممدوح، مستحيل عقلا وعادة، إلا أن هذا القول مقبول - عند أهل اللغة - لما فيه من جمال تصوير وبديع خيال.
وكلا المظهرين من مظاهر المبالغة: الإغراق والغلو لا يجوز وقوعهما في القرآن، لأن القرآن حق، ليس فيه شيء من المبالغة والغلو.
(هـ) و (تجاهل العارف) من هذه الأمثلة، التي يستحسن وقوعها في اللغة، مع عدم جواز وقوعها في القرآن الكريم، ومثاله قول فاطمة الخزرجية:
أيا شجر الخابور , ما لك مورقا؟ ... كأنك لم تجرع على ابن طريف
وقول الشاعر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا: ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟
(و) ومنه أخيرا، ما يسمونه (الاستعارة التخييلية) حيث يتخيلون شيئا لا وجود له، بل هو أمر وهمي، ثم يستعيرون له، كقول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام , فإنني ... صب , قد استعذبت ماء بكائي
فقد توهم للملام ماء، فأطلق اسمه عليه، على سبيل الاستعارة التخييلية، ومعلوم أن كلام الله لا يجوز في حقه شيء من مثل هذا التخييل، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
ومن هذا كله، يتبين لنا أن ليس كل ما جاز وقوعه في اللغة، جاز
стр. 16339
وقوعه في القرآن، لأنه كلام الله سبحانه، وكلام الخالق لا يقاس بكلام المخلوق ولا يخضع لمعاييره.
стр. 16340
المجاز باطل شرعا ولغة وعقلا:
٧ - ثم إن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، باطل شرعا ولغة وعقلا:
(أ) فالشرع لم يرد بهذا التقسيم، ولا دل عليه، ولا أشار - في شيء من نصوصه - إليه.
(ب) وأهل اللغة لم يصرحوا أبدا، بأن العرب قسموا لغتهم إلى حقيقة ومجاز، ونحن لا نجد مثل هذا القول، لا في كلام الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين، ولا في كلام أئمة اللغة كالخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي. فدل ذلك على أنه أمر ما كانوا يعرفونه ولا يلتفتون إليه.
(جـ) والعقل لا مدخل له في دلالة الألفاظ على معانيها، ولو كانت دلالة كل لفظ على معناه صنعة عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم، ولما جهل أحد في الدنيا معنى لفظ من الألفاظ، أيا كان ذلك اللفظ.
وأخيرا. . فهل بقي - بعد هذا كله - في أكف القائلين بالمجاز والحاملين لواءه والمدافعين عنه - من حجج وتعللات، يتعللون بها لإثبات وجوده، وقد تساقطت دعاواهم، وتهافتت أقوى مستنداتهم، وبدت ترهات وتخاييل، في أغلبها لا تسمن شيئا، ولا تغني - في ميزان الحق والنصفة - من جوع.
стр. 16341
صفحة فارغة
стр. 16342
الرضاع وأحكامه في الفقه الإسلامي
محمد عودة السلمان
الرضاع: لغة: بفتح الراء وكسرها وإثبات التاء اسم لمص الثدي وشرب لبنه. جاء في لسان العرب: رضع الصبي وغيره يرضع مثال ضرب يضرب لغة نجدية ورضع مثل سمع يرضع رضعا ورضعا ورضاعا ورضاعة فهو راضع والجمع رضع (١).
وشرعا: اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في معدة طفل أو دماغه (٢).
وقد ثبت تحريم الرضاع للنكاح بكتاب الله ، وسنة رسوله الكريم ﷺ وإجماع علماء المسلمين ﵏:
(أ) تحريم الرضاع بالكتاب: الراجع إلى كتاب الله العزيز يجد أنه قد حرم الزواج بعدد من النساء بسبب الرضاع، وقد نص الكتاب على حرمتهن في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣).
(ب) تحريم الرضاع بالسنة الشريفة: كما جاء الكتاب العزيز ناصا على التحريم بسبب الرضاع، فكذلك جاءت السنة المطهرة مؤكدة لهذا التحريم ومبينة له، ومفصلة للمحارم بسبب الرضاع، وقد ورد أكثر من أثر عن النبي ﷺ محرما للرضاع، فقد روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة (٤)» متفق
стр. 16343
عليه، وكذلك ما رواه النسائي من أن النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١)».
وقول الرسول ﷺ في بنت حمزة: «لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهي ابنة أخي من الرضاع (٢)» رواه البخاري ومسلم. وغيرها كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي جاءت مثبتة لحرمة الرضاع، وهي من الكثرة بمكان.
(جـ) الإجماع: الذي يرجع إلى أقوال العلماء في حكم الرضاع يجد أنهم مجمعون على تحريم الرضاع للنكاح، ولم يشذ أحد منهم عن ذلك، إلا أنهم قد اختلفوا في نوعية هذا الرضاع أو كميته أو زمانه أو كيفية وصول اللبن إلى الجوف، ولم يذكر خلاف إطلاقا عن عدم تحريم الرضاع للنكاح، بل الكل مجمعون على ذلك منذ عهد الرسول الكريم ﷺ وحتى يومنا هذا، حتى شاع وانتشر وأصبح معلوما من الدين بالضرورة.
وقد اختلف الفقهاء في عدد الرضعات التي تكون ناشرة لحرمة الزواج إلى خمسة أقوال: -
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى عدم اشتراط مقدار معين من الرضعات، بل قالوا: كل ما وصل إلى الجوف وفتق الأمعاء وأنشز العظم تنتشر بواسطته الحرمة سواء كان اللبن الواصل قليلا أو كثيرا، وهذا هو رأي الإمام مالك؛ حيث جاء في المدونة: قال سعيد بن سحنون: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أتحرم المصة والمصتان في قول مالك؟ قال: نعم (٣).
وهذا مذهب فريق كبير من الصحابة والتابعين وعدد من العلماء،
стр. 16344
فهو قول الإمام علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وحماد والأوزاعي والثوري والليث، حتى زعم الليث أن الإجماع قد انعقد على أن الرضاع يحرم، سواء كان قليلا أو كثيرا ويحرم به كل ما يفطر الصائم (١).
والقائلون بهذا الرأي احتجوا بعدة أدلة، نذكر منها ما يلي:
أولا: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢) قالوا: إن الآية هنا عامة تتناول جميع أنواع الرضاع سواء كان قليلا أم كثيرا وأنها لم تنص على مقدار معين من الرضعات.
ثانيا: استدلوا بما روي عن الرسول ﷺ أنه قال في بنت حمزة: «إنها ابنة أخي من الرضاع (٣)» وكذلك قوله ﷺ لابنة أبي سلمة: «إنها ابنة أخي من الرضاع (٤)» (٥) ففي هذين الحديثين أطلق الرسول ﷺ دون تقييد، ولما كانت مطلقة فإنها تتناول كل رضاع سواء كان قليلا أم كثيرا.
ثالثا: استدلوا بما قاله الرسول ﷺ لعائشة لما سألته عن أفلح: «إنه عمك فليلج عليك (٦)» (يعني عمها من الرضاع)، وكذلك «قوله ﷺ لحفصة ﵂ عندما سألته عن عمها من الرضاع فقال لها: أري فلانا (٧)» (يعني عمها من الرضاع).
رابعا: وكذلك استدلوا بقول الرسول ﷺ : «إنما الرضاعة من المجاعة ولا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء (٨)» فقالوا: لم يذكر الرسول ﷺ في ذلك عددا للرضاع المحرم ولو كان هناك عدد لبينه صلوات الله وسلامه عليه، فلما لم يبين دل ذلك على عدم اشتراط العدد (٩).
خامسا: استدلوا بما قاله الرسول ﷺ لسهلة بنت سهيل زوجة أبي
стр. 16345
حذيفة لما سألته عن سالم: «أرضعيه تحرمي عليه (١)». ولم يفصل الرسول ﷺ المقدار الذي يحرم من الرضاع، ولما لم يبين ينصرف اللفظ إلى الجميع قليلا أو كثيرا.
القول الثاني:
وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن المصة والمصتين والرضعة والرضعتين لا تنشئ الحرمة، واشترطوا لانتشار الحرمة ثلاث رضعات فأكثر، أما ما كان دون ذلك فلا ينشر الحرمة أبدا، ومن قال بهذا القول أبو عبيدة وأبو ثور، وهو قول داود وابن المنذر، وبه قال سليمان بن يسار وسعيد بن جبير وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (٢).
وقد استدلوا على رأيهم بما جاء في صحيح الإمام مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان (٣)». وكذلك قوله ﷺ : «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان (٤)». فقالوا: إن الرسول ﷺ ذكر أن المرة والمرتين لا تنشر الحرمة، فيبقى ما زاد على ذلك وهو الثلاث، فما زاد وهو أقل الجمع حتى يعتبر في الرضاع.
القول الثالث:
وذهب الإمام الشافعي ﵁ إلى أن الرضاع لا يحرم إلا ما كان خمس رضعات فأكثر، أما ما كان دون ذلك فلا يمكن أن تنتشر فيه الحرمة (٥)، وهو مذهب ابن حزم الظاهري وبه قال الحنابلة (٦) وقد استدلوا بما يلي:
стр. 16346
أولا: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس وصار خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ والعمل على ذلك (١)». رواه مسلم.
ثانيا: وكذلك استدلوا بما «روي عن رسول الله ﷺ أمره سهلة بنت سهيل عندما جاءت إلى الرسول ﷺ تسأله في شأن سالم، فأمرها أن ترضعه خمس رضعات (٢)» (٣).
وقالوا بأن آية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٤) جملة فسرتها السنة وبينت أن الرضاعة المحرمة هي ما كان خمس رضعات، وقالوا: إن صريح ما رويناه يخصص مفهوم ما رووه، فنجمع بين الأخبار ونحملها على صريح ما رويناه، (٥) وكذلك احتجوا بقول الرسول ﷺ : «لا تحرم المصة ولا المصتان (٦)».
القول الرابع:
وذهب قوم إلى أن الرضاع المحرم ما كان سبع رضعات فأكثر، أما إذا كان أقل من سبع رضعات فإنه لا تثبت به حرمة النكاح، ويجوز الزواج حتى ولو كان الرضاع حصل ست مرات.
وقد ذكر ابن حزم في كتابه المحلى: وقد روي أيضا سبع رضعات لما روي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: «إنما يحرم من الرضاع سبع رضعات (٧)».
стр. 16347
القول الخامس:
وذهب فريق خامس إلى أن الرضاع المحرم يجب أن يكون عشر رضعات معلومات لأجل أن تنتشر بسببهن الحرمة، أما إذا كان دون ذلك فلا يمكن أن يكون ناشرا للحرمة.
وقد احتج هذا الفريق بما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ «أن سهلة بنت سهيل أتت النبي ﷺ فقالت له: إن سالما كان منا حيث علمت، كنا نعده ولدا، وكان يدخل علي، فلما أنزل الله فيه وفي أشباهه أنكرت وجه أبي حذيفة إذ رآه يدخل علي، فقال لها النبي ﷺ : " فأرضعيه عشر رضعات ثم ليدخل عليك كيف شاء فإنما هو ابنك (٢)».
والراجح من هذه الأقوال: هو ما ذهب إليه الحنفية من أن كثير اللبن وقليله محرم للنكاح، دون التقييد بعدد أو مقدار، بل إن الرضعة الواحدة المشبعة تحقق التحريم؛ لأن شبهة البعضية التي هي علة التحريم ناشئة عن نشوء العظم وإنبات اللحم، وهو أمر خفي غير منضبط.
ومن المقرر عند الأصوليين أن علة الحكم إذا لم تكن ظاهرة ولا منضبطة ربط الحكم بما هو مظنة لتلك العلة مما هو ظاهر ومنضبط، وهو في موضوعنا مطلق الرضاع الصادق بمصة واحدة، فقد يكون لها دخل في تكوين جسم الرضيع، هذا في حالة ثبوت واقعة الرضاع قبل الزواج، فإن اكتشف الرضاع بعد الزواج وبعد أن أثقلت الزوجية بالأولاد، فلا بأس بالركوب إلى آراء المذاهب الأخرى حلا للإشكال ودفعا لأشد الضررين وتحقيقا للرحمة الناشئة عن اختلاف الآراء والمذاهب في الشريعة الإسلامية.
стр. 16348
السن التي يحرم بها الرضاع:
ذهب فريق كبير من علماء السلف الصالح إلى أن الرضاع المحرم هو ما كان خلال مدة الرضاع فقط، وقدروها بسنتين فإذا رضع الرضيع خلال السنتين ثبتت الحرمة، أما إذا رضع بعد انصرام السنتين فلا رضاع ولا حرمة، ولكثرة من قال بهذا الرأي نستطيع أن نقول بشيء من التسامح إنه رأي الجمهور، ومن الذين قالوا به عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وكافة أزواج النبي ﷺ باستثناء أم المؤمنين عائشة، وكذلك قال به الشعبي وابن شبرمة، والأوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وأبو ثور ورواية عن الإمام مالك وبه قال الجعفرية والزيدية.
وقد استدل هؤلاء بالأدلة التالية:
أولا: بما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ «أن رسول الله ﷺ دخل عليها ووجد عندها رجلا فتغير وجه النبي ﷺ ، فقالت يا رسول الله: إنه أخي من الرضاعة، فقال ﵊: " انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة (١)». رواه البخاري ومسلم.
ثانيا: وكذلك استدلوا بما روي عن أم سلمة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام (٢)». أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
لقد تمسك أصحاب هذا الرأي بالحولين ولم يلتفتوا إلى غيرها من الأمور أبدا، فلو فطم الطفل خلال الحولين أو استغنى عن اللبن خلال الحولين ثم أرضع اعتبر رضاعا ناشرا للحرمة، أما إذا لم يفطم الطفل حتى انصرام الحولين وبقي رضيعا ثم أرضع بعد انصرامها ولو بدقائق لا يعتبر محرما.
стр. 16349
وقال ابن القاسم صاحب مالك: إذا فطم خلال الحولين ثم أرضع بعد ذلك وقبل انصرام الحولين لا تنتشر الحرمة بهذا الرضاع (١).
وذهب الإمام مالك في المشهور عنه إلى أن المدة التي تثبت بها الحرمة حولان وشهر، وفي رواية حولان وشهران، وقال: إن الطفل متى ما فطم لا بد له من مدة ليعتاد بها على الأكل بدل اللبن، وإن مدة انقلابه من رضيع إلى طفل يأكل الطعام ويتغذى به تحدد بحوالي شهر أو شهرين، ففي هذه الفترة التي ينتقل بها إذا رضع اعتبر هذا الرضاع ناشرا للحرمة، أما إذا انتهت فعنده يصبح الطفل معتادا على الطعام، لذلك لو رضع بعد انتهائها لا يعتبر هذا الرضاع ناشرا للحرمة سواء طالت المدة بعدها أو قصرت (٢).
إذا يمكننا أن نقول إن الراجح من مذهب الإمام مالك هو حولان وشهران، وذلك هو الأحوط طالما صحت عنه الأقوال الثلاثة، فنقول بالأحوط وهو أكثر المدة التي ذكرها.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المدة التي تثبت بها الحرمة هي مدة سنتين ونصف، وهي ثلاثون شهرا، فقال: إن الرضاع إذا كان في هذه المدة اعتبر محرما، أما إذا كان بعدها فلا يعتبر محرما، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) فقال: إن المقصود بالحمل هنا هو حمله مدة الرضاع وليس المقصود به حمل الأحشاء، إذ قد يتأخر الطفل في داخل البطن لمدة سنتين، لهذا نعلم أن الله أراد بالحمل حمل الفطام وليس حمل الأحشاء.
وقال زفر من فقهاء الحنفية: إن مدة الرضاع التي إذا رضع الطفل
стр. 16350
خلالها اعتبرت ناشرة للحرمة هي ثلاث سنين فما دون، فمتى ما حصل الرضاع خلال هذه المدة اعتبر محرما أما إذا تجاوزها فإنه لا يعتبر محرما. وحجته في ذلك أن المدة هي حولان ثم يتم له حول ليتحول به من حال إلى حال، أي من حال الرضاع والاعتماد على اللبن إلى حالة الاعتماد على الطعام (١).
وذهب فريق آخر إلى عدم تحديد وقت للرضاع، بل متى حصل الرضاع تثبت به الحرمة، سواء كان في سن الصغر أم الكبر، وهذا مذهب السيدة عائشة، وهو مذهب بعض السلف الصالح، وكذلك من القائلين به ابن حزم الظاهري؛ حيث قال في المحلى: فنحن نوقن ونبت بأن رضاع الكبير يقع به التحريم، وليس في امتناع سائرهن من أن يدخل عليهن (يعني زوجات الرسول ﷺ ) بهذه الرضاعة شيء ينكر؛ لأن مباحا لهن أن لا يدخل عليهن من لا يحل له الدخول عليهن (٢).
ولم يكتف بالقول بثبوت الحرمة بواسطة الرضاع في أي وقت، بل شدد التنكير على من خالفه لا سيما الإمام أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله -.
ومن القائلين بالتحريم عطاء والليث وداود، وهو قول ابن تيمية، وقد استدلوا ببعض الأدلة، التي نذكر منها ما يلي:
أولا: احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣).
فقالوا لم يقل الباري في حولين ولا في وقت دون وقت، بل