أولا: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس وصار خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ والعمل على ذلك (١)». رواه مسلم.
ثانيا: وكذلك استدلوا بما «روي عن رسول الله ﷺ أمره سهلة بنت سهيل عندما جاءت إلى الرسول ﷺ تسأله في شأن سالم، فأمرها أن ترضعه خمس رضعات (٢)» (٣).
وقالوا بأن آية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٤) جملة فسرتها السنة وبينت أن الرضاعة المحرمة هي ما كان خمس رضعات، وقالوا: إن صريح ما رويناه يخصص مفهوم ما رووه، فنجمع بين الأخبار ونحملها على صريح ما رويناه، (٥) وكذلك احتجوا بقول الرسول ﷺ : «لا تحرم المصة ولا المصتان (٦)».
القول الرابع:
وذهب قوم إلى أن الرضاع المحرم ما كان سبع رضعات فأكثر، أما إذا كان أقل من سبع رضعات فإنه لا تثبت به حرمة النكاح، ويجوز الزواج حتى ولو كان الرضاع حصل ست مرات.
وقد ذكر ابن حزم في كتابه المحلى: وقد روي أيضا سبع رضعات لما روي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: «إنما يحرم من الرضاع سبع رضعات (٧)».
стр. 16347
القول الخامس:
وذهب فريق خامس إلى أن الرضاع المحرم يجب أن يكون عشر رضعات معلومات لأجل أن تنتشر بسببهن الحرمة، أما إذا كان دون ذلك فلا يمكن أن يكون ناشرا للحرمة.
وقد احتج هذا الفريق بما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ «أن سهلة بنت سهيل أتت النبي ﷺ فقالت له: إن سالما كان منا حيث علمت، كنا نعده ولدا، وكان يدخل علي، فلما أنزل الله فيه وفي أشباهه أنكرت وجه أبي حذيفة إذ رآه يدخل علي، فقال لها النبي ﷺ : " فأرضعيه عشر رضعات ثم ليدخل عليك كيف شاء فإنما هو ابنك (٢)».
والراجح من هذه الأقوال: هو ما ذهب إليه الحنفية من أن كثير اللبن وقليله محرم للنكاح، دون التقييد بعدد أو مقدار، بل إن الرضعة الواحدة المشبعة تحقق التحريم؛ لأن شبهة البعضية التي هي علة التحريم ناشئة عن نشوء العظم وإنبات اللحم، وهو أمر خفي غير منضبط.
ومن المقرر عند الأصوليين أن علة الحكم إذا لم تكن ظاهرة ولا منضبطة ربط الحكم بما هو مظنة لتلك العلة مما هو ظاهر ومنضبط، وهو في موضوعنا مطلق الرضاع الصادق بمصة واحدة، فقد يكون لها دخل في تكوين جسم الرضيع، هذا في حالة ثبوت واقعة الرضاع قبل الزواج، فإن اكتشف الرضاع بعد الزواج وبعد أن أثقلت الزوجية بالأولاد، فلا بأس بالركوب إلى آراء المذاهب الأخرى حلا للإشكال ودفعا لأشد الضررين وتحقيقا للرحمة الناشئة عن اختلاف الآراء والمذاهب في الشريعة الإسلامية.
стр. 16348
السن التي يحرم بها الرضاع:
ذهب فريق كبير من علماء السلف الصالح إلى أن الرضاع المحرم هو ما كان خلال مدة الرضاع فقط، وقدروها بسنتين فإذا رضع الرضيع خلال السنتين ثبتت الحرمة، أما إذا رضع بعد انصرام السنتين فلا رضاع ولا حرمة، ولكثرة من قال بهذا الرأي نستطيع أن نقول بشيء من التسامح إنه رأي الجمهور، ومن الذين قالوا به عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وكافة أزواج النبي ﷺ باستثناء أم المؤمنين عائشة، وكذلك قال به الشعبي وابن شبرمة، والأوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وأبو ثور ورواية عن الإمام مالك وبه قال الجعفرية والزيدية.
وقد استدل هؤلاء بالأدلة التالية:
أولا: بما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ «أن رسول الله ﷺ دخل عليها ووجد عندها رجلا فتغير وجه النبي ﷺ ، فقالت يا رسول الله: إنه أخي من الرضاعة، فقال ﵊: " انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة (١)». رواه البخاري ومسلم.
ثانيا: وكذلك استدلوا بما روي عن أم سلمة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام (٢)». أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
لقد تمسك أصحاب هذا الرأي بالحولين ولم يلتفتوا إلى غيرها من الأمور أبدا، فلو فطم الطفل خلال الحولين أو استغنى عن اللبن خلال الحولين ثم أرضع اعتبر رضاعا ناشرا للحرمة، أما إذا لم يفطم الطفل حتى انصرام الحولين وبقي رضيعا ثم أرضع بعد انصرامها ولو بدقائق لا يعتبر محرما.
стр. 16349
وقال ابن القاسم صاحب مالك: إذا فطم خلال الحولين ثم أرضع بعد ذلك وقبل انصرام الحولين لا تنتشر الحرمة بهذا الرضاع (١).
وذهب الإمام مالك في المشهور عنه إلى أن المدة التي تثبت بها الحرمة حولان وشهر، وفي رواية حولان وشهران، وقال: إن الطفل متى ما فطم لا بد له من مدة ليعتاد بها على الأكل بدل اللبن، وإن مدة انقلابه من رضيع إلى طفل يأكل الطعام ويتغذى به تحدد بحوالي شهر أو شهرين، ففي هذه الفترة التي ينتقل بها إذا رضع اعتبر هذا الرضاع ناشرا للحرمة، أما إذا انتهت فعنده يصبح الطفل معتادا على الطعام، لذلك لو رضع بعد انتهائها لا يعتبر هذا الرضاع ناشرا للحرمة سواء طالت المدة بعدها أو قصرت (٢).
إذا يمكننا أن نقول إن الراجح من مذهب الإمام مالك هو حولان وشهران، وذلك هو الأحوط طالما صحت عنه الأقوال الثلاثة، فنقول بالأحوط وهو أكثر المدة التي ذكرها.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المدة التي تثبت بها الحرمة هي مدة سنتين ونصف، وهي ثلاثون شهرا، فقال: إن الرضاع إذا كان في هذه المدة اعتبر محرما، أما إذا كان بعدها فلا يعتبر محرما، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) فقال: إن المقصود بالحمل هنا هو حمله مدة الرضاع وليس المقصود به حمل الأحشاء، إذ قد يتأخر الطفل في داخل البطن لمدة سنتين، لهذا نعلم أن الله أراد بالحمل حمل الفطام وليس حمل الأحشاء.
وقال زفر من فقهاء الحنفية: إن مدة الرضاع التي إذا رضع الطفل
стр. 16350
خلالها اعتبرت ناشرة للحرمة هي ثلاث سنين فما دون، فمتى ما حصل الرضاع خلال هذه المدة اعتبر محرما أما إذا تجاوزها فإنه لا يعتبر محرما. وحجته في ذلك أن المدة هي حولان ثم يتم له حول ليتحول به من حال إلى حال، أي من حال الرضاع والاعتماد على اللبن إلى حالة الاعتماد على الطعام (١).
وذهب فريق آخر إلى عدم تحديد وقت للرضاع، بل متى حصل الرضاع تثبت به الحرمة، سواء كان في سن الصغر أم الكبر، وهذا مذهب السيدة عائشة، وهو مذهب بعض السلف الصالح، وكذلك من القائلين به ابن حزم الظاهري؛ حيث قال في المحلى: فنحن نوقن ونبت بأن رضاع الكبير يقع به التحريم، وليس في امتناع سائرهن من أن يدخل عليهن (يعني زوجات الرسول ﷺ ) بهذه الرضاعة شيء ينكر؛ لأن مباحا لهن أن لا يدخل عليهن من لا يحل له الدخول عليهن (٢).
ولم يكتف بالقول بثبوت الحرمة بواسطة الرضاع في أي وقت، بل شدد التنكير على من خالفه لا سيما الإمام أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله -.
ومن القائلين بالتحريم عطاء والليث وداود، وهو قول ابن تيمية، وقد استدلوا ببعض الأدلة، التي نذكر منها ما يلي:
أولا: احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣).
فقالوا لم يقل الباري في حولين ولا في وقت دون وقت، بل
стр. 16351
الآية عامة تتناول جميع الأوقات وكافة الأعمار، وهو عموم لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه مخصص لا بظن ولا بمحتمل بيان فيه.
ثانيا: وكذلك احتجوا بحديث سالم الذي روي من أكثر من طريق، ونكتفي بذكر إحدى الطرق التي ذكروها، وذلك عن طريق مسلم عن عائشة أم المؤمنين «أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت - يعني سهلة بنت سهيل - إلى النبي ﷺ فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا وإني أظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال لها النبي ﷺ : " أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة (١)».
وسالم هذا كان كبيرا قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا من النساء، ومع ذلك قال الرسول ﷺ : " أرضعيه "، فلو لم يكن رضاع الكبير محرما لما قال الرسول ﷺ أرضعيه، وطالما حرم الرضاع بعد البلوغ فكما يحرم من في سن الخامسة عشر أو أكثر يحرم من هو في سن الأربعين أو الخمسين.
ثالثا: وكذلك احتجوا بما كانت عائشة أم المؤمنين ﵂، حيث إنها كانت تدخل الكبير إذا أرضعته إحدى أخواتها حالة كبره، وكانت إذا أرادت إدخال شخص عليها أرسلته إلى إحدى أخواتها أو بنات أختها فترضعه فيدخل عليها.
إلا أن سائر أزواج النبي ﷺ غير عائشة أبين أن يدخل عليهن إلا من رضع وهو في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها رخصة لسالم من النبي ﷺ من دون الناس (٢). رواه النسائي وأبو داود وغيرهما.
إلا أن ابن حزم رد على هذا الاعتراض وقال: وهكذا جاء في الحديث
стр. 16352
أنهن قلن: ما نرى هذا إلا خاصا لسالم وما ندري لعله رخصة لسالم، فإذن هو ظن بلا شك، فإن الظن لا يعارض السنن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١) وشتان بين احتجاج أم سلمة ﵂ باختيارها وبين احتجاج عائشة بالسنة الثابتة وقولها: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ وسكوت أم سلمة يعني برجوعها إلى الحق عن احتياطها (٢).
وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ذكر في فتواه ما نصه: ورضاع الكبير تنتشر به الحرمة، بحيث لا يحتشمون للحاجة؛ لقصة سالم مولى أبي حذيفة وهو مذهب عائشة وعطاء والليث وداود ممن يرون أنه ينشر الحرمة مطلقا (٣).
والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٤) ولا شيء بعد التمام، أما دليل زفر فلا اعتبار له؛ لأنه لا معقول في مقابلة النص، وأما دليل أبي حنيفة على الوجه الذي ذكره فلا اعتبار له؛ لأن إجماع المفسرين على أن الأجل المضروب في الآية موزعا على الحمل والفصال لا ثابتا لكل منهما، وقد ثبت طبيا أن الرضاعة في الحولين الأولين هي وحدها السبب في تكوين الطفل وأن الرضاعة بعد الحولين لا تكون وحدها غذاء للطفل.
стр. 16353
كيفية وصول اللبن إلى الجوف:
ذهب فريق من العلماء إلى أن اللبن لا يحرم إلا إذا وصل إلى الجوف عن طريق الرضاع المباشر من ثدي المرأة، أي أن الطفل يجب أن يمتص اللبن من ثدي المرأة مباشرة وبدون واسطة، أما إذا وصل إلى الجوف بطريقة أخرى كأن يحلب اللبن ويصب في فمه - وهذا ما يسمى بالوجور - أو أنه يصب في أنفه - وهذا ما يسمى بالسعوط - فإنه لا يعتبر محرما، ومن القائلين بهذا الرأي ابن حزم حيث ذكر في المسألة (١٨٦٦) ما نصه: وأما صفة الرضاع المحرم فإنما هو ما امتصه الراضع من ثدي المرأة بفيه فقط، فأما من سقي من لبن امرأة فشربه من إناء أو حلب في فيه فبلعه أو أطعمه بخبز أو في طعام أو صب في فمه أو في أنفه أو في أذنه أو حقن به فكل ذلك لا يحرم شيئا، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله.
ثم برهن على قوله حيث قال: وبرهان ذلك قول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢)». فلم يحرم الله تعالى ولا رسوله الكريم ﷺ في هذا المعنى نكاحا إلا بالرضاع والرضاعة، والرضاع فقط، ولا يسمى إرضاعا إلا ما أرضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع، يقال: أرضعته ترضعه إرضاعا ولا يسمى رضاعة ولا إرضاعا إلا ما أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه، تقول رضع يرضع رضاعا ورضاعة، وما عدا كل ذلك مما ذكرنا فلا يسمى شيء منه إرضاعا ولا رضاعة ولا رضاعا، وإنما هو حلب وطعام وسقاء وشرب وأكل وبلع وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله بهذا شيئا (٣).
стр. 16354
وممن قال قول ابن حزم في كيفية وصول اللبن إلى الجوف: الحنابلة والليث وأبو سليمان وهو قول عطاء، وبه أخذ الشيعة الجعفرية (١).
وذهب الحنفية والمالكية والشافعية والشعبي (٢) إلى أن السعوط والوجور (٣) يحرمان كما تحرم الرضاعة، وذلك لأن المقصود من الرضاعة طرد الجوع، وطرد الجوع يحصل بالسعوط والوجور كما يحصل بالرضاع، فلما كانت العلة طرد الجوع وهي حاصلة في كلا الأمرين لذلك تنتشر الحرمة في السعوط والوجور كما تنتشر في الرضاع.
أما إذا اكتحل الصبي باللبن أو صب في عينيه أو أذنيه أو احتقن أو داوى به جائفة (٤) أو مأمومة (٥) أو قطرة في إحدى السبيلين فإن الحرمة لا تنتشر به ولا يكون محرما، وذلك لعدم وصوله إلى الجوف وكذلك لعدم حصول المقصود منه وهو دفع الجوع وإنبات اللحم وإنشاز العظم.
وذهب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة إلى أن الحقنة تثبت بها الحرمة، وقال: إن الحقنة تفطر الصائم، فلما فطرت الصائم إذا ثبتت فيها الحرمة (٦).
أما الإمام مالك فلم ينسب إليه قول في ذلك، وقد نقل سحنون أن الاحتقان إذا كان فيه غذاء فإنه ينشر الحرمة وإلا فلا، حيث جاء في المدونة ما نصه: قلت: أرأيت الصبي إذا حقن بلبن امرأة هل تقع الحرمة
стр. 16355
بهذا اللبن الذي حقن به في قول مالك، قال مالك في الصائم يحتقن: أن عليه القضاء إذا وصل ذلك إلى جوفه، ولم أسمع من مالك في ذلك شيئا، وأرى إن كان له غذاء رأيت أن يحرم وإلا فلا يحرم إلا أن يكون له غذاء في اللبن (١).
والراجح ما ذهب إليه الحنفية وغيرهم من أن التغذية بلبن المرضعة محرم، سواء أكان شربا أو وجورا أو سعوطا مادام يغذي الصبي ويسد جوعه ويبلغ قدر رضعة؛ لأنه يحصل به ما يحصل بالإرضاع من إنبات اللحم وإنشاز العظم فيساويه في التحريم.
стр. 16356
حكم اللبن إذا خالط غيره أو تبدل طبعه:
إذا خلط اللبن بغيره كالطعام أو الماء أو الشراب، فذهب جماعة من الفقهاء إلى أن الحرمة تنتشر به، سواء كان اللبن غالبا أم مغلوبا، وهو قول الإمام الشافعي والخرقي؛ وذلك لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه فأشبه ما لو كان غالبا.
وذهب جماعة إلى القول بالتفصيل، فقالوا: إن كان اللبن غالبا ثبتت الحرمة، أما إذا كان اللبن مغلوبا فلا تنتشر الحرمة، وعللوا ذلك بأن الحكم يعطى للأكثر، فإذا كان اللبن مغلوبا فلا تنتشر الحرمة، وعللوا ذلك بأن الحكم يعطى للأكثر، فإذا غلب أعطي لغيره. وهذا مذهب أبي ثور والمزني وبه قال الأحناف.
أما إذا اختلط بلبن امرأة أخرى فالحكم للغالب عند أبي يوسف، ولا عبرة بالقليل، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة.
وذهب زفر ومحمد إلى القول بأن الحرمة تنتشر بينه وبين المرأتين، سواء
стр. 16357
تساوى اللبن أو زاد بعضه على بعض؛ وذلك لأن اللبن اختلط بجنسه واختلاط الشيء بجنسه لا يستهلكه، ولما كان لبن كل امرأة يحرم على حدة، فكذلك إذا اختلط فيحرمان عليه كلتاهما، وهذا مروي عن أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف: إذا اختلط اللبن وتساوى تنتشر الحرمة من كلتيهما احتياطا.
أما إذا خلط بلبن شاة فلا تنتشر الحرمة إذا كان لبن الشاة هو الغالب عند الحنفية، أما إذا كان لبن المرأة هو الغالب فإنه يكون ناشرا للحرمة.
وأما عند الشافعية فتثبت الحرمة على حسب القاعدة التي مشوا عليها.
أما إذا كان اللبن قد طبخ على النار حتى نضج فلا يكون ناشرا للحرمة سواء كان مختلطا بغيره أم منفردا، وهذا ما أخذ به الحنفية؛ لأن الطبخ أخرجه عن طبعه، وكذلك الشأن لو جعل اللبن جبنا أو أقطا أو أي شيء آخر؛ لأنه أخرجه عن كونه رضاعا، كما أنها لا تنبت لحما ولا تنشز عظما ولا تكفي غذاء للصبي (١).
والراجح أن اختلاط لبن المرأة بطعام أو شراب أو دواء أو لبن شاة أو غيره وكان غالبا يحرم، وإن لم يكن غالبا فلا يثبت به التحريم.
стр. 16358
حكم لبن الميتة:
إذا ماتت امرأة وكان لها لبن فرضع منه طفل انتشرت به الحرمة عند الحنفية وأبي ثور والأوزاعي وأبي القاسم وابن المنذر، وبه قال ابن
стр. 16359
حزم (١): واحتجوا بأنه لا فرق بين شربه في حياتها أو بعد مماتها، إلا الحياة أو الموت أو النجاسة، وهذا لا أثر له لأن اللبن لا يموت والنجاسة لا تمنع كما لو حلب في وعاء نجس، ولأنه لو حلب منها في حياتها ثم سقاه بعد موتها لنشر الحرمة، وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة، وذهب الشافعي والخلال إلى أنه لا ينشر الحرمة؛ لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة، فلا يتعلق به التحريم.
والراجح أن لبن الميتة ينشر الحرمة؛ لأنه ارتضاع من امرأة يتحقق به إنبات اللحم وإنشاز العظم.
стр. 16360
حكم لبن البكر: -
إذا خرج للبكر لبن فأرضعت به طفلا، فما عليه جمهور الفقهاء أن الحرمة تنتشر بهذا اللبن، وأن الراضع يصير ابنها من الرضاع، وهي أمه من الرضاع، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) ولأن لبن المرأة في العادة وجد لغذاء الطفل، فكون خروج اللبن للبكر قليلا إلا أنه جنس اللبن المعتاد، فيكون كما لو ثاب بالوطء، فلو أن هذه البكر أرضعت طفلا وطفلة أصبحت أمهما من الرضاع، وأصبحا أخوين من الرضاع، ولا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر، كما أن الذكر لا يجوز له أن يتزوج بها
стр. 16361
لأنها أمه من الرضاع، ولا بأمها لأنها جدته من الرضاع، ولا ببنتها لأنها أخته من الرضاع، وحرمت البنت على أبيها لأنه جدها من الرضاع، وعلى أخيها لأنه خالها من الرضاع، ولا بابنها لأنه أخوها من الرضاع، وهو قول الشافعي ومالك والثوري وابن حامد والحنفية وغيرهم. والرواية الثانية أن لا تنتشر الحرمة؛ لأنه نادر، لا تجري العادة له لتغذية الأطفال، والنادر لا حكم له (١).
والراجح أن هذا اللبن ينشر الحرمة؛ لأن ألبان النساء على العموم خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان لبن هذه المرأة نادرا فجنسه معتاد.
стр. 16362
حكم لبن الرجل: -
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرجل إذا خرج له لبن وأرضع طفلا فلا حرمة ولا رضاع بينهما ولا تنتشر الحرمة بين من أرضعهما، فلو أرضع طفلين أحدهما ذكر والآخر أنثى فلا يصيران أخوين من الرضاعة، وجاز لأحدهما أن يتزوج من الآخر، كما أنه لا تثبت الحرمة بين الرجل وبين أحدهما، وجاز له أن يتزوج البنت التي أرضعها، كما يجوز للولد الذي رضع منه أن يتزوج بابنته أو أخته أو عمته أو خالته إذا لم يكن هناك مانع آخر.
وذهب الكرابيسي إلى أن الحرمة تنتشر بلبن الذكر، فلو أن رجلا خرج له لبن وأرضع طفلا انتشرت الحرمة بينه وبين من
стр. 16363
أرضعه، إذا اجتمع طفلان على هذا اللبن تثبت الحرمة بينهما، فلو أرضع ذكرا وأنثى ثبتت الحرمة بينهما وأصبحا أخوين من الرضاعة، وذلك لأنه لبن آدمي فأشبه لبن الآدمية، ولم يجز لأحدهما أن يتزوج بالآخر (١).
والراجح أن لبن الرجل لا تنتشر به الحرمة؛ لأن نزول اللبن من ثدي الرجل من الأمور النادرة ولم يخلق لغذاء المولود، فلا يتعلق به التحريم.
стр. 16364
حكم لبن الفحل (أي زوج المرضعة): -
ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بالحرمة، فلو أرضعت امرأة طفلا فإنه يصبح ابنا من الرضاع لزوجها، ويحرم عليه وعلى أصوله وفروعه وإخوانه وأخواته وأعمامه وعماته، وبه قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، واستدلوا بما يلي:
أولا: ما روي عن الرسول ﷺ أنه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١)» ولما كان الأب من النسب يحرم، فكذلك حرم في الرضاع لعموم قول الرسول ﷺ .
ثانيا: وكذلك احتجوا بما روي عن السيدة عائشة أم المؤمنين في حادثة أفلح أخي أبي القعيس، قالت عائشة: «إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فإن أخا أبي القعيس ليس
стр. 16365
هو الذي أرضعني ولكن أرضعتني امرأته، قال رسول الله ﷺ : " ائذني له فإنه عمك تربت يمينك (١)»، قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب (٢).
ثالثا: واستدلوا بما روي أن ابن عباس سئل عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما، هل يتزوج الغلام بالجارية فقال: (لا، اللقاح واحد) (٣) فابن عباس إذا اعتبر لبن الفحل محرما؛ لأنه أصبح أخاها من أبيها من الرضاع.
وذهب فريق إلى القول بعدم انتشار الحرمة بينهما؛ لأنهم اعتبروا اللبن للمرأة وليس للرجل، وممن أخذ بذلك السيدة عائشة أم المؤمنين وابن الزبير وابن عمر، وكانت عائشة تدخل من أرضعته أخواتها ولم تدخل من أرضعته نساء إخوانها، وقد نسبه صاحب كتاب المبسوط إلى الإمام الشافعي، حيث قال: بناء على أصله إن لبن الفحل لا يحرم (٤) ولكن كتب الفقه الشافعي نصت على حرمة لبن الفحل، فقد جاء في مغني المحتاج ما نصه: اعلم أن الحرمة تسري من المرضعة والفحل إلى أصولهما وفروعهما وحواشيهما (٥).
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
стр. 16366
ما يثبت به الرضاع: -
يثبت الرضاع بالشهادة أو الإقرار:
١ - ثبوت الرضاع بالشهادة:
اختلف الفقهاء في عدد الشهود المقبولين في الشهادة على الرضاع، وفي قبول شهادة النساء، فقد ذهب فريق من الفقهاء إلى القول بقبول شهادة النساء، وقالوا تكفي في ذلك امرأة واحدة إذا كانت مرضية الشهادة، وبنوا حرمة النكاح على هذا الرضاع الذي ثبت بشهادتها، وهذا قول طاوس والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب وسعيد بن عبد العزيز.
واستدلوا بما روي «عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بأبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: " وكيف وقد زعمت ذلك؟ (١)». متفق عليه، وفي لفظ رواه النسائي قال: «فأتيته من قبل وجهه فقلت: إنها كاذبة، قال: " كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ خل سبيلها (٢)». وهذا يدل على الاكتفاء بشهادة المرأة الواحدة.
وقال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان بشهادة امرأة في الرضاع.
وقال الشعبي: كانت القضاة تفرق بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع؛ لأن هذا شهادة على عورة فقبل فيها شهادة النساء المنفردات كالولادة.
стр. 16367
وقال الشافعي: تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فقبل فيه شهادة المرأة المنفردة كالخبر.
فإذا شهدت المرأة يجب أن تبين؛ لأن نوع لبن الرضاع المحرم يختلف فيه الفقهاء. فمنهم من جعله مرة، ومنهم من قال ثلاث، ومنهم من قال خمس رضعات، ومنهم من قال سبع رضعات، ومنهم من قال عشر رضعات، فإذا لا بد أن تبين المرأة وأن لا تكون لها مصلحة في قولها، أما إذا كانت لها مصلحة في قولها فإنها تكون متهمة فلا تقبل شهادتها.
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى قبول شهادة المرأة الواحدة بشرط أن تحلف يمينا، وهو قول إسحاق، وقد روي عن ابن عباس أنه قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله فقال: إن كانت مرضية استحلفت وفارق امرأته، وإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها (يعني يصيبها برص عقوبة على كذبها) وقد علق على هذا القول ابن قدامة في كتابه المغني بما يلي: وهذا لا يقتضيه قياس ولا يهتدي إليه رأي، فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا (١).
وذهب فريق إلى القول بعدم قبول شهادة المرأة الواحدة، واشترطوا لذلك اثنتين فأكثر حتى تقبل شهادتهما، أما الواحدة فلم يقبلوا شهادتها. وهو قول الحكم ورواية عن الإمام أحمد - رحمه
стр. 16368
الله -، وقالوا: إن الرجال أكمل من النساء، ومع ذلك لا تقبل شهادة الرجل الواحد، بل يشترط رجلان في الشهادة، ففي النساء أولى أن يشترط امرأتان، وذهب فريق إلى عدم قبول شهادة النساء في ذلك حتى يبلغن أربعا، وقالوا: كل امرأتين يعتبران عوضا عن رجل.
وذهب الحنفية إلى عدم قبول شهادة النساء منفردات، بل يجب أن تكون الشهادة من رجلين أو رجل وامرأتين، وهو قول عمر بن الخطاب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١).
فإذا شهد الشهود بين يدي الزوجين بأن بينهما رضاعا ففي هذه الحالة وجبت عليهما الفرقة، سواء حصل بينهما دخول أم لا، غاية ما هنالك أنه إن حصلت الشهادة بعد الدخول يجب أن يقول الزوج: فسخت العقد أو أن الزوجة تقول ذلك، أما إذا كان قبل الدخول فيكفي المفارقة في الأبدان وأن لا يجتمعا (٢).
أما إذا أصرا على زواجهما ولم يفسخاه ووطئها بعد ذلك فإنهما يأثمان، ولكن لا حد عليهما لوجود شبهة، والحد يدرأ بالشبهات
стр. 16369
لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات (١)» ووجب على القاضي أن يفرق بينهما، وإذا فرق بينهما القاضي فإن حصل جماع بعد فرقة القاضي لزمهما الحد، أما إذا أخبر الشهود المرأة وحدها بأنه بين زوجها وبينها رضاع وكان الزوج غائبا، فالواجب على المرأة أن لا تمكنه من نفسها ووجب عليها فسخ العقد وإذا لم يفسخاه يفسخه القاضي.
أما إذا سمعت قول الشهود ثم أرادت أن تتزوج بغيره قبل أن يفسخ العقد فلا يجوز لها ذلك. وأما إذا أخبر الزوج وحده بأن بينهما رضاعا فيلزمه مفارقتها، وأن لا يطأها بعد علمه بذلك، وإن وطئها أثم.
ولا يشترط لأداء الشهادة أن تكون هناك خصومة ودعوى؛ لأن الشهادة في هذا من باب الحسبة؛ لأنها تتضمن حرمة البضع وحرمة البضع حق لله ﵎، وحق الله تجوز فيه الحسبة بخلاف حق العبد.
والراجح أن شهادة المرضعة وحدها لا تكفي؛ لأنها شهادة على فعل نفسها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين زوجين إلا فعلت.
٢ - ثبوت الرضاع بالإقرار: -
إذا أقر الرجل بأن زوجته أخته من الرضاعة أو خالته أو عمته وصدقته في ذلك، أو أقرت الزوجة وصدقها الزوج انفسخ العقد،
стр. 16370
فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، أما إذا كان بعد الدخول فلها الأقل من المسمى أو مهر المثل (١).
أما إذا أقر الزوج وكذبته الزوجة، فإذا قال: إنها أختي من الرضاع أو خالتي أو عمتي وكذبته فيما قال - فإن إقراره ملزم له، فيؤاخذ بإقراره ويلزم به. ولا يقال: إنه إنما أقر لكي يتخلص منها؛ لأنه لو أراد أن يتخلص من الزواج فهو المالك لعقدة النكاح وبيده الطلاق ويستطيع أن يفارقها بالطلاق، لذلك جاز إقراره هنا. إلا أنه إن كان قبل الدخول لزمه نصف المهر، وإن كان بعد الدخول لزمه جميع المهر؛ لأنه ربما قصد من الإقرار تفويت المهر.
أما إذا أقرت الزوجة وكذبها الزوج ففي هذه الحالة لا يعتبر إقرارها؛ لأنها متهمة فيه وربما تريد التخلص من الزوج.
فإذا طلقها الزوج بعد إقرارها وقبل الدخول فلا مهر لها ولا تستحق نصف المهر؛ لأنها أقرت بفساد العقد، وكذلك الشأن لو أقرت بالرضاع ثم ماتت فإنها لا تستحق المهر؛ لأنها أقرت بفساد العقد في حياتها.
وإذا أقر أحد الأولياء العاقدين للنكاح على الرضاع وصدقه الآخر صح الإقرار وانفسخ العقد، وذلك مثل أن يزوج أبو الصغير الصغير من ابنة شخص آخر صغيرة، وتولى العقد أبواهما
стр. 16371
عنهما، ثم اعترفا أن بين الصغيرين رضاعا فسخ العقد، أما إذا أقر أحدهما وأنكر الآخر فإذا كان الشخص المقر معروفا بالعدالة وكان قد فشا منه هذا الخبر قبلت شهادته وقبل إقراره (١).
стр. 16372
المحرمات بسبب الرضاع: -
إذا أردنا أن نعرف المحرمات بسبب الرضاع وجب علينا أن نعرف المحرمات بسبب النسب، حتى يمكننا أن نعرف المحارم بسبب الرضاع؛ لأن الرسول الكريم ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١)». فمن هذا الحديث نستدل على أن الرضاع يحرم جميع الأصناف التي يحرمها النسب، وهي:
أولا: أم الشخص من الرضاع، سواء كانت التي أرضعته أو أمها حيث تكون جدته من الرضاع أو جدة أمه من الرضاع أو أم أبيه من الرضاع أو جدة أبيه من الرضاع، فهذا يشمل الأم والجدات وإن علون وسواء كن من جهة الأم أو من جهة الأب؛ لأن كل هؤلاء يحرمن من النسب فحرمن من الرضاع.
ثانيا: البنت من الرضاع وبنت البنت وبنت الابن من الرضاع مهما نزلن؛ لأن البنات من النسب يحرمن مهما نزلن، فكذلك البنات من الرضاعة.
ثالثا: الأخت من أي جهة كانت، سواء كانت شقيقة أم
стр. 16373
أختا لأب أم أختا من جهة الأم، فكل أخت من الرضاع تحرم، فالأخت الشقيقة من الرضاع هي التي رضعت من أم الشخص وهي عند أبيه ولبنها لبن الأب، وأما الأخت من جهة الأب فقط فهي التي رضعت من الأم، وهي عند غير الأب ولبنها من غير الأب، فكل ذلك ينشر الحرمة المؤبدة.
رابعا: بنت الأخت من الرضاع تحرم كما تحرم الأخت من الرضاع، وعلى التفصيل الآنف الذكر في الفقرة الثالثة.
خامسا: بنت الأخ من الرضاع، سواء كان الأخ من جهة الأب واللبن له فقط أو من جهة الأم فقط واللبن فقط لها، أم أن اللبن للأم والأب سواء كانت بنت الأخ قريبة أو بعيدة.
سادسا: العمات، سواء كن شقيقات أم لأب أم لأم، أما عمة العمة أو عمة العم فإنها لا تحرم إلا إذا كانت شقيقة أو لأب، أما إذا كانت لأم فإنها لا تحرم بالنسب، ولما لم تحرم بالنسب فإنها لا تحرم بالرضاع.
سابعا: الخالات، والخالات يحرمن من أي جهة كن، وذلك لأن الخالات النسبيات يحرمن من أي جهة فكذلك الخالات من الرضاع.
ثامنا: خالات الخالات والأخوال، وهؤلاء لا يحرمن إلا إذا كن شقيقات أو لأم، أما إذا كن لأب فقط فإنهن لا يحرمن، فحالتهن بعكس حالة عمات العمات والأعمام، فعمات العمات أو الأعمام
стр. 16374
لا يحرمن إلا إذا كن متصلات من جهة الأب، أما خالات الخالات فلا يحرمن إلا إذا كن متصلات من جهة الأم (١).
فكل هذه الأصناف الآنفة الذكر تحرم بسبب الرضاع كما حرمت بسبب النسب، فإذا رضع طفل من امرأة حرمت عليه هي وأمهاتها وجداتها من أي جهة كانت، كما تحرم عليه بناتها وبنات بناتها وبنات أبنائها وإن نزلن، ويحرم عليه أخواتها من أي جهة كن، وكذلك بنات أخواتها وبنات إخوانها من أي جهة، والعمات جميعا وعمات الأب وعمات الأم وعمات الجد وعمات الجدة وعمات الأعمام وعمات العمات إذا كن شقيقات أو لأب فإنهن يحرمن، ويحرم عليه خالاته من الرضاع وخالات أمه وخالات أبيه وخالات أجداده وخالات جداته وخالات أخواله وخالات عماته إذا كن شقيقات أو لأم، أما خالات الخالات من جهة الأب فإنهن لا يحرمن بواسطة الرضاع لأنهن أجنبيات عن الراضع، ويجوز للرجل أن يتزوج بأخت أخيه من الرضاع كما يجوز له أن يتزوج أخت أخيه من النسب لأنه لا علاقة له بها ولا حرمة بينهما.
هؤلاء النسوة اللواتي يحرمن من الرضاع كما يحرمن من النسب وذلك لقوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢)».
المحرمات من الرضاع بسبب المصاهرة:
стр. 16375
المحرمات من الرضاع بسبب المصاهرة ليس كما مضى معنا من حيث عمومه، وأن كل من تحرم بسبب المصاهرة تحرم بسبب الرضاع، لذا يقتضينا البحث أن نتعرف على من من النساء يحرمن بواسطة المصاهرة، ومن منهن يحرمن بواسطة الرضاع، ومن لا يحرمن؛ لأننا إذا رجعنا إلى الحرمة بسبب المصاهرة نجد أنها تنقسم قسمين:
القسم الأول: يحرم بالرضاع كما يحرم بالمصاهرة.
القسم الثاني: يحرم بالمصاهرة ولا يحرم بالرضاع.
فمن النساء اللائي يحرمن من الرضاع ويحرمن من المصاهرة هن أم الزوجة وإن علت وبنتها وإن نزلت، فهؤلاء يحرمن بالمصاهرة والرضاع على حد سواء، فإذا رضعت خديجة من عائشة ثم تزوجت خديجة من علي، فعائشة حرمت على علي حرمة مؤبدة ولا يجوز له أن يتزوجها حتى ولو فارق خديجة بسبب الوفاة أو الطلاق، وتحرم عليه بمجرد العقد على خديجة ولا يشترط الدخول، وهكذا جميع أمهاتها وجداتها مهما علون سواء كان ذلك من جهة الرضاع أو من جهة النسب، فأم خديجة النسبية وجدتها النسبية كذلك لا يجوز له أن يتزوج بواحدة منهن.
ولا يجوز أن يجمع الرجل بين زوجته وأختها من الرضاع أو خالتها أو عمتها من الرضاع، ولم يجوز ذلك إلا الجعفرية في زواج البنت على خالتها أو عمتها من الرضاع، وذلك لأنه يجوز
стр. 16376
للرجل عندهم أن يتزوج بنت أخت زوجته أو بنت أخيها، غاية ما هنالك أن يأخذ إذن الزوجة إذا كانت عمة أو خالة، أما إذا كانت بنت الأخ هي الأولى وأراد أن يأخذ عمتها أو بنت الأخت أولا وأراد أن يأخذ خالتها لا يجوز له ذلك الجمع، ولا يشترط إذن الزوجة، فهذا عندهم سواء كان في الرضاع أم المصاهرة.
القسم الذي يحرم بالمصاهرة ولا يحرم بالرضاع:
الحالة الأولى:
أم الأخ: لا يجوز للشخص أن يتزوج بأم أخيه نسبا لأنها إما أن تكون أمه أو زوجة أبيه، فالأولى محرمة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١) والثانية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢).
أما إذا رضع شخص من امرأة أجنبية فإنها تحل لأخيه، ومثل أم الأخ من الرضاع أم الأخت من الرضاع، وكذلك يجوز للشخص أن يتزوج من الأم النسبية لأخيه من الرضاع لأنه أجنبي عنها.
الحالة الثانية:
إذا أرضعت امرأة أجنبية ولد ولد الرجل، جاز لهذا الرجل أن يتزوجها لأنها أجنبية عنه، وكذلك لو أرضعت زوجة ابن هذا الرجل ولدا، وكان له أم من النسب جاز له أن يتزوجها.
стр. 16377
الحالة الثالثة: -
جدة الولد: إذا أرضعت ولد شخص ما امرأة، فإن أمها لا تحرم عليه وإن كانت جدة ابنه من الرضاع، بخلاف جدة ولده من النسب؛ فإنها إما أن تكون أمه أو أم زوجته، وهما لا يجوز له أن يتزوج بواحدة منهما لأنهما حرمتا بنص الكتاب.
الحالة الرابعة:
أخت ولد الرجل من الرضاع يجوز له أن يتزوج بها؛ لأنها أجنبية عنه، بخلاف أخت ابنه من النسب فهي إما أن تكون بنته أو بنت زوجته فتكون ربيبته، ولا يجوز له أن يتزوج بإحداهما.
الحالة الخامسة:
أم العم من الرضاع أو العمة من الرضاع: وكذلك لا تحرم أم العم من الرضاع أو العمة، فإذا كانت أجنبية فإنها لا تحرم على الشخص لأنها لا صلة لها بابن أخي الشخص الذي أرضعته وهي أجنبية، بخلاف أم العم أو العمة من النسب؛ لأنها إما أن تكون جدته أو زوجة الجد، وكلتاهما لا يجوز له أن يتزوجهما.
الحالة السادسة:
أم الخال أو الخالة من الرضاع: فكما جاز للشخص أن يتزوج بأم عمه أو عمته من الرضاع جاز له أن يتزوج بأم خاله من الرضاع أو أم خالته من الرضاع، فإذا أرضعت خاله أو خالته امرأة جاز أن يتزوج بها.
بقيت مسألة: وهي أنه إذا أرضعت الطفل جدته لأمه أي " أم
стр. 16378
أمه " فهل تحرم أمه على أبيه أم لا؟
والجواب على ذلك: هو أن أم هذا الطفل لا تحرم على أبيه والسبب في ذلك: لأن الطفل أصبح أخا لأمه من الرضاع، وقد عرفنا أن الشخص يجوز له أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع؛ لأنها أجنبية عنه.
стр. 16379
صفحة فارغة
стр. 16380
حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين وقائد المجاهدين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: -
فقد اختلف العلماء ﵏ في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار، على قولين:
أحدهما المنع من ذلك. واحتجوا على ذلك بما يلي: -
أولا: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ «أن رجلا من المشركين - كان معروفا بالجرأة والنجدة - أدرك النبي ﷺ مسيره إلى بدر في حرة الوبرة فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له النبي ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال له أول مرة، فقال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم لحقه في البيداء، فقال مثل قوله، فقال له: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، قال: فانطلق (١)» اهـ.
واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن
стр. 16381
هارون أنبأنا مستلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده خبيب بن يساف قال: «أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله ﷺ وهو يريد غزوا، فقلت: يا رسول الله: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لم نشهده معهم، فقال: أسلمتما؟ فقلنا: لا، قال: فإنا لا نستعين بالمشركين قال: فأسلمنا وشهدنا معه. . . الحديث (١)»، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وخبيب صحابي معروف. . اهـ. ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية ص ٤٢٣ ج ٣ ثم قال: ورواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبري في معجمه من طريق ابن أبي شيبة. قال في التنقيح: ومستلم ثقة وخبيب بن عبد الرحمن أحد الثقات الأثبات، والله أعلم.
ثم قال الزيلعي في حديث آخر: روى إسحاق بن راهويه في (مسنده): أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء، فقال: " من هؤلاء "؟. قالوا: هذا عبد الله بن أبي ابن سلول ومواليه من اليهود، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: " هل أسلموا "؟ قالوا: لا، إنهم على دينهم، قال: " قولوا لهم: فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» انتهى. ورواه الواقدي في كتاب المغازي، ولفظه: «فقال: " من
стр. 16382
هؤلاء "؟ قالوا: يا رسول الله: هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود، فقال ﵊: " لا ننتنصر بأهل الشرك على أهل الشرك». انتهى. قال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ: وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فذهب جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين، ومنهم أحمد مطلقا. وتمسكوا بحديث عائشة المتقدم، وقالوا: إن ما يعارضه لا يوازيه في الصحة، فتعذر ادعاء النسخ. وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة، بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
والثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين. ثم أسند إلى الشافعي أن قال: الذي روى مالك أن النبي ﷺ رد مشركا أو مشركين وأبى أن يستعين بمشرك كان في غزوة بدر.
ثم إنه ﵊ استعان في غزوة خيبر بعد بدر بسنتين بيهود بني قينقاع، واستعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الذي في حديث مالك إن كان لأجل أنه مخير في ذلك بين أن يستعين به وبين أن يرده كما له رد المسلم لمعنى يخافه - فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان لأجل أنه مشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين، ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا أخرجوا طوعا ويرضخ لهم، ولا يسهم لهم، ولا يثبت عن النبي ﷺ أنه أسهم لهم، قال الشافعي: ولعله ﵇ إنما رد
стр. 16383
المشرك الذي رده في غزوة بدر رجاء إسلامه، قال: وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك ويأذن له. انتهى. وكلام الشافعي كله نقله البيهقي عنه. . اهـ. وقال النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم ص ١٩٨، ص ١٩٩ ج ١٢ ما نصه: قوله: «عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة (١)» هكذا ضبطناه بفتح الباء، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضبطه بعضهم بإسكانها، وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة. قوله ﷺ : «فارجع فلن أستعين بمشرك (٢)» وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان ابن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم، والله أعلم. . اهـ.
وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه: الإفصاح عن معاني الصحاح ج ٢ ص ٢٨٦ ما نصه: واختلفوا: هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب، أو يعاونون على عدوهم؟: فقال مالك وأحمد: لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق. واستثنى مالك: إلا أن يكونوا خدما للمسلمين فيجوز، وقال أبو حنيفة: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره، وقال
стр. 16384
الشافعي: يجوز ذلك بشرطين:
أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة، والثاني: أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام وميل إليه، فإن استعين بهم رضخ لهم ولم يسهم لهم، إلا أن أحمد قال في إحدى روايتيه يسهم لهم، وقال الشافعي: إن استؤجروا أعطوا من مال لا مالك له بعينه، وقال في موضع آخر: ويرضخ لهم من الغنيمة، قال الوزير: وأرى ذلك مثل الجزية والخراج. . اهـ.
القول الثاني: جواز الاستعانة بالمشركين في قتال المشركين عند الحاجة أو الضرورة. واحتجوا على ذلك بأدلة منها: قوله جل وعلا في سورة الأنعام ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) الآية، واحتجوا أيضا بما نقله الحازمي عن الشافعي ﵀ فيما ذكرنا آنفا في حجة أصحاب القول الأول، وسبق قول الحازمي ﵀ نقلا عن طائفة من أهل العلم أنهم أجازوا ذلك بشرطين: -
أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
الثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين، وتقدم نقل النووي عن الشافعي أنه أجاز الاستعانة بالمشركين بالشرطين المذكورين وإلا كره، ونقل ذلك أيضا عن الشافعي الوزير ابن هبيرة، كما تقدم.
стр. 16385
واحتج القائلون بالجواز أيضا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون (١)» الحديث ولم يذمهم على ذلك، فدل على الجواز وهو محمول على الحاجة أو الضرورة كما تقدم.
وقال المجد ابن تيمية في المحرر في الفقه ص ١٧١ جـ ٢ ما نصه: (ولا يستعين بالمشركين إلا لضرورة، وعنه: إن قوي جيشه عليهم وعلى العدو ولو كانوا معه ولهم حسن رأي في الإسلام جاز وإلا فلا، انتهى. وقال الموفق في المقنع جـ ١ ص ٤٩٢ ما نصه: ولا يستعين بمشرك إلا عند الحاجة).
وقال في المغني ج ٨ ص ٤١٤، ص ٤١٥ (فصل) ولا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي، لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية، ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى.
ووجه الأول: ما روت عائشة ﵂ قالت: «خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبرة أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جرأة ونجدة، فسر المسلمون به، فقال: يا رسول