← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16381–16420 · переход к 16386.

стр. 16381

هارون أنبأنا مستلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده خبيب بن يساف قال: «أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله ﷺ وهو يريد غزوا، فقلت: يا رسول الله: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لم نشهده معهم، فقال: أسلمتما؟ فقلنا: لا، قال: فإنا لا نستعين بالمشركين قال: فأسلمنا وشهدنا معه. . . الحديث (١)»، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وخبيب صحابي معروف. . اهـ. ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية ص ٤٢٣ ج ٣ ثم قال: ورواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبري في معجمه من طريق ابن أبي شيبة. قال في التنقيح: ومستلم ثقة وخبيب بن عبد الرحمن أحد الثقات الأثبات، والله أعلم. ثم قال الزيلعي في حديث آخر: روى إسحاق بن راهويه في (مسنده): أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء، فقال: " من هؤلاء "؟. قالوا: هذا عبد الله بن أبي ابن سلول ومواليه من اليهود، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: " هل أسلموا "؟ قالوا: لا، إنهم على دينهم، قال: " قولوا لهم: فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» انتهى. ورواه الواقدي في كتاب المغازي، ولفظه: «فقال: " من

стр. 16382

هؤلاء "؟ قالوا: يا رسول الله: هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود، فقال ﵊: " لا ننتنصر بأهل الشرك على أهل الشرك». انتهى. قال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ: وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فذهب جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين، ومنهم أحمد مطلقا. وتمسكوا بحديث عائشة المتقدم، وقالوا: إن ما يعارضه لا يوازيه في الصحة، فتعذر ادعاء النسخ. وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة، بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك. والثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين. ثم أسند إلى الشافعي أن قال: الذي روى مالك أن النبي ﷺ رد مشركا أو مشركين وأبى أن يستعين بمشرك كان في غزوة بدر. ثم إنه ﵊ استعان في غزوة خيبر بعد بدر بسنتين بيهود بني قينقاع، واستعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الذي في حديث مالك إن كان لأجل أنه مخير في ذلك بين أن يستعين به وبين أن يرده كما له رد المسلم لمعنى يخافه - فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان لأجل أنه مشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين، ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا أخرجوا طوعا ويرضخ لهم، ولا يسهم لهم، ولا يثبت عن النبي ﷺ أنه أسهم لهم، قال الشافعي: ولعله ﵇ إنما رد

стр. 16383

المشرك الذي رده في غزوة بدر رجاء إسلامه، قال: وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك ويأذن له. انتهى. وكلام الشافعي كله نقله البيهقي عنه. . اهـ. وقال النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم ص ١٩٨، ص ١٩٩ ج ١٢ ما نصه: قوله: «عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة (١)» هكذا ضبطناه بفتح الباء، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضبطه بعضهم بإسكانها، وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة. قوله ﷺ : «فارجع فلن أستعين بمشرك (٢)» وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان ابن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم، والله أعلم. . اهـ. وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه: الإفصاح عن معاني الصحاح ج ٢ ص ٢٨٦ ما نصه: واختلفوا: هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب، أو يعاونون على عدوهم؟: فقال مالك وأحمد: لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق. واستثنى مالك: إلا أن يكونوا خدما للمسلمين فيجوز، وقال أبو حنيفة: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره، وقال

стр. 16384

الشافعي: يجوز ذلك بشرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة، والثاني: أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام وميل إليه، فإن استعين بهم رضخ لهم ولم يسهم لهم، إلا أن أحمد قال في إحدى روايتيه يسهم لهم، وقال الشافعي: إن استؤجروا أعطوا من مال لا مالك له بعينه، وقال في موضع آخر: ويرضخ لهم من الغنيمة، قال الوزير: وأرى ذلك مثل الجزية والخراج. . اهـ. القول الثاني: جواز الاستعانة بالمشركين في قتال المشركين عند الحاجة أو الضرورة. واحتجوا على ذلك بأدلة منها: قوله جل وعلا في سورة الأنعام ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) الآية، واحتجوا أيضا بما نقله الحازمي عن الشافعي ﵀ فيما ذكرنا آنفا في حجة أصحاب القول الأول، وسبق قول الحازمي ﵀ نقلا عن طائفة من أهل العلم أنهم أجازوا ذلك بشرطين: - أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك. الثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين، وتقدم نقل النووي عن الشافعي أنه أجاز الاستعانة بالمشركين بالشرطين المذكورين وإلا كره، ونقل ذلك أيضا عن الشافعي الوزير ابن هبيرة، كما تقدم.

стр. 16385

واحتج القائلون بالجواز أيضا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون (١)» الحديث ولم يذمهم على ذلك، فدل على الجواز وهو محمول على الحاجة أو الضرورة كما تقدم. وقال المجد ابن تيمية في المحرر في الفقه ص ١٧١ جـ ٢ ما نصه: (ولا يستعين بالمشركين إلا لضرورة، وعنه: إن قوي جيشه عليهم وعلى العدو ولو كانوا معه ولهم حسن رأي في الإسلام جاز وإلا فلا، انتهى. وقال الموفق في المقنع جـ ١ ص ٤٩٢ ما نصه: ولا يستعين بمشرك إلا عند الحاجة). وقال في المغني ج ٨ ص ٤١٤، ص ٤١٥ (فصل) ولا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي، لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية، ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى. ووجه الأول: ما روت عائشة ﵂ قالت: «خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبرة أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جرأة ونجدة، فسر المسلمون به، فقال: يا رسول

стр. 16386

الله: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له رسول الله ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم قال: فانطلق (١)» متفق عليه. ورواه الجوزجاني وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن خبيب قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا لنستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، قال: فأسلمتما؟ قلنا: لا، قال: فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين (٢)» قال ابن المنذر: والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت. . اهـ. وقال الحافظ في التخليص بعد ما ذكر الأحاديث الواردة في جواز الاستعانة بالمشركين والأحاديث المانعة من ذلك ما نصه: ويجمع بينه - يعني حديث عائشة - وبين الذي قبله - يعني حديث صفوان بن أمية - ومرسل الزهري بأوجه ذكرها المصنف، منها: وذكره البيهقي عن نص الشافعي: أن النبي ﷺ تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم، فصدق ظنه، وفيه نظر، من جهة التنكير في سياق النفي. ومنها: أن الأمر فيه إلى رأي الإمام، وفيه النظر بعينه، ومنها: أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها، وهذا أقربها وعليه نص الشافعي. وقال في الفروع ج ٦ ص ٢٠٥ ما نصه: ويكره أن يستعين بكافر

стр. 16387

إلا لضرورة، وذكر جماعة: لحاجة، وعنه: يجوز مع حسن رأي فينا، زاد جماعة وجزم به في المحرر: وقوته بهم بالعدو. وقال الصنعاني ﵀ في سبل السلام ج ٤ ص ٤٩، ص ٥٠ على شرحه لحديث عائشة ﵂: (ارجع فلن أستعين بمشرك) ما نصه: والحديث من أدلة من قال: لا يجوز الاستعانة بالمشرك في القتال، وهو قول طائفة من أهل العلم، وذهب الهادوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز ذلك، قالوا: لأنه ﷺ استعان بصفوان بن أمية يوم حنين، واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم. أخرجه أبو داود والترمذي عن الزهري مرسلا، ومراسيل الزهري ضعيفة، قال الذهبي: لأنه كان خطاء، ففي إرساله شبهة تدليس، وصحح البيهقي من حديث أبي حميد الساعدي أنه ردهم، قال المصنف: ويجمع بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم، فصدق ظنه، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة فرخص فيها، وهذا أقرب، وقد استعان يوم حنين بجماعة من المشركين تألفهم بالغنائم، وقد اشترط الهادوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام، وفي شرح مسلم: أن الشافعي قال: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة استعين به وإلا فيكره، ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا، لاستعانته ﷺ بعبد الله بن أبي وأصحابه، وهذا آخر ما تيسر نقله من كلام أهل العلم. والله ولي التوفيق وصلى الله على

стр. 16388

نبينا محمد وعلى آله وصحبه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 16389

حديث شريف عن أنس ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : انصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقال رجل: يا رسول الله: أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره (١)» رواه البخاري

стр. 16390

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢) (سورة التوبة)

стр. 16391

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 16392

مجلة البحوث الإسلامية (مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض) الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير د. محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 16393

المحتويات الافتتاحية: نداء من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لكافة المسلمين سماحة / الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ حول الخمر والكلونيا اللجنة الدائمة ٢٣ الفتاوى: فتاوى اللجنة اللجنة الدائمة ٨٥ فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٢٩

стр. 16394

البحوث: الرد العادل على جهمي جاهل تحقيق عبد العزيز بن عبد الله الزير ١٤٧ أسباب النزول وأثرها في تفسير القرآن الكريم د. عبد الله بن إبراهيم الوهيبي ١٧٧ الدعوة إلى الله وأسلوبها المشروع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢٠١ وظيفة الدولة في الشريعة الإسلامية عثمان جمعة ضميرية ٢١٣ عادات وافدة يجب الحذر منها د / محمد بن سعد الشويعر ٢٣٣ الأخفش الأوسط أمقلد هو أم مجدد د / عبد الكريم بن محمد الأسعد ٢٧٣

стр. 16395

صفحة فارغة

стр. 16396

الافتتاحية نداء من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للمسلمين كافة من العرب وغيرهم من كل مكان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فأيها المسلمون في كل قطر، أيها العرب في كل مكان، أيها القادة والزعماء إن المعركة الحالية بين العرب واليهود ليست معركة العرب فحسب بل هي معركة إسلامية عربية، معركة بين الكفر والإيمان، بين الحق والباطل، بين المسلمين واليهود، وعدوان اليهود على المسلمين في بلادهم وعقر دورهم أمر معلوم مشهور، والواجب على المسلمين في كل مكان مناصرة إخوانهم المعتدى عليهم، والقيام في صفهم ومساعدتهم على استرجاع حقهم ممن ظلمهم وتعدى عليهم بكل ما يستطيعون من نفس وجاه وعتاد ومال كل بحسب وسعه وطاقته كما قال : ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). ومواقف اليهود ضد الإسلام وضد بني الإسلام معلومة مشهورة قد سجلها التاريخ وتناقلها

стр. 16397

رواة الأخبار، بل قد شهد بها أعظم كتاب وأصدق كتاب، ألا وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قال الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١) فنص الله في هذه الآية الكريمة على أن اليهود والمشركين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢) ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣) قال أهل التفسير في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين: كانت اليهود تستفتح على كفار العرب تقول لهم إنه قد أظل زمان نبي يبعث في آخر الزمان نقاتلكم معه، فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ أنكروه وكفروا به وجحدوا صفته وبذلوا جهودهم في محاربته والتأليب عليه والقضاء على دعوته حسدا منهم وبغيا وجحدا للحق الذي يعرفونه فأبطل الله كيدهم وأضل سعيهم، ثم إنهم لم يزالوا يسعون جاهدين في الكيد للإسلام والعداء لأهله ومساعدة كل عدو عليهم سرا وجهرا، أليسوا القائلين لكفار أهل مكة: أنتم خير وأهدى سبيلا من محمد وأصحابه؟ أليسوا هم الذين ألبوا كفار قريش ومن سار في ركابهم على قتال النبي ﷺ والمسلمين يوم أحد؟ أليسوا هم الذين هموا بقتل النبي ﷺ فأطلعه الله على ذلك وأنجاه من كيدهم؟ أليسوا هم الذين ظاهروا الكفار يوم الأحزاب، ونقضوا العهد في نفس المدينة بين المسلمين؟ حتى أحبط الله كيدهم وأزل جندهم من

стр. 16398

الكفار وسلط الله عليهم رسوله ﷺ والمسلمين فقتل مقاتلتهم وسبى ذريتهم ونساءهم وأموالهم، لغدرهم ونقضهم العهد ومشايعتهم لأهل الكفر والضلال على حزب الحق والهدى. فيا معشر المسلمين من العرب وغيرهم في كل مكان، بادروا إلى قتال أعداء الله من اليهود، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، بادروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين والمجاهدين الصابرين، وأخلصوا النية لله، واصبروا وصابروا واتقوا الله تفوزوا بالنصر المؤزر أو شرف الشهادة في سبيل الحق ودحر الباطل، وما وعدهم الله من الدرجات العلا والنعيم المقيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٧) ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٨) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٩).

стр. 16399

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، أيها المجاهدون لقد بين الله سبحانه في هذه الآيات فضل الجهاد وعاقبته الحميدة للمؤمنين، وأنها النصر والفتح القريب في الدنيا مع الجنة والرضوان من الله سبحانه، والمنازل العالية في الآخرة ودلت الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٢) على وجوب النفير للجهاد على الشبان والشيوخ إذا دعا الواجب لذلك لإعلاء كلمة الله، وحماية أوطان المسلمين، وصد العدوان عنهم مع ما يحصل بالجهاد للمسلمين من العزة والكرامة والخير العظيم والأجور الجزيلة وإعلاء كلمة الحق وحفظ كيان الأمة والحفاظ على دينها وأمنها، وأخبر في الآية الثالثة والرابعة أن الجهاد في سبيله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بالصلاة والطواف ونحو ذلك، وأن أهله أعظم درجة عند الله وأنهم الفائزون، كما أخبر سبحانه أنه يبشرهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، وأخبر في الآية الخامسة أنه مع المتقين والمعنى بنصره وتأييده وحفظه وكلاءته لهم، وقد ورد في القرآن الكريم من الآيات الكريمات في فضل الجهاد والحث عليه والوعد بالنصر للمؤمنين والدمار على الكافرين سوى ما تقدم ما يملأ قلب المؤمن نشاطا وقوة ورغبة صادقة في النزول إلى ساحة الجهاد والاستبسال في نصرة الحق ثقة بوعد الله وإيمانا بنصره ورجاء للفوز بإحدى الحسنيين وهما النصر والمغنم أو الشهادة في سبيل الحق كما قال الله : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (٣).

стр. 16400

وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)، وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٥)، الى أن قال سبحانه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٦). ففي هذه الآيات التصريح من الله بوعد عباده النصر على أعدائهم، والسلامة من كيدهم مهما كانت قوتهم وكثرتهم لأنه أقوى من كل قوي وأعلم بعواقب الأمور، وهو عليهم قدير وبكل أعمالهم محيط، ولكنه شرط لهذا الوعد شرطا عظيما وهو الإيمان به وتقواه ونصر دينه والاستقامة عليه مع الصبر والمصابرة، فمن قام بهذا الشرط أوفى لهم الوعد وهو الصادق في وعده: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ (٧)، ومن قصر في ذلك أو لم يرفع به رأسا فلا يلومن إلا نفسه، وينبغي لك أيها المؤمن المجاهد أن تتدبر كثيرا قوله : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٨) إنها والله كلمة عظيمة ووعد صادق من ملك قادر جليل، إذا صبرت على مقاتلة

стр. 16401

عدوك وجهاده ومنازلته مع قيامك بتقوى الله ، وهي تعظيمه سبحانه والإخلاص له وطاعته وطاعة رسوله ﷺ والحذر مما نهى الله عنه ورسوله، هذه حقيقة التقوى والصبر على جهاد النفس لأن الله سبحانه قد أمر بذلك ورسوله. ونص سبحانه على الصبر وأفرده بالذكر لعظم شأنه وشدة الحاجة إليه وقد ذكره الله في كتابه الكريم في مواضع كثيرة جدا منها قوله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال «ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر (٤)» فاتقوا الله معاشر المسلمين والمجاهدين في ميادين الحرب وفي كل مكان واصبروا وصابروا في جهاد النفس على طاعة الله وكفها عن محارم الله، وفي جهادها على قتال الأعداء ومنازلة الأقران وتحمل المشاق في تلك الميادين المهولة تحت أزيز الطائرات وأصوات المدافع، وتذكروا أسلافكم الصالحين من الأنبياء والمرسلين وصحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم أجمعين ومن تبعهم من المجاهدين الصادقين، فلكم فيهم أسوة وفيهم لكم عظه وعبرة، فقد صبروا كثيرا وجاهدوا طويلا ففتح الله بهم البلاد، وهدى بهم العباد، ومكن لهم في الأرض، ومنحهم السيادة والقيادة بإيمانهم العظيم وإخلاصهم لمولاهم الجليل، وصبرهم في مواطن اللقاء، وإيثارهم الله والدار الآخرة على الدنيا وزهرتها

стр. 16402

ومتاعها الزائل كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١)، وقال جل شأنه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها (٣)»، وصح عنه ﷺ «أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله قيل ثم أي يا رسول الله قال: الجهاد في سبيل الله (٤)» وقال ﷺ : «مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة (٥)» وقال ﷺ : «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبه من النفاق (٦)»، وسأله ﷺ رجل عن عمل يعدل فضل الجهاد فقال ﷺ : «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم فلا تفتر فقال السائل ومن يستطيع ذلك يا رسول الله، فقال النبي ﷺ أما إنك لو طوقت ذلك لم تبلغ فضل المجاهدين (٧)» الحديث. والأحاديث في فضل الجهاد والحث عليه وبيان ما وعد الله به أهله من العزة في الدنيا والنصر والعواقب الحميدة، وما أعد لهم في الآخرة من المنازل العالية في دار الكرامة كثيرة جدا، فاتقوا الله يا معشر المسلمين جميعا ويا معشر العرب خصوصا جماعات وفرادى، واصدقوا في جهاد عدو الله وعدوكم

стр. 16403

من اليهود وأنصارهم وأعوانهم، وحاسبوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم من كل ما يخالف دين الإسلام من مبادئ وعقائد وأعمال، واصدقوا في مواطن اللقاء، وآثروا الله والدار الآخرة، واعلموا أن النصر المبين والعاقبة الحميدة ليست للعرب دون العجم ولا للعجم دون العرب ولا لأبيض دون أسود ولا أسود دون أبيض، ولكن النصر بإذن الله لمن اتقاه، واتبع هداه، وجاهد نفسه لله وأعد لعدوه ما استطاع من القوة كما أمره بذلك مولاه حيث قال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢)، وقال يخاطب رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣). فتأمل يا أخي أمر الله لعباده أن يعدوا لعدوهم ما استطاعوا من القوة، ثم تأمل أمره لنبيه ﷺ والمؤمنين عند مقاتلة الأعداء والقرب منهم أن يقيموا الصلاة ويحملوا السلاح، وكيف كرر الأمر سبحانه في أخذ السلاح والحذر لئلا يهجم عليهم العدو في حال الصلاة لتعرف بذلك أنه يجب على المجاهدين قادة وجنودا أن يهتموا بالعدو وأن يحذروا غائلته وأن يعدوا له ما استطاعوا من قوة وأن يقيموا الصلاة ويحافظوا عليها مع الاستعداد للعدو والحذر من كيده، وفي ذلك جمع بين الأسباب

стр. 16404

الحسية والمعنوية. وهذا هو الواجب على المجاهدين في زمان ومكان أن يتصفوا بالأخلاق الإيمانية، وأن يستقيموا على طاعة ربهم، ويعدوا له ما استطاعوا من قوة ويحذروا مكائده مع الصبر على الحق والثبات عليه، وهذا هو السبب الأول والأساس المتين والأصل العظيم، وهو قطب رحى النصر وأساس النجاة والفلاح، وهذا هو السبب المعنوي الذي خص الله به عباده المؤمنين وميزهم به عن غيرهم ووعدهم عليه النصر إذا قاموا به مع السبب الثاني حسب الطاقة وهو إعدادهم لعدوهم ما استطاعوا من القوة والعناية بشئون الحرب والقتال والصبر والمصابرة في مواطن اللقاء مع الحذر من مكائد الأعداء. وبهذين الأمرين يستحقون النصر من ربهم فضلا منه وكرما ورحمة وإحسانا ووفاء بوعده وتأييدا لحزبه كما قال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤)، ومما تقدم أيها الأخ المسلم وأيها الأخ المجاهد تعلم أن ما يتكرر كثيرا في بعض الإذاعات العربية من قولهم (النصر لنا)، (الله معنا)، (النصر للعرب)، (النصر للعرب والإسلام) وما أشبه ذلك أن هذه كلها ألفاظ خاطئة ومخالفة للصواب فليس النصر مضمونا للعرب ولا لغيرهم من سائر أجناس البشر، وإنما النصر معلق بأسبابه التي يوضحها الله في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ ، وأسبابه كما تقدم هي: تقوى الله، والإيمان به، والصبر والمصابرة لأعدائه، والإخلاص لله

стр. 16405

والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب الحسية وإعداد ما يستطاع من العدة، فينبغي التنبيه لهذا الأمر العظيم والحذر من الألفاظ التقليدية المخالفة للشرع المطهر. أما المعية فهي قسمان: معية عامة، ومعية خاصة. فأما المعية العامة: فهي لجميع البشر وليست خاصة بأهل الإيمان كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، فهاتان الآيتان صريحتان في أن الله سبحانه عالم بأحوال العباد مطلع على شئونهم محيط بهم ولا يخفى عليه من أمرهم خافية ولهذا بدأ سبحانه هاتين الآيتين بالعلم وختمها بالعلم تنبيها للعباد على أن المراد بالمعية هو العلم والإحاطة والاطلاع على كل شيء من أمر العباد ليخافوه ويعظموه ويبتعدوا عن أسباب غضبه وعذابه، وليس معنى ذلك أنه مختلط بالخلق أو أنه في كل مكان، كما يقول ذلك بعض المبتعدين الضالين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقولهم هذا باطل بالنص والإجماع بل هو فوق العرش قد استوى عليه استواء يليق بجلاله لا يشابه فيه خلقه، كما صرح بذلك في كتابه الكريم في سبع آيات من القرآن الكريم منها قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)، وهو سبحانه لا شبيه له ولا مثيل له في جميع صفاته كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥)

стр. 16406

فهو فوق العرش عال فوق خلقه كما أخبرنا بذلك عن نفسه، وعلمه في كل مكان لا يخفى عليه خافية كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١) ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). فهذه الآيات المحكمات وما جاء في معناها كلها ترشد العباد إلى أن ربهم سبحانه فوق العرش، وأعمالهم ترفع إليه وهو معهم بعلمه أينما كانوا لا يخفى عليه منهم خافية، أما المعية الخاصة فهي للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم بإحسان وهم أهل التقوى والإيمان والصبر والمصابرة وهذه المعية الخاصة تقتضي الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد كما قال عن نبيه محمد ﷺ أنه قال لصاحبه في الغار وهو أبو بكر الصديق ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤). ولما أرسل الله موسى وهارون ﵉ إلى فرعون اللعين قال لهما مثبتا ومطمئنا: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٥)، وقال في كتابه المبين يخاطب المشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)،

стр. 16407

وقال : ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة فينبغي أن يكون شعار المسلمين في إذاعاتهم وصحفهم وعند لقائهم لأعدائهم في جميع الأحوال هو الشعار القرآني الإسلامي الذي أرشد الله إليه عباده وذلك بأن يقولوا: الله مع المتقين، الله مع المؤمنين، الله مع الصابرين وما أشبه هذه العبارات حتى يكونوا قد تأدبوا بآداب الله وعلقوا النص بأسبابه التي علقه بها، لا بالعروبة ولا بالوطنية ولا بالقومية ولا بأشباه ذلك من الألفاظ والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان. أيها المجاهد إنك في معركة عظيمة مع عدو لدود عظيم الحقد على الإسلام وأهله، فوطن نفسك على الجهاد والصبر والمصابرة، وأخلص عملك لله، واستعن به وحده وأبشر إذا صدقت في ذلك بإحدى الحسنيين إما النصر والغنيمة والعاقبة الحميدة في الدنيا، وإما الشهادة والنعيم المقيم والقصور العالية والأنهار الجارية والحور الحسان في دار الكرامة، أيها العربي لا تظن أن النصر على عدوك معلق بعروبتك، وإنما ذلك بإيمانك بالله وصبرك في مواطن اللقاء واستقامتك على الحق وتوبتك من سالف ذنوبك وإخلاصك لله من كل أعمالك، فاستقم على ذلك وتمسك بالإسلام الصحيح الذي حقيقته الإخلاص والاستقامة على شرعه والسير على هدي رسوله ونبيه محمد ﷺ في الحرب والسلم وفي جميع الأحوال. أيها المسلم أيها المجاهد ما أصاب المسلمين يوم أحد

стр. 16408

بسب إخلال بعض الرماة بطاعة القائد العظيم محمد رسول الله ﷺ من الفشل والتنازع ثم الهزيمة، ولما استنكر المسلمين ذلك أنزل الله في ذلك قوله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، وقال : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه في هذا المعنى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣)، ولما أعجب المسلمون بكثرتهم يوم حنين هزموا، ثم أنزل الله عليهم السكينة وأيدهم بجنود من عنده فتراجعوا وصدقوا الحملة على عدوهم واستغاثوا بربهم واستنصروا به فنصرهم وأيدهم وهزم عدوهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٤) ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٥). فكل ما أصاب المسلمين في الجهاد أو غيره من هزيمة أو جرح أو غير ذلك مما يكرهون فهو بأسباب تقصيرهم وتفريطهم فيما يجب من إعداد القوة والعناية بأمر الحرب، أو بأسباب معاصيهم ومخالفتهم لأمر الله فاستعينوا بالله أيها المجاهدون واستقيموا على أمره وأعدوا لعدوكم ما استطعتم من قوة واصدقوا الله يصدقكم وانصروه ينصركم ويثبت أقدامكم واحذروا الكبر والرياء وسائر المعاصي، واحذروا أيضا التنازع

стр. 16409

والاختلاف وعصيان قادتكم في تدبير شئون الحرب وغير ذلك ما لم يكن معصية لله عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣)، أيها المسلمون أيها المجاهدون إليكم نماذج من كلمات أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم حين مقابلتهم لجيش الروم يوم اليرموك لما فيها من العبرة والذكرى. كلام خالد بن الوليد ﵁: لما جمع خالد ﵁ الجيوش يوم اليرموك لقتال الروم قام فيهم خطيبا فقال: (إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم وإن هذا يوم له ما بعده)، وقام أبو عبيدة ﵁ في الناس خطيبا قال: (عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدأوهم بالقتال، وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى). وقام معاذ بن جبل ﵁ في الناس خطيبا ذلك اليوم فجعل يذكرهم ويقول: (يا أهل القرآن ومتحفظي الكتاب وأنصار الهدى والحق إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا بقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٤)،

стр. 16410

فاستحوا رحمكم الله من ربكم إن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره). وقام عمرو بن العاص ﵁ في الناس فقال: يا أيها المسلمون غضوا الأبصار واجثوا على الركب وأشرعوا الرماح، فإذا وثبوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبه الأسد فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالإحسان إحسانا لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهولنكم جمعهم ولا عددهم فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل)، وقام أبو سفيان بن حرب ﵁ في الناس فتكلم كلاما حسنا من ذلك قوله: (والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا تبلغن رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة). هذه نماذج حية عظيمة نقلتها لكم أيها المجاهدون من كلام أصحاب رسول الله ﷺ لتعلموا أن النصر في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة لا يدركان بالأماني ولا بالتفريط وإضاعة الواجب، وإنما يدركان بتوفيق الله بالصدق في اللقاء، ومصابرة الأعداء، والاستقامة على دين الله، وإيثار حقه على ما سواه، والله المسئول أن ينصر المسلمين على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق قادتهم للاستقامة على أمره والصدق في جهاد أعدائه، والتوبة إليه من كل ما يغضبه، كما أسأله أن يهزم اليهود وأنصارهم وأعوانهم، وأن يكبت أعداء الإسلام أينما كانوا، وأن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه إمام الفاتحين وسيد المرسلين وخير عباد الله أجمعين وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسيرته إلى يوم الدين.

стр. 16411

صفحة فارغة

стр. 16412

الخمر والكلونيا إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة التاسعة لهيئة كبار العلماء من إدراج موضوع الخمر والكلونيا، فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على ما يأتي: أولا: تعريف الخمر لغة وشرعا. ثانيا: عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين. ثالثا: خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر هل هي حد أو تعزير مع بيان ما يترتب على ذلك. رابعا: هل تجوز تجزئة عقوبة شارب الخمر. خامسا: ما يثبت به شربها من شهادة أو رائحة أو قيء ونحو ذلك. سادسا: حكم من تكرر منه شربها " القتل أو الجلد ". سابعا: نجاستها. ثامنا: هل ينطبق على الكلونيا تعريف الخمر أو لا؟ وما حكم شربها واستعمالها على كل من التقديرين؟ وهل يحكم بنجاستها على تقدير أنها خمر أو لا؟

стр. 16413

أولا: معنى الخمر لغة وشرعا ١ - المعنى اللغوي: ترجع مشتقات هذه المادة إلى التغطية والستر والإدراك، ذكره أحمد بن فارس بن زكريا وابن الأثير والفيروز آبادي وغير هؤلاء من علماء اللغة. أ - قال أحمد بن فارس: الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر، فالخمر الشراب المعروف، قال الخليل: (الخمر معروفة واختمارها إدراكها وغليانها. .) ويقولون: دخل في خمار الناس وخمرهم أي زحمتهم. . والتخمير التغطية، ويقال في القوم إذا تواروا في خمر الشجر: أخمروا، ويقال: خامره الداء إذا خالط جوفه (١) انتهى المقصود منه. ب - قال ابن الأثير تحت مادة " خمر ": فيه «خمروا الإناء وأوكوا السقاء (٢)» التخمير: التغطية، ومنه حديث أويس القرني: أكون في خمار الناس أي في زحمتهم حيث أخفى ولا أعرف. وفيه حديث أم سلمة قال لها وهي حائض: «ناوليني الخمرة» وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها، وفيه أنه كان يمسح على الخف والخمار أراد به العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه كما أن المرأة تغطيه بخمارها وذلك إذا كان قد اعتم عمة العرب فأدارها تحت الحنك فلا يستطيع نزعها كل وقت. . إلخ (٣). جـ - قال الفيروز آبادي تحت مادة " الخمر ": ما أسكر من

стр. 16414

عصير العنب، أو عام كالخمرة، وقد يذكر والعموم أصح، لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البر والتمر، سميت خمرا لأنها تخمر العقل وتستره، ولأنها تركت حتى أدركت واختمرت ولأنها تخامر العقل أي تخالطه. انتهى المقصود منه (١). وجاء هذا المعنى في لسان العرب (٢). ٢ - تعريفها اصطلاحا: نذكر فيما يلي تعريفها في المذاهب الأربعة مرتبة: أ - تعريفها عند الحنفية: قال الزيلعي: هي النيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد. وقال بعضهم كل مسكر خمر لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه ﵊ قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٣)» رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم. وفي لفظ: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٤)» رواه مسلم. ولقوله ﵊: «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة (٥)» رواه مسلم وأبو داود والترمذي وجماعة. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من الحنطة خمرا وإن من الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن العسل خمرا (٦)» رواه أبو داود والترمذي وجماعة أخر، ولأنها سميت خمرا لمخامرتها العقل، والسكر يوجد بشرب غيرها فكان خمرا. ولنا

стр. 16415

أن الخمر حقيقة اسم للنيئ من ماء العنب المسكر باتفاق أهل اللغة، وغيره يسمى مثلثا وباذقا إلى غير ذلك من أسمائه وتسمية غيرها خمرا مجازا. وعليه يحمل الحديث أو على بيان الحكم إن ثبت، لأنه ﵊ بعث له لا لبيان الحقائق. ولا نسلم أنها سميت خمرا لمخامرتها العقل، بل لتخمرها، ولكن سلمنا لأنها سميت بالخمر لمخامرتها العقل لا يلزم منه أن يسمى غيرها بالخمر قياسا عليها، لأن القياس لإثبات الأسماء اللغوية باطل وإنما هو لتعدي الحكم الشرعي. . ألا ترى أن البرج سمي برجا لتبرجه وهو الظهور، وكذا النجم سمي نجما لظهوره ثم لا يسمى كل ظاهر برجا ولا نجما. وما ذكره في المختصر من تعريف الخمر هو قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما إذا اشتد صار خمرا ولا يشترط فيه القذف بالزبد لأن اللذة المطربة والقوة المسكرة تحصل به، وهو المؤثر في إيقاع العداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما القذف بالزبد فهو وصف لا تأثير له في إحداث صفة السكر، وله أن الغليان بداية الشدة وكماله بقذف الزبد، لأنه يتميز به الصافي من الكدر وأحكام الشرع المتعلقة بها قطعية كالحد وإكفار مستحلها ونحو ذلك فتناط بالنهاية به. وقيل يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد وفي وجوب الحد على الشارب بقذف الزبد احتياطا (١).

стр. 16416

٢ - تعريفها عند المالكية: أ - في المدونة قلت لابن القاسم: هل كان مالك يكره المسكر من النبيذ؟ قال: قال مالك ما أسكر من الأشربة كلها فهو خمر، انتهى المقصود (١). ب - وقال الزرقاني: وهي ما خامر العقل، كما خطب بذلك عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة الصحابة الأكابر ولم ينكره أحد فشمل كل مسكر، سميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره كخمار المرأة لأنه يغطي رأسها، ويقال للشجر الملتف: الخمر لأنه يغطي ما تحته، أو لأنها تركت حتى أدركت. كما يقال: خمر الرأي واختمر أي ترك حتى يتبين فيه الوجه، واختمر الخبز إذا بلغ إدراكه، ولأنها استقت من المخامرة التي هي المخالطة لأنها تخالط العقل وهذا قريب من الأول، والثلاثة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت الغليان وحد الإسكار وهي مخالطة العقل وربما غلت عليه وغطته قاله أبو عمر (٢). ٣ - تعريفها عند الشافعية: وقال المزني: قال الشافعي: كل شراب أسكر كثيره فقليلة حرام. انتهى المقصود (٣). وقال الرملي: وحقيقة الخمر المسكر من عصر العنب وإن لم

стр. 16417

يقذف بالزبد وتحريم غيرها بنصوص دلت على ذلك (١). ٥ - تعريفها عند الحنابلة: قال ابن قدامة: كل مسكر حرام قليله وكثيره وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه، انتهى المقصود (٢). قال شيخ الإسلام: والخمر التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي ﷺ بجلد شاربها. كل شراب مسكر من أي أصل سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين، أو الحبوب كالحنطة والشعير، أو الطلول كالعسل أو الحيوان كألبان الخيل، بل لما أنزل الله عليه على نبيه محمد ﷺ تحريم الخمر لم يكن عندهم في المدينة من خمر العنب شيء، لأنه لم يكن في المدينة شجر عنب وإنما كانت تجلب من الشام، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر، وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ وخلفاءه وأصحابه ﵃ أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمرا (٣).

стр. 16418

ثانيا: عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين . ١ - روى البخاري في الصحيح بسند عن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال (١)»، وجلد أبو بكر أربعين. وذكر ابن حجر أن هذا الحديث أخرجه البيهقي في الخلافيات

стр. 16419

من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري فيه بلفظ «أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوا من أربعين (١)»، ثم صنع أبو بكر مثل ذلك، فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف: "أخف الحدود ثمانون ففعله عمر ". ولفظ رواية خالد التي ذكرتها إلى قوله " نحوا من أربعين " وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال: " وفعله أبو بكر فلما كان عمر - أي في خلافته - استشار الناس فقال عبد الرحمن - يعني ابن عوف -: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر ". وأخرج النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة " فضربه بالنعال نحوا من أربعين " ثم أتي به أبو بكر فصنع به مثل ذلك ". . ورواه همام عن قتادة بلفظ " فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال " أخرجه أحمد والبيهقي. وهذا يجمع ما اختلف فيه على شعبة وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين، لا أنه جلده بجريدتين أربعين، فتكون الجملة ثمانين، كما أجاب به بعض الناس ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ " جلد بالجريد والنعال أربعين " علقه أبو داود بسند صحيح ووصله البيهقي، وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام بلفظ " كان يضرب في الخمر مثله " (٢) انتهى المقصود. ٢ - أخرج البخاري بسنده عن عقبة بن الحارث «أن النبي ﷺ أتي بنعيمان - أو بابن نعيمان - وهو سكران فشق عليه وأمر من

стр. 16420

في البيت أن يضربوه فضربوه بالجريد والنعال وكنت فيمن ضربه (١)». ٣ - أخرج البخاري بسنده عن عمير بن سعيد النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كنت لو أقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه. ٤ - أخرج البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال: «كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر فصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (٢)»، وقد علق ابن حجر على قوله: " حتى كان آخر خلافة عمر فجلد أربعين " ظاهره أن التحديد بأربعين إنما وقع في آخر خلافة عمر، وليست كذلك لما في قصة خالد بن الوليد وكتابه إلى عمر ﵁ فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته، لأن خالدا مات في وسط خلافة عمر، انتهى المقصود ١٢/ ٦٩. ٥ - قال ابن حجر: أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد «أتي النبي ﷺ بنشوان فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالنعال (٣)» الحديث. ولعبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير أحد كبار التابعين (كان الذي يشرب الخمر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه (٤).
следующие страницы →