← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16591–16630 · переход к 16596.

стр. 16591

تلاميذه: - ابنه الشيخ عبد اللطيف، والشيخ حسن بن حسين آل الشيخ، والشيخ حمد بن عتيق، والشيخ عبد الرحمن بن مانع، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وغيرهم. مؤلفاته: - ١ - فتح المجيد. ٢ - قرة عيون الموحدين. ٣ - الرد على داود بن جرجيس. ٤ - مجموعة كبيرة وكثيرة من الرسائل والفتاوى. وفاته: - توفي ﵀ عشية يوم السبت في اليوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة ١٢٨٥ هـ ودفن في مقبرة العود بالرياض. التعريف بالمخطوطة: - هي نسخة واحدة فريدة حصلت عليها من لدن فضيلة الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق - حفظه الله -. وعدد صفحاتها إحدى عشرة صفحة. وعدد الأسطر في كل صفحة: ما بين ١٥ - ١٧ سطرا. وعدد الكلمات في كل سطر: ما بين ٩ إلى ١٠ كلمات. وتاريخ نسخها سنة ١٢٧٤هـ. وأما ناسخها فهو: شارع بن محمد بن عبد الرحمن السلولي. طبعاتها: - طبعت هذه الرسالة ضمن كتاب " مجموعة التوحيد" في

стр. 16592

الهند، وتسمى بـ (الطبعة الهندية أو الحجرية)، وتعتبر هذه الطبعة في عداد المخطوطات لندرتها ثم أعيدت طباعة هذا الكتاب "مجموعة التوحيد" والحاوية لهذه الرسالة سنة ١٣٤٦هـ، وذلك بالمطبعة المنيرية بمصر. ثم طبعت مرة أخرى ضمن كتاب (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) للشيخ عبد الرحمن بن قاسم. وهذه الطبعة أيضا قد خلت من التحقيق والتوثيق. ولقد قمت بمقابلة بين النسخة الخطية الأصل وبين طباعتها. فرمزت إلى طبعة (مجموعة التوحيد) التي طبعت بالهند بحرف (ح)، والتي طبعت بمصر بحرف (م). ورمزت إلى طبعة (الدرر السنية) بحرف (د). التعريف بالرسالة: - ١ - موضوعها: - هذه الرسالة تبحث في بعض المسائل الاعتقادية، ولقد ركز المؤلف ﵀ في هذه الرسالة على خمس مسائل سئل عنها المسألة الأولى: - في الاسم واشتقاقه. المسألة الثانية: - في الفرق بين القضاء والقدر والمعاني التي تطلق على القضاء في القرآن. المسألة الثالثة: - الرد على من زعم أن الأدلة الدالة على استواء الله على عرشه لا تمنع أن يكون مستويا على غيره. المسألة الرابعة: - في علو الله وإثبات صفاته.

стр. 16593

المسألة الخامسة: - في المعية وأنه لا تنافي بينهما وبين آياته الدالة على استوائه على عرشه. ٢ - سبب تأليفه لهذه الرسالة: - لقد كان الداعي لتأليف هذه الرسالة الموجزة هو ما ذكره المؤلف ﵀ في مقدمة هذه الرسالة حيث قال: " فقد وردت علينا أسئلة من عمان صدرت من جهمي جاهل يستعجز بها بعض المسلمين فينبغي أن نجيب عنها بما يفيد طالب العلم. . ". ٣ - توثيق نسبة الرسالة إلى المؤلف: - تتأكد لنا نسبة هذه الرسالة إلى المؤلف بعدة أمور هي: - أ - ما وجدت على طرة المخطوطة من نسبة هذه الرسالة إلى الشيخ عبد الرحمن حيث قال ناسخها: " قال شيخنا عبد الرحمن بن حسن سلمه الله تعالى آمين مجيبا عن أسئلة صدرت من جهمي جاهل من أهل دبي فأفاد سلمه الله تعالى وهداه وحفظه وتولاه وأسعده ولا أشقاه آمين آمين. . ". ب - أن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ قد ذكر تلك الرسالة في (الدرر السنية) ووضعها من ضمن مؤلفات الشيخ عبد الرحمن بن حسن وفتاواه. ج - أن جامع كتاب (مجموعة التوحيد) قد ذكرها أيضا من ضمن مؤلفات الشيخ وفتاواه. وتلك المجموعة معروفة

стр. 16594

لدى علماء الدعوة، فلم ينكروا الرسالة بل أقروها. فمن هذه الأمور يتبين صحة نسبة هذه الرسالة إلى الشيخ ﵀. ٤ - عنوان الرسالة: - لم أجد عنوانا معينا لهذه الرسالة يمكن أن تعرف وتتميز به ولكني وجدت في فهرس الطبعتين اللتين قد طبعتا هذه الرسالة الإشارة إليها بـ (جواب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن أسئلة صدرت من جهمي من أهل عمان). أو نحو من هذا، وبما أنه لم يرد لها عنوان يميزها فقد سميتها بـ (الرد العادل على الجهمي الجاهل). منهجي في التحقيق: - ١ - اتخذت من النسخة الخطية أصلا في تحقيق هذه الرسالة فقمت بقراءتها قراءة فاحصة. وبعد نسخها قابلتها بالمطبوعتين وهما (مجموعة التوحيد) بطبعتيها و (الدرر السنية). ٢ - وقد اتبعت جميع ما في النسخة الخطية (الأصل) إلا ما رأيته حريا بالتصحيح، فإن كانت الكلمة في (الأصل) المخطوطة ثابتة إلا أنها مصحفة أو أخطأ الناسخ في كتابتها قمت بتصحيحها. وأما في حالة إكمال نقص وقع في الأصل فإني أضعه بين

стр. 16595

معقوفتين هكذا [] تنبيها إلى أنه من إضافتي وأنبه على هذه في الهامش. ٣ - إني قد غيرت ما اصطلح عليه كاتب النسخة في رسم بعض الألفاظ. فلم أتابعه على ذلك بل أعدت كتابة النص بما هو متعارف عليه في عصرنا من الإملاء مثل: (ملايكة = ملائكة) (جبرائيل = جبريل). ٤ - عزوت الآيات إلى سورها. ٥ - خرجت الأحاديث الواردة في الرسالة والحكم عليها من خلال كلام الأئمة والحفاظ. وذلك حسب الوسع والطاقة. ٦ - خرجت ما كان في الرسالة من آثار. ٧ - عرفت ببعض الأعلام الواردين فيها، وكذلك الفرق. ٨ - عرفت بالرسالة والنسخة المخطوطة. ٩ - الإشارة إلى بدء أوراق المخطوطة ليسهل الرجوع إليها.

стр. 16596

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي الصادق الأمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. أما بعد: - فقد وردت علينا أسئلة من عمان (١) صدرت من جهمي جاهل (٢) يستعجز بها بعض المسلمين، فينبغي أن نجيب عنها بما يفيد طالب العلم وأما [ما] (٣) لا فائدة (٤) فيه لا يحتاج إلى الاشتغال بالجواب عنه. فمما ينبغي أن نجيب عنه. قوله: إن الاسم مشتق من السمو أو من السمة، واشتقاق الاسم من هذين ذكره العلماء (٥) في كتبهم لكن يتعين أن نسأله عن كيفية هذا الاشتقاق (٦) الذي يذكره العلماء فيطلب (٧) منه الجواب عن هذين الأمرين، وإن كانا مذكورين في كتب النحاة وغيرهم، وقد ذكره في فتح المجيد لشرح (٨) كتاب التوحيد.

стр. 16597

وأما سؤاله عن الفرق بين القضاء والقدر. فالقدر أصل من أصول الإيمان كما في سؤال جبريل (١) وما أجابه به (٢) رسول الله ﷺ حين سأله قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٣)». وفي الحديث الصحيح «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة (٤)» أي جرى بما يكون مما يعلم الله تعالى، فإنه تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥) وأما القضاء فيطلق في القرآن ويراد به إيجاد المقدر كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٦) وقوله:

стр. 16598

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ (١) (٢) ويطلق ويراد به (٣) الإخبار بما سيقع مما قدر كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (٤). أخبرهم في كتابهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين. ويطلق ويراد به الأمر والوصية كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) أي أمر ووصى ويطلق ويراد به الحكم كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٦) ويطلق ويراد به القدر ونحو ذلك. وأما ما زعمه (٧) من أن الأدلة الدالة على استواء الله، على عرشه لا تمنع أن يكون مستويا على غيره فالجواب أن نقول: - قد أجمع أهل السنة والجماعة قديما وحديثا على أنه لا يجوز أن يوصف الله (٨) بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله ﷺ ، ومن وصفه بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ فهو جهمي ضال مضل يقول على الله بلا علم.

стр. 16599

وقد ذكر سبحانه استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه في سورة الأعراف (١)، وفي سورة يونس (٢)، وفي سورة الرعد (٣)، وفي سورة طه (٤)، وفي سورة الفرقان (٥)، وفي سورة السجدة (٦)، وفي سورة الحديد (٧)، ولم يذكر تعالى أنه استوى على غير العرش، ولا ذكره رسوله ﷺ فعلم أنه ليس من صفاته التي يجوز أن يوصف بها، فمن أدخل في صفات الله ما لم يذكر في كتاب الله وسنة (٨) رسوله فهو جهمي يقول على الله ما لا يعلم. (وقد دلت الآيات على علوه على جميع المخلوقات التي أعلاها وأعظمها عرشه) (٩) قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (١٠)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١١)، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (١٢)

стр. 16600

﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١)، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٢)، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣)، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٤)، علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، لا يجوز أن يوصف إلا بذلك كله [لـ] كماله (٥) تعالى في أوصافه، فله الكمال المطلق في كل صفة وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ . وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (٦) فذكر العرش عند هذه الصفة من أدلة فوقيته تعالى كما هو صريح فيما تقدم من الآيات. وكقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (٧) الآية، وذكر النبي ﷺ في معنى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٨) الآية، «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء (٩)».

стр. 16601

فقوله: «فليس فوقك شيء (١)» نص في أنه تعالى فوق جميع المخلوقات، وهو الذي ورد عن الصحابة والتابعين من المقررين وغيرهم في معنى قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) أن معنى استوى استقر وارتفع وعلا (٣) بمعنى واحد، لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل، قاتلهم الله أنى يؤفكون. والنصوص الدالة على إثبات الصفات كثيرة جدا وقد صنف أهل السنة من المحدثين والعلماء مصنفات كبارا من (٤) ذلك (كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد) ذكر فيه أقوال الصحابة والتابعين والأئمة، و (كتاب التوحيد لإمام الأئمة محمد بن خزيمة) و (كتاب السنة للأثرم) صاحب الإمام أحمد و (كتاب عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي) و (كتاب

стр. 16602

السنة للخلال) (١) و (كتاب العلو للذهبي) وغير ذلك مما لا يحصى كثرة (٢) ولله الحمد والمنة. ونذكر بعض الأحاديث الصحيحة الصريحة في المعنى، فمن ذلك ما في الصحيح عن النواس بن سمعان (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي [فإذا تكلم] (٥)».

стр. 16603

ففي هذا الحديث التصريح بأن جبريل ينزل بالوحي من فوق السماوات السبع فيمر بها كلها نازلا إلى حيث أمره الله، وهذا صريح بأن الله تعالى فوق السماوات على العرش (١) بائن من خلقه كما قال عبد الله بن المبارك: لما قيل له «بما نعرف ربنا؟ قال: " بأنه على عرشه بائن من خلقه» وهذا قول أئمة الإسلام

стр. 16604

قاطبة خلافا للجهمية والحلولية، والفلاسفة، وأهل الوحدة وغيرهم من أهل البدع. فرحم الله أهل السنة والجماعة المتمسكين بالوحيين. وصح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة رضي الله [عنه] (١) أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش (٢)» وفي حديث

стр. 16605

العباس بن عبد المطلب ﵁ الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه «أن النبي ﷺ ذكر سبع سماوات وما بينهما ثم قال: " وفوق ذلك بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أضلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش ما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء والله فوق ذلك (٢)».

стр. 16606

صفحة فارغة

стр. 16607

صفحة فارغة

стр. 16608

وفي حديث ابن مسعود الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: «بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله تعالى فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم (١)».

стр. 16609

والجهمية جحدوا هذه النصوص وعاندوا في التكذيب فصاروا بذلك كفارا عند أكثر أهل السنة والجماعة، وهذا القدر الذي ذكرناه (١) كاف في بيان ما عليه أهل السنة والجماعة من علو الله تعالى على جميع المخلوقات واستوائه على عرشه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، ولو ذهبنا نذكر ما ورد في كل (٢) ذلك لاحتمل مجلدا، فالحمد لله الذي حفظ على الأمة دينها في كتابه وسنة رسوله ﷺ (٣) وينقل (٤) العلماء الذين هم في هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل وهدانا إلى ذلك فأبطل الله بالعلماء كل بدعة وضلالة حدثت في هذه الأمة، فيالها من نعمة ما أجلها في حق من تلقى الحق بالقبول وعرفه ورضي به. نسأل الله تعالى أن يجعلنا شاكرين ذاكرين (٥) لنعمه المثنين بها عليه فله الحمد لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه. وأهل السنة والجماعة عرفوا ربهم بما تعرف به إليهم من صفات كماله اللائقة بجلال الله فأثبتوا له تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، وعرفوه بأفعاله وعجائب

стр. 16610

مخلوقاته وبما أظهره لهم من عظيم قدرته وبما أسبغه عليهم من عظيم نعمه فعبدوا ربا أحدا صمدا إلها واحدا، وهو الله الذي الألوهية وصفه، فالخلق خلقه والملك ملكه لا شريك له في ألوهيته ولا في ربوبيته ولا في ملكه تعالى وتقدس ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١) ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٢) ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٣) فنزهوه (٤) عما تنزه عنه وعن كل ما فيه عيب ونقص وعن كل ما وصفته (٥) به الجهمية وأهل البدع مما لا يليق بجلاله وعظمته، فعظموه من صفات الكمال وصاروا إنما يعبدون عدما، لأنهم وصفوه بما ينافي الكمال ويوقع في النقص العظيم فشبهوه بالناقصات تارة وبالمعدوم تارة فهم أهل التشبيه كما عرفت من حالهم وضلالهم ومن جهلهم. وأما ما أورده هذا الجهمي الجاهل من آيات العلم كقوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦) وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٧) فلا منافاة بين استوائه على عرشه وإحاطة علمه بخلقه والسياق يدل على ذلك. أما الآية الأولى فهي مسبوقة بقوله تعالى:

стр. 16611

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (١) ذكر استواءه على عرشه، وذكر إحاطة علمه بما في الأرض والسماوات ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) أي بعلمه المحيط بما كان وما يكون. وأما الآية الثانية فهي كذلك مسبوقة بالعلم وختمها تعالى به فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) فعلم أن المراد علمه بخلقه، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥) وهذا المعنى الذي ذكرنا هو الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين والأئمة وصحيح أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية وأهل البدع فحرموا معرفة الحق لانحرافهم عنه وجهلهم به وبالقرآن والسنة كما قال العلامة ابن القيم (٦). ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بشرائع الإيمان (٧) ومن

стр. 16612

المعلوم أنه لا يقبل الحق إلا من طلبه وأما أهل البدع فأشربوا في قلوبهم ما وقعوا فيه من البدع والضلال، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فإذا عرف ذلك فيتعين أن نسأل هذا الجهمي وغيره من المبتدعين عن أمور لا يسع المسلم أن يجهلها لأن الإسلام يتوقف على معرفتها فمن ذلك: ما معنى كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله)؟ وما الإلهية المنفية بلا النافية للجنس؟ وما خبرها؟ وما معنى الإلهية التي تثبت لله وحده دون من سواه (١)؟ وما أنواع التوحيد؟ وألقابه؟ وأركانه؟ وما معنى الإخلاص الذي أمر الله به عباده، وأخبرهم أنه له وحده؟ وما تعريف العبادة التي خلقوا لها؟ وما أقسام العلم النافع والذي لا يسع أحدا جهله؟ وما معنى اسم الله تعالى الذي لا يتسمى (٢) بهذا الاسم غيره؟ وما صفة اشتقاقه من المصدر الذي هو معناه؟ (وما أصل الدين الذي لا يحصل دين الإسلام إلا به) (٣)؟

стр. 16613

فالجواب عن هذا مطلوب والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. (سنة ١٢٧٤ هـ الخميس ص ف ر (١)) (٢).

стр. 16614

صفحة فارغة

стр. 16615

أسباب النزول وأثرها في تفسير القرآن الكريم بقلم الدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهيبي - بيان أهمية الموضوع: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله للعالمين بشيرا ونذيرا ونزل عليه القرآن تنزيلا ليخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، ويهديهم إلى صراط مستقيم ويبين لهم المنهاج الذي يسيرون عليه في حياتهم، والشرع الذي يحتكمون إليه عند اختلافهم ويجيب على أسئلتهم كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) (البقرة: ٢١٩). ويحل مشاكلهم كما في «قصة هلال بن أمية حينما قذف زوجته بشريك بن سحماء فقال له الرسول ﷺ " البينة أو حد في ظهرك " فقال هلال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فأنزل الله تعالى: (٣)»

стр. 16616

الآيات (النور: ٦ - ٩) ففرج عن هلال ما كان فيه من الضيق والحرج، ودفع عنه حد القذف، وحل مشكلته مع زوجته بتشريع اللعان بينهما سترا عليهما لعدم قيام البينة على أحدهما، مما تقدم يتضح أن بعض آيات القرآن الكريم نزلت للإجابة على سؤال أو حل مشكلة أو بيان حكم حادثة، فكان ذلك سببا لنزولها، فمعرفة سبب النزول له أهمية كبيرة نجملها فيما يلي: - ١ - فهم معنى الآية، ومعرفة المراد منها وإزالة الإشكال الوارد عليها. ٢ - إبراز الحكمة التي قصدها الشارع من الحكم. ٣ - معرفة تاريخ التشريع والأحوال الاجتماعية السائدة حين نزول الأحكام التشريعية، والتدرج في تشريع بعض الأحكام لطفا بالعباد ومراعاة لتأصل بعض العادات في النفوس. ٤ - مبادرة الشارع إلى حل المشاكل التي ضاق أصحابها بها ذرعا، فيأتي الفرج الإلهي بعد الشدة، فيكون لهذا أثر طيب في النفوس. ٥ - معرفة الأحداث التاريخية التي حدثت في زمن الرسول ﷺ من جهاده وأعماله ومواقف المؤمنين بدعوته والجاحدين لها، فهي مصدر هام من مصادر السيرة النبوية. ٦ - معرفة أسباب النزول تيسر حفظ الآية وتثبتها في الذهن لارتباط الأسباب بمسبباتها، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمان والأماكن التي حدثت فيها، فمعرفة هذه تعين على استذكار الآية وانتقاشها في الذهن وفهم معناها، وهذا ما يسمى في علم النفس بتداعي المعاني حيث يذكر الإنسان الأشياء بذكر ما يقارنها.

стр. 16617

مما تقدم تتضح أهمية أسباب النزول، وفي هذا البحث سنبين معناها وأثرها في تفسير بعض آيات القرآن الكريم والمؤلفات فيها.

стр. 16618

معنى أسباب النزول: - لفظ أسباب النزول مركب إضافي من كلمتين سأتكلم عن هاتين الكلمتين من الناحية اللغوية، ثم أخلص منها إلى الناحية الاصطلاحية المقصودة هنا، فالأسباب جمع سبب والسبب كل ما يتوصل به إلى غيره، قال صاحب القاموس المحيط: " والسبب الحبل وما يتوصل به إلى غيره ويجمع على أسباب، وأسباب السماء مراقيها أو نواحيها أو أبوابها، وقطع الله به السبب الحياة ". وقال صاحب لسان العرب بعد كلام طويل: " السبب هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير إلى كل ما يتوصل به إلى شيء كقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١) (البقرة: ١٦٦) أي الوصل والمودات ". قلت: وقد استعير السبب إلى الحادثة التي من أجلها نزلت آية أو آيات من القرآن، لأنه يتوصل به إلى تفسير الآية والوقوف على قصتها وإزالة الإشكال عنها. والنزول: مصدر نزل ينزل نزولا وهو الحلول والانحطاط من أعلى، قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: " نزل: النزول في الأصل هو الانحطاط من علو، يقال: نزل عن دابته ونزل في مكان كذا حط رحله فيه، وأنزله غيره، قال تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢) (المؤمنون: ٢٩) ونزل بكذا وأنزله بمعنى، وإنزال الله نعمه ونقمه على الخلق إعطاؤهم إياها، وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإما بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد واللباس ونحو ذلك ".

стр. 16619

ونزول القرآن على قسمين: الأول: ما نزل ابتداء من غير سبب، وهو أكثر القرآن. والثاني: ما نزل مرتبطا بسبب، وهو أقل القرآن. ومن هذا التمهيد أنتقل إلى الاصطلاحي لسبب النزول: وهو الحادثة التي تقع في زمن النبي ﷺ ، أو السؤال يوجه إليه فتنزل الآية أو الآيات أيام وقوع ذلك مبينة لحكم تلك الحادثة أو مجيبة على ذلك السؤال ومعنى التقييد بأيام وقوع ذلك أن الحادثة أو السؤال لا يعتبران سببا لنزول الآية أو الآيات إلا إذا نزلت عقب ذلك مباشرة، كما في حادثة خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فنزلت بسببها آيات الظهار في أول سورة المجادلة (١)، أو تأخر نزولها يسيرا لحكمة، كما في حادثة الإفك، فقد نزلت الآيات بعدها بشهر كما رواها البخاري عن عائشة في حديث طويل نقتطف منه قول السيدة عائشة ﵂ «وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني (٢)» الحديث. أما الحوادث القديمة، وقصص الأنبياء السابقين، فلا تعتبر أسبابا للنزول، لأنها لم تقع في زمن النبي ﷺ ، لذا أخذ على الواحدي جعله قدوم الأحباش إلى البيت الحرام بالفيلة سببا لنزول سورة الفيل. قال السيوطي في الإتقان (١/ ٣١): (والذي يتحرر في سبب النزول، أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح، وعاد، وثمود، وبناء

стр. 16620

البيت، ونحو ذلك). وكذلك ذكره في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (١) (النساء: ١٢٥) سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى ". وهذا لا يمنع من أن يكون لبعض هذه القصص والأخبار الماضية أسباب نزول كما روى الواحدي «عن سعد بن أبي وقاص في نزول قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٢) (يوسف: ٣) قال: أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٣) إلى قوله ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٤)» (٥) (يوسف: ١ - ٣). فيلحظ هنا أن سبب النزول هو قول الصحابة ﵃ لو قصصت علينا. وهذا القول حادثة وقعت في زمن النبي ﷺ فنزلت بعدها الآيات، وليس السبب ما تحدثت الآيات عنه من قصة يوسف، لأنها وقعت في الأزمان الماضية.

стр. 16621

أثر أسباب النزول في التفسير: يرى بعض الناس أنه لا فائدة في أسباب النزول، فهي مجرد تاريخ يذكر فلا جدوى من ذكرها والاهتمام بدراستها، وهذا رأي ليس بصحيح فلأسباب النزول فوائد كثيرة، من تدبرها علم أهميتها حتى لقد قال الواحدي: " لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها " (١). وقال الإمام ابن تيمية: " معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية

стр. 16622

فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب " (١) وقال ابن دقيق العيد: " معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن " (٢). لذا نجد العلماء جعلوا من شروط المفسر أن يكون عالما بأسباب النزول وسنبين مدى أهميتها وأثرها في التفسير فيما يلي: - أولا: إزالة الإشكال الوارد على الآية: ولذلك أمثلة كثيرة نذكر منها ما يلي: ١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣) (سورة البقرة: ١٥٨). فقد فهم عروة بن الزبير عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة، لأن نفي الجناح يفهم منه عدم التكليف، فسأل عن هذا خالته أم المؤمنين عائشة ﵂ فبينت له أن الأمر ليس كما فهم، واستدلت على ذلك بسبب نزول الآية، وهو ما روي عن عروة بن الزبير ﵄ قال: «سألت عائشة ﵂: (أرأيت قول الله تعالى: الآية. فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة) قالت: (بئسما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون " لمناة " الطاغية التي كانوا يعبدونها عند " المشلل " وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول الله. إن كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله : الآية، قالت عائشة: " وقد سن رسول الله ﷺ

стр. 16623

الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (١)». فبالرجوع إلى سبب نزول الآية زال الإشكال عنها الذي أدى إلى فهم عدم شرعية السعي، وأن من تركه لا إثم عليه، والأمر خلاف هذا فليس لأحد أن يترك السعي بينهما كما دل على ذلك سبب النزول. ٢) قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) (البقرة: ١٨٩) فالقارئ لهذه الآية الكريمة يشكل عليه نفي البر في إتيان البيوت من الخلف لأنه لا يعرف أن أحدا يرى أن في إتيان البيوت من الخلف برا - أي خيرا - ولكنه إذا رجع إلى سبب النزول وعرف أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يأتون بيوتهم إلا من الخلف، ويرون أن في ذلك برا، وقد عابوا رجلا حج ودخل بيته من بابه، فنزلت هذه الآية تنفي ما اعتقدوه وتثبت أن البر والخير في تقوى الله، لا في إتيان البيوت من ظهورها كما اعتقدوا، بل عليهم أن يأتوا البيوت من أبوابها «عن البراء ﵁ قال: (نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك فنزلت: (٤)» فبالرجوع إلى سبب النزول يزول الإشكال. ٣) قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٥) الآية: ٩٣ من سورة

стр. 16624

المائدة. هذه الآية قد أشكلت على جماعة في عهد عمر بن الخطاب ﵁ فكانوا يرون أن الخمر مباحة ويحتجون بالآية، ولكن عمر بن الخطاب عارضهم في ذلك، ورد ابن عباس عليهم بسبب نزول الآية، روى الدارقطني عنه: (أن عمر بن الخطاب أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ فقال له: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين، وحجة على المنافقين؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (٢) الآية (المائدة: ٩٠) ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر ﵁: صدقت، ماذا ترون؟ قال علي ﵁: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة ". وروى الترمذي عن البراء قال: «مات رجال من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر، فنزلت الآية (٣)». .) قال الترمذي: (هذا حديث حسن

стр. 16625

صحيح). فسبب نزول الآية قد أزال الإشكال عنها، حيث خصها بمن مات من الصحابة وهم يشربون الخمر قبل تحريمها، وبه رد ابن عباس على من أخطأ في فهم الآية، فلولا سبب النزول لبقي هؤلاء على خطئهم حيث فهموا من الآية العموم. ٤) قوله تعالى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) (سورة الطلاق: ٤) فقد أشكل على بعض الناس المراد من الشرط في الآية، حتى فهموا منه أن الآيسة لا عدة عليها إلا إذا ارتابت في الحيض. فهذا فهم خاطئ، ولكن بالرجوع إلى سبب النزول يتبين أن المراد بالشرط مخالف لذلك الفهم، وسبب نزولها ما أخرجه الحاكم عن أبي بن كعب " أنه لما نزلت الآية في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا بقي عدد لم تذكر، وهي عدد الصغار والكبار وأولات الأحمال فنزلت الآية (٢). فبين السبب أن المراد بالشرط إن ارتبتم في حكمهن لا حيضهن كما هو الظاهر من الآية. ثانيا - أن أسباب النزول تعين على معرفة الحكمة التي من أجلها شرع الحكم. وذلك أن سبب النزول يحكي الملابسات والظروف والأوضاع التي كان الناس عليها قبل تشريع الحكم، فبالرجوع إليه نتعرف على الحكمة التي قصدها الشارع، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣) (سورة

стр. 16626

البقرة: ٢٢٣). فسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله «أن يهود كانت تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول) فنزلت الآية (١)». ٢ - ما رواه البخاري «عن ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (سورة النساء: ١٩) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك (٣)». ٣ - ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: «أتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح أنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله في - يعني نفسه - شأن الخمر: (٥)» (سورة المائدة: ٩٠). فبالرجوع إلى أسباب نزول هذه الآيات تتبين الحكم العظيمة من تشريع هذه الأحكام. ففي الآية الأولى التيسير على الناس في جماع نسائهم على أي وجه كان ما دام في موضع الحرث، وإبطال لما ألقاه اليهود في أذهان الصحابة من

стр. 16627

الوهم الباطل. وفي الآية الثانية رفع الظلم عن النساء، حيث كان الناس في الجاهلية يحرمونهن من الميراث مستغلين ضعفهن، وعجزهن، ويضطهدونهن ويسيئون عشرتهن إذا أرادوا التخلص منهن، حتى يفتدين، فحرم الإسلام ذلك إلا إذا أتين بفاحشة مبينة. وفي الآية الثالثة تحريم الخمر، لأنها تسبب أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة، ومن ضمنها ما حدث بين الصحابة من اعتداء بعضهم على بعض لما شربوها. فلولا أسباب النزول ما اهتدينا إلى هذه الحكم النافعة على وجه التفصيل، ومعرفة هذه الحكم تزيد المؤمن إيمانا، وثقة في دينه وما شرعه الله له من الأحكام النافعة المبنية على مقاصد عظيمة، وترغب الكافر في الإيمان إذا تبين له سمو التشريع الإسلامي ويسره وسهولته وما اشتمل عليه من المنافع والمصالح والمقاصد الحسنة، وكثير من الناس قد أدهشهم ذلك، فكان سببا في إيمانهم. ثالثا: أن أسباب النزول تفيدنا في معرفة التدرج في تشريع بعض الأحكام والمراحل التي مرت بها، ومعرفة هذا مهم للدعاة خصوصا الذين يدعون إلى الإسلام في بلاد الكفر فعليهم أن يتدرجوا معهم في تعليم الإسلام والدعوة إليه وتطبيق تعاليمه. ويدل على ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في البقرة: الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء:

стр. 16628

فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في المائدة إلى قوله: فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: انتهينا انتهينا (٤)». فسبب نزول هذه الآيات بين لنا أن تحريم الخمر كان على التدريج، فآية البقرة بينت أن إثم الخمر أكبر من نفعها ولم تحرمها، فالعاقل يدرك من هذا أن ما كان إثمه أكبر من نفعه فالأولى تركه. ثم نزلت آية النساء تنهى عن قربان الصلاة حالة السكر، وفي هذا تقليل لأوقات شرب الخمر، وتعويد للمسلمين على تركها في بعض الأوقات ثم نزلت آيتا المائدة (٩١، ٩٠) فحرمتها، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٦) فالاستفهام إنكاري بمعنى النهي أي انتهوا، فلذا لما قرئت على عمر ﵁ قال: انتهينا انتهينا. وبعد نزول هاتين الآيتين أراق الصحابة الخمر في الطرق وكسروا دنانها وانتهوا منها، وفي التدرج في تحريم الخمر لطف من الله بعباده حيث لم يفاجئهم بالتحريم من أول لحظة لشيء كانوا يحبونه ويتعلقون به. وفي هذا درس للدعاة أن يتعلموا من منهج الله في تشريع الأحكام حيث راعى شعور الناس وما ألفوه من العادات فلم يحرم ذلك دفعة، لئلا يؤدي إلى نفورهم، أو حرجهم، وإنما تدرج معهم في ذلك، فقد بقي الرسول ﷺ في المدينة عشر سنين تنزل عليه الآيات التشريعية بالتدريج حتى

стр. 16629

أكمل الله للمؤمنين دينهم وأتم عليهم نعمته. رابعا: أن أسباب النزول تعين على معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وفي هذا تعيين المبهم ومن أمثلته: - ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (١) (سورة الأحزاب: ٣٧). روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ (أنها أنزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة) (٢). فإن هذا المنعم عليه زيد بن حارثة ﵁، وقد دلنا على ذلك سبب النزول. ٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣) (المجادلة: ١). روى الحاكم في مستدركه (٢/ ٤٨١) عن عائشة ﵂ قالت: «تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﵌ وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك)، قالت عائشة: (فما برحت حتى نزل جبريل ﵇ بهؤلاء الآيات: (٥)» قال: وزوجها أوس بن الصامت. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فسبب النزول بين اسم المجادلة وهي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، فمعرفة ذلك تفيدنا في التعرف على الظروف والملابسات التي أحاطت بنزول الآية، وهذا مما يعين على فهمها ووضوح معناها، ويمكن الاستفادة من ذلك في دراسة تاريخ القرآن.

стр. 16630

هذا والأمثلة على أثر أسباب النزول في تفسير القرآن كثيرة وقد اكتفيت بما تقدم رغبة في الاختصار، وللمزيد من ذلك يمكن الرجوع إلى المؤلفات المتخصصة في أسباب النزول.
следующие страницы →