البقرة: ٢٢٣). فسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله «أن يهود كانت تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول) فنزلت الآية (١)».
٢ - ما رواه البخاري «عن ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (سورة النساء: ١٩) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك (٣)».
٣ - ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: «أتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح أنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله في - يعني نفسه - شأن الخمر: (٥)» (سورة المائدة: ٩٠).
فبالرجوع إلى أسباب نزول هذه الآيات تتبين الحكم العظيمة من تشريع هذه الأحكام.
ففي الآية الأولى التيسير على الناس في جماع نسائهم على أي وجه كان ما دام في موضع الحرث، وإبطال لما ألقاه اليهود في أذهان الصحابة من
стр. 16627
الوهم الباطل.
وفي الآية الثانية رفع الظلم عن النساء، حيث كان الناس في الجاهلية يحرمونهن من الميراث مستغلين ضعفهن، وعجزهن، ويضطهدونهن ويسيئون عشرتهن إذا أرادوا التخلص منهن، حتى يفتدين، فحرم الإسلام ذلك إلا إذا أتين بفاحشة مبينة.
وفي الآية الثالثة تحريم الخمر، لأنها تسبب أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة، ومن ضمنها ما حدث بين الصحابة من اعتداء بعضهم على بعض لما شربوها.
فلولا أسباب النزول ما اهتدينا إلى هذه الحكم النافعة على وجه التفصيل، ومعرفة هذه الحكم تزيد المؤمن إيمانا، وثقة في دينه وما شرعه الله له من الأحكام النافعة المبنية على مقاصد عظيمة، وترغب الكافر في الإيمان إذا تبين له سمو التشريع الإسلامي ويسره وسهولته وما اشتمل عليه من المنافع والمصالح والمقاصد الحسنة، وكثير من الناس قد أدهشهم ذلك، فكان سببا في إيمانهم.
ثالثا: أن أسباب النزول تفيدنا في معرفة التدرج في تشريع بعض الأحكام والمراحل التي مرت بها، ومعرفة هذا مهم للدعاة خصوصا الذين يدعون إلى الإسلام في بلاد الكفر فعليهم أن يتدرجوا معهم في تعليم الإسلام والدعوة إليه وتطبيق تعاليمه.
ويدل على ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في البقرة: الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء:
стр. 16628
فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في المائدة إلى قوله: فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: انتهينا انتهينا (٤)».
فسبب نزول هذه الآيات بين لنا أن تحريم الخمر كان على التدريج، فآية البقرة بينت أن إثم الخمر أكبر من نفعها ولم تحرمها، فالعاقل يدرك من هذا أن ما كان إثمه أكبر من نفعه فالأولى تركه.
ثم نزلت آية النساء تنهى عن قربان الصلاة حالة السكر، وفي هذا تقليل لأوقات شرب الخمر، وتعويد للمسلمين على تركها في بعض الأوقات ثم نزلت آيتا المائدة (٩١، ٩٠) فحرمتها، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٦) فالاستفهام إنكاري بمعنى النهي أي انتهوا، فلذا لما قرئت على عمر ﵁ قال: انتهينا انتهينا. وبعد نزول هاتين الآيتين أراق الصحابة الخمر في الطرق وكسروا دنانها وانتهوا منها، وفي التدرج في تحريم الخمر لطف من الله بعباده حيث لم يفاجئهم بالتحريم من أول لحظة لشيء كانوا يحبونه ويتعلقون به.
وفي هذا درس للدعاة أن يتعلموا من منهج الله في تشريع الأحكام حيث راعى شعور الناس وما ألفوه من العادات فلم يحرم ذلك دفعة، لئلا يؤدي إلى نفورهم، أو حرجهم، وإنما تدرج معهم في ذلك، فقد بقي الرسول ﷺ في المدينة عشر سنين تنزل عليه الآيات التشريعية بالتدريج حتى
стр. 16629
أكمل الله للمؤمنين دينهم وأتم عليهم نعمته.
رابعا: أن أسباب النزول تعين على معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وفي هذا تعيين المبهم ومن أمثلته: -
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (١) (سورة الأحزاب: ٣٧).
روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ (أنها أنزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة) (٢). فإن هذا المنعم عليه زيد بن حارثة ﵁، وقد دلنا على ذلك سبب النزول.
٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣) (المجادلة: ١).
روى الحاكم في مستدركه (٢/ ٤٨١) عن عائشة ﵂ قالت: «تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﵌ وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك)، قالت عائشة: (فما برحت حتى نزل جبريل ﵇ بهؤلاء الآيات: (٥)» قال: وزوجها أوس بن الصامت. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فسبب النزول بين اسم المجادلة وهي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، فمعرفة ذلك تفيدنا في التعرف على الظروف والملابسات التي أحاطت بنزول الآية، وهذا مما يعين على فهمها ووضوح معناها، ويمكن الاستفادة من ذلك في دراسة تاريخ القرآن.
стр. 16630
هذا والأمثلة على أثر أسباب النزول في تفسير القرآن كثيرة وقد اكتفيت بما تقدم رغبة في الاختصار، وللمزيد من ذلك يمكن الرجوع إلى المؤلفات المتخصصة في أسباب النزول.
стр. 16631
المؤلفات في أسباب النزول:
١ - أسباب النزول، لأبي الحسن ابن المديني (ت ٢٣٤ هـ). وهو أول من ألف في أسباب النزول ولكن كتابه لم يصل إلينا (١).
٢ - القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن، لأبي مطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسي بن فطيس القرطبي (ت ٤٠٢ هـ) (٢).
٣ - أسباب النزول، للواحدي (ت ٤٦٨هـ) وهو أول كتاب يصل إلينا في أسباب النزول، فقد جمع فيه أسباب النزول مرتبة على ترتيب سور القرآن، مروية بالإسناد غالبا، وقد طبع عدة طبعات أحسنها طبعة (دار الكتاب الجديد) بتحقيق الأستاذ سيد صقر، كما قام بتحقيقه الشيخ عصام بن عبد المحسن الحميدان، وقد اعتمد على تحقيق الأستاذ سيد صقر، أثنى على دقة تحقيقه وقلة الأخطاء، إلا أنه لم يستوف تخريج الأحاديث، وهو الأهم، فكانت زيادته على هذا التحقيق هو استيفاء التخريج على طريقة المحدثين (٣)، وقد اعتمد على كتاب الواحدي من جاء بعده ممن ألف في أسباب نزول القرآن.
٤ - أسباب النزول، لأبي المظفر محمد بن أسعد الحليمي (ت ٥٦٧ هـ) وقد جمع فيه بين أسباب النزول والتفسير والقصص، ويقع في (١٥٢) ورقة وتوجد منه نسخة مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود
стр. 16632
الإسلامية، ونسختان بجامعة أم القرى (١).
٥ - أسباب النزول لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) (٢).
٦ - تقريب المأمول في ترتيب أسباب النزول، لإبراهيم بن عمر الجعبري (ت ٧٣٢ هـ) وقد اختصر فيه أسباب النزول للواحدي بحذف أسانيدها ولم يزد عليه شيئا، وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية (٣).
٧ - العجب العجاب في بيان الأسباب لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) قال عنه السيوطي: (إنه مات عنه مسودة فلم نقف عليه كاملا) (٤)، ويوجد منه نسخة مصورة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في (٢٠١) ورقة، وقد وصل فيه إلى أوائل سورة النساء. وقد جمع فيه الأسباب التي ذكرها الواحدي مختصرة بحذف أسانيدها مع تخريجها والحكم عليها بالصحة والضعف، وزاد عليها كثيرا من الأسباب التي لم يذكرها الواحدي.
٨ - لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطي، (ت ٩١١ هـ) وقد جمع في كتابه ما ذكره الواحدي مع حذف الأسانيد وزاد عليه بعض الأسباب ويمتاز عليه بتبيين الصحيح من الأسباب من غيره، وعزوها إلى من خرجها من أصحاب الكتب المعتبرة، وهو مطبوع بدار التحرير للطبع
стр. 16633
والنشر بالقاهرة سنة ١٣٨٢ هـ.
٩ - إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ والمتشابه وتجويد القرآن لعطية الله الشافعي الأجهوري (ت ١١٩٠ هـ) يوجد منه نسخة مصورة في جامعة الملك سعود بالرياض، وهو كتاب جامع لأسباب النزول وغيرها مما هو مذكور في عنوانه، وقد اختصر فيه مؤلفه كتاب الواحدي بحذف أسانيده وضم إليه كتاب السيوطي " لباب النقول " حتى يكمل بعضهما الآخر، ولم يضف إلى ذلك شيئا جديدا إلا مجرد النقل والجمع.
١٠ - أسباب التنزيل لأحمد بن علي بن أحمد الحنفي المصري، يوجد منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، وهو اختصار لكتاب الواحدي وذلك بحذف أسانيده، ولم يزد عليه شيئا فهو قليل الفائدة.
١١ - مع نزول القرآن لمحمد محمد خليفة، تحدث في أول الكتاب عن نزول القرآن من حيث المكان والزمان، وأول ما نزل وآخر ما نزل، وكيفية الإنزال وطريقته وصور الوحي، وقد اختص معظم الكتاب بذكر أسباب النزول ورتبها حسب موضوعاتها، فبدأ بذكر الأسباب التي تدور حول مواقف المنافقين، ثم الأسباب التي تدور حول مواقف اليهود والنصارى والكفار، ثم ما دار حول أحكام شرعية، أو مبادئ اجتماعية أو سياسية، وهكذا. ويذكر الأسباب بدون أسانيد ولا يشير إلى المراجع، ولم يذكر في كتابه المصادر التي رجع إليها وهو مطبوع بمكتبة النهضة المصرية سنة ١٩٧١ م.
١٢ - أسباب النزول عن الصحابة والمفسرين للمرحوم الشيخ عبد الفتاح
стр. 16634
القاضي رئيس لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر، وقد بدأه بتمهيد بين فيه معنى أسباب النزول وفوائدها، وبعض القواعد المتعلقة بها، ثم شرع في ذكر أسباب النزول مرتبة على ترتيب سور القرآن بدون إسناد، وقد اقتصر على الصحيح منها الملائم لروح الآيات وسياقها ولا يصادم أصلا من أصول العقيدة ولا يعارض نصا من نصوص الشريعة كما قال في التمهيد.
١٣ - أسباب نزول القرآن للدكتور حماد عبد الخالق حلوة، تحدث فيه عن تاريخ أسباب النزول ومصادرها ومناهج المؤلفين في الحديث والتفسير والتاريخ في عرض أسباب النزول والحديث عنها، ويقع هذا الكتاب في جزأين، الناشر له مكتبة الطليعة بأسيوط بمصر سنة ١٩٨٠م.
١٤ - الصحيح المسند من أسباب النزول لمقبل بن هادي الوادعي وهو بحث مختصر خرج فيه بعض أسباب النزول ورتبه على ترتيب سور القرآن، وقدم له بمقدمة قصيرة ذكر فيها أهمية أسباب النزول وبعض قواعدها باختصار، وقد طبع سنة ١٤٠٠ هـ، والناشر له مكتبة المعارف بالرياض.
١٥ - جامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها لابن خليفة عليوي، بدأ كتابه بمقدمة بين فيها معنى أسباب النزول وفوائدها وبعض القواعد المتعلقة بها، ثم شرع في جمع أسباب النزول بدون أسانيد، مرتبة على ترتيب سور القرآن وقد اعتمد في ذلك على كتاب الواحدي، وعضده بالنقل من (لباب النقول) للسيوطي. وكتب التفسير، وفي جمعه لهذه الأسباب لم يفرق بين الصحيح منها من الضعيف وقد اقتصر على جمع ما في الكتب دون تمحيص، مع ذكر أقوال المفسرين
стр. 16635
في الآية والأحكام المستنبطة منها بأدلتها، وهو مطبوع في جزأين بمطابع الإشعاع بالرياض سنة ١٤٠٤ هـ.
١٦ - أسباب النزول، أسانيدها وأثرها في التفسير. رسالة دكتوراه، لجمعة سهل، تقدم بها إلى جامعة أم القرى، وتوجد بمكتبتها المركزية مطبوعة بالإستنسل.
١٧ - أسباب النزول وأثرها في التفسير، لعصام بن عبد المحسن الحميدان حصل به على درجة الماجستير. سنة ١٤٠٦ هـ من كلية أصول الدين بالرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تقع هذه الرسالة في مجلدين، تناول الباحث فيها أهمية أسباب النزول وقواعدها وأثرها في التفسير، واختص القسم الأكبر من الرسالة بذكر الصحيح والضعيف من أسباب النزول مرتبا حسب ترتيب سور القرآن، معتمدا في ذلك على كتابي " أسباب النزول " للواحدي " ولباب النقول " للسيوطي، مع تخريج ما ذكره من الأسباب والحكم عليها، وهي رسالة جيدة ومفيدة وأسلوبها شيق.
هذه المؤلفات الخاصة بجمع أسباب النزول - حسب علمي - وبجانبها أبحاث عن أسباب النزول ضمن كتب علوم القرآن، كما فعل الزركشي في كتابه " البرهان في علوم القرآن " فقد ضمنه بحثا مختصرا عن أسباب النزول. تحدث فيه عن معناها وفوائدها، وطريق معرفتها والتعبير عنها، وتعدد النازل والسبب واحد وعكسه، وهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب، وقد سبقه إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير، وقد نحا هذا النحو من ألف فيما بعد في علوم القرآن، كالسيوطي في " الإتقان " والشيخ محمد علي سلامة في " منهج الفرقان " والشيخ الزرقاني
стр. 16636
في " مناهل العرفان " والدكتور الكومي والدكتور القاسم في " مذكرات في علوم القرآن " والدكتور صبحي الصالح في " مباحث علوم القرآن " والشيخ مناع القطان في " مباحث في علوم القرآن " كما تحدث عنها الشاطبي في " الموافقات " والشيخ القاسمي في مقدمة تفسيره " محاسن التأويل "، والشيخ ابن عاشور في مقدمة تفسيره " التحرير والتنوير ".
حاجة أسباب النزول إلى التمحيص:
وهذه المؤلفات الخاصة بجمع أسباب النزول قد حوت ثروة كبيرة من أسباب نزول القرآن تحتاج إلى دراسة وتمحيص من جهة الإسناد، لأنه قد اختلط فيها الصحيح بالضعيف، ودخلت فيها بعض الإسرائيليات والموضوعات، كما تحتاج إلى دراسة متنها لوجود تعارض في بعضها يحتاج إلى توفيق بين الروايات المختلفة، كما أن بعضها يحتوي على أخبار وحوادث غير صحيحة ولا تتفق مع الآية ولا تصلح سببا لنزولها، كما في قصة ثعلبة بن حاطب، وقد ذكرها أكثر المفسرين وملخصها «أن ثعلبة بن حاطب قال للرسول ﷺ : ادع الله أن يرزقني مالا، فقال الرسول ﷺ : " ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه "، ولكن ثعلبة كرر الطلب على النبي ﷺ فقال: اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، وأنزل الله على الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) التوبة [١٠٣] فأرسل رجلين إلى ثعلبة ليأخذا منه الصدقة، فتردد في الدفع وقال: ما هذه إلا أخت الجزية فأنزل الله فيه قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) الآيات من التوبة [٧٥، ٧٧] فلما علم جاء إلى الرسول ﷺ فسأله أن يقبل منه صدقته فلم يقبلها، فمات الرسول ﷺ فأتى أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃ فلم يقبلوها، ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان»،
стр. 16637
فهذه الرواية رواها أبو أمامة الباهلي ﵁، وقد رواها عنه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٧٠ - ٣٧٤) والواحدي في الأسباب (ص ٢٥٢) والبغوي في تفسيره (٣/ ١٢٤) وفي أسانيدهم علي بن يزيد الألهاني قال عنه أبو حاتم: " ضعيف الحديث حديثه منكر "، وقال أبو زرعة " ليس بالقوي " وقال البخاري: " منكر الحديث " (١).
وقد ضعف ابن حزم إسناد هذه القصة وأبطل معناها فقال: " وهذا باطل لا شك، لأن الله تعالى أمر بقبض زكوات أموال المسلمين وأمر ﵊ عند موته أن لا يبقى في جزيرة العرب دينان، فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض أن لا يقر في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك وفي رواته معان بن رفاعة والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - وهو أبو عبد الملك الألهاني - وكلهم ضعفاء. ومسكين بن بكير ليس بالقوي (٢) كما ضعفها السيوطي (٣).
فهذه القصة باطلة، لأن ما ورد فيها من معنى مخالف لأصل من أصول الشريعة، وهو أن التائب تقبل توبته ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والإسلام يجب ما قبله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤) (الأنفال: ٣٨) ثم كيف يأتي بزكاة ماله للنبي ﷺ فيردها ثم لأبي بكر فيردها ثم لعمر فيردها، فهل يعقل أن يحصل مثل هذا والله قد أمر بقبض زكاة المسلمين ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥) (التوبة: ١٠٣). وهذه القصة يرددها أهل الوعظ والإرشاد دون
стр. 16638
نظر إلى بطلان سندها ومتنها ومخالفتها لأصل من أصول الشريعة، وقد ذكرتها هنا حتى يتنبهوا إلى ذلك.
من هذا وغيره يتبين لنا أن أسباب النزول تحتاج إلى كثير من الدراسة والتمحيص والمناقشة، فليس كل ما جمع من الأسباب صحيحا وقد قام بعض الباحثين بدراسة بعض أسباب النزول سندا ومتنا والحكم عليها، كما فعل الوادعي في بحثه، والحميدان في رسالته للماجستير، وأملي أن تتوسع هذه الدراسة المفيدة حتى تغطي جميع ما روي في أسباب النزول ففي ذلك خدمة عظيمة لكتاب الله وفائدة كبيرة لدارسي تفسيره.
стр. 16639
المراجع
١ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود. مجلدان طبع بولاق - بالقاهرة ١٢٧٥ هـ.
٢ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي جزءان مصطفى الحلبي بالقاهرة - ط / ٣ - ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م.
٣ - الأعلام للزركلي - طبع دار العلم للملايين - بيروت - ط / ٥ - ١٩٨٠ م.
٤ - البرهان في علوم القرآن للزركشي أربعة أجزاء. عيسى الحلبي ط / ٢ - ١٣٩١ هـ / ١٩٧٢ م.
٥ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير، أربعة أجزاء مطبعة دار إحياء الكتب العربية - لعيسى الحلبي بالقاهرة.
٦ - جامع البيان في تفسير القرآن، لابن جرير الطبري رجعت إلى طبعتين: دار المعارف بتحقيق محمود شاكر وأخيه، وطبعة الحلبي الثانية ١٣٧٣ هـ - ١٩٥٤ م.
٧ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، عشرون جزءا - دار الكاتب العربي. ط٣ - ١٣٨٧ هـ.
٨ - جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير (ت٦٠٦ هـ) تحقيق عبد القادر الأرناؤوط - نشر مكتبة الحلواني ط / ١ - ١٣٨٩ هـ.
٩ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣٢٧) طبع دائرة المعارف بحيدر أباد الدكن - الهند - ج ١/ ١ - ١٣٧٢ هـ.
١٠ - الدر المنثور للإمام السيوطي، طبعة إيرانية.
١١ - سنن الترمذي (ت٢٩٧ هـ) طبع مصطفى الحلبي - بمصر - ج / ١ - ١٣٨٥ هـ.
١٢ - سنن الدارقطني (ت ٣٨٥) تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني
стр. 16640
طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة بمصر ١٣٨٦ هـ.
١٣ - صحيح البخاري، طبع دار الشعب - بالقاهرة، ١٣٧٩.
١٤ - صحيح مسلم، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. طبع عيسى الحلبي، بالقاهرة - ط / ١ - ١٣٧٥ هـ / ١٩٥٥ م.
١٥ - طبقات المفسرين للداودي (ت ٩٤٥ هـ) تحقيق علي محمد عمر - مطبعة الاستقلال الكبرى - ط / ١ - ١٣٩٢ هـ.
١٦ - فتح الباري - شرح صحيح البخاري - للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثلاثة عشر جزءا، المطبعة السلفية، بالقاهرة.
١٧ - القاموس المحيط للفيروزآبادي المطبعة الحسينية المصرية - ١٣٣٢هـ - ١٩١٩ م.
١٨ - كشف الظنون لحاجي خليفة - طبع وكالة المعارف بإستنبول ١٣٦٤ هـ.
١٩ - لسان العرب لابن منظور، المطبعة الأميرية، بالقاهرة - ج / ١ - ١٣٠٠ هـ.
٢٠ - معالم التنزيل، للبغوي، بهامش تفسير ابن كثير، مطبعة المنار، - بالقاهرة - ١٩٤٥ م.
٢١ - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، المطبعة الفنية الحديثة بالقاهرة.
٢٢ - مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية. المطبعة السلفية - بالقاهرة - ط / ٢ - ١٣٨٥ هـ.
٢٣ - منهج الفرقان في علوم القرآن لمحمد علي سلامة، مطبعة شبرا - ١٩٣٨ م. بالقاهرة.
٢٤ - المحلى لابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) تحقيق أحمد محمد شاكر - طبع دار
стр. 16641
التراث بالقاهرة.
٢٥ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي (ت ٧٤٨ هـ) تحقيق علي محمد البجاوي طبع دار المعرفة - بيروت.
يضاف إلى ذلك الكتب الخاصة بجمع أسباب النزول، وقد سبق بيان طبعاتها عند الحديث عن المؤلفات في أسباب النزول.
стр. 16642
الدعوة إلى الله وأسلوبها المشروع
لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله قائد الغر المحجلين وإمام الدعاة إلى رب العالمين، نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله وأبناء كرام في هذا المكان المبارك في مكة المكرمة وفي رحاب البيت العتيق، للتناصح والتواصي بالدعوة إلى الله وبيان ثمراتها وفوائدها وأسلوبها، أسال الله جل وعلا أن يجعله لقاء مباركا وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، وأن يرزقهم جميعا الفقه في الدين والاستقامة عليه، إنه جل وعلا جواد كريم، ثم أشكر القائمين على جامعة أم القرى وعلى رأسهم الأخ الكريم معالي الدكتور راشد بن راجح مدير هذه الجامعة على دعوته لي لهذا اللقاء، وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه وأن يبارك في جهود الجميع ويكللها بالصلاح والنجاح وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن وطوارق المحن إنه سميع قريب.
أيها الإخوة في الله عنوان هذه المحاضرة (الدعوة إلى الله سبحانه وأسلوبها المشروع): الدعوة إلى الله شأنها عظيم وهي من أهم الفروض والواجبات على المسلمين عموما وعلى العلماء بصفة خاصة، وهي منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم الأئمة فيها عليهم الصلاة والسلام، فالدعوة إلى الله طريق الرسل وطريق أتباعهم إلى يوم القيامة والحاجة إليها بل الضرورة معلومة، فالأمة كلها من أولها إلى آخرها بحاجة شديدة
стр. 16643
بل في ضرورة إلى الدعوة إلى الله والتبصير في دين الله والترغيب في التفقه فيه والاستقامة عليه والتحذير مما يضاده أو يضاد كماله الواجب، أو ينقص ثواب أهله ويضعف إيمانهم فالواجب على أهل العلم بشريعة الله أينما كانوا أن يقوموا بمهمة الدعوة لأن الناس في أشد الضرورة إلى ذلك في مشارق الأرض ومغاربها، ونحن في غربة من الإسلام وقلة من علماء الحق وكثرة من أهل الجهل والباطل والشر والفساد.
فالواجب على أهل العلم بالله وبدينه أن يشمروا عن ساعد الجد وأن يستقيموا على الدعوة وأن يصبروا عليها يرجون ما عند الله من المثوبة، ويخشون مغبة التأخر عن ذلك والتكاسل عنه، والله أوجب على العلماء أن يبينوا، وأوجب على العامة أن يقبلوا الحق وأن يستفيدوا من العلماء وأن يقبلوا النصيحة يقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فأحسن الناس قولا من دعا إلى الله وأرشد إليه وعلم العباد دينهم وفقههم فيه وصبر على ذلك وعمل بدعوته ولم يخالف قوله فعله ولا فعله قوله، هؤلاء هم أحسن الناس قولا وهم أصلح الناس وأنفع الناس للناس وهم الرسل الكرام والأنبياء وأتباعهم من علماء الحق، فالواجب على كل عالم وطالب علم أن يقوم بهذا العمل حسب طاقته وعلمه وقد يتعين عليه إذا لم يكن في البلد أو في القبيلة أو في المكان الذي وقع فيه المنكر غيره، فإنه يجب عليه عينا أن يقول الحق وأن يدعو إليه، وعند وجود غيره يكون فرض كفاية إذا قام به البعض كفى وإن سكتوا عنه أثموا جميعا، فالواجب على أهل العلم بالله وبدينه أن ينصحوا لله ولعباده وأن يقوموا بواجب الدعوة في بيوتهم، ومع أهليهم، وفي مساجدهم، وفي طرقاتهم، وفي بقية أنحاء قريتهم وبلادهم، وفي مراكبهم من طائرة أو سيارة أو قطار أو غير ذلك،
стр. 16644
فالدعوة مطلوبة في كل مكان أينما كنت والحاجة ماسة إليها أينما كنت، فالناس في الطائرة محتاجون وفي السيارة محتاجون وفي القطار محتاجون وفي السفينة محتاجون إلى غير ذلك، وأهلك كذلك يلزمك أن تعنى بهم أولا، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) وقال لنبيه وخليله محمد ﵊: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٤) فالواجب على طالب العلم أن يعنى بأهله ووالديه وأولاده وإخوانه إلى غير ذلك يعلمهم ويرشدهم ويدعوهم إلى الله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر كما قال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥) ثم قال سبحانه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦) يعني من كان بهذه الصفة فهو المفلح على الحقيقة على الكمال.
وقد أمر الله بالدعوة في آيات ورغب فيها سبحانه كما في قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٧) الآية، وقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٨) وأخبر سبحانه أن الدعوة إلى الله على بصيرة هي سبيل النبي ﷺ وهي سبيل أتباعه من أهل العلم كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٩) فالواجب علينا جميعا أن نعنى بهذه المهمة أينما كنا، والواجب على أهل العلم كما
стр. 16645
تقدم أن يعنوا بها غاية العناية ولا سيما عند شدة الضرورة إليها في هذا العصر، فإن عصرنا يعتبر عصر غربة للإسلام، لقلة العلم والعلماء بالسنة والكتاب ولغلبة الجهل، وكثرة الشرور والمعاصي وأنواع الكفر والضلال والإلحاد، فالواجب حينئذ يتأكد على العلماء في الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته وأداء واجبه وترك معصيته يقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) ويقول : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وهذه العبادة تحتاج إلى بيان، وهذه العبادة هي التي خلقنا لها وأمرنا بها وبعثت الرسل عليهم الصلاة والسلام لبيانها وللدعوة إليها، فلا بد من بيانها للناس من أهل العلم وهي الإسلام والهدى وهي الإيمان والبر والتقوى، هذه هي العبادة التي خلقنا لها أن نطيع الله ونطيع رسوله ﷺ في الأوامر والنواهي وأن نخصه بالعبادة دون كل ما سواه، وهذه الطاعة تسمى عبادة لأنك تؤديها بذل وخضوع لله، والعبادة ذل وخضوع لله وانكسار بين يديه بطاعة أوامره وترك نواهيه وأصلها وأساسها توحيده والإخلاص له وتخصيصه بالعبادة وحده دون كل ما سواه والإيمان برسله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم خاتمهم وإمامهم نبينا محمد ﵊ ثم فعل ما أوجب الله من بقية الأوامر وترك ما نهى الله عنه، هذه هي العبادة وهذه هي التقوى وهذه هي الإسلام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) وهي الإيمان أيضا الذي قال الله فيه جل
стр. 16646
وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) وقال فيه النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة (٢)». . . الحديث " أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، هذا هو الإيمان وهو الهدى وهو الإسلام وهو العبادة التي خلقنا لها وهو البر. . . فهي ألفاظ متقاربة المعني، معناها طاعة الله ورسوله والاستقامة على دين الله، فمن استقام على دين الله فقد اتقى ومن استقام على دين الله فقد آمن به ومن استقام على دين الله فقد أخذ بالإسلام وأخذ بالهدى كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٣) ومن استقام على دين الله فهو على البر الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٦) فالدعوة إليه سبحانه هي دعوة إلى البر وإلى التقى وإلى الإيمان وإلى الإسلام وإلى الهدى، فعليك أيها العالم بالله وبدينه أن تنبه إلى هذا الأمر وأن تشرحه للناس وتوضح لهم حقيقة دينهم ما هو الإسلام؟ ما هو الإيمان؟ ما هو البر؟ ما هو التقوى؟ هو طاعة الله ورسوله، هو العبادة التي خلقنا لها، سماها الله إسلاما وسماها إيمانا وسماها هدى في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٧) وسماها برا في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٨) ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٩) ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (١٠) إلى غير ذلك، وسماها الله إسلاما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١٢) فالدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى هذا الأمر، دعوة إلى عبادة الله التي خلقنا لها، دعوة إلى
стр. 16647
الاستقامة على ذلك، دعوة إلى طاعة الله ورسوله، دعوة إلى الإسلام، دعوة إلى البر، دعوة إلى الإيمان والمعنى أنك تدعو الناس إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له وطاعة أوامره وترك نواهيه وهذا الذي تدعو إليه يسمى إسلاما، ويسمى عبادة، ويسمى تقوى، ويسمى طاعة الله ورسوله، ويسمى برا، ويسمى هدى، ويسمى صلاحا وإصلاحا، كلها أسماء متقاربة المعنى.
فعلى الدعاة إلى الله وهم العلماء أن يبسطوا للناس هذا الأمر وأن يشرحوه وأن يوضحوه أينما كانوا مشافهة في خطب الجمعة وفي الدروس وفي المواعظ العامة، وفي المناسبات التي تحصل بينهم، يبينون للناس هذه الأمور ويوضحونها للناس وينتهزون الفرص في كل مناسبة، لأن الضرورة تدعو إلى ذلك والحاجة الشديدة تدعو إلى ذلك لقلة العلم والعلماء وكثرة الحاجة والضرورة إلى البيان، وهكذا يكون التعليم والتوجيه من طريق المكاتبات ومن طريق المؤلفات ومن طريق الإذاعة ووسائل الإعلام ومن طريق المكالمات الهاتفية، لا يتأخر العالم عن أي طريق يبلغ فيه العلم، تارة بالكتب وتارة بالخطب في الجمع وفي الأعياد وغيرها، وتارة بتأليف الرسائل التي تنفع الناس فالواجب أن يكون وقت العالم معمورا بالدعوة والخير وأن لا يشغله شاغل عن دعوة الناس كتعريفهم بدين الله، أن تكون أوقاته معمورة بطاعة الله والدعوة إلى سبيله والصبر على ذلك كما صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فمن أراد من أهل العلم أن يكون من أتباعه على الحقيقة فعليه بالدعوة إلى الله على بصيرة حتى يكون من أتباعه على الحقيقة، ينفع الناس وينفع نفسه ثم له بذلك مثل أجورهم ولو كانوا ملايين، هذه نعمة عظيمة وفائدة كبيرة لك
стр. 16648
يا عبد الله الداعي إلى الله لك مثل أجور من هداه الله على يديك لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١)» وهذا أمر عظيم من دعا إلى خير فله مثل أجر فاعله، دعوت كافرا فأسلم يكون لك مثل أجره، دعوت مبتدعا فترك البدعة يكون لك مثل أجره، دعوت إنسانا يتعامل بالربا فأطاعك يكون لك مثل أجره، دعوت إنسانا يتعاطى المسكر فأجابك يكون لك مثل أجره، دعوت إنسانا عاقا لوالديه فأطاعك وبر والديه يكون لك مثل أجره، دعوت إنسانا يغتاب الناس فترك الغيبة يكون لك مثل أجره، وهكذا، هذا خير عظيم «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢)». . وفي الحديث الآخر يقول ﷺ «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣)» وهذا الحديث من أصح الأحاديث، وقد رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. فأنت يا عبد الله إن دعوت إلى خير فلك مثل أجور المهتدين على يديك وإن دعوت إلى شر فعليك مثل أوزارهم وآثامهم، نسأل الله العافية.
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لعلي لما بعثه لخيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤)» وهذه الفائدة العظيمة، واحد من اليهود يهديه الله على يده خير له من حمر النعم، وأنت كذلك ذهبت إلى قرية من القرى أو مدينة من المدن أو قبيلة من القبائل فدعوتهم إلى الله وهدى الله على يديك واحدا خير لك من حمر النعم، والمقصود خير من الدنيا وما عليها، وهكذا لو كنت في بلاد فيها كفار فدعوتهم وهداهم الله على يديك لك مثل أجورهم ولك بكل واحد خير من حمر النعم، وهنا كفار
стр. 16649
يوجدون من العمال فإذا تيسر للعالم الذهاب إليهم ودعوتهم فهداهم الله على يديه أو هدى بعضهم يكون له مثل أجورهم فالدعوة إلى الله في كل مكان لها ثمراتها العظيمة مع الكفار، ومع العصاة، ومع غيرهم، قد يكون غير عاص لكن عنده كسل وعدم نشاط فإذا سمع دعوتك زاد نشاطه في الخير ومسابقته إلى الطاعات فيكون لك مثل أجره.
أما أسلوب الدعوة فبينه الرب جل وعلا وهو الدعوة بالحكمة أي بالعلم والبصيرة، بالرفق واللين لا بالشدة والغلظة، هذا هو الأسلوب الشرعي في الدعوة، إلا من ظلم، فمن ظلم يعامل بما يستحق لكن من يتقبل الدعوة ويصغي إليها أو ترجو أن يتقبله لأنه لم يعارضك ولم يظلمك فارفق به، يقول جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فالحكمة هي العلم، قال الله قال رسوله، والموعظة الحسنة الترغيب والترهيب تبين ما في طاعة الله من الخير العظيم وما في الدخول في الإسلام من الخير العظيم وما عليه إذا استكبر ولم يقبل الحق إلى غير ذلك، أما الجدال بالتي هي أحسن فمعناه بيان الأدلة من غير عنف عند وجود الشبهة لإزالتها وكشفها، فعند المجادلة تجادل بالتي هي أحسن وتصبر وتتحمل، كما في الآية الأخرى، يقول سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢) فالظالمون لهم شأن آخر لكن ما دمت تستطيع الجدال بالتي هي أحسن وهو يتقبل أو ينصت أو يتكلم بأمر لا يعد فيه ظالما ولا معتديا فاصبر وتحمل بالموعظة والأدلة الشرعية والجدال الحسن يقول الله سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٣) ويقول النبي ﷺ : «البر حسن الخلق (٤)».
стр. 16650
وقد أثنى الله على النبي ﷺ في أمر الدعوة فقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) ونبينا ﷺ أكمل الناس في دعوته، وأكمل الناس في إيمانه لو كان فظا غليظ القلب لانفض الناس من حوله وتركوه فكيف أنت؟ فعليك أن تصبر، وعليك أن تتحمل، ولا تعجل بسب أو كلام سيئ أو غلظة، وعليك باللين والرحمة والرفق، ولما بعث الله موسى وهارون لفرعون ماذا قال لهما؟ قال سبحانه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) فأنت كذلك لعل صاحبك يتذكر أو يخشى، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه (٣)» وهذا وعد عظيم في الرفق ووعيد عظيم في المشقة ويقول ﵊: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٤)» ويقول ﷺ «عليكم بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٥)».
فالواجب على الداعي إلى الله أن يتحمل وأن يستعمل الأسلوب الحسن الرقيق اللين في دعوته للمسلمين والكفار جميعا، لا بد من الرفق مع المسلم ومع الكافر ومع الأمير وغيره، ولا سيما الأمراء والرؤساء والأعيان فإنهم يحتاجون إلى المزيد من الرفق والأسلوب الحسن لعلهم يقبلون الحق ويؤثرونه على ما سواه وهكذا من تأصلت في نفسه البدعة أو المعصية ومضى عليه فيها السنون يحتاج إلى صبر حتى تقتلع البدعة وحتى تزال بالأدلة، وحتى يتبين له شر المعصية وعواقبها الوخيمة فيقبل منك الحق ويدع المعصية.
стр. 16651
فالأسلوب الحسن من أعظم الوسائل لقبول الحق، والأسلوب السيئ العنيف من أخطر الوسائل في رد الحق وعدم قبوله وإثارة القلاقل والظلم والعدوان والمضاربات، ويلحق بهذا الباب ما قد يفعله بعض الناس من المظاهرات التي تسبب شرا عظيما على الدعاة، فالمسيرات في الشوارع والهتافات والمظاهرات ليست هي الطريق للإصلاح والدعوة، فالطريق الصحيح بالزيارة، والمكاتبات بالتي هي أحسن فتنصح الرئيس والأمير وشيخ القبيلة بهذا الطريق لا بالعنف والمظاهرة، فالنبي ﷺ مكث في مكة ثلاث عشرة سنة لم يستعمل المظاهرات ولا المسيرات ولم يهدد الناس بتخريب أموالهم واغتيالهم، ولا شك أن هذا الأسلوب يضر الدعوة والدعاة ويمنع انتشارها ويحمل الرؤساء والكبار على معاداتها ومضادتها بكل ممكن، فهم يريدون الخير بهذا الأسلوب لكن يحصل به ضده فكون الداعي إلى الله يسلك مسلك الرسل وأتباعهم ولو طالت المدة أولى به من عمل يضر الدعوة ويضايقها أو يقضي عليها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالنصيحة مني لكل داع إلى الله أن يستعمل الرفق في كلامه وفي خطبته وفي مكاتباته وفي جميع تصرفاته حول الدعوة يحرص على الرفق مع كل أحد إلا من ظلم، وليس هناك طريق أصلح للدعوة من طريق الرسل فهم القدوة وهم الأئمة وقد صبروا، صبر نوح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وصبر هود، وصبر صالح، وصبر شعيب، وصبر إبراهيم، وصبر لوط، وهكذا غيرهم من الرسل ثم أهلك الله أقوامهم بذنوبهم وأنجى الله الأنبياء وأتباعهم، فلك أيها الداعية أسوة في هؤلاء الأنبياء والأخيار، ولك أسوة بالنبي محمد ﷺ الذي صبر في مكة وصبر في المدينة على وجود اليهود عنده والمنافقين ومن لم يسلم من الأوس والخزرج حتى هداهم الله وحتى يسر الله إخراج اليهود وحتى مات
стр. 16652
المنافقون بغيظهم، فأنت لك أسوة بهؤلاء الأخيار، فاصبر وصابر واستعمل الرفق ودع العنف ودع كل سبب يضيق على الدعوة ويضرها ويضر أهلها، واذكر قوله تعالى يخاطب نبيه محمدا ﷺ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (١) الآية.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح وحسن الدعوة إليه، وأن يوفق علماءنا جميعا في كل مكان ودعاة الحق في كل مكان للعلم النافع والبصيرة والسير على المنهج الذي سار عليه رسول الله ﵊ في الدعوة إليه وإبلاغ الناس دينه، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 16653
صفحة فارغة
стр. 16654
وظيفة الدولة في الشريعة الإسلامية
بقلم / عثمان جمعة ضميرية (١)
تمهيد:
اقتضت إرادة الله تعالى أن تختم الرسالات السماوية برسالة نبينا محمد ﷺ الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، برسالة إلهية شاملة جامعة، ودعوة عالمية خالدة، تهدف إلى صلاح الفرد والمجتمع وإلى خير الإنسانية جميعها.
ودعوة هذا شأنها لا بد أن تنظم العلاقة بين الفرد وخالقه، وبين الفرد وأخيه في المجتمع، وبين الفرد والمجتمع كله، وهكذا جاءت الدعوة الإسلامية منظمة لهذه العلاقات كلها في إطار دعوة التوحيد، التي تحقق الكرامة الإنسانية والحق والخير والعدالة للناس كافة. وفي الوقت نفسه جاءت هذه الدعوة الإلهية لتشمل نشاط الإنسانية بكل جوانبه، فهي لم تعن بالناحية الروحية مثلا وتهمل الجانب العقلي، كما أنها لم تعن بواحد منهما على حساب الجسم، وإنما كانت تهتم بكل جوانب الكيان البشري: روحا وعقلا وجسما، كما أنها لم تنظم العلاقة بين الأفراد فحسب، بل شملت بتنظيمها العلاقة الدولية للمسلمين، وهذا ينبئ أن الإسلام ليس دينا عقديا فحسب، لا شأن له بالدنيا والدولة، بل هو دين ودولة، فهما متلازمان، فالدولة من الدين، والدين بجملة أحكامه لا بد له من دولة تقيمه وتحميه، وقد بدا هذا الأمر ملازما للدعوة الإسلامية منذ أول عهدها، وقد عمل رسول الله ﷺ على تحقيق هذا الفكرة بالهجرة إلى المدينة المنورة، التي أصبحت نواة الدولة الإسلامية الجديدة، ومنها امتدت إلى مختلف البقاع (٢).
стр. 16655
المقصود بالدولة في هذا البحث:
ولن نقصد من الدولة في بحثنا هذا ما يقصده علماء القانون الدستوري الوضعي حين يعرفون الدولة بأنها: (جماعة من الناس استقر بهم المقام على وجه الدوام في إقليم معين، وتسيطر عليهم هيئة حاكمة تتولى شئونهم في الداخل والخارج) (١).
وإنما نقصد عندما نطلق اسم الدولة في هذا البحث: الحاكم، أو ولي الأمر الذي يمثل الدولة، ويقوم بتنفيذ حكم الله تعالى في الأرض.
والولي في اللغة: يطلق على الصديق والنصير والمحب، وهو يستعمل في معنى الفاعل، وفي معنى المفعول.
والولاية بالكسر: السلطان، والولاية بالفتح: النصرة، ويقال: تولى العمل أي: تقلده.
وفي الاصطلاح: الولاية هي الكلمة العامة التي أطلقها المسلمون على سلطة الحكم، وتشمل أجزاء كثيرة ومراتب عديدة، تتم بها إدارة الدولة وسياسة الحكم، ورعاية الأمة ومصالحها، من الإمامة العظمى أو الخلافة حتى أصغر الولايات أو الوظائف، كما نسميها في هذا العصر (٢).
ويطلق ولي الأمر في الاصطلاح على الولاة الذين يتولون أمور الرعية، وهم الأمراء وأصحاب السلطة، كما يطلق على العلماء أيضا.
واختلف في المراد بأولي الأمر في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣).
стр. 16656
فقيل: إنهم الأمراء والولاة، وقد أخرج هذا الطبري عن أبي هريرة ﵁، وأخرج نحوه عن ميمون بن مهران وغيره، وهو ما يرجحه البخاري، إذ ترجم لأول باب في كتاب الأحكام من الصحيح فقال: باب قول الله تعالى:. . . ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) ثم أورد حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني (٢)».
ويتأيد هذا المعنى بحديث رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة (٣)».
وقيل: إنهم العلماء، ونقل هذا عن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية، وعن جابر ﵁ قال: هم أهل العلم والخير (٤).
* وقد جمع بعض العلماء، بين المعنيين فقالوا: إن المراد بهم: الأمراء والعلماء، لأن الاسم يتناولهما، فللأمراء تدبير أمر الجيش والقتال. . .، وللعلماء حفظ الشريعة وبيان ما يجوز وما لا يجوز. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأولو الأمر: أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل الفهم والكلام، ولهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس).
стр. 16657
* ولقد أجمعت الأمة الإسلامية - إلا من شذ - على وجوب إقامة ولي الأمر (الحاكم أو الخليفة) شرعا، والأدلة على ذلك كثيرة من النصوص الشرعية كقوله ﷺ : «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته (١)».
*وعمدة الأدلة، بعد النصوص الشرعية، في إثبات وجوب الإمامة هو الإجماع، فهو دليل قاطع على ذلك منذ عهد الصحابة، لأن الصحابة عند وفاة رسول الله ﷺ بادروا إلى بيعة أبي بكر الصديق ﵁ وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر بعد ذلك.
كما أن نصب الإمام ضروري لدفع أضرار الفوضى، ولتنفيذ كثير من الواجبات الدينية التي لا يتولاها آحاد الأمة، ولن يتحقق العدل الكامل إلا بوجود إمام للمسلمين وبوجود خلافة لحمل كافة الناس على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إلى الأخروية أيضا، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
стр. 16658
المهمة الأساسية للدولة المسلمة:
* وإذا قامت الدولة الإسلامية التي يمثلها ولي الأمر، فإنها تضطلع بالواجب الأساس، وهو تطبيق شريعة الله تعالى وإفراده بالعبودية والحاكمية، تحقيقا لمقتضى الخلافة في الأرض، إذ أن الله تعالى إنما
стр. 16659
استخلف الإنسان في هذه الأرض ليقيم فيها حكم الله تعالى وشريعته، فالله هو الحاكم والمشرع وحده، حيث قال سبحانه:. . . ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) والسنة عند التحقيق راجعة إلى الكتاب الكريم.
*والدولة المسلمة هي الدولة التي تحقق العبودية لله تعالى وتطبق شرعه وأحكامه في كل مجالات الحياة، وترجع الأمر كله لله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢)، ولا تقوم هذه الدولة إلا بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله تعالى وفق ما قرره من شريعة مبينة، إذ أن التشريع والحاكمية من أخص خصائص الألوهية، فيجب أن يفرد بها الله تعالى.
(وقد بت الإسلام في مسألة الحاكمية القانونية وقضى أنها لله تعالى وحده، الذي لا يقوم هذا الكون، ولا تسير شئونه إلا حاكميته الواقعية، والذي له حق الحاكمية على الناس من غير مشارك ولا منازع، وذلك ما بينه القرآن الكريم وأبدأ في ذكره وأعاد في ما لا يكاد يعد ويحصى من آياته الكريمة، وبقوة من البيان لا يمكن أن يؤتى بمثلها لإثبات أمر ما، فقال سبحانه:. . . ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٤) وقد عبر عن الانحراف عن حكم الله تعالى بالكفر الصريح، فقال:. . . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥).
стр. 16660
*ويتضح من هذا وضوحا تاما أن الإسلام والإيمان إنما هما عبارة عن التسليم بحاكمية الله القانونية والإذعان لها، وما الجحود بها إلا كفر صريح (١).
стр. 16661
وولي الأمر يقوم بوظيفتين:
الأولى: إقامة الدين الإسلامي وتنفيذ أحكامه، والثانية: القيام بسياسة الدولة التي رسمها الإسلام، على أننا نستطيع أن نكتفي بالقول بأن وظيفة الخليفة هي إقامة الإسلام لأن الإسلام - كما علمنا - دين ودولة، فإقامة الإسلام هي إقامة للدين وقيام بشئون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام.
*وقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة تبين أن وظيفة الدولة الإسلامية - أو وظيفة ولي الأمر - هي أن تقيم المآثر والمكارم التي يجب أن تتحلى بها الحياة البشرية، وتبث الخير، وتبذل جهد المستطاع في رقيها وتعميم ميراثها، وأن تستأصل وتنفي عن الأرض كل ما يبغضه الله من الفواحش والمنكرات، وتطهرها من شوائبها وأدناسها، وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله تعالى.
*وقد أجمل الدكتور محمد عبد الله العربي ﵀ هذه الوظائف التي نصت عليها الآيات القرآنية الكريمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فقال:
стр. 16662
أول ما يفرضه هذا الإرشاد الإلهي على المجتمع الإسلامي هو إقامة هيئة تضطلع بأداء وظائف ثلاث:
الوظيفة الأولى: هي الدعوة إلى الخير، والدعوة إلى الخير إذا قامت بها الهيئة ذات السلطان في المجتمع فليس معناها مجرد الدعوة، بل العمل الإيجابي على تحقيق مقتضيات الخير للمجتمع، وإذن فالدولة الإسلامية لن تكون إلا دولة خيرة، دولة شعارها تحقيق فلاح المجتمع الإنساني في كل آفاقه.
والوظيفة الثانية: هي الأمر بالمعروف، والمعروف هو كل الأصول الكلية التي فرضها الله تعالى لصالح المجتمع الإسلامي، وكل ما يبنى عليها ويتفرع منها.
والوظيفة الثالثة: هي النهي عن المنكر، والمنكر هو كل ما نهت عنه النصوص والأصول الكلية، وكل ما يقاس عليها في إلحاق الضرر بالمجتمع (١).
وليس هذا حصرا لكل وظائف الدولة، وإنما هو بيان إجمالي لها، لأن الدولة تقوم بكثير من الواجبات والوظائف الإيجابية والسلبية.
* يقول الأستاذ المودودي: (إن الدولة التي يريدها الإسلام ليس لها غاية سلبية فقط، بل لها غاية إيجابية أيضا، أي ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض، وحفظ حرية الناس، والدفاع عن الدولة فحسب، بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذي جاء به كتاب الله، وغايتها في ذلك النهي عن جميع المنكرات التي ندد بها الله تعالى بها في آياته، واجتثاث شجرة الشر من
стр. 16663
جذورها، وترويج الخير المرضي عند الله تعالى، المبين في كتابه، ففي تحقيق هذا الغرض تستعمل القوة السياسية تارة، ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارة أخرى، ويستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورا، ويستعمل لذلك الرأي العام والنفوذ الاجتماعي طورا آخر، كما تقتضيه الظروف والأحوال. فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أن تحدد دائرة عملها، لأنها شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من الفروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص، فليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثني أمرا من أموره قائلا: إن هذا أمر شخصي خاص لكي لا تتعرض له الدولة.
وبالجملة: إن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي) (١).
ويقول أيضا: (ليست المهمة الحقيقية التي تتولاها الدولة الإسلامية في الأرض هي أن تعمل على إقامة الأمن والدفاع عن حدود البلاد أو رفع مستوى معيشة الأهالي، فما هذا هو الغرض الأقصى والغاية العليا من وراء قيام الدولة الإسلامية، فإن الميزة التي تميزها عن سائر الدول غير المسلمة هي أن تعمل على ترقية الحسنات التي يريد الإسلام أن يحلي بها الإنسانية، وتستنفذ جهودها في استئصال السيئات التي يريد الإسلام أن يطهر منها الإنسانية) (٢).
* فالدولة الإسلامية لا تقتصر وظيفتها على الوظيفة التقليدية، وهي حفظ الأمن الداخلي والخارجي وإقامة مرفق القضاء، ولا على التدخل أو
стр. 16664
الإشراف على الحياة الاقتصادية، ولكنها تتجاوز ذلك إلى التدخل لتنسيق الحريات الفردية في مجال الأخلاق بغية تأمين حياة خلقية أرقى، وفسح المجال لنمو الحياة الخلقية والروحية في الاتجاهات الخلقية السامية، وبذلك يدخل العنصر الأخلاقي في جملة العناصر التي تكون الدولة وأهدافها (١).
* وليس هناك ما يحد من اختصاصات الدولة ووظائفها، إذ أنها تقوم بعمل يؤدي إلى جلب المصالح ودفع المضار، وإلى إقامة القسط في حقوق الله وحقوق العباد، ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله.
ومن أجل ذلك تمارس الدولة أو ولاة الأمور عددا من الأعمال يمكن توزيعها في عدة ولايات، كولاية الحرب والقضاء والمال وغيرها، وهذا التوزيع والاختصاصات راجع إلى عرف الناس وليس له حد في الشرع (٢).
стр. 16665
واجبات الخليفة:
وقد عدد الماوردي، وكذلك القاضي أبو يعلى الفراء، واجبات الخليفة أو الإمام بما يعتبر أساسا لكثير من وظائف الدولة الإسلامية، ففي الأحكام السلطانية للماوردي يقول:
والذي يلزم الإمام من الأمور العامة عشرة أشياء:
الأول: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع، أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.