← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16661–16700 · переход к 16666.

стр. 16661

وولي الأمر يقوم بوظيفتين: الأولى: إقامة الدين الإسلامي وتنفيذ أحكامه، والثانية: القيام بسياسة الدولة التي رسمها الإسلام، على أننا نستطيع أن نكتفي بالقول بأن وظيفة الخليفة هي إقامة الإسلام لأن الإسلام - كما علمنا - دين ودولة، فإقامة الإسلام هي إقامة للدين وقيام بشئون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام. *وقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة تبين أن وظيفة الدولة الإسلامية - أو وظيفة ولي الأمر - هي أن تقيم المآثر والمكارم التي يجب أن تتحلى بها الحياة البشرية، وتبث الخير، وتبذل جهد المستطاع في رقيها وتعميم ميراثها، وأن تستأصل وتنفي عن الأرض كل ما يبغضه الله من الفواحش والمنكرات، وتطهرها من شوائبها وأدناسها، وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله تعالى. *وقد أجمل الدكتور محمد عبد الله العربي ﵀ هذه الوظائف التي نصت عليها الآيات القرآنية الكريمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فقال:

стр. 16662

أول ما يفرضه هذا الإرشاد الإلهي على المجتمع الإسلامي هو إقامة هيئة تضطلع بأداء وظائف ثلاث: الوظيفة الأولى: هي الدعوة إلى الخير، والدعوة إلى الخير إذا قامت بها الهيئة ذات السلطان في المجتمع فليس معناها مجرد الدعوة، بل العمل الإيجابي على تحقيق مقتضيات الخير للمجتمع، وإذن فالدولة الإسلامية لن تكون إلا دولة خيرة، دولة شعارها تحقيق فلاح المجتمع الإنساني في كل آفاقه. والوظيفة الثانية: هي الأمر بالمعروف، والمعروف هو كل الأصول الكلية التي فرضها الله تعالى لصالح المجتمع الإسلامي، وكل ما يبنى عليها ويتفرع منها. والوظيفة الثالثة: هي النهي عن المنكر، والمنكر هو كل ما نهت عنه النصوص والأصول الكلية، وكل ما يقاس عليها في إلحاق الضرر بالمجتمع (١). وليس هذا حصرا لكل وظائف الدولة، وإنما هو بيان إجمالي لها، لأن الدولة تقوم بكثير من الواجبات والوظائف الإيجابية والسلبية. * يقول الأستاذ المودودي: (إن الدولة التي يريدها الإسلام ليس لها غاية سلبية فقط، بل لها غاية إيجابية أيضا، أي ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض، وحفظ حرية الناس، والدفاع عن الدولة فحسب، بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذي جاء به كتاب الله، وغايتها في ذلك النهي عن جميع المنكرات التي ندد بها الله تعالى بها في آياته، واجتثاث شجرة الشر من

стр. 16663

جذورها، وترويج الخير المرضي عند الله تعالى، المبين في كتابه، ففي تحقيق هذا الغرض تستعمل القوة السياسية تارة، ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارة أخرى، ويستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورا، ويستعمل لذلك الرأي العام والنفوذ الاجتماعي طورا آخر، كما تقتضيه الظروف والأحوال. فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أن تحدد دائرة عملها، لأنها شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من الفروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص، فليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثني أمرا من أموره قائلا: إن هذا أمر شخصي خاص لكي لا تتعرض له الدولة. وبالجملة: إن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي) (١). ويقول أيضا: (ليست المهمة الحقيقية التي تتولاها الدولة الإسلامية في الأرض هي أن تعمل على إقامة الأمن والدفاع عن حدود البلاد أو رفع مستوى معيشة الأهالي، فما هذا هو الغرض الأقصى والغاية العليا من وراء قيام الدولة الإسلامية، فإن الميزة التي تميزها عن سائر الدول غير المسلمة هي أن تعمل على ترقية الحسنات التي يريد الإسلام أن يحلي بها الإنسانية، وتستنفذ جهودها في استئصال السيئات التي يريد الإسلام أن يطهر منها الإنسانية) (٢). * فالدولة الإسلامية لا تقتصر وظيفتها على الوظيفة التقليدية، وهي حفظ الأمن الداخلي والخارجي وإقامة مرفق القضاء، ولا على التدخل أو

стр. 16664

الإشراف على الحياة الاقتصادية، ولكنها تتجاوز ذلك إلى التدخل لتنسيق الحريات الفردية في مجال الأخلاق بغية تأمين حياة خلقية أرقى، وفسح المجال لنمو الحياة الخلقية والروحية في الاتجاهات الخلقية السامية، وبذلك يدخل العنصر الأخلاقي في جملة العناصر التي تكون الدولة وأهدافها (١). * وليس هناك ما يحد من اختصاصات الدولة ووظائفها، إذ أنها تقوم بعمل يؤدي إلى جلب المصالح ودفع المضار، وإلى إقامة القسط في حقوق الله وحقوق العباد، ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله. ومن أجل ذلك تمارس الدولة أو ولاة الأمور عددا من الأعمال يمكن توزيعها في عدة ولايات، كولاية الحرب والقضاء والمال وغيرها، وهذا التوزيع والاختصاصات راجع إلى عرف الناس وليس له حد في الشرع (٢).

стр. 16665

واجبات الخليفة: وقد عدد الماوردي، وكذلك القاضي أبو يعلى الفراء، واجبات الخليفة أو الإمام بما يعتبر أساسا لكثير من وظائف الدولة الإسلامية، ففي الأحكام السلطانية للماوردي يقول: والذي يلزم الإمام من الأمور العامة عشرة أشياء: الأول: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع، أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.

стр. 16666

الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين. حتى تعم النصفة، فلا يعتدي ظالم ولا يضعف مظلوم. الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم، ليتصرف الناس بالمعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال. الرابع: إقامة الحدود، لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك. الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرما أو يسفكون لمسلم أو معاهد دما. السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله. السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا أو اجتهادا، من غير خوف ولا عسف. الثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقته لا تقديم فيه ولا تأخير. التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة. العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض، تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح (١).

стр. 16667

وظائف الدولة ، تفصيلا: وإذا أردنا شيئا من التفصيل والتنظيم لهذه الوظائف التي عددها العلماء قلنا: إن الدولة تقوم بالوظائف التالية: أولا: الوظيفة الدينية: * وهي أهم الوظائف وأولاها، بل إن إقامة الإمامة نفسها وظيفة دينية، يقوم بها مجموع الأمة الإسلامية، والمقصد الأول من إنزال الشريعة هو حفظ الدين، يقول الشاطبي، ﵀: " تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: " أحدها " أن تكون ضرورية، و " الثاني " أن تكون حاجية، " والثالث " أن تكون تحسينية. والضرورية معناها: أنه لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. . . ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قال العلماء: إنها مراعاة في كل ملة من الملل (١). ويقول الغزالي: " ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم (٢). فالاتفاق حاصل بين العلماء على أن الدين له المرتبة الأولي بين هذه الضروريات، ولما كان واجب الدولة أن تحقق المصلحة بحفظ هذه الضروريات كان من أول وظائفها حماية الدين ونشره وذلك بنشر عقيدة

стр. 16668

التوحيد التي تحرر البشر من الوثنية والعبودية لغير الله تعالى، بكل صورها. وإلى هذه الوظيفة أشار الماوردي بقوله عن الواجب الأول للإمام: (حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة). * وليس معنى هذا أن سائر الوظائف لا علاقة لها بالدين، لأن الإسلام يمزج بين الدين والحياة وبين الوظيفة الدينية وغيرها من الوظائف، مزجا رائعا متكاملا، حتى أن كل الوظائف التي تقوم بها الدولة أصبحت وظائف دينية، يقول ابن القيم ﵀ عن ولاية القضاء وولاية الحرب والحسبة والمال، يقول (١): " جميع هذه الولايات، في الأصل، ولايات دينية ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية من هذه الولايات وساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأمراء الأبرار العادلين، ومن حكم فيها بجهل وظلم فهو من الظالمين المعتدين ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٢) ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٣).

стр. 16669

ثانيا: الوظيفة الخلقية: * حيث تقوم الدولة بتنظيم حياة المجتمع الخلقية بإزالة المنكرات التي تفسد الأخلاق، والتي حرمتها الشريعة، وتقوم بتهيئة الجو الصالح لارتقاء الناس خلقيا، وتهذيب نفوسهم، والتدخل في أعمال الأفراد الضارة بأخلاق الناس المفسدة لهم. *وهذه الوظيفة هي التطبيق العملي لأصل جامع كبير وهو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وعليه يتوقف صلاح أمر الدين والدنيا، وقد

стр. 16670

تواردت الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة صريحة في الدعوة إليه، فقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢). . . الخ. وقال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٣)». وقال أيضا: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم (٤)». وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: " يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه (٦)». *وانطلاقا من هذا المبدأ العظيم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نشأت ولاية الحسبة وولاية المظالم، لتقوم كل منهما بأداء هذا الغرض في صورة رسمية نيابة عن الدولة التي تتولى هذه المهمة عندما يتقاعس عنها

стр. 16671

الأفراد، ويقول ابن خلدون عن ولاية الحسبة: (هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعين لذلك من يراه أهلا له، فيتعين فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك، ويبحث عن المنكرات، ويعزر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة) (١).

стр. 16672

ثالثا- الوظيفة السياسية: *تقوم الدولة أيضا بوظيفة سياسية، فهي مسئولة عن تطبيق النظام السياسي في الإسلام وتنفيذ قواعده ومبادئه، حيث يشاور ولي الأمر أهل الحل والعقد، ولا يقطع أمرا دون مشورتهم، كما أن عليه أن ينظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، ويوفد السفارات ويستقبل السفراء، ويعقد المعاهدات، وعليه أن يحافظ أيضا على الأمن الداخلي في البلاد ويكفل كل أسبابه ليهيئ لشعبه حياة مستقرة آمنة. *وحسبنا هذه الإشارة إلى هذه الوظيفة، مع الإشارة إلى أن هناك مؤلفات خاصة كتبها علماؤنا في القديم والحديث لبيان أصول النظام السياسي الإسلامي وقواعده.

стр. 16673

رابعا - الوظيفة الاجتماعية: *ومن وظائف الدولة الإسلامية أيضا: الوظيفة الاجتماعية، إذ يجب على الدولة أن تقوم بإيجاد الوسائل التي يتحقق بها العمران، وتوفر أسباب المعيشة للناس، وبها تكثر الثروة وينمو الإنتاج، وهذا مما يدل دلالة

стр. 16674

قاطعة على أن الإسلام دين إنشاء وتعمير، وتهمه شئون الدنيا، في إطار الدين، كما تهمه شئون الدين نفسه. *وقد نص العلماء على وجوب القيام بكثير من الأعمال والصنائع التي تهيئ للمجتمع حياة طيبة اجتماعية، وتضمن له التقدم والازدهار والحفاظ على الصحة والعلاقات والروابط الاجتماعية العامة، والقيام بالصناعات والحرف الضرورية للمجتمع، ويجبر من يمتنع عن ذلك ممن يتعين للقيام بهذه المهن الضرورية، وتضمن الدولة نفقات كثيرة من هذه الواجبات.

стр. 16675

خامسا الوظيفة الثقافية والتربوية: * وتقوم الدولة أيضا بوظيفة تربوية وثقافية، حيث تهيئ للمواطنين كل أسباب التعليم والثقافة، وتربيهم على المبادئ الإسلامية، ومن هنا أوجب علماء الإسلام القيام بكثير من فروض الكفاية فيما يتعلق بالجانب التربوي والتعليمي. قال النووي، ﵀: (ومن فروض الكفاية: القيام بإقامة الحج وحل المشكلات في الدين، والقيام بعلوم الشرع كالتفسير والحديث والفقه بحيث يصلح من يقوم به للقضاء. . .) (١). وقال الغزالي (أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، إذ هو ضروري في حالة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات، وكذلك أصول الصناعات) (٢). " وفي تبيين المحارم "، من كتب الحنفية، يقول: (وأما فرض الكفاية

стр. 16676

من العلم: فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، (كالطب والحساب والنحو واللغة والقراءات، وأسانيد الحديث، وقسمة المواريث، والكتابة والمعاني والبيان والبديع والأصول ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، وأصول الصناعات والفلاحة والحياكة والسياسة والحجامة) (١). *وتكفل الدولة القيام بهذه الفروض، ولها في ذلك أسوة حسنة في رسول الله ﷺ ، وهو رئيس الدولة الإسلامية الأولى، حيث كان يشجع التعليم باللقاء مع أصحابه وتعليمهم وإرشادهم وتربيتهم، وقد طلب من أسرى بدر المشركين أن يعلم كل واحد منهم، ممن لم يجد الفداء، عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.

стр. 16677

سادسا: الوظيفة الدفاعية: * الدفاع عن الدين والوطن، وتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله تعالى، من أهم الواجبات للدولة الإسلامية، فهي تقوم بهذه الوظيفة مستهدفة حماية حرية نشر العقيدة الإسلامية وتأمين حدود الدولة من أي اعتداء خارجي، وفي هذا ضمان لإزالة كل العقبات التي تقف في طريق تحرير الإسلام للإنسان من كل عبودية لغير الله تعالى، ولذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد في سبيل الله " ومقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل - باتفاق المسلمين - وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير والأعمى، والزمن، ونحوهم، فلا يقتل عند الجمهور من العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى

стр. 16678

إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين، والأول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار الدين ". * وقد روى أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ «كان إذا بعث جيشا قال: انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا صغيرا ولا امرأة (١)». وقال لخالد بن الوليد ﵁: «لا تقتلن امرأة ولا عسيفا (٢)». وإلى هذه الوظيفة أشار الماوردي عن الواجب الخامس للإمام، فقال: " تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظهر الأعداء بغرة، فينتهكون فيها محرما، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهدا دما ". وقال: " السادس - من واجبات الإمام -جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، ليقام بحق الله في إظهار الإسلام على الدين كله " (٣).

стр. 16679

سابعا: الوظيفة القضائية وإقامة العدل: *العدل قوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به، ومن هنا كان من واجب الدولة أن تقيم العدل، وقد أوجب الإسلام على المسلمين أن

стр. 16680

يعدلوا في شئونهم كلها، حتى مع الأعداء، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (١). وقال سبحانه:. . . ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). *والقضاء من أعظم الفرائض التي اهتم بها علماء المسلمين، ونوهوا بجليل خطره، ووضعوا لمن يتولاه الشروط الدقيقة الخاصة، وحددوا اختصاصات القاضي، وعنوا بإجراءات التقاضي وواجبات القاضي، ونظموا كل ما يتعلق بالنظم القضائية. * والغرض من القضاء: إقامة العدل، ورفع الخصومات، وتنفيذ أحكام الشريعة، والأخذ على أيدي أهل الفساد، وإعطاء كل ذي حق حقه، ليستتب الأمن وتصان مصالح المجتمع، ويتفرغ الناس لما يصلحهم دينا ودنيا. *يقول ابن خلدون: " وأما القضاء، فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة، لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي، وقطعا للتنازع " (٣). *وكتاب سيدنا عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء أصل في ذلك، وفيه جملة طيبة من قواعد القضاء وأحكامه، وفيه يقول: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي

стр. 16681

إليك لأنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلس عدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين. . . ويتفرع عن القضاء ولاية المظالم، " وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين، وتزجر المعتدي ".

стр. 16682

ثامنا - الوظيفة الإدارية: تقوم الدولة بنشاط إداري يشمل - بصفة عامة -جميع أوجه إقامة المصالح وجلبها، ومنع المفاسد ودرئها، وذلك سواء بالأعمال ذات الطبيعة الاجتهادية، أو بالأعمال ذات الطبيعة القضائية، وهي الفصل في الخصومات، أو بالأعمال الإدارية المحضة، ومشارفة الأمور ومراقبة سير العمل. *وإن عمل الإدارة في النظام الإسلامي: أن تطبق الشريعة الإسلامية فيها تقوم به من عمل بإنشاء المراكز للأفراد، أو بإصدار الأوامر الملزمة لهم أو بغيره، كمنح المزايا أو تغيير الوصف أو تقييده، وبإصدار القواعد التنظيمية اللازمة لتطبيق الشريعة، ويصح أن يكون عمل الإدارة تنفيذا ماديا.

стр. 16683

وليس الفصل تاما بين السلطة القضائية والإدارية، إذ لا يمتنع أن تقوم السلطة الإدارية بإصدار الأحكام في منازعات قضائية، وإن قام عمل شبه مستقر على أن هناك أمورا يقوم بها الوالي - ممثلا للسلطة الإدارية -وأخرى يقوم بها القاضي، وليس لذلك حد في الشرع، إذ أن العرف والأحوال يحكمان في ذلك. ويشير الماوردي إلى هذه الوظيفة بقوله: " استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال. . ". ويقول: ". . أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ".

стр. 16684

تاسعا: الوظيفة الاقتصادية: تلكم هي أهم الوظائف العامة التي تضطلع بها الدولة، ولما كان تدخل الدولة في المجال الاقتصادي قد ازداد في هذا العصر، واتسعت سلطات الدولة في هذا المجال، فمن المناسب أن نخصص لوظيفة الدولة من الناحية الاقتصادية بحثا برأسه لما لذلك من أهمية بالغة، ونسأل الله تعالى أن يعين على التمام. والحمد لله رب العالمين.

стр. 16685

عادات وافدة يجب الحذر منها بقلم د. محمد بن سعد الشويعر (١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المهتدين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: - فيقول ﷺ : «لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن (٢)» قال الراوي: أي فمن المعني غيرهم. ومن العادات الوافدة على المجتمع الإسلامي وينميها بعض المثقفين في البيئات الإسلامية يدرك المتابع للأمور أن هناك أشياء سار فيها الناس تقليدا لمنحى يغاير منحى الإسلام، ففي شهر أبريل مثلا الذي اقترن بكذبة أبريل المشهورة لدى المثقفين ثقافة غربية، والتي نراها متفشية في كثير من دول الإسلام حيث اعتادها بعضهم واقترنت بهذا الشهر كلازمة من لوازمه أحيانا بالمزاح ويسمونها الكذبة البيضاء، وطورا بالجد، فيقع بذلك مشكلات عديدة، وأمور لا تحمد عقباها.

стр. 16686

كما يلمس المسافر لبلاد الغرب من يتشاءم من الرقم (١٣)، بحيث إنه من المألوف وجود عمارات يغفل في مصاعدها الرقم (١٣)، كما يتجاهلون ذلك الرقم في أدوار المباني، وفي أرقام الدور، وفي الهواتف وكل ما له صلة بالإنسان في تعامله، وبكل أسف سرت هذه العادة في ديار الإسلام، حيث لاحظت في إحدى المدن في دولة إسلامية وجود عمارة لا يضاء الدور (١٣) ليلا مما يدل على أنه غير مسكون وأمثال هذا كثير، سواء كانت كلمات وافدة تقال باللسان، مثل نجا من الموت بأعجوبة، أو تصرفا بين الناس ككذبة أبريل، أو لعبة للأطفال ترسخ نتائجها مع الحدث المقترنة به، كبابا نويل، أو حادثة ترتبط بحياة الإنسان، ولادة ونجاحا، وغيرها من المناسبات ذات الأثر الراسخ كشموع عيد الميلاد، ومظاهر رأس السنة الميلادية، وإطفاء الأنوار في ليلتها، وغير ذلك من أمور بدأ يستحسنها الناس مبدئيا، ثم يقلدونها عملا. ومثل ذلك ما يتشاءم منه بعضهم من أمور لأنه يرمز إلى حادثة بعينها، وجذور عميقة يجب ترسيخها في النفوس، وهي تعني عندهم أمرا يتغاير عما ترمي إليه تعاليم الإسلام، وغير هذا من أمور كثيرة يلمسها المتابع أثرا في الأجيال، وثقافة يهتم بها وينميها نوعيات من أبناء المسلمين - كما أسلفنا - ممن درس في بلاد الغرب، وتشبع بثقافتهم، ونسي منبعه الأساسي في الثقافة، ومرتكزه المكين في الدين والعلم، ثم يتبعهم في ذلك

стр. 16687

بعض العوام من باب التقليد، ذلك الأساس الذي يستمد من مصادر علوم الإسلام، وما أبانه علماء المسلمين، أشياء صائبة، فيما يجب على المسلم اعتقاده، والعمل بموجبه، في أمور حياته، وما يعود عليه في أخراه بالأجر والجزاء الدائم. والمسلمون أمة أصيلة في منبع ثقافتها، ومكينة في حسن توجيهها، ولذا فإنه يجب على كل فرد أن يمحص كل أمر يمر به حتى لا يخدع ويطعن في دينه من حيث يدري أو لا يدري، وحتى لا يرسخ في أذهان الناشئين ما ليس له أصل في معتقد دينهم، وأساس نجاتهم وسعادتهم. بل الأدهى من ذلك، ما يكون فيه محاربة للدين، وخروج على تعاليمه، وما يجب أن يكون عليه منهج أبنائه، والناس لا يتبصرون في النتائج، ونضرب لذلك مثلا بما يوجد على ألسنة كثير من أبناء المسلمين في كلمات تباعدهم عن الدين، ويستمرئونها كلاما فيما بينهم، ونقلا في وسائل الثقافة، وترديدا في وسائل الإعلام وهم عنها غافلون، وبعض العلماء من حولهم لا ينتبهون إلى ذلك، إخلالا برسالة الله التي حملهم إياها رب العزة والجلال، كالحلف بغير الله، ودعاء القبور، والتماس المدد من أصحابها، وسب الدين والتطاول على رب العزة والجلال، والعتب على قضاء الله وقدره، عندما يموت عزيز لديهم، أو تنزل بهم مصيبة، وبدع الموالد وغير هذا من أمور كثيرة بدأ يكبر أثرها، وتتسع دائرتها. ولذا فقد كانت أمانة العلم،

стр. 16688

ومسئولية القلم تحتمان علي وعلى كل قادر المشاركة في هذه الزاوية تنبيها وتوضيحا وهو جهد المقل، في إبانة بعض الأمور التي يجب على المسلم أن يحذر منها، وأن ينتبه لخطرها على عقيدته التي هي أعظم شيء يجب أن يحرص عليه اهتماما وتطبيقا لعظم المسئولية على أهل العلم، وأرباب التعلم والفكر، في تجلية مسببات هذه الأمور، ولفت نظر الغافل إليها، وإبانة ما وراءها من نتائج، مع الاهتمام بالإشارة إلى المعالم التي تحذر ناشئة المسلمين من الركون إليها دون وعي أو روية بحيث تصبح صغائر الأمور (١) مع الزمن لديهم كبائر، ومع توسع المدارك تكون الأمور التي أخذت تقليدا ثقافة راسخة، وجزءا من العادات التي يصعب التخلص منها كما يقول الشاعر: - وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه وجزى الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب خيرا فقد أوضح في كتابه: "كتاب التوحيد" أمورا كثيرة مهمة في عقيدة المسلم الحريص، ولما كنت لا أزال طالب علم، وفي الساحة من هو أعلم مني وأقدر فقد أحببت أن أشارك من هذا المنطلق بما توصلت إليه بعد أن استعنت بالله ورأيت بدء هذا الموضوع بالرقم ثلاثة عشرة الذي يتشاءم به كثيرا من الناس. وكان مبعث هذا وجهة نظر دارت بيني وبين أخ كريم،

стр. 16689

عندما مررنا بتلك البناية في أحد الشوارع في مدينة كبيرة، وكانت جولة ليلية، تخللها حديث ذو شجون، فقال هذا الأخ: ارفع رأسك إلى هذه البناية، وأخبرني عما تلاحظ فيها. فرفعت رأسي، ثم أعدت النظر إلى المتحدث قائلا: لم ألحظ شيئا، إنها بناية جميلة سامقة الارتفاع في السماء تتلألأ الأنوار من داخلها، فتزيدها جمالا، وتضفي عليها ثوبا قشيبا، هو حلية المباني الحديثة وبهاؤها. قال: ألم يلفت نظرك فيها شيء؟ قلت: أبدا، ولكن أعني عما تريد؟. قال: انظر إلى أدوارها ولاحظ واحدا غير مضاء وحدد رقمه في المبني. فأعدت النظر وبدأت أطبق ما قال، وإذا بي أخرج بالنتيجة: إنه الدور الثالث عشر غير مضاء من بين أدوار هذه البناية المتعددة، فقلت له عن هذه النتيجة. قال: ألا تعلم أن كثيرا من بلاد الغرب والشرق لا يسكنون الدور الثالث عشر، ويتشاءمون منه فنبهني صاحبي إلى أمر مهم بدأت عدواه تستشري في كثير من ديار المسلمين، ومنها هذا المعتقد الذي أصله قديم في بلاد النصارى، قدم صراع الإسلام مع النصرانية. وما ذلك إلا أن التشاؤم عندهم في بلاد الغرب يقترن بالتشاؤم من يوم الجمعة. وساقوا ذلك ضمن ما ساقوا من أمور

стр. 16690

هي من قشور ثقافتهم، إلى بلاد الإسلام، حيث تلقف ذلك نفر من أبناء المسلمين، فدفعوه إلى بني جلدتهم بضاعة مزجاة، طغى أثره عند ذوي الثقافة المحدودة والقصور العلمي.

стр. 16691

يوم الجمعة: لكن لما كان يوم الجمعة في البيئة الإسلامية له مكانة راسخة مقترنة بما جاء في فضل هذا اليوم من نصوص شرعية، فإن المستعمرين من الغربيين لم يستطيعوا اقتلاع مكانته من قلوبهم سواء لدى الطبقة المتعلمة المرتبطة بهم أو لدى العامة والفلاحين وأبناء البوادي، واكتفوا في تخفيف مكانته، بجعله يوم عمل، ونقل الإجازة الأسبوعية إلى يوم الأحد الذي هو راحة النصارى في كل مكان، مما جعل بعض المرتبطين بهم ثقافة - من أبناء الإسلام - يتهاونون في أداء صلاة الجمعة مثلما حصل من مثقفي النصارى، بإهمالهم الذهاب إلى الكنائس يوم الأحد. وأخذا من دلالة الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) تراهم يجدون ويجتهدون في التماس المداخل التي تزعزع عقيدة المسلم وتضعف الوازع الديني في قلبه شيئا فشيئا، مساهمة في نقض عرى الإسلام الذي أخبر عنه المصطفى ﷺ ، ويكبر فرق هذه الدائرة اتساعا كلما غفل المسلمون عن دينهم، وكلما تساهل المدركون عن مكافحة الأمور الوافدة على منهج الإسلام السليم، والخارجة عن إطار تعاليمه.

стр. 16692

ولا شك أن مبعث ذلك ضعف الوازع الديني وقلة النهل من منبع العلم الشرعي. فالنصارى عندما استعمروا بلاد المسلمين سكتوا عن التشاؤم من يوم الجمعة حتى لا يثيروا الرأي العام المسلم رغم أن هذا اليوم يمثل هزيمة لهم في كثيرا من معاركهم مع المسلمين، لأنه بشارة خير ترتبط بكل فتح إسلامي. فصلاح الدين الأيوبي دخل القدس في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب عام ٥٨٣هـ (١)، بعد استسلامها، وإذلال الله للصليبيين، حيث عبر والمسلمون معه شكرهم لله جل وعلا على هذا النصر أن صلى بهم أول جمعة على منبر صنع لهذا الغرض قبل عشرات السنين، وجيء به من حلب لهذه الغاية. كما كان دخول المسلمين لمدن الشام مع القائد أبي عبيدة بن الجراح، ثم بعد مجيء عمر بن الخطاب ﵁ لاستلام القدس في أيام الجمع من عام ١٣هـ. ثم فيما بعد كان دخول المسلمين لكبريات المدن في فلسطين من ديار الشام التي استرجعت من الصليبيين، حيث كانت صلاة الجمعة تمثل احتفالا جماهيريا وشكرا لله بنصرهم عليهم. كما كان دخول محمد الفاتح القسطنطينية بعدما فتحها الله على يديه يوم الجمعة حيث صلى في أكبر كنائسها - أيا صوفيا - بعدما حولها إلى مسجد وطمس كل ما فيها من صور وتماثيل.

стр. 16693

كل هذا يتم في غالبية الوقائع بين المسلمين والنصارى، حيث يهتم المسلمون بيوم الجمعة عقيدة وعبادة وصلاة، فينوه الخطباء بما أفاء الله عليهم من النصر شكرا لله، وعرفانا بنعمه عليهم وتبيانا للمسلمين ما يجب عليهم من النصر شكرا لله وعرفانا بنعمه عليهم وتبيانا للمسلمين ما يجب عليهم أداؤه؛ لأن بالشكر تدوم النعمة. وبالتتبع لهذا ولغيره مما رصد تأريخه يتضح أن يوم الجمعة بالنسبة للمسلمين ما هو إلا بشارة خير، أما الصليبيون فإنهم يرونه نذير شؤم حسبما رصده مؤرخوهم، وشددوا فيه؛ لأن رايتهم فيه مهزومة ومع هذا لم يجدوا بغيتهم التي لا تزال جذورها في بعض ديار المسلمين باقية ويذكيها عقول رضعت لبانهم رغم ذهاب المستعمر وانتهاء سلطته العسكرية، إلا بجعل يوم الجمعة يوم عمل، وتحويل عطلة الأسبوع إلى يومي السبت والأحد، السبت لمكانته عند اليهود والأحد لمكانته عند النصارى وذلك من أجل محاولة إشغال المسلمين عن وظيفة الجمعة حيث أخبر ﷺ أن من خصائص أمة محمد ﷺ يوم الجمعة، هداهم الله إليه بعد أن غفلت عنه اليهود والنصارى: فاليهود اتخذوا السبت، والنصارى اتخذوا الأحد (١)

стр. 16694

الرقم ثلاثة عشر: - وقد بقي الرقم ثلاثة عشر رمزا للتشاؤم في مجتمعاتهم، وسرى أثره إلى بعض ديار المسلمين، حيث نقرأ بين حين وآخر، لكبار

стр. 16695

الكتاب في بعض المجتمعات الإسلامية، ممن يعتبرون رعيلا أولا في ريادة القلم، وتوجيه الكلمة، يذكرون دور هذا الرقم مقرونا بالتشاؤم، واهتمام بعضهم بمسحه من أرقام تعاملهم، بل ويشددون في التنفير منه. فإن أخذ أحدهم رقما هاتفيا تحاشى أن يبدأ أو ينتهي بثلاثة عشر وإن أعطي رقما لسيارته أو منزله حرص جاهدا ألا يكون فيه هذا الرقم، وهكذا شئون تعامله العديدة. وبصرف النظر عن جذور ذلك الرقم عند النصارى، واقترانه بهزائم الصليبيين أمام المسلمين في حروبهم العديدة، كما سنوضح نماذج من ذلك، فإن الإسلام ينهى عن التشاؤم، حيث يقول ﷺ «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: يا رسول الله وما الفأل؟ قال: " كلمة طيبة (١)» أخرجه البخاري ومسلم. كما يأمر بحسن التوكل على الله، وتسليم الأمور إليه، فالله يحب المتوكلين، كما أن من أركان الإيمان الستة: (الإيمان بالقدر خيره وشره). وعن الرقم ثلاثة عشر، فقد جاءت فكرته عندهم، من جمع أرقام الآحاد والعشرات والمئات والألوف، إن كان في الرقم ألوفا من كل سنة ميلادية، حصل فيها انهزام للصليبيين في حروبهم

стр. 16696

أمام جيوش المسلمين، ليصبح الرقم ١٣، هو حاصل الجمع، وهذا فيه مداخل التنجيم والتشاؤم من مطالع النجوم الذي ينهى عنه الإسلام. ولكي يدرك المسلم هذا السر الذي رسخه مؤرخوهم القدامى، وبثوا في قلوب قادتهم التخوف من هذا الرقم، وما يحمل من نذائر شؤم أيده المنجمون عندهم، وأن عليهم ألا يقدموا على أي معركة، يبرز في مجموع سنواتها الرقم ١٣، ويشتد الأمر إذا اقترن هذا الرقم مع يوم الجمعة، لما في ذلك من نذارة الهزيمة، إذ لذلك نماذج في حياتهم، من حيث التشاؤم بالطالع والزاجر، كما كانت تعتقد العرب في جاهليتها، حيث مقت ذلك رسول الله ﷺ وحذرت منه تعاليم الإسلام، إبعادا وتشديدا. وسأورد هنا على سبيل المثال لا الحصر، النماذج التالية: - ١ - في عام ٥٢٤هـ ذكر ابن الأثير في تاريخه أن عماد الدين زنكي أمر عسكره أن يتجهزوا للغزو، وقصد حلب، فقوي عزمه على قصد حصن الأثارب، ومحاصرته لشدة ضرره على المسلمين، وكان من به من الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها، ويضيقون عليهم معيشتهم، فأظفره بمن فيه، وتسلم الحصن عنوة، وضعفت قوى الصليبيين بعد ذلك حيث انهزموا في كثير من ديار المسلمين بالشام (١).

стр. 16697

وهذا التاريخ يوافق بالإفرنجي عام ١١٢٩ م ولو جمعنا أرقام هذا العام لخرجت ١٣ هكذا (٩+٢+١+١=١٣). ٢ - ذكر الدكتور سالم الرشيدي في كتابه محمد الفاتح الذي قدم لطبعته الثانية الشيخ علي الطنطاوي: أ - أن العثمانيين حاصروا أمير جزيرة لسبوس الجنوبي عام ٨٦٧ هـ، وكان فيها المؤرخ جان دوكاس الذي ينتمي لإحدى الأسر البيزنطية العريقة في السيادة (الإمبراطورية) فدكوا أسوارها بالمدافع، وسقطت في أيديهم، وانهزم النصارى، وقد روي أن المذكور قد كتب تاريخه في ذلك العام. فنفث فيه سمومه ضد المسلمين (١). وهذه السنة تعتبر في نظر ذلك الكاتب نهاية الدولة البيزنطية على أيدي المسلمين عام ١٤٦٢ م الذي هو عام ٨٦٧ هـ، وبجمع أرقام ذلك التاريخ الميلادي، يخرج ثلاثة عشر (٢+٦+٤+١=١٣). ب - أن السلطان محمد الفاتح، قد استولى على القسطنطينية عاصمة الرومان، حيث سقطت أمام جيوشه عام ٨٥٧ هـ بعد حصار طويل وقوي، تهاوت معه قلاع الصليبيين وقوتهم، وكان فتحا مبينا للمسلمين، واستبشروا به، وتحولت معه أكبر كنائس النصارى في هذه المدينة المسماة (أيا صوفيا) إلى مسجد، صلى فيه محمد الفاتح بمن معه من المسلمين الجمعة

стр. 16698

الأولى في تاريخ هذه المدينة، حيث أصبحت من هذا التاريخ قاعدة إسلامية تهز حصون الصليبيين وتقض مضاجعهم - أسطامبول -، أي مدينة الإسلام. وكان من المحصورين فيها، وممن شهد سقوطها المؤرخ (جورج فرانترتس) صديق الإمبراطور قسطنطين وأمينه، وصاحب مشورته الذي يعتد برأيه، وهو رجل حقود انعكس تاريخه على كل منافس له، فكيف بمن استولى على بلده (١). وهذه السنة توافق بالميلادي عام ١٤٥٣ م، وبجمع هذه الأرقام يخرج الناتج ثلاثة عشر، (٣+٥+٤+١=١٣). ٣ - أما نشاط الدولة الأموية في الأندلس ومجيء عبد الرحمن الداخل الذي أصبحت جذور أعماله وتمكينه للقاعدة الإسلامية هناك قوية مما أزعج الإفرنج فقد كان في عام ١٣٤ هـ بعد قيام الدولة العباسية في بغداد، وسقوط الدولة الأموية في دمشق، وهذا التاريخ يوافق في تاريخ الإفرنج عام ١١٨٣ م وبجمع أرقام هذا التاريخ يخرج الناتج ثلاثة عشر (٣+٨+١+١=١٣). ٤ - أما الرجل الثاني في توطيد أركان دولة الإسلام في الأندلس القائد المظفر الذي لم تنهزم له راية أمام الإفرنج، حتى أنه ألجأهم إلى جبال البرانس في الشمال، وحقد عليه مؤرخوهم، كما ذكر ذلك المؤرخ: محمد عبد الله عنان في كتابه (دولة الإسلام في الأندلس) فهو عبد الرحمن الناصر بن الحكم، وقد استهل حروبه

стр. 16699

معهم عام ٣٠٠ هـ. وهذا التاريخ يوافق بتاريخ الإفرنج عام ٩١٣ م. وبجمع أرقامه يصبح التاريخ ثلاثة عشر (٣+١+٩=١٣) مع أن رقمي الآحاد والعشرات أيضا هما رقما ١٣ وهكذا لو سرنا مع وقائع التاريخ والحروب الصليبية فإننا سنجد ارتباطا وثيقا بين الحوادث التي اهتم بها مؤرخوهم، وبين هذا الرقم، الذي اعتبروه شؤما عليهم، لأن كل راية لهم ترفع أمام راية الإسلام تسقط بتوفيق الله، ودولتهم أمام زحف المسلمين تتزحزح، وعزمهم أمام مكانة الإسلام وعزته ينخذل. ولنأخذ أمثلة أخرى، ففي عام ١٣ هـ حيث فتحت مدن الشام: دمشق، بيسان، طبرية وغيرها حسبما ثبت تاريخيا، حيث طرد الروم من الشام إلى الأبد، عندما قال أحد قوادهم سلام عليك يا سوريا سلاما لا رجعة بعده أبدا، فإنها توافق بتاريخهم الميلادي ٦٣٤ م وبجمع أرقام هذا التاريخ تظهر النتيجة ١٣ (٤+٣+٦ = ١٣) (١). وحوادث عام ٥٧٩ هـ، حيث غزا صلاح الدين الأيوبي، بلاد الكرك وطرد الصليبيين منها، وفيها تم حصار قلعة البيرة بالشام واستلام صاحبها، وهي من معاقل الصليبيين الهامة لقربها من القدس (٢)، فإن تلك السنة توافق في تاريخ الإفرنج

стр. 16700

عام ١١٨٣ م، ومجموع أرقامها ١٣ (٣+٨+١+١ =١٣) وهلم جرا ذلك أن من يتتبع أهم الوقائع بين المسلمين والنصارى، منذ فجر الإسلام فإنه سيرى أن من رحمة الله بعباده المسلمين أن تتم غلبتهم عليهم في سنوات يأتي مجموع أرقامها ثلاثة عشر، مما يجسمه مؤرخوهم، ويجعلونه يوما أسود في حياتهم، يرتبط بدلالة هذا الرقم ١٣ الذي يتوارثونه جيلا بعد جيل، على أنه مصدر شؤم لهم، يتناذرون عنه وترسخ نتائجه في أذهانهم جيلا بعد جيل أما نحن معاشر المسلمين فيجب أن نخالفهم، كما هي سنة رسول ﷺ بالأمر بمخالفة أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - حيث نبتهج بتلك السنوات التي تمثل هذا الرقم، لأنها تبعث النشوة في المسلمين، لما تحقق فيها من مواقف مشرفة، حيث ارتفعت فيها راية الإسلام، وعلا صوت الحق الذي جاء من عند الله فارتفع الأذان مناديا بإقامة الصلاة، وحث الناس على عبادة الله وحده وهذا مما يغيظ أعداء الله من الإنس والجن. فعلى شباب الإسلام أن يعي ذلك جيدا، حتى يفهم تاريخ أمته ليرسخ في الأذهان، حتى لا يكون مثقفو الأمة مقلدين لغيرهم فإن عليهم ألا يتكلموا بما لا يعرفون معناه، ولا يميلون مع ما لا يدركون نتائجه البعيدة من تاريخ الأمة وأمجادها. وألا يفتحوا باب التشاؤم الذي نهت عنه تعاليم الإسلام لأن من سن في الإسلام سنة سيئة فإن عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
следующие страницы →