← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16696–16735 · переход к 16701.

стр. 16696

أمام جيوش المسلمين، ليصبح الرقم ١٣، هو حاصل الجمع، وهذا فيه مداخل التنجيم والتشاؤم من مطالع النجوم الذي ينهى عنه الإسلام. ولكي يدرك المسلم هذا السر الذي رسخه مؤرخوهم القدامى، وبثوا في قلوب قادتهم التخوف من هذا الرقم، وما يحمل من نذائر شؤم أيده المنجمون عندهم، وأن عليهم ألا يقدموا على أي معركة، يبرز في مجموع سنواتها الرقم ١٣، ويشتد الأمر إذا اقترن هذا الرقم مع يوم الجمعة، لما في ذلك من نذارة الهزيمة، إذ لذلك نماذج في حياتهم، من حيث التشاؤم بالطالع والزاجر، كما كانت تعتقد العرب في جاهليتها، حيث مقت ذلك رسول الله ﷺ وحذرت منه تعاليم الإسلام، إبعادا وتشديدا. وسأورد هنا على سبيل المثال لا الحصر، النماذج التالية: - ١ - في عام ٥٢٤هـ ذكر ابن الأثير في تاريخه أن عماد الدين زنكي أمر عسكره أن يتجهزوا للغزو، وقصد حلب، فقوي عزمه على قصد حصن الأثارب، ومحاصرته لشدة ضرره على المسلمين، وكان من به من الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها، ويضيقون عليهم معيشتهم، فأظفره بمن فيه، وتسلم الحصن عنوة، وضعفت قوى الصليبيين بعد ذلك حيث انهزموا في كثير من ديار المسلمين بالشام (١).

стр. 16697

وهذا التاريخ يوافق بالإفرنجي عام ١١٢٩ م ولو جمعنا أرقام هذا العام لخرجت ١٣ هكذا (٩+٢+١+١=١٣). ٢ - ذكر الدكتور سالم الرشيدي في كتابه محمد الفاتح الذي قدم لطبعته الثانية الشيخ علي الطنطاوي: أ - أن العثمانيين حاصروا أمير جزيرة لسبوس الجنوبي عام ٨٦٧ هـ، وكان فيها المؤرخ جان دوكاس الذي ينتمي لإحدى الأسر البيزنطية العريقة في السيادة (الإمبراطورية) فدكوا أسوارها بالمدافع، وسقطت في أيديهم، وانهزم النصارى، وقد روي أن المذكور قد كتب تاريخه في ذلك العام. فنفث فيه سمومه ضد المسلمين (١). وهذه السنة تعتبر في نظر ذلك الكاتب نهاية الدولة البيزنطية على أيدي المسلمين عام ١٤٦٢ م الذي هو عام ٨٦٧ هـ، وبجمع أرقام ذلك التاريخ الميلادي، يخرج ثلاثة عشر (٢+٦+٤+١=١٣). ب - أن السلطان محمد الفاتح، قد استولى على القسطنطينية عاصمة الرومان، حيث سقطت أمام جيوشه عام ٨٥٧ هـ بعد حصار طويل وقوي، تهاوت معه قلاع الصليبيين وقوتهم، وكان فتحا مبينا للمسلمين، واستبشروا به، وتحولت معه أكبر كنائس النصارى في هذه المدينة المسماة (أيا صوفيا) إلى مسجد، صلى فيه محمد الفاتح بمن معه من المسلمين الجمعة

стр. 16698

الأولى في تاريخ هذه المدينة، حيث أصبحت من هذا التاريخ قاعدة إسلامية تهز حصون الصليبيين وتقض مضاجعهم - أسطامبول -، أي مدينة الإسلام. وكان من المحصورين فيها، وممن شهد سقوطها المؤرخ (جورج فرانترتس) صديق الإمبراطور قسطنطين وأمينه، وصاحب مشورته الذي يعتد برأيه، وهو رجل حقود انعكس تاريخه على كل منافس له، فكيف بمن استولى على بلده (١). وهذه السنة توافق بالميلادي عام ١٤٥٣ م، وبجمع هذه الأرقام يخرج الناتج ثلاثة عشر، (٣+٥+٤+١=١٣). ٣ - أما نشاط الدولة الأموية في الأندلس ومجيء عبد الرحمن الداخل الذي أصبحت جذور أعماله وتمكينه للقاعدة الإسلامية هناك قوية مما أزعج الإفرنج فقد كان في عام ١٣٤ هـ بعد قيام الدولة العباسية في بغداد، وسقوط الدولة الأموية في دمشق، وهذا التاريخ يوافق في تاريخ الإفرنج عام ١١٨٣ م وبجمع أرقام هذا التاريخ يخرج الناتج ثلاثة عشر (٣+٨+١+١=١٣). ٤ - أما الرجل الثاني في توطيد أركان دولة الإسلام في الأندلس القائد المظفر الذي لم تنهزم له راية أمام الإفرنج، حتى أنه ألجأهم إلى جبال البرانس في الشمال، وحقد عليه مؤرخوهم، كما ذكر ذلك المؤرخ: محمد عبد الله عنان في كتابه (دولة الإسلام في الأندلس) فهو عبد الرحمن الناصر بن الحكم، وقد استهل حروبه

стр. 16699

معهم عام ٣٠٠ هـ. وهذا التاريخ يوافق بتاريخ الإفرنج عام ٩١٣ م. وبجمع أرقامه يصبح التاريخ ثلاثة عشر (٣+١+٩=١٣) مع أن رقمي الآحاد والعشرات أيضا هما رقما ١٣ وهكذا لو سرنا مع وقائع التاريخ والحروب الصليبية فإننا سنجد ارتباطا وثيقا بين الحوادث التي اهتم بها مؤرخوهم، وبين هذا الرقم، الذي اعتبروه شؤما عليهم، لأن كل راية لهم ترفع أمام راية الإسلام تسقط بتوفيق الله، ودولتهم أمام زحف المسلمين تتزحزح، وعزمهم أمام مكانة الإسلام وعزته ينخذل. ولنأخذ أمثلة أخرى، ففي عام ١٣ هـ حيث فتحت مدن الشام: دمشق، بيسان، طبرية وغيرها حسبما ثبت تاريخيا، حيث طرد الروم من الشام إلى الأبد، عندما قال أحد قوادهم سلام عليك يا سوريا سلاما لا رجعة بعده أبدا، فإنها توافق بتاريخهم الميلادي ٦٣٤ م وبجمع أرقام هذا التاريخ تظهر النتيجة ١٣ (٤+٣+٦ = ١٣) (١). وحوادث عام ٥٧٩ هـ، حيث غزا صلاح الدين الأيوبي، بلاد الكرك وطرد الصليبيين منها، وفيها تم حصار قلعة البيرة بالشام واستلام صاحبها، وهي من معاقل الصليبيين الهامة لقربها من القدس (٢)، فإن تلك السنة توافق في تاريخ الإفرنج

стр. 16700

عام ١١٨٣ م، ومجموع أرقامها ١٣ (٣+٨+١+١ =١٣) وهلم جرا ذلك أن من يتتبع أهم الوقائع بين المسلمين والنصارى، منذ فجر الإسلام فإنه سيرى أن من رحمة الله بعباده المسلمين أن تتم غلبتهم عليهم في سنوات يأتي مجموع أرقامها ثلاثة عشر، مما يجسمه مؤرخوهم، ويجعلونه يوما أسود في حياتهم، يرتبط بدلالة هذا الرقم ١٣ الذي يتوارثونه جيلا بعد جيل، على أنه مصدر شؤم لهم، يتناذرون عنه وترسخ نتائجه في أذهانهم جيلا بعد جيل أما نحن معاشر المسلمين فيجب أن نخالفهم، كما هي سنة رسول ﷺ بالأمر بمخالفة أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - حيث نبتهج بتلك السنوات التي تمثل هذا الرقم، لأنها تبعث النشوة في المسلمين، لما تحقق فيها من مواقف مشرفة، حيث ارتفعت فيها راية الإسلام، وعلا صوت الحق الذي جاء من عند الله فارتفع الأذان مناديا بإقامة الصلاة، وحث الناس على عبادة الله وحده وهذا مما يغيظ أعداء الله من الإنس والجن. فعلى شباب الإسلام أن يعي ذلك جيدا، حتى يفهم تاريخ أمته ليرسخ في الأذهان، حتى لا يكون مثقفو الأمة مقلدين لغيرهم فإن عليهم ألا يتكلموا بما لا يعرفون معناه، ولا يميلون مع ما لا يدركون نتائجه البعيدة من تاريخ الأمة وأمجادها. وألا يفتحوا باب التشاؤم الذي نهت عنه تعاليم الإسلام لأن من سن في الإسلام سنة سيئة فإن عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

стр. 16701

مفهوم الشموع: - حتى يكون الفرد في البيئة الإسلامية بعيدا عما يخالف منهج دينه فإن عليه أن يتجافى عن أسلوب حياة وأعمال أهل الملل الأخرى المغايرة لدين الإسلام عقيدة وعملا وما ذلك إلا أن الركون إلى صغائر الأمور، مما يجري على عظائم الأشياء، فيتبلد الإحساس، ويخفى ميزان تعاليم الدين ثم يبدأ من هذا نزع عرى الإسلام واحدة بعد أخرى. حيث أبان ﷺ بأن بني إسرائيل لم يتسع فيهم نطاق الشر إلا بعد التساهل في الصغائر وتهاون العلماء في الإبانة عما كان سببا في إفساد الملة. ومن هنا نرى أوربا في نهضتها الحديثة عندما اتجهت للعلمانية وكان شعارهم ماديا مع مضمون الكلمة: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ثم لما نقمت الطبقة المتعلمة على تسلط رجال الكنيسة بعد الثورة الفرنسية، كانت الحرب على رجال الكنيسة شديدة بالسخرية، والإشاعة، ثم تضافرت الجهود لتقلص دور الكنيسة، ولما قامت الثورة البلشفية بعد الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٧م الموافق لعام ١٣٣٦ هـ اشتد الصراع بين الشيوعيين، ومنهم موسوليني في إيطاليا، وبين البابا بيوس الثاني عشر لأن الشيوعية كانت ضد كل دين مهما كان، والدين الإسلامي في الدرجة الأولى حيث ناصبته العداء، واستعملت ضده الحيل والمكائد فكان من نتيجة ذلك الصراع الذي قصد منة الحد من سلطة الكنيسة، باعتبارها رمزا

стр. 16702

للتخلف كما قال أحد كبار المفكرين الغربيين في العصر الحاضر (ديكارت) في حكمه على رجال الدين في الكنيسة: ماذا نفعل بهذه الرءوس النخرة، التي عشعش فيها التخلف؟. فلجأ المتعصبون لمعتقدهم إلى ربط الناس في الصغر ومع النساء بالذات، لأنهن أكثر تأثرا في الناشئة بأمور ذات جذور في العقيدة التي يدينون لها، وحرص المبشرون منهم - الأصح أن يقال المنصرون -إلى نقلها لديار الإسلام على هيئات شتى: ضمن عادات وتقاليد وطقوس في مناسبات عديدة. وهذا مدخل يحسن بكل مسلم الحذر منه، حتى لا يكون بداية لدلالة حديث رسول الله ﷺ الذي لا بد أن يقع، لأنه خبر من الصادق المصدوق، الذي يعلمه ربه أمورا هي من المعجزات ودلائل النبوة، حيث يقول ﵊: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قيل يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن (١)». . وحديثنا الآن عن الشموع التي أصبحت تقليدا لدى كثير من المسلمين، هي عادة من العادات التي يجب الحذر منها، الصغائر التي يحسن عدم الركون إليها لأن وراءها أمورا عظيمة، ذلك أننا نلمس اتجاها بدأت تكبر دائرته في بعض المجتمعات الإسلامية، وذلك بإشاعة عادة إطفاء الشموع وإشعالها في أعياد

стр. 16703

ميلاد الأبناء والبنات، حيث يهيأ احتفال على مائدة طعام أو حلوى، ويوقد في وسطها شموع، في الغالب تكون ثلاث شمعات، وهذه تكون في الموائد الكبيرة، والحفلات الرسمية أما في أعياد ميلاد الأبناء فإن الشموع التي تهيأ تكون بعدد سنوات من يراد الاحتفال بعيد ميلاده، ليختار زميلا له يشعلها، ويأتي هو لينفخها واحدة بعد الأخرى ليطفئها، ويشعل شمعة جديدة، بمثل هذا الاعتقاد إطفاء عدد ما مضى من السنوات وإضاءة السنة الجديدة في حياته التي بدأت من ذلك اليوم، أما الشمعات الثلاث المتصدرة للمائدة فتبقى مشتعلة، كما هي العادة أيضا في الحفلات الرسمية والفندقية ذات البال. وهذا الأمر معتقد نصراني كما هو معتقد بوذي، ولست أدري أيهما الأقدم ولا أيهما أخذ من الآخر، وإن كان لكل منهما دلالة معينة. وفي أسفاري لاحظت عند البوذيين، وفي أكبر معابدهم في نيبال حيث منشأ البوذية ومعقلها أن اعتقاد إشعال ثلاث الشمعات المستمر، يرمز إلى حربة بوذا التي قتل بها الوحوش في الأدغال وجاء بها إلى معبده - قبل ستة آلاف سنة كما يقولون - على ظهر الفيل، فاعترضه أسد فقتله بها أيضا حتى وصل إلى مدينة (تلهوا)، فاستقبله الناس، وأقام بها فترة يتعبد تحت شجرة فارتبطت العقيدة عندهم بالرمز الثلاثي في الحربة، ثم

стр. 16704

في الشموع في معابدهم، لاقترانه ببوذا، وما تعلق به في أسطورة القوة التي لا تقهر. والباحثون في أصول المعتقدات يرون أن البوذية قد وجدت قبل الميلاد بما يقارب خمسة قرون، أما لدى النصارى فإن الشموع الثلاث التي تتصدر الموائد والمناسبات فإنما هو رمز لمعتقد راسخ في ديانتهم: الأب والابن وروح القدس وهو التثليث الذي مقتهم الله به، وأبان جل وعلا كفرهم بسبب ذلك فقال عز من قائل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). فإيقاد الشموع في هاتين الملتين يرمز إلى تأصيل العقيدة: الأولى للربط ببوذا والثانية لتمكين عقيدة التثليث، وكلتا العقيدتين فاسدتان، وتتباينان مع منهج الإسلام وعقيدة الوحدانية مع الله . وبين النصرانية والبوذية تقارب من حيث التعلق بشخصية بوذا، وأن لديه قدرة فوق قدرات الناس، وأنه يخلص البشر ويتحمل عنهم، وأن لديه معجزات خارقة، والنصرانية تؤله يسوع الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث، من حيث رفع مكانته عن البشر، وأنه جاء لتخليص البشرية من الشرور والفداء بنفسه، علاوة على ما جاء به من معجزات خارقة للمألوف

стр. 16705

كإحياء الموتى، وإيجاده من الطين على هيئة الطير بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله (١). ولفساد عقائدهم ولاتباعهم علماء الضلال، فإنهم لم يربطوا هذا الأمور بالله جل وعلا، بل زين لهم الغلو فيهم، ورفعوا عيسى ﵇ إلى درجة الألوهية. ويأتي وضع الشموع، وتقديمها كقرابين في المعابد عند هاتين الملتين كجزء من المعتقد الديني للقربات التي تقدم للآلهة التي يميلون إليها، ورمز لطرد الشرور، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). ولذا كانت صناعة الشموع، والاتجار فيها بجوار المعابد البوذية، والكنائس النصرانية، وغيرها، تحظى بازدهار كبير، ويغالي رجال الكنيسة في الشموع: تلوينا وحجما حيث توقد في المناسبات وفي ذكرى الوفيات، فيوقد عن كل شخص ذكرا كان أو أنثى من الشموع بعدد الأيام التي كانت المناسبة من أجلها ولو حكم الإنسان عقله وفحص الأمر بمنظور مادي حسب واقعهم، فإنها أموال تهدر، ولا ينال الفقير منها شيء، يمكن الانتفاع به. وما الشموع التي جاء ذكرها في الشروط العمرية التي أخذها عمر بن الخطاب ﵁ على نصارى الشام بالامتناع عنها

стр. 16706

وسميت بالسرج على القبور والمعابد (١) إلا من هذا المعتقد، كما أنها هي الشعانين التي نبه إليها ابن كثير ﵀ في تاريخه، وأنها تتخذ في الكنائس، وتغيير الاسم لا يغير المسمى، وإنما يرتبط الأمر بما يرمي إليه من اعتقاد. ذلك أن كثيرا من الأمور التي يعملها أهل الكتاب وغيرهم، في مآتمهم وموالدهم ومناسباتهم، قد سرت لكثير من المجتمعات الإسلامية، واتخذها بعض أبناء المسلمين تقليدا عندهم، بحكم الاختلاط لشعوب تدين بغير الإسلام، وتسير على طقوس لم تكن من تعاليم دين الإسلام، ولا ضمن منهجه الذي جاء به محمد ﷺ ، وحرص على تحذير الأمة منه، في مثل قوله الكريم «خالفوا اليهود (٢)»، عندما رآهم يصومون يوم عاشوراء، فأمر بصوم يوم قبله أو يوم بعده لمخالفتهم، كما أمر بالصلاة في النعال، إذا تأكد الإنسان من طهارتها، مخالفة لليهود. وما اتخاذ الشموع في المعابد والمناسبات، وما يتصدر الولائم من شموع مثلثة، إلا منهج يرمز لمعتقد لدى أصحاب تلك الديانات، هو من المخالفات لما تدعو إليه تعاليم الإسلام: سلامة في العقيدة وتعلقا بالقلب إذ الشموع تعني قداسة دينة، ترتبط بوجدانيات عقدية مستمدة من دلالة النور والظلمة لدى

стр. 16707

الديانة المنوية القديمة، المرتبطة بالزرادشتية. أما في الإسلام فإنها تعني منفعة من المنافع كجزء من مخلوقات الله المسخرة للانتفاع ومصلحة الإنسان في حياته، لأن الإنسان لا يقدسه إلا عمله الصالح. والنصارى عند الساعة الثانية عشرة، من ليلة رأس السنة الميلادية يقومون بإطفاء شمعة ترمز للسنة الماضية المنتهية وإشعال شمعة جديدة تمثل السنة الجديدة، والتي أقبلت بعد إطفاء الماضية، ويتبع ذلك إطفاء الأنوار في الفترة بين الحالتين. وأساس هذا الاعتقاد، كما لوحظ في واحدة من كبريات كنائسهم، ذات الشهرة أن ما يعتقدونه قبرا لعيسى ﵇، يكون فيه شخص مختف، وعند إطفاء الأنوار في الساعة الثانية عشرة، حيث يصبح ما حول هذا الموقع في ظلام دامس، وبحركة تمثيلية لا يدريها المحيطون بالمكان، يفتح ذلك المختفي شباكين في غرفة القبر، يمينا وشمالا، ليضيء شمعة بحركة خاطفة يبتهج لها من في هذا المكان، لأنه قد وقر بأذهانهم، حسب المعتقد الذي يرسخه أحبارهم ورهبانهم، بأن المزعوم يقوم من قبره في تلك اللحظة، ليسلم عليهم، ويشملهم بغفرانه عن خطايا السنة الماضية، ويبارك لهم سنتهم الجديدة، وهذا يرتبط باعتقادهم أن يسوع قدم نفسه فداء للبشرية ولخلاصها.

стр. 16708

ولذا فإن كثيرين ممن يرون نور الشمعة التمثيلي يغمى عليهم، لما علق بأذهانهم من أمور تأصلت جذورها منذ الصغر، خاصة وأن تقليد إطفاء الأنوار، وإضاءة شمعة سرى أثره في البيوت وتعود عليه الصغار عقيدة وترسيخا. ولكي يكون المسلم بعيدا عن هذه المعتقدات، ولو قال عن نفسه إنني لا أرمي لما يرمون إليه فإنه مدعو لنبذ كل خصلة ليس عليها توجيه رسالة الإسلام، ولا خاتم تعاليمه، ومأمور بنبذ كل أمر يرمز لتوجيه عقدي لدى الأمم الأخرى، سواء أحاط المرء بما يرمون إليه، أو لم يحط به، لأن «من تشبه بقوم فهو منهم (١)»، حيث جاء في حديث الذبابة «أن رجلا قيل له: قرب، قال ماذا أقرب؟ - أي ليس عندي شيء أقربه - قيل: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فدخل النار (٢)». وارتياح القلب لأي أمر هو من معتقد الأمم المناوئة لمبادئ الإسلام والمخالف لما يدعو إليه يدخل في حكم الرضا، والتقريب القليل، وهو من المحادة لله، وهذا من اطمئنان القلب لما يعتقده المحادون لله، والركون إليه من الإحداث في الدين الذي اعتبره رسول الله ﷺ مردودا على صاحبه عندما قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)». والمسلم لكي يستبرئ لدينه، عليه أن يحذر ما فيه شبهة

стр. 16709

ويكون الانتباه والحذر أشد عندما يكون الأمر عليه دلاله واضحة من معتقد، وفيه رمز للولاء والاتباع، ألم يقل سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) قال بعض العلماء ومن الموادة راحة القلب بما يفعله المحادون لله ولرسوله.

стр. 16710

بابا نويل وما يرمز إليه: - يهتم الداعون لكل واحدة من الديانات المختلفة على وجه الأرض، بتبني مؤثر يتوقعونه فعالا في جذب الناس لما يعتقدونه، ويتفننون في الأساليب التي يخيل إليهم أنها تربط الآخرين بوشيجة النحلة التي يتحمسون لها. وكل منهم يحسب نفسه على الحق -عدا المسلمين - ويدافع عن باطله بما يتوقعه معينا في تحقيق ما يصبو إليه، ولفت النظر لما يعتقده. فالنصارى مثلا الذين طغى عليهم الجهل، كما جاء في تفسير سورة الفاتحة بأن: الضالين هم النصارى يعبدون الله على جهل وضلال (١). وفي حديث عدي بن حاتم بعد ما أسلم وسمع من رسول الله ﷺ الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) «قال: يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم،

стр. 16711

قال " أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه "؟ قال: بلى، فقال ﷺ : فتلك عبادتهم (١)». فهذه الفئة وجد الأدعياء والكذابون مدخلا إلى نفوسهم، باسم العاطفة الدينية، لرقة قلوبهم، وغلبة الجهل عليهم. واغتنم الفرصة كل دعي، وصاحب هدف ليضل الصغار قبل الكبار، ومن هنا كثرت في بيئاتهم ما يريدون به ربط قلوب الصغار لمعتقد بابا نويل، باسم الخوارق والإتيان بالمعجزات، حيث جسم شكله أمامهم كدمية يلعب بها الصغار، وتهدى مع رأس السنة الميلادية، وترسيخ هذا الزائر كشخصية ذات بال لا تأتي إلا مع عيد الميلاد لتحمل الهدايا، وتفد بكل ما يوعد به هذا الصغير، والصغار إذا وعدوا بشيء تعلقوا به، ورسخ في قلوبهم ما يرتبط به. وعندما يحين ذلك الموعد يكون السعيد منهم من يرى هذا الموعود، الذي يتخيلون أوصافه شيخا كبيرا بلحيته الكثة البيضاء التي ترمز للجو البارد لأنه يأتي متدثرا بملابسه الثقيلة، مع السنة الجديدة في مطلع شهر يناير من كل عام، وهذا الموعد يقترن بتاريخ ميلاد المسيح عيسى ابن مريم ﵊، أي ٢٥ ديسمبر، وبداية السنة الجديدة ١ يناير وهو

стр. 16712

شدة البرد في فصل الشتاء، وتكاثر سقوط الثلوج في ديارهم الباردة. ولما كان كل شيء له قداسته في قلب الصغير يسمونه بابا، كالأب ورجل الكنيسة والرجل المسن وكبير أساقفة الكنيسة. فإن بابا نويل، الشخصية الأسطورية، يلتف الأطفال حوله ليلاطفهم ويقص عليهم حكايات خيالية عن المولد وما يقترن بعقيدة التثليث، الذي أبان الله جل وعلا في كتابه الكريم عن تكفير من يعتقد ذلك، وبما قالوه على الله جلت أسماؤه وتقدست صفاته، من أمور شنيعة تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وشخصية بابا نويل، لم تكن واحدة تتنقل، وإنما هي في كل مكان موجودة، حيث يحرص رهبان الكنائس على تهيئه أشخاص من الدعاة لنحلتهم، والمتشبعين بتعاليم عقيدتهم ليؤدوا هذا الدور، بملابس وأشكال موحدة لتكون الصورة المرتسمة في أذهان الصغار، سواء كانت مباشرة، أو عن طريق وسائل الإعلام ثابتة. وهذا شبيه بما ينميه بعض الصوفية في بيئات إسلامية، عن الخضر ﵇ ونزوله: نوعية في اللباس وتوقيتا زمنيا. ولعل الفرق الصوفية قد أخذوا هذا المنهج من النصارى مثل كثير من العادات التي سرت بالعدوى والتقليد، نتيجة لضعف الفقه بشرع الله وقلة الوازع الديني. ولما كان الصليب يتربع على صدر بابا نويل، كجزء من

стр. 16713

العقيدة التي يراد ترسيخها، فإنه يروي للأطفال بعضا من الحكايات المتعلقة بما تدعو إليه النصرانية، منها ما ينسب إلى قسطنطين قيصر الملك بن هيلانه، الذي كثر عدوه، وكاد ملكه يذهب باختلاف رعاياه وأنصاره من الروم عليه، فأراد أن يحملهم على شريعة ينظم بها مسلكهم، ويؤلف فرقتهم فاستشار من لديه من أهل النظر، فوقع اختيارهم على أن يتعبد القوم بطلب دم ليكون ذلك أقوى لارتباطهم معه، وأوكد لجدهم في نصره، فوجدوا اليهود يزعمون أن في بعض تواريخهم خبرا عن رجل كان منهم وفيهم، هم أن ينسخ حكم التوراة، وينفرد بالتأويل فيها، فعمدوا إليه وهو في نفر ممن المطلوب فيهم فصلبوه، وما عندهم تحقيق بكونه ذلك المطلوب بعينه، إلا فقدهم إياه من حينئذ. وهذه الحكاية قد تفتق عنها حيلة من قسطنطين المذكور، حيث عمد إلى من وجد من أمة عيسى ﵊ وقد اختلفت دعاويها بعد المسيح بأربعين سنة، والتفت إليهم غير محسوسين في الأرض، لا يظفر بواحد منهم إلا قتل ومثل به، فاستخرج قسطنطين ما تبقى من رسم الشريعة التي بأيدهم، وجمع عليه وزراءه فأثبت ما شاء، وما رآه موافقا لاختياره كالقول بالصلوبية، ليتعبد قومه بطلب دم، والقول بترك الختان، لأنه شأن قومه، ثم اختلق رؤيا قال: إنها حدثت له في منامه، وذلك أول شيء أظهره من هذا الأمر فجمع أنصاره ورعاياه من

стр. 16714

الروم، وذلك بعد المسيح بمائتين وثلاث وثلاثين سنة، وعلى رأس سبع سنين من مدة ملكه فلما اجتمع إليه أنصاره ورعاياه، ذكر لهم أنه كان يرى في منامه آتيا أتاه، فيقول له: بهذا الرسم تغلب، ويعرض عليهم هيئة الصليب، فأعظمت ذلك العامة، وانقطعت لما سمعت منه، ولكي يمكن رؤياه هذه، فقد بعث إلى امرأة في عصره كاهنه، وكانت ذات بأس وقوة، فشهدت له أنها رأت مثل ما رأى، فقوي تصديق العامة، فأخرج الصليب من موقع كنيسة الغمامة بالقدس وجعله شعارا من ذات الوقت. وفي كتب الحوار مع النصارى والرد عليهم نماذج من تلك القصص الخرافية. والحكايات الخيالية، التي تتكرر مع أسطورة بابا نويل تمثيلا وحوارا. . في وسائل الإعلام المختلفة، وفي أماكن أخرى، ثم على هيئه قصص تتناقلها الأمهات لأولادهن، ويلتئم شمل الصغار في حلقات مع العجائز لتقترن بهذا الاسم، وفي هذا الوقت الذي يرونه موسما دينيا، يقصدون فيه إشعال الجذوة في النفوس كل سنة، يساعد على ذلك الجو البارد والإجازات، حيث يلتئم الجمع أمام المدافئ للتلقي، ومن ثم تزجية الوقت من أي مصدر جاءت: قصصا يعاد قراءتها، وحكايات تسترجعها العجائز من الذاكرة، ووسيلة إعلامية تتحدث بلسان هذه الأسطورة الموسمية: بابا نويل الذي لا يأتي له ذكر إلا في هذا الموعد

стр. 16715

السنوي. فيكون من ذلك ما يلبي رغبات النفوس الصغيرة، ويؤصل جذورا يريدونها أن تبقى متمسحة لهذا المعتقد، لربطه بأمور محببة للقلوب، من هدايا ووعود طيبة، وأمنيات مرغوبة، وانتصارات في مواقف، وإشاعة للمحبة بين الناس. علاوة على رغبتهم بتصدير هذه البضاعة لأطفال المسلمين لجذبهم للنصرانية، كجزء من مهمة التبشير، ولذا تأثر بهم بعض المسلمين الذين ينقصهم الوعي والإدراك وكثر من يدعي منامات مماثلة في المجتمع الإسلامي، ولعل هذا من تلبيس الشيطان مستغلا الكذابين وضعاف الإيمان ليبث بواسطتهم قصصا تخلخل مكانة الإيمان من النفوس المسلمة، هذه الأمور، وتلك الحكايات كثيرة جدا، وامتلأت بها بطون الكتب، بين تأييد حسب المعتقد، وإنكار في سبيل الرد عليها، وتوضيح زيفها. وأذكر في هذا الموقف بعضا من تلك الحكايات الخرافية، والأمور التي يراد ترسيخها على أنها معجزات من رجال هذه النحلة العقدية على مر العصور حيث ذكر أحمد بن عبد الصمد الخزرجي المتوفى عام ٥٨٢ هـ الموافق لعام ١١٨٦ م في حواره مع أحد القساوسة ضمن رسالة سماها: مقامع الصلبان. . وهو في الأندلس، بعدما تخلص من سجنهم، وكان عمره ٢٢ عاما، فبعث بهذا الرد الذي يشمل محاورة ونقاشا مع ذلك القس الذي كان يريد تحويله عن عقيدة الإسلام.

стр. 16716

وقد أبان في ذلك الرد قصصا منها قوله: - ١ - في ليلة النصف من شهر أغشت يعظمون تلك الليلة تعظيما شنيعا إلى اليوم وسبب ذلك ما يصفه قساوستهم للناس، في قصة أسطورية عن نزول مريم من السماء، على دون أذفونش بجامع طليطلة، وأنها كست رأسه بتحلية، وجسمه بثياب (١). ٢ - وما يروونه من روايات يدعونها في زيتونة وادي آش، ويزعمون في توقف أرض شنت دمنقة، ووادي بسطر، والنور الجديد في عيدهم، والنور الذي ينزل ببيت المقدس ليلة رأس السنة إلى غير ذلك من الهذيانات والمخاريق التي لا تجوز إلا عليهم، ولا يتعبد بها من جهال العالم غيرهم (٢). ٣ - وأنهم يحدثون الناس بنماذج من القصص التي تعتمد على الحيلة، بحجة أنها من المعجزات، فتنطلي على البسطاء حيث قال: وصف لي عن صليب في بعض مشاهدهم المعظمة عندهم، يمشي إليه الناس ليعجبوا منه، وهو واقف بين السماء والأرض لأن الحديث عنه في الكنائس متواتر للسيطرة على العقول فسأل أحد رؤسائهم عنه يهوديا كان كاتبا له، فقال تؤمنني وأعلمك السر، قال: نعم فقال: إنها حيلة، فاستكشفه إياها، فقال: إن ذلك الصليب الذي يظنه الناس معلقا، تمسكه أحجار المغناطيس من جهاته الأربع، فأمر الرئيس أن

стр. 16717

يخلي له المكان يوما، لينفرد بهذا المشهد، فدخل وحده، وأمر وبحفر جانب واحد من الحائط، فاستخرج منه حجرا من المغناطيس موازيا للصليب، فمال إلى جهة واحدة، ثم استخرج مثله من الجانب الثاني، فاضطرب الصليب، وفهم الرئيس الأمر، وانصرف (١). ٤ - وذكر عن بعض مشاهد النصارى المعظمة عندهم حكاية تقول: إن يد الله تخرج لهم في يوم واحد من السنة من وراء ستر، يرونها عيانا، وكانت جزءا من المعتقد، فحكى أن رجلا ممن أبغض النصرانية بعد أن عرف أساليب رجال الكنيسة، اعتنق دينا آخر، وكان قد حظي عند بعض رؤساء النصارى بالأندلس، لوصلة كانت بينهما يرعاها الرئيس، وفي مجيئه يوما إليه، رغب إليه الرئيس أن يعود للنصرانية لأنها دينه، وبدأ يوضح مزاياها، وأسرارها من واقع القصص التي تأصلت في ذهنه، وقال له ألا ترى الأعجوبة ظهور يد الله لنا في يوم معلوم من السنة، لا يكرم بها أحد غير النصارى؟ فقال له الرجل: لقد رضيت في هذا الأمر بشهادتك، وصدقتك عليه، فابحث عنه فإن كان ما يزعم هؤلاء القسيسون حقا، فسوف أعود إلى دينك، فخالط الرئيس الشك، فلما دنا ذلك اليوم، الذي تظهر فيه اليد، سافر بنفسه نحو المشهد، وقرب مالا يهديه هناك، فبدر إليه الأساقفة، وقربوه لتقبيل اليد.

стр. 16718

فلما ظهرت اليد له من وراء الستر، وضع يده فيها وأمسكها بشدة، فصاحوا به يقولون: اتق الله الآن تخسف بك الأرض، والآن تقع عليك السماء، الآن ترسل عليك الصواعق فقال: دعوا هذا عنكم، فإن هذه اليد لا أحل يدي عنها، حتى أعلم أحقا ما تصنعون فيها أم باطلا؟ فلما رأوا إلحاحه لم يبق منهم إلا اثنان، وهرب الباقون، فأسرا إليه القول، وقالا: ما تبغي من ذلك، أصبوت عن دين آبائك؟ قال: لا، قالا: أتريد أن تحل رباطا منذ ألف سنة، أو نحوها، قال: لا، معاذ الله، ولكني أريد أن أقف على سر هذه اليد، قالا: هي يد أسقف دون الستر واقف، قال: أحب أن أراه، قالا: أنت وذاك. فكشفا الستر فرأى قسا مجرود الخدين، موقفا وراء الستر، فلما عاينه الرئيس أرسل يده وخرج إلى عسكره. فقال للرجل: ماذا تأمرني به الآن في ديني، بعدما عاينت الأمر بنفسك؟ فقال: رأيك خرجت منه ففهم الرجل وسكت (١). وغير هذا من القصص التي هي من مهمة بابا نويل لترسيخها في الناشئة، وتأصيل مكانة القساوسة الذين يمثلهم بابا نويل حتى لا يكذبهم أحد، ولا يناقشهم مناقش، لأن تعاليمهم تقضي بالطاعة العمياء، والأخذ بدون نقاش. وبكل أسف سرت عند كثير من أصحاب الطرق الصوفية

стр. 16719

وغلاتهم نماذج من هذه القصص مع تحوير في دلالة الصليب إلى أمور تنطلي على بعض المسلمين وذلك مع غياب الوعي لتعاليم الإسلام فأفسدوا عليهم دينهم بأمور ما أنزل الله بها من سلطان. ولذا فإن دور المسلم يجب أن يركز على نبذ هذا التقليد الذي يجر لما هو أبعد من كونه يهدف لتسلية الصغار وإيناسهم، مع عدم السماح بإظهار مثل هذا في البيئات الإسلامية، حتى لا يرسخ هدفه في أذهان أطفال المسلمين، فيكبر معهم، ليباعدهم عن دينهم الحق، ويصدهم عن مصادره الصافية الصادقة التي لا يتطرق إليها الشك أو التأويل، لأنها من الله، وما كان من الله فلا مراء فيه ولا جدال.

стр. 16720

أبعاد كذبة أبريل: - واحدة من العادات التي يتبعها عادات كثيرة سيئة لأن محورها الكذب، والكذب من أشر الخصال، وأسوأ مداخل الآفات. يتعمد بعض الناس في أبريل الكذب على سبيل المزاح أحيانا، أو على سبيل المداعبة، ونشر المقالب فيما بين الناس، إما تندرا أو تفضيلا أو مزج ذلك بنواحي أخرى من أساليب الحياة، وقد يكون من بين تلك الحالات ما له حدان كالسيف ظاهر وباطن، فالظاهر المزاح كما يحصل بين الناس اقترانا بهذا الشهر، فإن كشفت الحالة أصبحت من الأكاذيب التي يجد لها مقترفها تفسيرا بأنه في شهر أبريل، وهذه من أكاذيبه، التي

стр. 16721

لا شيء فيها، وما هدف القائل من وراء ذلك إلا توثيق الصلة الأخوية بإزالة الحواجز، وإن لم تكشف سكت عن ذلك الأمر واعتبره مكسبا، حيث يصبح الأمر حقيقة راسخة سواء كان ذلك الأمر قولا باللسان، أو عملا بالجوارح مهما كان نوعها وينطبق في هذه الحالة المثل العامي عندنا: (الصديق المزاح إن شيف وإلا راح). والباطن منبعث من العقيدة التي تهدف لأمور من وراء الكذب فكم سمعنا عن سرقات حصلت لدى بعض الناس، ومن بعض من يعدونهم أصدقاء، وكم قيل لنا أو قرأنا عن أثار سيئة تركها هذا التقليد: سلوكيا وخلقيا واجتماعيا. وما ذلك إلا أن كذبة أبريل عادة قد نشأت في بلاد الغرب، من منطلق يرتبط تاريخيا بهذا الشهر، الذي هو من أشهر الرومان، وهو الشهر الرابع من سنتهم الشمسية، وهو واحد من أشهر الربيع الذي تتفتح فيه الأزهار وتتزاوج الطيور، وتستيقظ الحيوانات من بياتها الشتوي الطويل، لتسعى في طلب الرزق، ثم التخزين لبيات آخر، ومثل ذلك الإنسان في سعيه. وفي تتبع الكتب التي تهتم بالعقائد، وما طرأ على الديانات من دخائل نرى الغربيين خاصة من كتاب ومؤرخين يتحاملون على رجال الكنيسة وما يفرضونه على المجتمع عندهم من أمور، فضلا عن تشكيك بعضهم في صحة الديانة النصرانية لمخالفتها ما يمليه العقل، وما تتطلبه الحياة الحاضرة، ولذا كثر نقاد

стр. 16722

كتابهم المقدس وصحة وصدق روايته، يقابل ذلك جهود قوية لإثبات الأسس التاريخية للديانة النصرانية، وصراعهم هذا يتسم بالكذب كل من جانبه ليؤصل ما قصد إليه، يقول ديورانت عن هيرود الأكبر: كانت أخلاقه مثالا من أخلاق عصره الذي أنجب كثيرا من الرجال الذين كانوا أذكياء لا خلاق لهم، قادرين لا ضمير لهم، متحدثين لا صدق عندهم، شجعانا مجردين من الشرف، فلقد كانوا صورة مصغرة من أغسطس في بلاد اليهود (١). كما كانت أسس الصراع بين اليهودية والنصرانية ورجال الدين فيها تنطلق من قاعدة راسخة في الكذب، ولذا حركت الحرب الأهلية في فرنسا هذه الجذور فصارت ثورة أوربية ضد تسلط رجال الكنيسة وسلطتهم، ورجال محاكم التفتيش. وقد توسع بول ديورانت في قصة الحضارة، في الأجزاء المخصصة لعصر الإيمان، مما تناول الصراع بين اليهود والنصارى، وقيصر المسيح، حيث أبان كما أبان غيره من الدارسين، أن كبار رجال الكنيسة عرف عنهم تعمد الكذب على الناس، وأن واحدا من أكبر القائمين على إحدى الكنائس، أراد أن يبرر لأكاذيبه لما كثرت واكتشفت، بأننا في فصل الربيع، وهو الفصل الذي تبتهج فيه الحيوانات والطيور، بالطريقة الخاصة بها، وسائر المخلوقات أيضا لها أساليبها الخاصة في

стр. 16723

التعبير عن فرحها ومرحها، ونحن البشر الذين يمر بنا فصل بين فصلين: بين الشتاء وثلوجه وبرده، وما يتركه لدى الناس من كآبة، وبين الصيف الذي يلفح الناس بحره، فعلينا أن نعبر عن أنفسنا بهذا الأسلوب الذي يعتبر من الكذب الأبيض (١) فكان مثل هذا التعليل قاعدة استحسنها بعض الناس الذين يكذبون لمآرب، ويستمرئون الكذب لمصالح ولست أدري من أين جاءهم التقسيم هذا عن الكذب: الأبيض والأسود، إذ الكذب واحد وهو نقل الشيء على غير صورته. ونحن المسلمين ندين الله بما جاء في مصدر التشريع في عقيدة الإسلام، على لسان رسول الله ﷺ من مقت الكذب، وأن الله لا يحب الكاذبين وأنه من علامات النفاق حيث أبانت شريعة الإسلام، كما جاء في القرآن الكريم عن سوء عاقبة المنافقين وأنهم في الدرك الأسفل من النار ولا نصير لهم، لأنهم يكذبون، ويفترون، ويخادعونه وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. يقول ﷺ في الحديث الصحيح: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر (٢)». فهذه من علاماته البارزة التي تدل عليه. ولذا فإن مفهوم الكذب الذي يترتب عليه التعدي على الأموال

стр. 16724

والأعراض، وإيقاع المظالم على الآخرين والاستهانة بهم وترويعهم، مما يمقته الإسلام، وينهى عن التحلي به، وهو واحد، فلا فرق فيه بين كذب أبيض ولا أسود، ولا أخضر ولا أحمر، ولا غيرها من الألوان، حيث نهى ﷺ عن الكذب على الصبيان وعلى الحيوان، فضلا عن الإنسان. وتبرير كذبة أبريل ما هو إلا موسم يريدون منه، تنشيط هذه العادة، وترسيخها لدى الناس، وحماية ما يصدر عنهم من أغاليط وافتراءات، ولتعويد الآخرين هذا المنهج الذي أنكره مفكروهم، ولذا سميت صفة التعامل الحسن والصدق في القول بالأخلاق التجارية، ونبل الأخلاق وقوة التحمل بالأخلاق التجارية. وإذا رجعنا إلى ما ذكره ديورانت في موسعة قصة الحضارة، عن رجال الكنيسة، وشهرتهم بالكذب، وهو شاهد من ملتهم عليهم، لرأينا ذلك متأصلا من جذور وثنية، سبقت الديانة النصرانية، فقد أخذوا ذلك عن الديانة الزرادشتية، وعن تعدد الآلهة عند الرومان، حيث تجري احتفالات دينية يتباكون فيها حزنا على موت بعض الآلهة في معتقدهم، لعدة أيام، ثم تضج أسواقهم بعد ذلك بأصوات الفرح ببعث ما يؤلهون من قبره وأن ما قيل ما هو إلا كذب (١). وهذا مصدر من مصادر فكرة هذه الكذبة المتعارف عليها،

стр. 16725

وإن كان لم يحدد شهرا بعينه، إلا أنه قال في العيد الربيعي، ومعلوم أن شهر أبريل في الربيع. أما محمد عبد الله عنان المؤرخ الأندلسي الشهير، فإنه قد ذكر في كتابه: نهاية الأندلس أشياء في نهاية تاريخ العرب بالأندلس، في الكتابين الثالث والرابع، من مأساة الموريسكيين أو العرب المنتصرين حيث اعتبر من مراحل الاضطهاد والتنصير الإجباري: ديوان التحقيق النصراني، ومتابعة المسلمين، وذروة الاضطهاد التي أوجبت ثورة الموريسكيين، حيث كانوا يتخفون بدينهم أكثر من مائة عام، فكانوا ينتهجون في ملاحقة المسلمين أساليب عديدة تعتمد كلها على الكذب في المتابعة والتحقيق، والمحاكاة الحاقدة على الإسلام ودفعهم المسلمين على الكذب، الذي هو منهجهم في تعاملهم مع المسلمين ومع بني جلدتهم ومع كل ديانة تخالف الكاثوليكية وما يجب أن تسير عليه. ذلك أننا لو تتبعنا جزئيات كتب التاريخ، فإننا سنجد نماذج كثيرة جزئية وكلية، تفصح عن أساسيات هذا المنهج العقدي في كل بلاد لا ترتبط بالإسلام عقيدة وشريعة، إذ له جذور بوثنيات تنافي الإسلام بل إن الإسلام يحارب ذلك الأسلوب الذي تنفر منه كل الكائنات الحية، لأنه يخالف الفطرة السليمة، الإ أن بعض البشر الذين انقادوا للشيطان وغواياته قد انجذبوا إلى كل أمر يغضب الله . ولذا كان القرآن الكريم، وهو المصدر الأول للشريعة

стр. 16726

الإسلامية، وهو أمكن وأصدق من أي قول بشري، يؤكد أن أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، كان من أعمالهم: تحريف الكلم عن مواضعه، وليس هذا على الناس فيما بينهم، حتى تلتمس لهم المعاذير، كما نرى من قولهم: هذه كذبة أبريل، أو هذه كذبة بيضاء، أو لا نريد غير المزاح، وما إلى ذلك. إذ هذا يهون أمره أمام ما هو أكبر منه، فلقد كذبوا على الله، وعلى رسل الله وغيروا في شرع الله الذي شرع لهم قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ (٢). وعن رسل الله قال الله عنهم: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ (٣). والقرآن الكريم مليء بما يفصح عن نوايا نفوسهم، وما نطقت به ألسنتهم، وما لقنوه للمشركين، ضد رسول الله ﷺ من عبارات التكذيب، مما ينبغي معه أن يبتعد المسلم عن الكذب جدا أو هزلا، وأن ينتهج دربا يخالف دربهم، لأنه يتحلى بعقيدة تباين عقيدتهم ولأن رسول الله ﷺ أمر المسلم بمخالفتهم في كل أمر أو فعل، وألا يصدر في أحواله إلا عما هو مختوم بخاتم الإسلام، ومطبوع بطابع تعاليمه التي جاء بها رسول الله ﷺ طاهرة نقية.

стр. 16727

والمسلم مأمور بعدم التساهل في الصغائر، لأنها تجر إلى الكبائر، ومأمور بالابتعاد عن أعداء دينه ومنهجهم، لأن ذلك يجر إلى محبتهم وموالاتهم، ومأمور بأن يعرض كل ما يعترضه على مصدري التشريع في دينه: كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فما خالفها يجب نبذه، وما رآه المؤمنون حسنا فهو حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو قبيح، والشاعر يقول: - كل المصائب مبداها من الصغر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 16728

صفحة فارغة

стр. 16729

الأخفش الأوسط أمقلد هو أم مجدد؟ بقلم د / عبد الكريم بن محمد الأسعد ترجمة الأخفش وأضواء على شخصيته العلمية: عاش الأخفش الأوسط في فترة ازدهار الدولة العباسية العلمي زمن المهدي والرشيد حيث سادت الجو العلمي العام آنذاك المظاهر الآتية: كان القرآن الكريم بين أيدي النحويين، وقارئوه معهم، والبادية الفصيحة حولهم، والقبائل بين ظهرانيهم تحيط بالبصرة والكوفة ومنها يأخذون ما يريدون، كما كان النحاة يذهبون إلى الأعراب الفصحاء يسألونهم عن كلمة أو يسمعون أحاديثهم أو ينقلونها من أفواه حاملي المأثور وحافظيه منهم، ثم يروونها عنهم. كانت حلقات الدرس تعقد في المساجد، ومجالس المناظرة تقام في

стр. 16730

دواوين الملوك والأمراء وبيوت علية القوم وأعيانهم، وكان الأعراب يجوسون خلال هذه الحلقات والمجالس ويقفون فيها على دروس النحويين ومناظراتهم. ظهرت حاجة الخلفاء والأمراء والعظماء آنذاك للعلماء لتأديب أولادهم أو تزيين مجالسهم بما لا يقل عن حاجة العلماء إلى أموالهم. انتشرت الأفكار الفلسفية ونشط الناس لدراستها، فتجلى الاعتزال، وظهر أثره القوي في علوم الدين، وساد الجدل فيها، وعم المنطق، وسيطر حتى على بعض الخلفاء كالمأمون وغيره. تأثر البحث اللغوي والنحوي حينذاك بالعلوم العقلية وما فيها من العلل والبراهين، مما أخرجه إلى حد كبير عن النقل والسماع المحض، كذلك تأثر اللغويون والنحويون بهذا الجو تأثرا عميقا ظهر في مناهجهم في الدرس وطرائقهم في التفكير والتوجيه والتحليل. وقد اشترك في لقب " الأخفش " كثيرون من مختلف الأمصار، أشهرهم ثلاثة، هم: ١ - أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، الأخفش الأكبر، أو الكبير، النحوي البصري، المتوفى سنة ١٥٧ هـ، أو سنة ١٧٧ هـ، وكان من أكابر علماء العربية ومقدميهم، أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى، كما أخذ عنه سيبويه. ٢ - أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي -صاحبنا - الأخفش الأوسط، المتوفى سنة ٢١١ هـ، أو سنة ٢١٤هـ، وسنفصل القول عنه بعد قليل. ٣ - أبو الحسن علي بن سليمان، الأخفش الأصغر، أو الصغير المتوفى سنة

стр. 16731

٣١٥ هـ ببغداد، قرأ على ثعلب والمبرد واليزيدي، ورحل إلى مصر ثم إلى حلب فبغداد، قال المرزياني: إنه " لم يكن بالمتسع في الرواية للأخبار والعلم بالنحو، وما علمته صنف شيئا ولا قال شعرا، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يواصل مساءلته " (١) لكن ياقوت ذكر أن له كتاب " التثنية والجمع " وكتاب " شرح سيبويه " وكتاب "تفسير رسالة كتاب سيبويه " (٢). وقد تعارف الباحثون على أن لقب " الأخفش " إذا أطلق انصرف إلى الأخفش الأوسط دون سواه، لأنه أشهر الأخافش على الإطلاق، فإطلاقه عن القيد يغني لشهرته عن لزوم تقييده به دائما، في حين لا غنى عن تقييد غيره على وجه الدوام بما ينبغي أن يقيد به من خاص لقبه. سكن سعيد بن مسعدة البصرة، مولى لمجاشع بن دارم من تميم، فقطعت نشأته في بني مجاشع بينه وبين فارسيته، وأزالت حياته في البصرة اللكنة عن لسانه، وجعلته يلتزم بالتعبير الفصيح ويحرص على نقاء اللغة وينكر ما ألف الناس استعماله من العامية أو من غير العربية. وقد حملته دواعي الدين وطلب الرفعة على الدرس والتحصيل، فحضر حلقات العلم في مساجد البصرة وأجاد فنون اللغة والنحو إجادة عظيمة، لقنه علم ذلك أعلام المعرفة في عصره، فقد أخذ عنه طائفة جليلة من العلماء مثل: - عيسى بن عمر المتوفى سنة ١٩٤٩ هـ الذي تلقى منه القراءة والنحو والصرف واللغة. - وأبي عمرو بن العلاء المتوفى سنة ١٥٤ هـ الذي أفاد منه في القراءة وعلوم العربية، لكن أكثر ما نقله عنه على قلته جاءه منها بتوسط غيره

стр. 16732

بينهما، فقد كان يقول مثلا " زعم يونس عن أبي عمرو بن العلاء ". - ويونس بن حبيب المتوفى سنة ١٨٢ هـ الذي أفاد منه ونقل عنه في النحو والصرف واللغة، وفي القراءة والتفسير، وفى الرواية عن العرب والشعراء، وفي معاني الشعر. - وأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٩ هـ أو سنة ٢١٣ هـ الذي اتهم الأخفش بأن كتابه في معاني القرآن صورة مغيرة لكتاب (١) معمر فيها. - وأبي زيد الأنصاري البصري المتوفى سنة ٢١٤هـ أو سنة ٢١٥هـ الذي أفاد منه في الصرف وفي لغات العرب، التي كان يروي عنه كثيرا منها. أما تلمذة الأخفش للخليل المتوفى سنة ١٦٠هـ أو سنة ١٧٠هـ، ففي جمهرة المصادر القديمة أن الأخفش لقي من لقيه سيبويه عنهم، والخليل كما هو معروف من هؤلاء، بل هو أهمهم وأكثرهم أثرا في سيبويه. وبعض هذه المصادر ينفي ذلك، قال ابن جني نقلا عن أستاذه أبي علي: " كان الأخفش مع الخليل في بلد واحد فلم يحك عنه حرفا " (٢). وأغلب الظن عندي أن الأخفش قد تلمذ للخليل مرتين إحداهما مباشرة في العروض والأخرى في النحو بطريق غير مباشر، فقد كان الأخفش شديد العناية بالعروض والنحو معا، لذلك طلبهما عند أربابهما وأصحاب العلم الواسع فيهما، ولم يكن آنذاك من هو أعلم بهما من الخليل أستاذ سيبويه. أما العرض فلم يكن ثم من فكر فيه وشغل باختراعه ثم اشتغل به آنذاك سوى الخليل، لهذا لازمه الأخفش لتلقي هذا العلم الجديد على

стр. 16733

يديه، يدل على ذلك ويؤكده ما أجمعت عليه الروايات من أن عروض الخليل لم يأت إلا من طريق الأخفش، وأن هذا زاد في العروض فيما بعد بحر الخبب (١). وأما النحو فقد كان الميدان في درسه واسعا، والمشتغلون به كثيرون، وجلهم متميز قوي متمكن منه ومن اللغة أيضا، من هنا طرق الأخفش فيهما كل باب، وجلس إلى جميع المشاهير فيهما في زمانه وسمع منهم وتلمذ لهم، ويبدو أن انشغاله بالتلقي عن أساتذته الجهابذة في النحو، واستغراقه في ذلك كل الوقت لم يكن يسمح له بالحضور في حلقة الخليل النحوية وأن اكتفاءه بما يفيده منهم، لم يكن ليجعله حريصا على غيرهم، فاكتفى لذلك بأن يقصد حلقة الخليل في دروس العروض التي تفرد بها والتي لم يكن ليجدها عند غيره ليتلقى عنه هذا العلم وحده بشكل مباشر. أما النحو وغيره من علوم الآلة وكذلك اللغة فقد تلقى ما تلقاه منها عن الخليل من طريقين غير مباشرين، أحدهما: ما كان يسمعه من أساتذته من علم الخليل، والثاني: طريق كتاب سيبويه الذي كان معرضا لآراء أستاذه الخليل والذي كانت عامة الحكاية فيه عنه. إن التأمل فيما ذكرته أكثر المصادر وفيما نقله ابن جني عن الفارسي قادني في محاولة التوفيق بينهما بما يجعلهما يسلمان مما يظهر عليهما لأول وهلة من التناقض إلى قول ما قلت، فأبو علي في أغلب ظني قصد إلى نفي تلقي الأخفش النحو والصرف واللغة - وهي العلوم التي كان أبو علي يهتم بها ويكاد يقصر علمه عليها - عن الخليل على نحو مباشر، ولم يقصد إلى نفي تلقي العروض - الذي لم يكن معنيا به - عنه على هذا النحو، أما

стр. 16734

الجمهور فقد أطلق القول إطلاقا وعممه تعميما، ولكنه لم يحدد أي الدرسين كان من الأخفش على الخليل مباشرة وأيهما كان عن طريق الكتاب وغيره. ومن أساتذة الأخفش سيبويه المتوفى سنة ١٦١هـ أو سنة ١٨٨هـ أو سنة ١٩٤هـ. وكان الأخفش أحفظ تلاميذه وأعلمهم حتى نعت لذلك بصاحب سيبويه أو صاحب كتاب سيبويه، وقد روى عن سيبويه كتابه بل كان الطريق الوحيدة إليه إذ لا يعرف أحد سواه قرأه على سيبويه أو قرأه سيبويه عليه، وقد جعل هذا الصلة بينهما عميقة وأواصر الصداقة منعقدة وملازمة الأخفش لسيبويه مستمرة. ومن أساتذة الأخفش الذين أخذ عنهم نحوا أو غيره بمقدار أو بآخر أبو الخطاب الأخفش، وقعنب بن أبي قعنب المعروف بأبي السمال العدوي البصري القارئ، وأبو مالك عمرو بن كركرة النميري، وحماد بن الزبرقان، وكانا بصريين، وعلي الجمل وهو نحوي مغمور كان بالمدينة وضع كتابا في النحو (١) منه، وأبو شمر المعتزلي الذي اكتسب الأخفش منه علما بالكلام وحذفا للجدل وتأثر بآرائه الاعتزالية في كتابه " معاني القرآن " مما جعله يؤول آيات الصفات وينفي الرؤية ويؤول آياتها وينحو هذا النحو في غير ذلك من آيات العقيدة في القرآن الكريم. وقد انفرد السيوطي (٢) بالقول إنه حدث عن الكبلي والنخعي وهشام بن عروة. وكان يكثر من استعمال " بعضهم " وممن عناهم بهذا اللفظ الحسن البصري وبعض أساتذته المعروفين كسيبويه وأبي عمرو بن العلاء.

стр. 16735

وكان للأخفش وراء هؤلاء أساتذة آخرون لا نعرف عنهم شيئا لأنه لم يصرح بأسمائهم في كتبه، وإنما كان يعبر عنهم بضمير الجماعة أو بالمفسرين أو بأهل التأويل أو بالنحويين أو بالجماعة أو بمن أثق به أو بعض أهل العلم، ولم توضح قرينة من نقوله عنهم أو نحوها، أو يذكر أحد من مترجميه أو شراحه من عنى بهذه التعبيرات. أما تلاميذ الأخفش فقد كان الكسائي رأس الكوفيين وأحد القراء المشهورين المتوفى سنة ١٨٩ هـ في مقدمتهم، بدأت الصلة بينهما بعد المناظرة المشهورة التي جرت بين الكسائي وسيبويه في المسألة الزنبورية، وحين مر سيبويه بالبصرة مخذولا عرف الأخفش خبره مع الكسائي ثم مضى إلى الأهواز فما كان من الأخفش إلا أن تزود وركب سمارية (أي سفينة) توجه بها إلى بغداد ثم توجه إلى مسجد الكسائي وجلس في حلقته وكان فيها الفراء وأبو الحسن علي بن المبارك المعروف بالأحمر وهشام بن معاوية الضرير وابن سعدان من الكوفيين، وسأله عن مائة مسألة فأجاب الكسائي عنها بجوابات خطأه الأخفش في جميعها حتى أراد أصحاب الكسائي الوثوب عليه فمنعهم وعرفه وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه وطلب إليه أن لا يفارقه فأجابه إلى طلبه حتى إذا ما اتصلت الأيام وتوطدت الصلة بينهم سأله أن يؤلف كتابا في معاني القرآن فألفه فجعله الكسائي له إماما وعمل عليه كتابا في المعاني (١)، ثم إن الأخفش عاد إلى البصرة وجاء الكسائي إليها وسأله أن يقرأ عليه كتاب سيبويه فأقرأه فوجه إليه الكسائي خمسين دينارا أو سبعين (٢). ومن تلاميذه أيضا هشام بن معاوية الضرير المتوفى سنة ٢٠٩ هـ الذي كان بين تلاميذ الكسائي في حلقته في مسجده ببغداد حين جاء
следующие страницы →