← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 16731–16770 · переход к 16736.

стр. 16731

٣١٥ هـ ببغداد، قرأ على ثعلب والمبرد واليزيدي، ورحل إلى مصر ثم إلى حلب فبغداد، قال المرزياني: إنه " لم يكن بالمتسع في الرواية للأخبار والعلم بالنحو، وما علمته صنف شيئا ولا قال شعرا، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يواصل مساءلته " (١) لكن ياقوت ذكر أن له كتاب " التثنية والجمع " وكتاب " شرح سيبويه " وكتاب "تفسير رسالة كتاب سيبويه " (٢). وقد تعارف الباحثون على أن لقب " الأخفش " إذا أطلق انصرف إلى الأخفش الأوسط دون سواه، لأنه أشهر الأخافش على الإطلاق، فإطلاقه عن القيد يغني لشهرته عن لزوم تقييده به دائما، في حين لا غنى عن تقييد غيره على وجه الدوام بما ينبغي أن يقيد به من خاص لقبه. سكن سعيد بن مسعدة البصرة، مولى لمجاشع بن دارم من تميم، فقطعت نشأته في بني مجاشع بينه وبين فارسيته، وأزالت حياته في البصرة اللكنة عن لسانه، وجعلته يلتزم بالتعبير الفصيح ويحرص على نقاء اللغة وينكر ما ألف الناس استعماله من العامية أو من غير العربية. وقد حملته دواعي الدين وطلب الرفعة على الدرس والتحصيل، فحضر حلقات العلم في مساجد البصرة وأجاد فنون اللغة والنحو إجادة عظيمة، لقنه علم ذلك أعلام المعرفة في عصره، فقد أخذ عنه طائفة جليلة من العلماء مثل: - عيسى بن عمر المتوفى سنة ١٩٤٩ هـ الذي تلقى منه القراءة والنحو والصرف واللغة. - وأبي عمرو بن العلاء المتوفى سنة ١٥٤ هـ الذي أفاد منه في القراءة وعلوم العربية، لكن أكثر ما نقله عنه على قلته جاءه منها بتوسط غيره

стр. 16732

بينهما، فقد كان يقول مثلا " زعم يونس عن أبي عمرو بن العلاء ". - ويونس بن حبيب المتوفى سنة ١٨٢ هـ الذي أفاد منه ونقل عنه في النحو والصرف واللغة، وفي القراءة والتفسير، وفى الرواية عن العرب والشعراء، وفي معاني الشعر. - وأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٩ هـ أو سنة ٢١٣ هـ الذي اتهم الأخفش بأن كتابه في معاني القرآن صورة مغيرة لكتاب (١) معمر فيها. - وأبي زيد الأنصاري البصري المتوفى سنة ٢١٤هـ أو سنة ٢١٥هـ الذي أفاد منه في الصرف وفي لغات العرب، التي كان يروي عنه كثيرا منها. أما تلمذة الأخفش للخليل المتوفى سنة ١٦٠هـ أو سنة ١٧٠هـ، ففي جمهرة المصادر القديمة أن الأخفش لقي من لقيه سيبويه عنهم، والخليل كما هو معروف من هؤلاء، بل هو أهمهم وأكثرهم أثرا في سيبويه. وبعض هذه المصادر ينفي ذلك، قال ابن جني نقلا عن أستاذه أبي علي: " كان الأخفش مع الخليل في بلد واحد فلم يحك عنه حرفا " (٢). وأغلب الظن عندي أن الأخفش قد تلمذ للخليل مرتين إحداهما مباشرة في العروض والأخرى في النحو بطريق غير مباشر، فقد كان الأخفش شديد العناية بالعروض والنحو معا، لذلك طلبهما عند أربابهما وأصحاب العلم الواسع فيهما، ولم يكن آنذاك من هو أعلم بهما من الخليل أستاذ سيبويه. أما العرض فلم يكن ثم من فكر فيه وشغل باختراعه ثم اشتغل به آنذاك سوى الخليل، لهذا لازمه الأخفش لتلقي هذا العلم الجديد على

стр. 16733

يديه، يدل على ذلك ويؤكده ما أجمعت عليه الروايات من أن عروض الخليل لم يأت إلا من طريق الأخفش، وأن هذا زاد في العروض فيما بعد بحر الخبب (١). وأما النحو فقد كان الميدان في درسه واسعا، والمشتغلون به كثيرون، وجلهم متميز قوي متمكن منه ومن اللغة أيضا، من هنا طرق الأخفش فيهما كل باب، وجلس إلى جميع المشاهير فيهما في زمانه وسمع منهم وتلمذ لهم، ويبدو أن انشغاله بالتلقي عن أساتذته الجهابذة في النحو، واستغراقه في ذلك كل الوقت لم يكن يسمح له بالحضور في حلقة الخليل النحوية وأن اكتفاءه بما يفيده منهم، لم يكن ليجعله حريصا على غيرهم، فاكتفى لذلك بأن يقصد حلقة الخليل في دروس العروض التي تفرد بها والتي لم يكن ليجدها عند غيره ليتلقى عنه هذا العلم وحده بشكل مباشر. أما النحو وغيره من علوم الآلة وكذلك اللغة فقد تلقى ما تلقاه منها عن الخليل من طريقين غير مباشرين، أحدهما: ما كان يسمعه من أساتذته من علم الخليل، والثاني: طريق كتاب سيبويه الذي كان معرضا لآراء أستاذه الخليل والذي كانت عامة الحكاية فيه عنه. إن التأمل فيما ذكرته أكثر المصادر وفيما نقله ابن جني عن الفارسي قادني في محاولة التوفيق بينهما بما يجعلهما يسلمان مما يظهر عليهما لأول وهلة من التناقض إلى قول ما قلت، فأبو علي في أغلب ظني قصد إلى نفي تلقي الأخفش النحو والصرف واللغة - وهي العلوم التي كان أبو علي يهتم بها ويكاد يقصر علمه عليها - عن الخليل على نحو مباشر، ولم يقصد إلى نفي تلقي العروض - الذي لم يكن معنيا به - عنه على هذا النحو، أما

стр. 16734

الجمهور فقد أطلق القول إطلاقا وعممه تعميما، ولكنه لم يحدد أي الدرسين كان من الأخفش على الخليل مباشرة وأيهما كان عن طريق الكتاب وغيره. ومن أساتذة الأخفش سيبويه المتوفى سنة ١٦١هـ أو سنة ١٨٨هـ أو سنة ١٩٤هـ. وكان الأخفش أحفظ تلاميذه وأعلمهم حتى نعت لذلك بصاحب سيبويه أو صاحب كتاب سيبويه، وقد روى عن سيبويه كتابه بل كان الطريق الوحيدة إليه إذ لا يعرف أحد سواه قرأه على سيبويه أو قرأه سيبويه عليه، وقد جعل هذا الصلة بينهما عميقة وأواصر الصداقة منعقدة وملازمة الأخفش لسيبويه مستمرة. ومن أساتذة الأخفش الذين أخذ عنهم نحوا أو غيره بمقدار أو بآخر أبو الخطاب الأخفش، وقعنب بن أبي قعنب المعروف بأبي السمال العدوي البصري القارئ، وأبو مالك عمرو بن كركرة النميري، وحماد بن الزبرقان، وكانا بصريين، وعلي الجمل وهو نحوي مغمور كان بالمدينة وضع كتابا في النحو (١) منه، وأبو شمر المعتزلي الذي اكتسب الأخفش منه علما بالكلام وحذفا للجدل وتأثر بآرائه الاعتزالية في كتابه " معاني القرآن " مما جعله يؤول آيات الصفات وينفي الرؤية ويؤول آياتها وينحو هذا النحو في غير ذلك من آيات العقيدة في القرآن الكريم. وقد انفرد السيوطي (٢) بالقول إنه حدث عن الكبلي والنخعي وهشام بن عروة. وكان يكثر من استعمال " بعضهم " وممن عناهم بهذا اللفظ الحسن البصري وبعض أساتذته المعروفين كسيبويه وأبي عمرو بن العلاء.

стр. 16735

وكان للأخفش وراء هؤلاء أساتذة آخرون لا نعرف عنهم شيئا لأنه لم يصرح بأسمائهم في كتبه، وإنما كان يعبر عنهم بضمير الجماعة أو بالمفسرين أو بأهل التأويل أو بالنحويين أو بالجماعة أو بمن أثق به أو بعض أهل العلم، ولم توضح قرينة من نقوله عنهم أو نحوها، أو يذكر أحد من مترجميه أو شراحه من عنى بهذه التعبيرات. أما تلاميذ الأخفش فقد كان الكسائي رأس الكوفيين وأحد القراء المشهورين المتوفى سنة ١٨٩ هـ في مقدمتهم، بدأت الصلة بينهما بعد المناظرة المشهورة التي جرت بين الكسائي وسيبويه في المسألة الزنبورية، وحين مر سيبويه بالبصرة مخذولا عرف الأخفش خبره مع الكسائي ثم مضى إلى الأهواز فما كان من الأخفش إلا أن تزود وركب سمارية (أي سفينة) توجه بها إلى بغداد ثم توجه إلى مسجد الكسائي وجلس في حلقته وكان فيها الفراء وأبو الحسن علي بن المبارك المعروف بالأحمر وهشام بن معاوية الضرير وابن سعدان من الكوفيين، وسأله عن مائة مسألة فأجاب الكسائي عنها بجوابات خطأه الأخفش في جميعها حتى أراد أصحاب الكسائي الوثوب عليه فمنعهم وعرفه وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه وطلب إليه أن لا يفارقه فأجابه إلى طلبه حتى إذا ما اتصلت الأيام وتوطدت الصلة بينهم سأله أن يؤلف كتابا في معاني القرآن فألفه فجعله الكسائي له إماما وعمل عليه كتابا في المعاني (١)، ثم إن الأخفش عاد إلى البصرة وجاء الكسائي إليها وسأله أن يقرأ عليه كتاب سيبويه فأقرأه فوجه إليه الكسائي خمسين دينارا أو سبعين (٢). ومن تلاميذه أيضا هشام بن معاوية الضرير المتوفى سنة ٢٠٩ هـ الذي كان بين تلاميذ الكسائي في حلقته في مسجده ببغداد حين جاء

стр. 16736

الأخفش إليه. وممن درس على الأخفش وروى عنه الجرمي المتوفى سنة ٢٢٥ هـ ورفيقه المازني المتوفى سنة ٢٣٦ هـ أو سنة ٢٤٧ هـ أو سنة ٢٤٩ هـ وقد أخذا عنه الكتاب (١). ومن تلاميذه أبو حاتم السجستاني المتوفى سنة ٢٥٠ هـ أو سنة ٢٥٥ هـ الذي روى عنه ودرس عليه كتاب سيبويه مرتين، ومرد علم أبي حاتم بالنحو إنما هو إليه، لكنه اشتهر بأنه كان حسودا ذماما فنال أستاذه الأخفش من اتهاماته نصيب، ولعل السبب في تحامل أبي حاتم على الأخفش على الرغم من أن هذا كان أستاذا له أنه طعن في فهم تلميذه للغة القرآن فرد عليه السجستاني بعنف (٢) ورماه ببعض المثالب وشيء من العيوب. ومن تلاميذه الرياشي اللغوي المقتول بالبصرة سنة ٢٥٧ هـ وقد تلمذ للأخفش وروى عنه، لكنه قرأ الكتاب على تلميذه المازني (٣). ومنهم أبو عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني المتوفى سنة ٢٨٨ هـ وقد اشتهرت روايته مسألتين في اللغة عن الأخفش، كما كثرت روايته عنه في كتابه " معاني الشعر " (٤). وانفرد أبو الطيب (٥) اللغوي وتابعه السيوطي (٦) بالقول إن من تلاميذ الأخفش أبا العباس الناشئ ولكن لم تعرف له في كتب النحو مسائل تؤكد ذلك. وذكرا (٧) أيضا أن التوزي المتوفى سنة ٢٣٠هـ يعد في تلاميذه وقد قال التوزي نفسه إنه روى عن الأخفش، ونص ابن دريد على أخذه عنه، كما ذكر أبو حاتم أنه حضر ذات يوم مجلس الأخفش وعنده التوزي،

стр. 16737

وأنهما ناقشاه. أما الزيادي المتوفى سنة ٢٤٩ هـ فقد ذكر أنه أفاد من الأخفش في سؤال وجهه إليه عن قولهم: " مررت برجل قائم زيد أبوه، أأبوه بدل أم صفة؟ " (١). وقد تلمذ قطرب المتوفى على المشهور في عام ٢٠٦ هـ للأخفش، لكن أخذه عنه كان قليلا لا يعدو عدة مسائل. ومن تلاميذ الأخفش: اليزيدي (٢) المتوفى سنة ٢٢٥، وقد روى عنه كتابه: " معاني القرآن " وعرض عليه. والطوال (٣) المتوفى سنة ٢٤٣ هـ الذي روى عنه وتابعه في مسائل عديدة (٤) والجاحظ (٥) المتوفى سنة ٢٥٥ هـ. وقد تحدث في كتبه أكثر من مرة عن الأخفش وعلمه بالشعر، وعن علاقته بطلابه. وقد خلف الأخفش مؤلفات عديدة في فنون متنوعة، منها في النحو والصرف واللغة: المقاييس، المسائل الصغيرة، الاشتقاق، معاني الشعر، الأصوات، لامات القرآن، التصريف، الواحد والجمع في القرآن، البسيط، هي جميعا مفقودة. ووصلنا من مصنفاته أربعة غير تامة هي: كتاب " معاني القرآن " الذي ألفه في بغداد بناء على طلب الكسائي. كتاب " المسائل الكبير " في النحو الذي صنفه في بغداد أيضا بعد أن سأله هشام الضرير بخاصة عن فروع نحوية، وبعد أن رأى اهتمام تلاميذه الكوفيين جميعا بالمسائل المتفرقة في النحو والصرف (٦). كتاب " الأوسط " في النحو. كتاب " العروض والقوافي ".

стр. 16738

وقد أوردت المصادر نقولا كثيرة من أكثر كتب الأخفش النحوية واللغوية المفقودة، وذكر بعض المصنفين أسماء بعضها، فقد نقل على سبيل المثال من كتابه " الواحد والجمع في القرآن " في الهمع والمزهر (١)، ومن كتابيه " المسائل الصغير " و " البسيط " في الأشباه والنظائر (٢) وذكر ابن جني في الخصائص كتابه " المقاييس " (٣). ولقد عاش الأخفش ملء السمع والبصر، فقد صحب سيبويه، وكان أبرع تلاميذه على الإطلاق، أخذ عنه كل ما عنده، وحرص على أن يقرأ عليه الكتاب مدققا فيه مستفسرا منه عن كل مشكلاته (٤)، وحين برع التلميذ في النحو ناظر أستاذه كما أن الأستاذ إدركا منه لما آل إليه الأخفش من سعة العلم عرض عليه أشياء لاعتقاده أنه أعلم منه الآن بعد أن كان سيبويه أعلم (٥)، وقد زاد تبجيل سيبويه له من تواضعه لأستاذه، فهو القائل له " إنما ناظرتك لأستفيد لا لغيره " (٦) فيجيبه سيبويه: " أتراني أشك في هذا " (٧). هكذا كان الأخفش على علم دقيق بمنهج سيبويه وبمحتويات كتابه، وهكذا كانت ثقة سيبويه بالأخفش وبعمق فهمه عظيمة، فسيبويه أعظم النحاة وإمامهم آنذاك، والأخفش تلميذه في كتابه، ومستشاره في بعض ما وضع فيه، وحامله إلى الناس وحافظه للأجيال بعده، وهو في الوقت نفسه العالم بهفواته التي جرى كثير منها على لسانه بعد وفاة سيبويه أمام طلابه، مما حمل الكسائي الكوفي - وكان أحدهم - على أن يرى أنه لم يكن في البصريين من هو أعلم من الأخفش بالكتاب؛ لأنه الذي نبه على عواره (٨). كذلك كانت مصنفات الأخفش النحوية مصادر اعتمد عليها

стр. 16739

العلماء بعده، فكتابه "المسائل الكبير" مثلا مصنف ضخم عول عليه ابن السراج النحوي البغدادي المتوفي سنة ٣١٦هـ في كتابه المعروف "الأصول" وأخذت أيضا كتب النحو المعتمدة نقولا كثيرة منه (١). لكل هذا كان من الطبيعي أن يتعرض الأخفش من معاصريه أو غيرهم لما يتعرض له الأعلام من الأعلام في المعتاد، فوجهت إليه من بعضهم سهام الطعن، ونسبت إلى صياغاته في مؤلفاته المثالب؛ فقد قيل فيه مثلا: إنه كان يتزيد في حب المال، وإن آية ذلك حرصه على أن لا يقرئ كتاب سيبويه للكسائي والجرمي والمازني إلا بالأجر الوفير، وإنه كان يبهم في كتبه ويغمض في أساليبها حتى ضج من ذلك الكبار كالجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥هـ الذي ناقش الأخفش في سبب جعل كتبه في النحو غير مفهومة (٢)، ولامه على ذلك لوما شديدا ودعاه إلى تبسيطها، وقد أجابه الأخفش قائلا: "أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه - يقصد الوضع السهل - قلت حاجاتهم إلي فيها، وإنما كانت غايتي المنالة. . وإنما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسب ذهبت" (٣). وكثعلب الكوفي المتوفى سنة ٢٩١هـ الذي قال لابن الخياط النحوي البغدادي المتوفى سنة ٣٢٠هـ عن كتاب الأخفش: "المسائل الكبير" في النحو: "ويحك صاحبك هذا مجنون يتكلم بما لا يفهم" (٤) فأجابه: "هذا رجل أشرف على بحر فهو يتكلم منه بما يريد" (٥). ولقد حملت صعوبة كتبه وتعقيد أساليبها المصنفين على الاهتمام البالغ بمعالجة ما فيها من الوعورة والحرص على إبانة مقصودها، فكتاب "الأوسط" مثلا جعل المبرد البصري المتوفى سنة ٢٨٥هـ يحرص على

стр. 16740

إيضاحه لأهميته، فصنع عليه كتابا سماه "معنى كتاب الأوسط للأخفش " وكأني بمبرمان النحوي البغدادي المتوفى سنة ٣٢٦هـ قد رأى أن هذا الكتاب المهم الذي يظهر آخر ما استقر عليه الأخفش من الآراء - لأنه الكتاب الذي عاد فيه إلى موافقة سيبويه في عدد من أقواله التي كان خالفه فيها من قبل والذي نص فيه على أن ما عاد إليه هو آخر قوليه (١) - مازال يحيط به الغموض، وأن شرح أستاذه المبرد لم يكن كافيا ولا شافيا في الكشف عن مكنوناته، فانصرف بدوره إلى شرحه مرة أخرى وإلى تجليته في صورة واضحة لا لبس فيها ولا التواء. وقد تحامل عليه أيضا أبو حاتم السجستاني فنسب إليه أنه وضع كتابه في النحو من كتاب علي الجمل نحوي المدينة المغمور، وأنه أخذ كتاب أبي عبيدة في معاني القرآن وادعاه لنفسه بعد أن غير فيه وبدل، وأنه كان يحتج بشعر بشار المتوفى سنة ١٦٧ هـ في كتبه لا لشيء إلا ليدرأ عنه شر لسانه (٢). ومما يشكك في أن يكون احتجاج الأخفش بشعر بشار حقيقة وحقا مقطوعا بهما: أن غير أبي حاتم قد روى أن الاحتجاج بشعر بشار إنما كان من سيبويه (٣) لا من الأخفش، ثم إن هذا الشك قد تحول عندنا إلى ما يشبه اليقين حين رأينا أن الأخفش قد توفي سنة ٢١١هـ أو سنة ٢١٤هـ ولا يعقل أن يكون احتجاجه بشعر بشار مخافة لسانه وبين سنتي وفاتهما نصف قرن من الزمان تقريبا. أما ما زعمه أبو حاتم من أن الأخفش وضع كتابه في النحو من كتاب علي الجمل فإنه يبدو لي أن أبا حاتم انتهز إحدى الفرص ليرمي الأخفش بهذا، فقد رأى الأخفش يقول في كتابه "الزيت رطلان بدرهم"

стр. 16741

في حين كان الزيت لا يذكر في البصرة لأنه ليس بإدام أهلها، فأسرع أبو حاتم إلى اتهامه بالنقل الحرفي - عن علي الجمل وهو النحوي الضعيف وعن كتابه في النحو الذي لم يكن شيئا فذهب - حتى للأمثلة التي لا تستعمل في بيئة الأخفش وأبي حاتم البصرية (١). أما أن الأخفش قد أخذ كتاب أبي عبيدة في معاني القرآن وادعاه لنفسه بعد أن غير فيه وبدل على حد قول أبي حاتم فأحسن جواب على هذا ما روي من أن أبا حاتم قال للأخفش حين رأى كتابه في معاني القرآن: أي شيء هذا الذي تصنع؟ من أعرف بالغريب؟ أنت أو أبو عبيدة؟ فأجابه: أبو عبيدة، فقاله له السجستاني: هذا الذي تصنع ليس بشيء، فأجاب الأخفش: الكتاب لمن أصلحه وليس لمن أفسده (٢). وينبغي لنا مع هذا كله أن نتحفظ في قبول ما وجهه أبو حاتم على وجه الخصوص إلى أمانة الأخفش العلمية من المطاعن، وأن لا ننظر إليه بمعزل عما يكنه أبو حاتم في نفسه للأخفش من التحامل والضغينة لسبب شخصي هو ما رماه به من سوء فهمه لمعاني القرآن، بالإضافة إلى أن أبا حاتم نفسه كان بطبيعته طعانا حقودا كثير الافتراء للمثالب والعيوب يرمي بها غيره بالحق والباطل. ولا يصح أيضا في النظر السليم أن يقبل ما زعم من محاولة الأخفش ادعاء كتاب سيبويه استنادا إلى ما كان بينهما من صلة شخصية وثيقة وعلاقة علمية عميقة، فقد جاء هذا الاتهام في قصة غريبة ذكرتها بعض الروايات، وفحوى هذه القصة أن كتاب سيبويه آل إلى الأخفش بعد موت صاحبه وربما في حياته، وأن الأخفش أخذ يقصد بعد سيبويه

стр. 16742

لقراءته عليه؛ لأنه كان أعلم الناس به وأكثرهم اطلاعا عليه، كما اشتهر عنه استحسانه له ورأيه بأنه لا نظير له في حسنه وصحته وجمعه لأصول النحو وفروعه، وقد علم بهذا الجرمي والمازني فيمن علم فخشيا أن ينتحله، واتفقا على أن السبيل إلى إظهاره ومنع الأخفش من ادعائه هو قراءته عليه بالأجرة، فأرغباه بها مجزية، فقبل، وشرعا في ذلك وأخذا الكتاب عنه ومن ثم أعلنا أنه لسيبويه وأشاعا ذلك (١). إن هذا الزعم لم يثبت على وجه القطع وإن ثبتت قراءة الجرمي والمازني الكتاب على الأخفش، ذلك أنه كان من الممكن أن يكون حب الأخفش للمال ورغبته فيه وميله للاستكثار منه سببا يحمله على أن يضن بإقراء كتاب سيبويه لمن يرغب في ذلك من الطلاب إلا بأجر كبير وداعيا له على أن يخفيه حتى يحمل الراغبين فيه على الانصياع لرغبته في هذا الأجر ولا سيما أنه وحده المالك للنسخة الوحيدة منه، فإنه ليس من الضروري في حكم العقل أن يكون ذلك سببا قطعيا نتهمه من أجله بمحاولة انتحال الكتاب، إذ لا رابط بين الأمرين على وجه لازب. إن هذا الاتهام الذي لم تجمع عليه الروايات ولم يردده أكثرها ملفق في غلبة الظن وهو إن كان صدر من الجرمي والمازني فإنه لا يخلو أن يكون مسببا من الحسد الطبيعي الذي لا يستغرب بين كبار العلماء أو أن مبعثه سبب أو آخر من الأسباب الشخصية. وأيا ما كان الداعي فإن مرد هذا الأمر كله إنما هو بدون شك إلى ما كان عليه الأخفش من منزلة عليا وما اتصف به من اقتدار وتفوق ونبوغ في درس اللغة والنحو مما أنفس معاصريه وغيرهم وأوجدهم وأحفظهم عليه.

стр. 16743

وفي ظني أن حرص الأخفش على المال واتخاذه الوسيلة للحصول عليه عن طريق إغماض المعاني وإبهام المباني حتى يحتاج إليه في إدراك المقاصد فيعمد إلى التعلم بالأجر الذي يريد - إنما كان منه لكي لا يصير إلى ما صار إليه الخليل، وقد عرف أنه عاش فقيرا في خص من خصاص البصرة لا يشعر به أحد وأصحابه يكسبون بعلمه وكتبه الأموال (١)، أو إلى ما صار إليه سيبويه الذي لم يسعفه الحظ في الوصول إلى الثروة والجاه في حياته كما اشتهى، وليصبح في وصوله إلى مراده منهما كالكسائي والفراء فيهيء لنفسه العيش الكريم والمنزلة اللائقة مثلهما. ويؤكد هذا المعنى ما هو معروف من قصة الأخفش مع الكسائي، حين ذهب الأخفش من البصرة إلى بغداد؛ ليثأر لأستاذه سيبويه من خصمه الكسائي، الذي هزمه بغير وجه حق في المناظرة الشهيرة في المسألة الزنبورية في دار الرشيد بحضرته وحضرة وزيره وعلية القوم معهم، ولم يكن سيبويه نفسه ليذهب إلى بغداد ليناظر الكسائي شيخ الكوفيين إلا طمعا في مثل ما رآه عليه من قرب للخلفاء والأمراء والوزراء ونحوهم، وإلا رغبة فيما يؤدي إليه هذا في العادة من نعيم ورفاهية فارهة ونفوذ علمي كان الكسائي ورؤساء النحاة الكوفيين يتمتعون بها جميعا، كذلك لم يكن تلميذه الأخفش - وهو البصري الأصيل كأستاذه - ليتحول بعد وصوله بغداد ولقائه بالكسائي وترحيب هذا به من العداء له بخاصة والخلاف مع الكوفيين بعامة إلى نقيض ذلك تماما لولا ميله إلى مثل ما مال إليه سيبويه من قبل ورغبته فيما رغب فيه، وقد تحقق له على كل حال ما لم يتحقق لأستاذه، فعاشر العظماء في بغداد وعاش مع الكبراء، واختلط بهم، وعلم أولادهم، وأقام المناظرات في مجالسهم، وأفاد منهم مالا

стр. 16744

وجاها، كما استفادوا منه وأولادهم علما ومعرفة، كذلك مازج نحاة الكوفة الميقيمين في بغداد وخالطهم وأقرأ شيخهم الكسائي كتاب سيبويه سرا، وانتهى به الأمر إلى الاتفاق فيما بعد معهم في شطر كبير من آرائهم ومذاهبهم، وإلى الاختلاف مع قومه وأهله من البصريين اختلافا نجده ماثلا في طائفة كثيرة من المسائل النحوية المبثوثة في الأمهات وغيرها. هذا هو الأخفش وهذه هي صورته العلمية ومنزلته العقلية عرضناها فيما سبق من مناقشات، ومن خلال ما أوردنا أيضا في ترجمته من أخبار ومعلومات، وهي جميعا تلقي عليه الضوء ساطعا، وتعد مدخلا حسنا للشروع في درس نحوه درسا على مقدار من التفصيل يناسب طبيعة مثل هذا البحث، لنتمكن من أن نتبين في خاتمة المطاف حقيقة وضعه بين النحاة، ولنعرف درجته في الفن، ولنجيب بعد ذلك على تساؤل مفاده: هل كان الأخفش نحويا كبيرا يسير على وتيرة نظرائه من الكبار فحسب، أم أنه حاول التجديد وأراد أن يشق طريقا مستقلا مميزا خاصا به، أم أنه كان بين بين، يقلد تارة ويجدد أو يحاول التجديد تارة أخرى؟

стр. 16745

دراسات الأخفش النحوية: أ) تمهيد: ما زال الأخفش في نظرنا - على الرغم من وجود بعض الدراسات المستقلة عنه وعن نحوه - محتاجا إلى تجلية موقفه من خلال تمحيص ما جرت به أقلام الباحثين ودار في أبحاثهم ودراساتهم عنه، وكذلك من خلال معاودة درس فروعه ومناقشة آرائه وتقويم دراساته لاجتلاء حقيقة اتجاهاته، وللكشف عن قدراته ومن ثم بيان منزلته ووضعه في

стр. 16746

موضعه الصحيح من تاريخ النحو والنحاة، وذلك على نحو جديد يظهر معه وجه الحق على ما ينبغي له من الوضوح والإنصاف. وهناك حقيقتان لا بد بادئ ذي بدء من التذكير بهما: أولاهما: ما تقرر في الأذهان واستقر في الأفهام وأفاض الباحثون في بيانه من أن العربية لغة خصبة تمتاز بتنوع لهجاتها وتعدد لغاتها، وأنها ثرية بمنظومها غنية بمنثورها، ثرية بأفانين القول وبديع المعاني فيهما، تجد فيها الشعر الرائع والنثر الرفيع والحكمة الفائقة والمثل الدقيق، وأن القرآن الذي نزل بهذه اللغة يتميز بوفرة قراءاته وتنوع درجات هذه القراءات، وبأنه سنام الفصاحة وذروة البلاغة. والثانية: ما هو معروف من أن موقف نحاة البصرة ونحاة الكوفة في دراساتهم النحوية لم يكن واحدا، بل كان متمايزا ومتفاوتا، وأن كلا من الفريقين على وجه العموم وبعض مشاهير النحاة وأعلامهم من كل فريق على وجه الخصوص - قد اتخذوا مواقف مختلفة ومستقلة من الموروثات اللغوية والتزموا أطرا خاصة بفرقهم أو بأنفسهم. وقد أكثر الدارسون من بيان هذا كله إلى جانب إسهامهم في إيضاح الأسس العامة التي التقى عليها جمهور الفريقين، وهم لا يخرجون عن القول بأن موقف النحاة البصريين من الأخذ بأصول الاحتجاج في النحو كان متشددا في حين كان موقف الكوفيين متساهلا. ولقد أصبح هذا القول مستقرا في الأذهان متداولا على الألسنة مسجلا في الكتب. والحق أن هذه القسمة الضيزى التي أرادوا لها أن تكون قاطعة صائبة دقيقة شاملة - ليست كذلك؛ لأن طبيعة الاتجاهات العلمية العامة تنفر من مثل هذا التحديد الصارم والتقسيم الحاسم الذي

стр. 16747

يراد له أن يلبس لباس القانون الجازم الذي لا يند عنه مخالف ولا يشذ عن إطاره فرد واحد. ونحن إذا أمعنا النظر في هذا التقسيم بشكل موضوعي وأدرنا فيه النظر الفاحص، وأمعنا في تحليله وتقليبه وطبقناه على أرض الواقع نجد أنه ليس دقيقا، بل ليس صوابا، لما فيه من تعميم يوقع الباحثين في الخلط أو الخطأ. والحق أن كل إمام من أئمة المدرستين كان له اتجاه عام في دراساته النحوية يوافق فيه أهل مدرسته من أكثر الوجوه، ولكنه في الوقت نفسه كان يخالفهم أو يتفرد من بينهم في وجوه أخرى خاصة وفي مواقف ومسائل بأعيانها، ولولا هذا لما كان إماما ولما استحق هذا اللقب، فالأمر عند كل واحد من هؤلاء لا يقتصر على التقليد المطلق لأهل بلده فقط ولا على الاجتهاد المتفرد الذي يسلخه دائما عن الطابع العام لمدرسته التي ينتسب إليها، وإنما هو مزيج من هذا وذاك فهو تارة مقلد وأخرى متفرد. والتمايز بين هؤلا الأعلام إنما يكون بكثرة التقليد وغلبته على التجديد عند أحدهم، فيسلك لذلك في المقلدين، أو بظهور التجديد ظهورا بينا متمايزا في طائفة حسنة من مسائله، فيسلك لذلك في المجددين، أو بمراوحته بين هذا الموقف وقسيمه فيكون في هذا الفريق باعتبار وفي الآخر باعتبار مخالف. ونحن نجد في كتب النحو وأبحاثه أمثلة كثيرة لهذا، فسيبويه إمام البصريين مثلا كانت له آراء خالفه فيها أشياخه، والفراء شيخ مدرسة الكوفة كان له مذهب انحرف فيه عن مذهب الكسائي شيخ الكوفيين قبله في غير ما موطن، ولنحوينا الأخفش الأوسط آراء خالف فيها أستاذه

стр. 16748

سيبويه بل ربما نقضها وأخرى خالف فيها سائر البصريين، كما أنه أخذ في بعض الأحيان ببعض رأي سيبويه في المسألة الواحدة ورفض بعضه، وروي له في بعض المسائل قولان تابع سيبويه في أحدهما وخالفه في الآخر، وله أيضا مواقف عاد فيها إلى موافقة سيبويه في عدد من الآراء، كان خالفه فيها من قبل، وذكر أن ما عاد إليه هو آخر قوليه (١)، كذلك كانت له مذاهب وآراء كثيرة اتفق فيها مع الكوفيين، مما يسمح بأن يعد واحدا ممن فتحوا أبواب الدرس النحوي أمامهم في وقت مبكر ومهدوا لهم طريقه حتى أصبح له طابعه الخاص الذي عرف به فيما بعد. إن فضل الأخفش على نحو الكوفيين واضح، فقد صنف لهم كتاب "المسائل الكبير" في النحو بعد أن سأله هشام بن معاوية الضرير الكوفي عن مسائل عملها وفروع فرعها، وبعد أن رأى أيضا اهتمام تلاميذه الكوفيين جميعا بالمسائل المتفرقة في النحو والصرف واعتمادهم عليها فلم يعرفوا أكثر مما أورده الأخفش لهم (٢) في هذا الكتاب. ولقد كان لإقراء الأخفش (٣) الكسائي الكوفي كتاب سيبويه أثر في العلاقة العلمية بين الرجلين، فقد تقوت هذه العلاقة بذلك واتصلت، ومن ثم أثرت في نحو الكسائي أولا، وفي نحو الأخفش أيضا، فكان التأثير بذلك متبادلا بين الأستاذ وتلميذه. كذلك ظهر تأثير الأخفش في تلميذه الفراء الكوفي ظهورا واضحا في كتاب "معاني القرآن" الذي عمله الفراء على كتاب الأخفش وكتاب الكسائي (٤) فيها. وهكذا كان شأن سائر الأئمة في الدرس النحوي واللغوي على مر الأيام والعصور. ولنلق الآن نظرة فاحصة على مسائل الأخفش وآرائه ومواقفه، وهي مبثوثة في كتب النحو، وأكثر من أن تحصى، وسنختار في

стр. 16749

دراستنا الآتية نماذج لكل ما أسلفنا القول فيه في هذا التمهيد، وسوف نعرض من خلال هذه النماذج مواقف الأخفش من القراءات القرآنية، ومن لغات العرب، ومن أصول النحو وفروعه، لنرى ما إذا كان يعد في المقلدين فحسب، أو في المجددين وحدهم، أو أنه كان بين هؤلاء وهؤلاء يجدد تارة ويقلد غالبا، أو يفعل عكس ذلك.

стр. 16750

ب) القراءات القرآنية وموقف البصريين والكوفيين بعامة منها: مما عيب به البصريون الإسراف في التأويل والتقدير في آيات القرآن التي تخالف أقيستهم وقواعدهم في حين رغب الكوفيون عن هذا إلا في الضرورة. وفي ظني أن البصريين، وكذلك الكوفيون الذين فعلوا ذلك، إنما فعلوه جميعا لغرض طبيعي هو محاولة إقامة التناسب وإزالة التنافر بين النص وقانونهم النحوي، ولا يلزم أن يكون ذلك لخطأ النص وفساده بل هو إظهاره عن طريق التأويل والتقدير لما في حقيقة هذا النص من التطابق مع قانونه خلافا للتناقض الظاهر بينهما، فيصح النص وكذلك القاعدة ويزول ما يبدو بينهما من تناقض غير حقيقي ويظهر الانسجام بين ما أولوه ووجهوه وقدروه وبين ما قعدوه وقننوه، وفي التمثيل لذلك نذكر قول البصريين: إن الجملة الاسمية إذا وقعت جوابا للشرط وجب ربطها بالفاء وقد تنوب عنها إذا الفجائية، ولما عورضت قاعدتهم هذه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (١) أولوا الشاهد في الآية وقالوا إن "إذا" فيها ليست شرطية وإنما هي ظرف زمان لخبر المبتدأ بعدها، لأنها لو كانت شرطية هنا لوجب اقتران جوابها بالفاء (٢). ولما عورضوا أيضا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ (٣)

стр. 16751

وفيها جواب الشرط جملة اسمية غير مقترنة بالفاء أو بإذا الفجائية وكان من غير الممكن القول بأن "إن" غير شرطية لأن "إن" غير "إذا" ذهبوا بذكاء إلى أن جواب الشرط محذوف وهو مقترن بالفاء وفاقا لقاعدتهم، وأن التقدير "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الوصية للوالدين إن ترك خيرا فليوص". ونسوق في التمثيل لذلك أيضا قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (١) الذي خرجه سيبويه وجمهور البصريين على تقدير فعل محذوف مماثل للفعل المذكور؛ لأن قاعدتهم لا تجيز دخول إن الشرطية على اسم، في حين أعرب القراء وجمه ور الكوفيين الذين يجيزون تقديم الفاعل الاسم الظاهر على فعله - "امرؤ" فاعلا متقدما لفعل الشرط المؤخر المذكور، وأعرب الأخفش البصري "امرؤ" مبتدأ وما بعده خبرا والجملة الاسمية (٢) شرطا لإن، فمجيء شرط إن جملة اسمية من قواعده المقررة. ومع أن إعراب الأخفش ثم إعراب الكوفيين أوضح وأسلس من إعراب جمهور البصريين وإمامهم؛ لأن ما لا يحتاج إلى تقدير خير مما يحتاج إليه كما يقال - فإن ذلك لا يعني أن إعراب البصريين خطأ، كما لا يعني أن مبعث ما فعلوه هو أن نص الآية كما هو غير مستقيم يحتاج إلى تأويل وتقدير لإقامته. والأوجه في هذه الآية ونحوها أن ينبني ترجيح أحد الإعرابين على قسيمه على المفاضلة بينهما باعتبار أن الأفضل والمفضول صحيحان، وأن الأولى لا يقتضي بطلان غير الأولى، ومن ثم لا يسوغ القول إن تقدير سيبويه ومن تابعه وتوجيههم للآية هو تخطئة لها أو التواء بها لتنسجم مع القاعدة النحوية لمجرد التمسك بالصنعة وحدها أو التحمل في تطبيق قواعدها.

стр. 16752

ولقد رمي البصريون أيضا بأنهم -خلافا للكوفيين - لم يستفيدوا في تقرير قواعد النحو وتحرير مسائله من جميع القراءات القرآنية التي تتمثل فيها أفصح لغات العرب حتى إن شذت، مع أن هذه القراءات في كل الأحوال أقوى بكثير من سائر المرويات التي احتجوا بها والتي ليست بقرآن، ومع أن القرآن نفسه بصرف النظر عن قراءاته يعد - كما لا يخفى - الينبوع الأعظم والبرهان الأقوم في مبانيه ومعانيه على حد سواء. وقد استدل الرامون على ما قالوا بمواقف النحاة البصريين في كثير من المسائل النحوية، ومن هذه المسائل على سبيل المثال: قول البصريين تبدل الهمزة من حرف المد الزائد الواقع بعد ألف فعائل أو مفاعل نحو عجائز وصحائف، والأصل عجاوز وصحايف؛ لأن مفرده عجوز وصحيفة، ولا تبدل منه إذا كان أصليا مثل معايب جمع عيب ومعاون جمع عون فلا يقال فيهما معائب (١) ومعائن. ولما أوردت عليهم قراءة نافع "لكم فيها معائش" قالوا إنها ضعيفة في القياس (٢)، على الرغم من أن نافعا من القراء السبعة وقد روى قراءته العديد من الثقات. وقول بعضهم لا يجوز تسكين لام الطلب بعد ثم إلا في ضرورة (٣) الشعر مع أن جمهور السبعة قرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ (٤)، وقرأ حمزة والكسائي من السبعة وغيرهما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ (٥) بالسكون، وليس في الآيتين ضرورة شعرية. وقول طائفة منهم لا يجوز صوغ اسم التفضيل من أفعل الرباعي إلا شذوذا (٦) وحين أورد عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ (٧) وفيه أقسط وأقوم المصوغان من أقسط وأقام الرباعيين،

стр. 16753

قالوا: إن أقسط مصوغة من قسط الثلاثي بصرف النظر عن أن معنى قسط هو جار ولم يعدل وأن هذا نقيض المعنى المراد في الآية، وقالوا: إن أقوم صحيحة فصيحة ولكن هذا لا يمنع من الحكم بشذوذها هنا حتى لو كانت في القرآن. ويبدو أن البصريين - كما يظهر من هذه النماذج الثلاثة التي ذكرناها ومن نحوها لم يستقصوا وجوه قراءات القرآن على ما ينبغي قبل أن يقرروا قواعدهم ويحرروا ضوابطهم، مما جعلهم يعمدون إلى مثل ما رأينا من الأحكام، حين رأوا قواعدهم تقصر عن شمول بعض القراءات المعتد بها. إن ما سبق حمل مخالفي البصريين وأخصامهم على أن يعيبوا عليهم شدة حفاظهم على قواعدهم، وتمسكهم بها كما وضعت، وركوبهم متن الشطط في جعلها أهم من قبول المسموع والإقرار به كما هو، وتخطئتهم ما يعجزون عن تأويله من الشواهد المختلفة، وحملهم أيضا على أن يرموهم بالمبالغة في التكلف لكي لا تنتقض هذه القواعد بشاهد حتى لو كان من القرآن الكريم، ودفعهم كذلك إلى أن يستنكروا زعم بعض البصريين أن القراءات المخالفة لقوانينهم إن لم تكن ظنا فهي تخليط ربما تولد من خطأ كتاب المصاحف في الرسم، وأن القرآن يجب أن يستمد قراءاته من قواعدهم، مع أن الواجب هو أن يستمدوا قواعدهم من الكتاب العزيز وأن يدينوا له بالإذعان؛ لأنه أفصح كلام عرفه اللسان العربي المبين. على أن كتب النحو والقراءات القديمة والحديثة قد تضمنت ردودا مستفيضة على هذه الاتهامات التي وجهت إلى البصريين ودفاعا حسنا عن مسلك جمهورهم، ويمكن أن أضيف إلى هذه الردود أن ما نسب

стр. 16754

إليهم حتى لو صح بعضه وكان حقا في طرف من الشواهد والآيات فإنه ليس موقفا مستمرا على الدوام لا يفارقهم أجمعين ولا يفارقونه في جميع أحوالهم، فقد رأينا لبعض أئمة البصريين كسيبويه والأخفش مواقف من القراءات - وغيرها - تتسم بالاعتدال والحرص على الاستفادة منها أيا كانت درجتها وعدم إهدار واحدة منها، فهما - وقد حذا حذوهما أيضا كثير من البصريين - قد أكثرا من الاحتجاج بالقراءات القرآنية في كتبهما، كما كثر عندهما توجيه ما لا يجري من القراءات على مقاييس قومهما وقوانينهم توجيها رفيقا لا قسر فيه أو عنتا أو غلوا ولا تنافر فيه أو إخلالا أو إبعادا. ولا يغض من هذا ما حدث أحيانا منهما أو من غيرهما من نحاة مدينتهما، فهو قليل من كثير، لا يغير من حقيقة الحكم عليهما وصوابه فيهما وفيمن تشبه في مسلكه بهما من سائر البصريين. صحيح أن سيبويه قد أطلق على بعض القراءات أوصاف القبح أو الرداءة أو الضعف أو الشذوذ (١) حتى ليظن أنه قد خطأها لذلك، لكن هذا - فيما أرى - لا يعني بالضرورة أن تكون هذه القراءات خطأ أي غلطا، فهذه الأوصاف في حقيقة الأمر شيء، والخطأ بمعنى الغلط شيء آخر، والقراءة المتصفة بواحد من هذه الأوصاف تعد صحيحة، ويقال في المعتاد للصحيح الكثير مطرد، في حين يطلق الشاذ على الصحيح القليل أو النادر، وكلاهما فصيح مقبول، وإنما يقاس على المطرد منهما ويحفظ الشاذ ولا يقاس عليه. ولقد حدث أيضا أن بعض الكوفيين - الذين ينسب إليهم في العادة الانسجام الدائم مع كل القراءات والقبول الكامل بها كما هي

стр. 16755

وإقامة قواعدهم عليها - وقف عند بعض الحروف فقدر وأول ما لا يلزم تقديره وتأويله في الحقيقة، ومن هؤلاء الكسائي، فهو مثلا حين رأى المضارع محذوف النون في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) قال إنها حذفت على تقدير لام الأمر، ورتب على ذلك قاعدة نحوية عامة هي حذف لام الأمر من الفعل المضارع بشرط تقديم الفعل "قل" عليه، بينما رأى البصريون - ورأيهم أيسر - أن الفعل المضارع يجزم في جواب الأمر ترتيبا على الآية ونحوها من قولنا: "ائتني أكرمك" دون تأويل أو تقدير (٢). ولقد كان الكسائي أيضا من أوائل من خطأوا القراء ومنعوا القراءة ببعض الحروف، من ذلك أنه لم يجز قراءة جمهور السبعة الفعل "يكون" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) بالرفع على جعل الكلام مكتفيا بقوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ (٤) ثم قال: " فيكون " أي فيكون ما أراد الله على الاستئناف أو عطف الجمل، ورأى أن الصواب هو النصب على عطف " فيكون " عطف نسق على الفعل المنصوب بـ"أن" وهو "يقول" (٥)، وهو ما قرأ به ابن عامر من السبعة. وقد حذا الفراء حذو أستاذه الكسائي فأنكر عددا من القراءات وخطأ قراءها، فقد اعترض مثلا على قراءة عاصم - من السبعة - والأعمش لكلمة "يؤده" بسكون الهاء في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٦) وقال إن الجزم ليس في الهاء وإنما هو فيما قبلها، وإن ما حدث من عاصم ومن شاكله من القراء خطأ أو توهم. وقد صحح الفراء في بعض الأحيان ما خطأه الكسائي من

стр. 16756

القراءات، قال مثلا: قرأ الكسائي وابن عامر من السبعة "يكون" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) - بالنصب؛ لأنها مردودة؛ أي معطوفة على فعل قد نصب بـ"أن" وهو "نقول" وأكثر القراء على الرفع، والرفع صواب، وذلك أن تجعل الكلام مكتفيا عند قوله تعالى: "إذا أردناه أن نقول له كن" فقد تم الكلام، ثم قال "فسيكون ما أراد الله"، وإنه لأحب الوجهين إلي، وإن كان الكسائي لا يجيز الرفع في الآية ويذهب إلى النسق (٢). كذلك اتفق أئمة البصريين والكوفيين أحيانا على موقف واحد دون خلاف، فعلوا هذا مثلا في قراءة أبي جعفر "ليجزي قوما بما كانوا يكسبون" ببناء الفعل "يجزي" للمجهول، وهي قراءة شاذة، ومع ذلك أخذ بها الكوفيون وكذلك الأخفش البصري وأقاموا عليها قاعدتهم القاضية بجواز إنابة غير المفعول به مع وجوده عن الفاعل وطردوها، ولم يخطئ سيبويه والبصريون أيضا هذه القراءة الشاذة لكنهم ذهبوا إلى أن الاستدلال بها إنما يتم على أن نائب الفاعل هو ضمير مستتر يعود إلى مصدر الفعل المبني للمجهول وهو الجزاء وليس الجار والمجرور، كما قال بذلك الأخفش والكوفيين، أو على أن الجار والمجرور هو نائب الفاعل كما قال هؤلاء، لكن على وجه الاستثناء لأن هذه القراءة تعد عندهم مقبولة كما هي مقبولة عند الأخفش والكوفيين، فلا يسعهم رفضها، لكنهم يحفظونها فلا يقيسون عليها لشذوذها وهي في ذلك تشبه عندهم ما يكون في ضرورات الشعر، في حين يقيس عليها الفريق الآخر مع عدم تواترها ولا يحملها محمل الضرورة (٣). وهذا على كل حال اختلاف بين الكوفيين والأخفش وبين جمهور

стр. 16757

البصريين في التوجيه لا في القراءة. وهكذا يتضح من كل ما سقناه: أنه لم يكن لكل واحدة من المدرستين على حدة، ولا لأحد من رؤسائهما وأعلامهما على التعيين - خط واحد ثابت في ذلك الوقت المبكر في موضوع القراءات لا يحيد عنه ولا يخالفه. وأن القراءات التي وقف عندها النحاة بصريين كانوا أو كوفيين واستشكلوها هي في حقيقة الأمر قليلة إذا قيست بمجموع القراءات، وهي لا تعدو أن تكون حروفا معدودة لا يصح من أجلها أن يعمم الحكم بأن فريقا كان يخطئ القراءات وفريقا آخر يقبلها. والأليق أن يلتمس لهم جميعا العذر فيما فعلوا فيقال: إن من وقف منهم عند قراءة إنما وقف رغبة منه في التحري الدقيق للفظ القرآن ونطقه. وقد سار أيضا على نهج الرعيل الأول من البصريين والكوفيين كسيبويه والأخفش والكسائي والفراء واقتدى بهم في مواقفهم المتنوعة من القراءات من بعدهم من النحاة في المدارس المتعاقبة، ففعلوا مثل ما فعل هؤلاء، اعترضوا تارة على بعض القراءات وتشددوا في حملها على الانسجام مع قواعدهم، وتوسعوا تارة أخرى في الاحتجاج بها وفي اتخاذها على إطلاقها مصادر لقواعدهم دون النظر إلى درجتها، واتفقوا فيها تارة ثالثة على آراء متطابقة لا فرق بينها.

стр. 16758

جـ) موقف الأخفش من القراءات: لم يخرج الأخفش عن الإطار العام الذي التزم البصريون والكوفيون على حد سواء في موضوع القراءات، والتزم به كما التزموا، وعد القراءات

стр. 16759

كما عدوها أساسا قويا من الأسس التي تبنى عليها قواعد النحو وقوانينه، شريطة أن تكون كل قراءة مهما كانت درجتها مطابقة لإحدى لغات العرب حتى لو كانت هذه اللغة أقل فصاحة من غيرها، فإذا جاءت قراءة ما غير مطابقة لأية لغة من لغاتهم فهي مرفوضة، لذلك قبل الأخفش جميع القراءات التي تطابقت مع لغات العرب وعدوها تراثا لا يمكن رده، من ذلك: قراءة الجمهور "يرشدون" بفتح الياء وضم الشين وماضيه رشد بفتح الشين، وقراءة آخرين "يرشدون" بفتح الياء والشين، وماضيه رشد بكسر الشين، وقراءة غيرهم "يرشدون" بضم الياء وكسر الشين، وماضيه أرشد، وهي جميعا لغات (١). قراءة بعضهم "الوقود" بفتح الواو بمعنى الحطب، وقراءة آخرين الوقود بضمها بمعنى المصدر وهو التوقد. قال الأخفش: الوقود بفتح الواو: الحطب والوقود بضمها الفعل، وقال أيضا: حكي أن بعض العرب يجعل الوقود والوقود جميعا بمعنى الحطب والمصدر، وذهب إلى أن الأول أكثر (٢). قراءة يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق وأبي السمال "اشتروا" بكسر الواو لالتقاء الساكنين، كما يكسرون في غير هذا الموضع على الأصل عند التقائهما، وهو في الآية لغة شاذة، وضم الواو هو اللغة المطردة وعليه القراءة الأفشى (٣). وقد رفض الأخفش (٤) قراءة "إن هذين لساحران" (٥) بالياء في "هذين" والألف في "ساحران" التي قرأ بها اللغويان النحويان أبو عمرو بن العلاء من السبعة وعيسى بن عمر، والتي قرأ بها أيضا الحسن البصري

стр. 16760

وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعاصم الجحدري، وهي من القراءات المشهورة المعتد بها والمطابقة لقواعد العربية المجمع عليها والموافقة للقياس النحوي المبني على لغة قوية اطرد سماعها، وذلك لأنها لم توافق رسم المصحف. وهو قد فضل قراءة على أخرى لموافقتها رسم المصحف وذلك في قوله تعالى: "الصراط"، فقد روي عن ابن كثير وأبي عمر السين والصاد، وقرأ ابن عباس بالسين (١)، ففيه على هذا لغتان، وقد اختار الأخفش قراءة الصاد لأنها كتبت كذلك في جميع القرآن، فهي تطابق الرسم القرآني في حين تخالف قراءة السين رسم المصحف. وقد اشترط الأخفش أيضا لقبول أية قراءة أن تكون منسجمة المعنى مع السياق، وهو يردها إذا لم تكن كذلك، فعل هذا مثلا في قوله تعالى: ﴿لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ (٢)، فقد ذكر أن بعضهم يقرأ بتثقيل الصاد، وإنما معنى تثقيلها المتصدقون، وليس التصدق بالمعنى المقصود، وإنما المقصود التصديق (٣). وكان الأخفش يستقصي وجوه الإعراب والقراءات معا في آي القرآن على أكمل وجه وأدقه وأوضحه مما يدل على سعة اطلاعه وواسع إحاطته بالأمرين معا. فهو إذا وجد في آية وجها إعرابيا لم يقرأ به أصلا، أو وجد آية لم يعرف لقراءة فيها وجهها من اللغة، فإنه ينص على ذلك صراحة، فقد ذهب مثلا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) إلى أن "عدة" بالرفع، وإن شئت نصبت على تقدير "فليصم عدة" إلا أن النصب لم يقرأ (٥)، وذهب أيضا في قوله تعالى:

стр. 16761

١ - (كأنه جمالات صفر) إلى أن ابن عباس قرأ "جملات" بضم الجيم، وأن هذا الوجه لا يعرف. وخلاصة القول أن ما مضى من حديث القراءات يفضي بنا إلى أن نقرر مطمئنين أنه لم يكن لأخفشنا في هذا الموضوع موقف متميز تفرد به، وأنه كان كغيره من أئمة النحاة في البلدين مقلدا لأساتذته سائرا على نهجهم العام، مشاركا لأضرابه لم يخرج عن خطهم غالبا، ولم يبدع - فيما أعرف - موقفا يخالف المأولف من مواقفهم.

стр. 16762

د) لغات العرب وموقف البصريين والكوفيين بعامة منها: احتج النحاة من المصرين بالمنظوم والمنثور من كلام العرب الموثوق بعربيتهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين ومخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وطرحوا كلام المولدين والمحدثين بعدهم، وذكر الثقات أن آخر من يحتج بهم إبراهيم بن هرمة المتوفى سنة ١٧٦هـ. وقد رفض بعض غلاة النحويين البصريين القدامى قبول جميع شعر جرير والفرزدق والأخطل ومن في طبقتهم مع أنهم يعدون في الإسلاميين، فإذا وجدوا شيئا من شعرهم لا ينطبق على القواعد التي قرروها لحنوهم، وأخبار عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي في تلحين الفرزدق مشهورة، وقد تزيد بعض هؤلاء النحاة فلحنوا بعض فحول الجاهلية، فهذا عيسى بن عمر مثلا يقول: أساء النابغة بقوله: في أنيابها السم ناقع وكان عليه أن يقول "ناقعا" (١)، وهذا اللغوي ابن فارس أيضا يتابعهم فيقول: "والشعراء أمراء الكلام يقصرون الممدود ولا يمدون المقصور ويقدمون ويؤخرون ويومئون ويشيرون ويختلسون ويعيرون ويستعيرون، فأما لحن في إعراب أو إزالة كلمة عن نهج صواب فليس لهم ذلك، ولا معنى لقول

стр. 16763

من يقول: إن للشاعر عند الضرورة أن يأتي في شعره بما لا يجوز، ولا معنى لقول من قال: ألم يأتيك والأنباء تنمي ، وهذا وإن صح وما أشبهه من قوله: لما جفا إخوانه مصعبا وقوله: قفا عند مما تعرفان ربوع فكله غلط وخطأ وما جعل الله الشعراء معصومين يوقون الخطأ والغلط، فما صح من شعرهم فمقبول وما أبته العربية وأصولها فمردود" (١). ولقد أوقع المغالون من النحويين القدامى ومن تابعهم أنفسهم بهذا الذي قالوه وفعلوه في تناقض شديد، إذ لو قبلنا منهم أن نصم أمثال هؤلاء الشعراء الكبار باللحن في موطن فمن يضمن لنا سلامتهم من اللحن في مواطن أخرى كان هؤلاء النحاة قد اتخذوا منها سندا في تقرير أصل من أصولهم أو تأييد رأي من آرائهم. ولو أن النحاة واللغويين البصريين المتشددين قالوا في كل كلام لا ترضاه مقاييسهم وقواعدهم: هو لغة أقل فصاحة، لكان ذلك موقفا حسنا؛ لأن لغات القبائل تتفاوت في مستوى الفصاحة، فلغة أزد عمان مثلا دون لغة هذيل، وهذه أقل من لغة قريش، وهكذا. ولم تكن نظرة هؤلاء النحاة البصريين إلى القبائل العربية أفضل من نظرتهم إلى من ذكرنا من الشعراء، فهم لم يكونوا يعتدون بكل هذه القبائل، وهم لم ينظروا إليها على حد سواء، كما فعل الكوفيون، بل كان جل اعتمادهم على القبائل الضاربة في كبد الجزيرة؛ مثل قيس وأسد وتميم وهذيل وبعض كنانة وطيء. كذلك كان نحاة البصرة إذا وجدوا في الشواهد المنظومة - وهي تشكل معظم مادة الشواهد النحوية - ما لا ينطبق على ضوابطهم وأعيتهم الحيل في توجيهها وتأويلها حملوها على الضرورة الشعرية سواء

стр. 16764

كان للشاعر منها مندوحة أو لم يكن. ولقد أدى هذا المسلك وذلك إلى سقوط الاحتجاج عند البصريين بمجموع غير يسير من شعر القبائل المعتد بها والمعتمد عليها في الشاهد، فقد ترك البصريون الاحتجاج بكلامها؛ لأنها لم تسكن حيث يريدون، هذا بالإضافة إلى الضرورة الشعرية التي منعتهم أيضا من الاستشهاد بكثير. أما الكوفيون فقد قبلوا كل لغة وشاهد، حتى الشعر المصنوع والمنسوب لغير قائله قبلوه، واكتفوا كذلك بالشاهد الواحد، وباللغة الشاذة واللفظ الذي لم يطرد في الاستعمال ما دام فصيحا ليس فيه لحن صريح، وبنوا على كل ذلك أحكامهم واستنبطوا منها قواعدهم وأقاموا عليها أقيستهم، بل لقد رخصوا بالقياس النظري على مقتضى الرأي أحيانا إذا أعوزهم الشاهد، كذلك اعتدوا بلغات الأعراب وأشعارهم ممن فسدت فيهم السليقة بسبب الاختلاط بالحضر، فعل ذلك مثلا شيخ الكوفيين الكسائي الذي اعتمد على كلام أعراب الحطمية الذين يسكنون قرب بغداد في الاحتجاج لرأيه في مناظرته الشهيرة في المسألة الزنبورية مع شيخ البصريين سيبويه الذي أنف من الاحتجاج بكلامهم، وفعل مثل هذا وأكثر منه غير الكسائي من سائر مشاهير الكوفيين وأعلامهم. وقد أدى كل ما سبق بالكوفيين إلى أن يقل عندهم التأويل والحكم بالشذوذ والضرورات خلافا للبصريين الذين كثر عندهم ذلك. وإنه ليمكننا في ضوء ما قررناه أن نقول: إننا نستطيع أن نشبه البصريين بالمحافظين المتمسكين بالقديم الثابت، والكوفيين بالمجددين الذين يتلمسون التوسع ويجرون وراء الابتكار.

стр. 16765

على أن النحاة البصريين القدماء ومن تابعهم واصطبغ نحوه بمذهبهم - وكذلك اللغويون - لم يكونوا يجمعون على الالتزام الدائم بموقفهم الصارم في تحكيم قوانينهم في المأثور من كلام العرب، فقد كان منهم من يخالف موقفه موقف قومه العام قليلا أو كثيرا، وكان منهم أيضا من يخالف فعله قوله في بعض الأحايين، ومن هذا وذاك: أنهم قالوا مثلا بعدم جواز إدخال "أل" على كل وبعض، لكنهم استعملوها معهما غير آبهين لقيدهم، وكتب النحو القديمة مليئة بمصطلح "بدل البعض من الكل" و"بدل الكل من الكل" جرى ذلك على ألسنة النحاة البصريين القدماء وفيهم سيبويه والأخفش وأضرابهما، وعلى ألسنة من بعدهم من مقدميهم وغيرهم مما لا تخطئه العين في هذه الكتب. وأنهم قالوا أيضا: لا تستعمل كلمات كافة وقاطبة وطرا ومعا وعامة إلا منصوبة ومجردة من أل والإضافة، لكنهم لم يتحرجوا في استعمالها في كتبهم على خلاف ما قرروه، من ذلك قول الزمخشري: "ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب إلى معرفة كلام العرب لإنشاء كتاب في الإعراب محيط بكافة الأبواب" (١) وقول الرازي "الكافة: الجميع من الناس" (٢). وقال سيبويه: "وأما بلى فتوجب بها بعد النفي، وأما نعم فعدة وتصديق" (٣) لكنه استعمل في الوقت نفسه نعم موضع بلى فأوجب بها بعد النفي (٤). ومنع الحريري أن تلتقي "بينما" بإذ مع أن كتب العربية مشحونة بهذا الاستعمال، ولكن الحريري نفسه لم يلتزم بما منع، بل لقد أكثر من مخالفة ما منعه، فقد قال مثلا في إحدى مقاماته: "فبينما أنا تحت طراف،

стр. 16766

مع رفقة ظراف، وقد حمي وطيس الحصباء. . . إذ هجم علينا شيخ" (١)، وقال في مقامة أخرى: "وبينما نحن في فكاهة أطرب من الأغاريد. . إذ احتف بنا ذو طمرين" (٢)، وقال مثل ذلك في سائر المقامات.

стр. 16767

هـ) موقف الأخفش من لغات العرب: علينا بعد الصورة العامة السابقة التي عرضناها لمواقف النحويين البصريين القدامى من لغات العرب أن ننظر في نحو الأخفش نفسه - وهو منهم - لنزداد معرفة بموقفه من هذه اللغات، فمن مسائل الأخفش: نقله كسر الشين في قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (١) عن بني تميم أهل نجد، ونقله تسكينها عن أهل الحجاز. روايته عن بعض العرب طفق يطفق من باب ضرب والمصدر طفوق إلى جانب اللغة المطردة على ألسنتهم وهي طفق يطفق من باب فرح يفرح والمصدر طفق، وكلا اللغتين فصيح (٢). حكايته عن العرب أنهم يقولون: "آخذه الله بذلك وواخذه الله، لغتان" (٣). قبوله من بكر بن وائل سكان شرق الجزيرة، والبصريون لا يطمئنون إلى لغتهم لمجاورتهم النبط والفرس، ومن عبد القيس، والبصريون لا يأخذون بلغتهم لأنهم كانوا من سكان البحرين مخالطين للهند والفرس، ومن أهل اليمن الذين لا يحتج بهم أصلا لمخالطتهم الهند والحبشة وولادة الحبشة فيهم، ومن أزد عمان الذين لم يحتج بهم البصريون لمخالطتهم الهند

стр. 16768

والفرس، ومن بني قشير الذين سكنوا اليمامة، والبصريون لا يأخذون عن أهلها لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ومن حاضرة الحجاز مخالفا في ذلك منهج قومه البصريين في عدم أخذهم منها شيئا لأن الذين نقلوا اللغة صادفوا أهلها حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم (١). فقد احتج مثلا مع الكوفيين على عمل "لعل" الجر ببيت كعب بن سهم الغنوي: فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب وهو من بني عقيل بن كعب (٢) من سكان البحرين. وقبل أيضا لغة بني قشير "سخين" بالخاء للسكين (٣)، وجمعها سخاخين. ونقل قراءة أهل المدينة الشاذة "قيما" بتخفيف الياء مع تسكينها وفتح القاف في قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (٤)، وقبل هذه القراءة الشاذة بل إنها حسنة ولم أسمعها من العرب (٥). يتضح من هذه المسائل أن الأخفش احترم لغات العرب جميعا احتراما تاما ورآها الأصل الأول الذي يركن إليه، لذلك نقلها، سواء في ذلك ما سمعه من العرب بنفسه أو ما رواه عمن سمع من العرب أو ما لم يسمعه أو يروه وإنما وجد له تعلة فحسب يتعلل بها لقبوله من قراءة شاذة ونحو ذلك. وقد قبل هذه اللغات كلها سواء أكانت مما يقبله قومه البصريون أم يرفضونه، وهو بهذا يجدد في موقفه ويخرج عن النمط التقليدي المحافظ لقومه ليقف مع الكوفيين في اتجاههم العام إلى الاحتجاج بكل لغة مهما كانت درجتها من الفصاحة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم

стр. 16769

تعصبه لأهل بلده وعلى انفتاحه وإباحته ما حرموه والأخذ بما تركوه والإقرار بما أنكروه عن قصد وإرادة لا يشوبها تردد أو إحجام وعلى استعداده لقبول ما يعتقده حقا من مواقف منافسيهم حتى لو كان قومه يرونه غير ذلك، أو للانفراد بجديد لم يقل به غيره أو يسمع به هو وسواه من هذه اللغات. على أن الأخفش خالف في الوقت نفسه بعض ما سمع من العرب الثقات مما يعني أنه كان يتخذ أحيانا موقفا مستقلا يرجح فيه ما يرى رجحانه من لغة على أخرى مع فصاحتهما واحترامه لهما، من ذلك: النسب إلى "شية" ونحوها مما هو محذوف الفاء معتل اللام، فقد قال في النسب إليها "وشيي" على وزن "فعلي" برد فاء الكلمة وتسكين عينها وكسر لامها لمناسبة ياء النسب مع بقائها ياء، خلافا لما سمع من ناس من العرب يحتج بقولهم، على ما حكاه الأخفش نفسه عن يونس من أن حمادا الراوية حدثه أنهم يقولون في النسب إلى شية " شيوي " على وزن " علوي" بوضع الفاء موضع اللام ثم النسب، وقد خالف الأخفش في صيغته سيبويه أيضا الذي رأى أن النسب إلى شية هو "وشوي" على وزن "فعلي" برد فاء الكلمة وفتح عينها وقلب لامها واوا مكسورة (١).

стр. 16770

الأخفش في سائر دراساته النحوية: أ) الحدود والتعاليل: عني الأخفش بتطوير حدود أساتذة سيبويه وإخراجها عن الفطرة البسيطة إلى شيء من المفهوم الفلسفي المركب، وتقريبها من الحدود المنطقية الصريحة القائمة على ما يدخله الجنس ويخرجه الفصل والعرض
следующие страницы →