س٤ - أين ميقات المكي للعمرة؟
ج٤ - ميقات العمرة لمن بمكة الحل؛ لأن عائشة ﵂ لما ألحت على النبي ﷺ أن تعتمر عمرة منفردة بعد أن حجت معه قارنة أمر أخيها عبد الرحمن أن يذهب معها إلى التنعيم لتحرم منه بالعمرة، وهو أقرب ما يكون من الحل إلى مكة، وكان ذلك ليلا، ولو كان الإحرام بالعمرة من مكة أو أي مكان من الحرم جائزا لما شق النبي ﷺ على نفسه وعلى عائشة وأخيها بأمره أخاها أن يذهب معها إلى التنعيم لتحرم منه بالعمرة، وقد كان ذلك ليلا وهم على سفر ويحوجه ذلك انتظارهما، والإذن لها أن تحرم من منزلها معه ببطحاء مكة. عملا بسماحة الشريعة ويسرها ولأنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وحيث لم يأذن لها في الإحرام بالعمرة من بطحاء مكة دل ذلك على أن الحرم ليس ميقاتا للإحرام بالعمرة وكان مخصصا لحديث «وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم وقال: " هن لهم ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمهله من أهله حتى أهل مكة من مكة (١)» وبالله التوفيق.
стр. 1682
حكم الحلف بغير الله
حكم لبس الباروكة للزوج
حكم حلق المرأة رأسها وحواجبها
فتوى رقم ١٣٣٢ بتاريخ ٢٩/ ٧ / ١٣٩٦
وكذلك ورد إلى الرئاسة العامة استفتاء تضمن ثلاثة أسئلة. وقد أجابت عليها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء متبعة كل سؤال بجوابه: -
س١ - ما حكم الحلف بغير الله، هل هو شرك أو لا؟
؟ ج١ - الحلف بغير الله من ملك أو نبي أو ولي أو مخلوق ما من المخلوقات محرم لما ثبت عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (١)». وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله ﷺ
стр. 1683
قال: «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله "، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: " لا تحلفوا بآبائكم (١)». .
رواهما مسلم وغيره، فنهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله، والأصل في النهي التحريم، بل ثبت عنه ﷺ أنه سماه شركا، روى عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٢)». رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم، وقد حمل العلماء ذلك على الشرك الأصغر، وقالوا: إنه كفر دون الكفر الأكبر المخرج من والعياذ بالله، فهو من أكبر الكبائر، ولهذا قال ابن مسعود ﵁:؛ لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا " ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق (٣)» رواه مسلم وغيره، فأمر ﷺ من حلف من المسلمين باللات أن يقول بعد ذلك: لا إله إلا الله لمنافاة الحلف بغير الله كمال التوحيد الواجب، وذلك لما فيه من إعظام غير الله بما هو مختص بالله، وهو الحلف به وما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بالآباء فهو قبل النهي عن ذلك جريا على ما كان معتادا في قريش في الجاهلية.
стр. 1684
س٢ - ما حكم لبس المرأة ما يسمى بالباروكة لتتزين بها لزوجها؟
ج٢ - ينبغي لكل من الزوجين أن يتجمل للآخر بما يحببه فيه ويقوي العلاقة بينهما، لكن في حدود ما أباحته شريعة الإسلام دون حرمته، ولبس ما يسمى بالباروكة بدأ في غير المسلمات، واشتهرن بلبسه والتزين به حتى صار من سيمتهن، فلبس المرأة المسلمة إياها وتزينها بها ولو لزوجها فيه تشبه بالكافرات وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك بقوله: «من تشبه بقوم فهو منهم (١)» ولأنه في حكم وصل الشعر بل أشد منه، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك ولعن فاعله.
стр. 1685
س٣ - ما حكم حلق المرأة رأسها وحواجبها؟
ج٣ - لا يجوز للمرأة أن تحلق رأسها إلا من ضرورة، لما روى الترمذي والنسائي عن علي ﵁ «أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها (١)». ولما رواه الخلال بإسناده عن قتادة عن
стр. 1686
عكرمة قال: «نهى النبي ﷺ أن تحلق المرأة رأسها (١)». وقال الحسن: هي مثلة، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته، أتأخذ على حديث ميمونة، قال: " لأي شيء تأخذه "، قيل له: لا تقدر على الدهن وما يصلحه، وتقع فيه الدواب، قال إن كان لضرورة فأرجو ألا يكون به بأس ". اهـ.
أما قص شعر الحواجب أو تحديده بقص جوانبه أو حلقه أو نتفه للزينة كما يفعله بعض النساء اليوم فحرام لما فيه من تغيير خلق الله، ومتابعة الشيطان في تغريره بالإنسان وأمره بتغيير خلق الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢) ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (٣) ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٤) ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (٥) وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لعن الله الواشمات والموستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات المغيرات لخلق الله (٦)» ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٧) وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1687
السفر وإفطار رمضان
حكم التوسل إلى الله بالأنبياء والصالحين
فتوى رقم ١٣٢٨ بتاريخ ٩/ ٧ / ١٣٩٦
وورد إلى اللرئاسة العامة استفتاء يشتمل على سؤالين وقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عليهما متبعة كل سؤال بجوابه: -
س١ - هل يشترط لترخص المسافر في سفره بالفطر في رمضان أن يكون سفره على الرجل أو على الدابة أو ليس هناك فرق بين الراجل وراكب الدابة وراكب السيارة أو الطائرة؟ وهل يشترط أن يكون في السفر تعب لا يستطيع الصائم تحمله؟ وهل الأحسن أن يصوم المسافر إذا استطاع أو الأحسن له الفطر؟
стр. 1688
ج١ - يجوز للمسافر سفر قصر أن يفطر في سفره سواء كان ماشيا أو راكبا وسواء كان ركوبه بالسيارة أو الطائرة أو غيرهما وسواء تعب في سفره تعبا لا يتحمل معه الصوم أو لو يتعب، اعتراه جوع وعطش أو لم يصبه شيء من ذلك؛ لأن الشرع أطلق الرخصة للمسافر سفر قصر في الفطر وقصر الصلاة ونحوهما من رخص السفر ولم يقيد ذلك بنوع من المركب، ولا بخشية التعب أو الجوع أو العطش، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون معه في غزوه في شهر رمضان فمنهم من يصوم ومنهم من يفطر ولم يعب بعضهم على بعض لكن يتأكد على المسافر الفطر في شهر رمضان إذا شق عليه الصوم لشدة حر أو وعورة مسلك أو بعد شقة وتتابع سير مثلا، فعن أنس كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فصام بعض وأفطر بعض فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصائمون عن بعض العمل، فقال: " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " وقد يجب الفطر في السفر لأمر طارئ يوجب ذلك كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : " إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم (١)». فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من افطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا " وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر (٢)». رواه مسلم. وكما في حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه فقال: " ماله؟ " قالوا: رجل صائم. فقال رسول الله ﷺ : " ليس البر أن تصوموا في السفر (٣)». رواه مسلم.
стр. 1689
س٢ - هل يجوز للمسلم أن يتوسل على الله بالأنبياء والصالحين، فقد وقفت على قول بعض العلماء أن التوسل بالأولياء لا بأس به؛ لأن الدعاء فيه موجه إلى الله، ورأيت لبعضهم خلاف ما قال هذا، فما حكم الشريعة في هذه المسألة؟
ج٢ - الولي كل من آمن بالله واتقاه ففعل ما أمره الله سبحانه به قال تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢) وانتهى عما نهاه عنه، والتوسل إلى الله بأوليائه أنواع: -
الأول: أن يطلب إنسان من الولي الحي أن يدعو الله له بسعة رزق أو شفاء من مرض أو هداية وتوفيق ونحو ذلك فهذا جائز، ومنه طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ حينما تأخر عنهم المطر أن يستسقي لهم. فسأل ﷺ ربه أن ينزل المطر فاستجاب دعاءه وأنزل عليهم المطر، ومنه
стр. 1690
استسقاء الصحابة بالعباس في خلافة عمر ﵃ وطلبهم منه أن يدعو الله بنزول المطر فدعا العباس ربه وأمن الصحابة على دعائه، إلى غير هذا مما حصل زمن النبي ﷺ من طلب مسلم من أخيه المسلم أن يدعو له ربه بجلب نفع أو كشف ضر.
الثاني: أن ينادي الله متوسلا إليه بحب نبيه واتباعه إياه وبحبه لأولياء الله بأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك واتباعي له وبحبي لأوليائك أن تعطيني كذا، فهذا جائز لأنه توسل من العبد إلى ربه بعمله الصالح ومن هذا ما ثبت من توسل أصحاب الغار الثلاثة بأعمالهم الصالحة.
الثالث: أن يسأل الله بجاه أنبيائه أو ولي من أوليائه بأن يقول اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بجاه الحسين مثلا فهذا لا يجوز؛ لأن جاه أولياء الله وإن كان وجيها عند الله وخاصة حبيبنا محمد ﷺ غير أنه ليس سببا شرعيا ولا عاديا لاستجابة الدعاء، ولهذا عدل الصحابة حينما أجدبوا عن التوسل بجاهه ﷺ في دعاء الاستسقاء إلى التوسل بدعاء عمه العباس مع أن جاهه ﵊ فوق كل جاه، ولم يعرف عن الصحابة ﵃ أنهم توسلوا به ﷺ بعد وفاته وهم خير القرون وأعرف الناس بحقه وأحبهم له.
الرابع: أن يسأل العبد ربه حاجته مقسما بوليه أو بنبيه أو بحق نبيه أو أوليائه بأن يقول: اللهم إني أسألك كذا بوليك أو بحق نبيك فلان فهذا لا يجوز، فإن القسم بالمخلوق على المخلوق ممنوع وهو على الله الخالق أشد منعا ثم لا حق لمخلوق على الخالق بمجرد طاعته له سبحانه حتى يقسم به على الله.
هذا هو الذي تشهد له الأدلة وهو الذي تصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1691
في قراءة القرآن من أجل التكسب
فتوى رقم ١٢٦٨ بتاريخ ١٠/ ٥ / ١٣٩٦
وورد إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الاستفتاء الآتي بعد، المشتمل على سؤالين وقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عليها متبعة كل سؤال بجوابه.
س١ - " إن حملة القرآن عندنا في المغرب يقرأونه من أجل التكسب على ما يظهر وكلما أعدت لهم وليمة يأتون ويقرءونه من غير تمعن في ألفاظه واحترام لتلاوته لعدم التجويد، وهناك عندما يقرأ قارئ تراهم أي الآخرين كل منهم يهمس في أذن صاحبه ويتكلمون في أمور خارج الموضوع وهناك بعض القراءة التي يستعملونها يقال لها (تحزانات) عندنا أي يحدثون اعوجاجات في ألفاظه، ويحدثون صداعا لا تكاد الأذن تحمله عندما يريدون الوقوف عند فاصل أو غيره، ومما يظهر عليهم أيضا أنهم قد حفظوا القرآن لكن مع
стр. 1692
الأسف الشديد لا يفقهونه ولا يفهمونه ولا يرشدونك ولا يعطونك أي دليل للإرشاد إلا أنهم استغنوا بحفظه فقط.
وإن أول ما يظهر عليهم أثناء حضورهم في هذه الوليمة هو التماس الأجرة وجمع الصدقات من الناس ليتبركوا بهم ثم يعقدون في الدعاء لهم ولأبنائهم المتوفين ثم الدعاء للمتصدق عليهم بالنجاح والعون وغير ذلك. وبعد جمعهم لتلك الصدقات يقسمونها بينهم ولا ينال منها أي فقير أو مسكين فما حكم الشريعة الإسلامية في الصدقات التي يجمعونها، ويفرقونها بينهم وتلك القراءة التي يستعملونها؟
ولقد عثرت في كتاب على حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من استعمل القرآن من أجل التكسب سيأتي يوم القيامة ووجهه عظم».
١ - أي خال من اللحم، فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟ وما معنى الآية الكريمة: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (١)
ج - أولا: تلاوة القرآن عبادة محضة، وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه والأصل فيها وفي أمثالها من العبادات المحضة أن يفعلها المسلم ابتغاء مرضاة الله وطلبا للمثوبة عنده، فلا يبتغي بها من المخلوق جزاء ولا شكورا ولهذا لم يعرف عن السلف الصالح استئجار قوم يقرءون القرآن في حفلات أو ولائم ولم يؤثر عن أحد من أئمة الدين أنه أمر بذلك أو رخص فيه ولم يعرف أيضا عن أحد منهم أنه أخذ أجرا على تلاوة القرآن لا في الأفراح ولا في المآتم بل كانوا يتلون كتاب الله رغبة فيما عنده سبحانه. وقد أمر النبي ﷺ من قرأ القرآن أن يسأل الله به وحذر من سؤال الناس روى الترمذي في سننه عن عمران بن حصين أنه مر على قاض يقرأ ثم سأل فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس (٢)»، وأما أخذ الأجرة على تعليمه أو الرقية به ونحو ذلك مما نفعه متعد لغير القارئ فقد دلت الأحاديث الصحيحة على جوازه في حديث أبي سعيد في أخذه قطيعا من الغنم جعلا على شفاء من رقاه بسورة الفاتحة، وحديث سهل في تزويج النبي ﷺ امرأة لرجل بتعليمه إياها ما معه من القرآن، فمن أخذ أجرا على نفس التلاوة أو استأجر جماعة لتلاوة القرآن فهو مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.
ثانيا: القرآن كلام الله تعالى وفضله على كلام الخلق كفضل الله على عباه، وهو خير الأذكار وأفضلها وينبغي لقارئه أن يكون مؤدبا في تلاوته خاشعا مخلصا قلبه لله، محكما لتلاوته، متدبرا لمعانيه حسب قدرته وألا يتشاغل عنها ولا يغيرها ولا يتكلف ولا يتقعر فيها ولا يرفع صوته فوق الحاجة، وينبغي لمن حضر مجلسا يقرأ فيه القرآن أن ينصت ويستمع للقراءة ويتدبر معانيها، فلا يلغوا ولا يتشاغل عنها بالحديث مع غيره ولا يشوش على القارئ ولا على الحاضرين قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٥)
стр. 1693
ثالثا: الناس متفاوتون في أفهامهم وأفكارهم، وكل مكلف أن يعرف من الدين وأحكام الشريعة قدر ما أتاه الله من الفهم وسعة الوقت، ليعمل به في نفسه ويرشد به غيره، ومن أول ما ينبغي له أن يتفهمه ويلقي إليه باله ويحضر له قلبه كتاب الله - سبحانه - وما عجز عن فهمه بنفسه استعان فيه بالله ثم بالعلماء حسب طاقته وقدرته، ثم لا حرج عليه بعد ذلك فإن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يمنعه من تلاوة القرآن عجزه عن فهمه بعد أن بذل وسعه، ولا يعاب بذلك لما ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: «الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران (١)».
رابعا: يجوز للفقير أن يأخذ من الصدقات ما يسد حاجته وحاجة من يعول، ويسن له أن يدعو بالخير لمن تصدق عليه، أما أخذ المال على أنه أجرة لتلاوة القرآن أو لكونه وعظهم وذكرهم أو إعطاؤه لشخص رجاء بركته أو جمعه لأشخاص رجاء بركتهم واستجداء لدعائهم فهو غير جائز، ولم يكن ذلك من هدي المسلمين في القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها النبي ﷺ بأنها خير القرون.
خامسا: معنى قوله تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (٢) أن الله تعالى أمر رسوله محمدا ﷺ أن يخبر قومه بأنه لا يطلب منهم أجرا على تبليغهم ما أنزل إليه من ربه ودعوته إياهم إلى التوحيد الخالص وسائر أحكام الإسلام إنما يقوم بالبلاغ والبيان للأمة تنفيذا لأمر الله وطاعة له ابتغاء مرضاته وحده ورجاء المثوبة والأجر الكريم منه سبحانه دون سواه، وذلك ليزيل ما قد يكون في نفوس المشركين من ظنون وأوهام كاذبة من أن يكون الرسول ﷺ دعاهم إلى اتباعه فيما شرع الله لهم ليتكسب في ذلك، أو ينال رئاسة في قومه فبين لهم أن دعوته إياهم إلى الحق خالصة لوجه الله الكريم وهكذا جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يسألون الناس أجرا على دعوتهم إياهم وقد تقدم في حديث عمران بن حصين التحذير من التكسب بالقرآن وسؤال الناس به، أما السؤال عن عقوبته يوم القيامة بتساقط لحم وجهه فذلك وعيد لكل من سأل الناس وهو في غير حاجة تضطره إلى المسألة سواء كان لقراءة القرآن أم بدون قراءته فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم (٣)» وفي رواية عنه «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم (٤)» متفق عليهما. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو يستكثر (٥)» رواه مسلم. فمن سأل الناس بالقرآن صدق فيه الحديث إن كان فقيرا أما إن كان غنيا فقد صدقت فيه هذه الأحاديث كلها أما لفظ الحديث الذي ذكرته في السؤال فلا نعلم صحته بهذا اللفظ الذي ذكرته. والله أعلم.
стр. 1694
س٢ - ما الحكم الشرعي فيمن أتى امرأته أي زوجته الشرعية ونكحها من الدبر من غير أن يعلم؟
ج٢ - يحرم على الرجل أن يطأ زوجته في دبرها ومن حصل منه ذلك وهو لا يعلم لأمر ما فهو معذور معفو عنه إذا كف عن ذلك بعد علمه حرمته، والدليل على تحريم وطء الزوجة في دبرها ما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أن اليهود كانت تقول: " إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول، قال: فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) وزاد مسلم إن شاء الله مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد. فكذب الله اليهود في قولهم: إن الرجل إذا أتى زوجته في قبلها من جهة دبرها وهي مجبية أي مكبة على وجهها جاء الولد أحول، وبين بالآية أنه يجوز للرجل أن يأتي زوجته على أي كيفية شاء مستلقية على ظهرها أو مكبة على وجهها ما دام وطؤه إياها في قبلها بدليل فهم الصحابة ذلك وهم عرب، وتسمية الله النساء حرثا ترجى منه الذرية ولا ترجى الذرية من الوطء في الدبر، وما ذكر في سبب النزول من ذكر الحمل ومجيء الولد أحول، والحمل والولد لا يكون من الوطء في الدبر أصلا لا أحول ولا غير أحول، وروى أحمد والترمذي «عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ في قوله تعالى يعني في صمام واحد (٣)»، وقال حديث حسن، هذا وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن وطء الرجل زوجته في الدبر، منها ما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعون من أتى امرأة في دبرها (٤)» وفي لفظ: «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها (٥)» رواه أحمد وابن ماجه. ومنها ما رواه أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تأتوا النساء في أعجازهن " أو قال: " في أدبارهن (٦)». ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن علي بن أبي طالب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تأتوا النساء في استاههن، فإن الله لا يستحي من الحق (٧)»
وقال الترمذي حديث حسن، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
стр. 1695
من المؤتمر السادس لجمعية التعليم لعموم الهند لفضيلة نائب رئيس الإفتاء الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
" الخطاب الذي ألقاه عن الوفد السعودي لحضور المؤتمر السادس لجمعية التعليم لعموم الهند في حيدر آباد الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ".
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
لقد تعددت ال مؤتمرات الإسلامية في الآونة الأخيرة، وتعددت المناسبات الموجبة لانعقادها، وانتهى ما تم انعقاده منها بقرارات ونداءات وتوصيات، على أن الشريعة الإسلامية أصل أساسي لإسعاد الإنسان وإحلال التعايش الاجتماعي بين طبقات الإنسان مهما كانت الفوارق الطبيعية بينهم، ومهما كان تباعدهم في اللون والجنس والمكان، وصار من يحضر مثل هذه المؤتمرات ممن ليس مسلما وله عناية بدراسة أمن الإنسانية ورخائها أكثر قناعة وأقرب إلى التسليم والقبول بانفراد الشريعة الإسلامية بتشريعات مدنية وجنائية وأخلاقية لها آثار جليلة وإيجابية في الأخذ بيد الإنسان إلى أسمى مراقي السعادة والهناء وانفرادها دون غيرها من الشرائع الأخرى بالنظرة إلى الإنسان مهما كانت لونه وجنسه ووطنه كوليد له في نفس والده بالغ العطف والحنان ومن جهده في تنشئته النشأة الصالحة.
إننا نطمع من تعدد هذه المؤتمرات وما تنتجه هذه المؤتمرات في الشيء الكثير في سبيل التعريف بالإسلام وإظهار جوانب الإشراق فيما يدعو إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسبه الحمد والثناء إلى مسدي الفضل والعطاء والأهل بالمن بالرخاء، ربنا الله الرحمن الرحيم، ذلكم الرب الكريم الذي خلق لنا معشر بني الإنسان ما في الأرض جميعا وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١) كما نطمع من هذه المؤتمرات أن تعبئ المشاعر الإنسانية بصدق القول في أن الإنسانية لم تسعد ولن تسعد بغير الإسلام، وأنها أحوج ما تكون إليه الآن فهو دين العقل ودين العلم ودين الحضارة ودين التعايش العام وفضلا عن ذلك كله فهو الرابطة المتينة الفذة بين الإنسان وربه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) وبين الإنسان وأخيه الإنسان قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) (٤)» وقال ﷺ : «" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (٥)».
стр. 1696
إن الإنسانية قد ابتليت بمادية تجاهلت قيمة الإنسان واعتباره كإنسان يحمل بين جنبيه قطعة ذات قيمة نادرة، حتى أصبح الإنسان بحكم إيغاله في المادية وانغماسه في مقتضياتها لا يشكل فارقا كبيرا بينه وبين حيوانات أخرى لا تحمل بين جنباتها ما يحمله الإنسان من قلب هو ميزته عن سائرها فصار لا يفرق بين طعام وطعام، ولا بين شراب وشراب ولا بين خلق وخلق من حيث الإباحة والتحريم إلا كما يفرق الحيوان بين ذلك، كما ابتليت الإنسانية بمذاهب عقيدية أنكرت على الإنسان قيمته كإنسان فحرمت عليه ما أحل الله من طعام وشراب ولباس وغير ذلك من زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق فعطلت تلك المذاهب في الإنسان وظيفته في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١)
إن الإسلام يأخذ في اعتباره عند التشريع أن الإنسان روح وجسد وأن العناية بأحد التركيبين لا ينبغي أن تقل عن العناية بالتركيب الآخر، فهو حينما يعني بالروح تربية وتهذيبا يعني بالجسد تنمية ورعاية قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (٢) وقال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٣) ويروى أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ أرادوا التبتل تدينا فنهاهم ﷺ وقال: «" إنما أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني (٤)». ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعلم لأخرتك كأنك تموت غدا.
لقد تخرج من المدرسة الإسلامية رجال قادوا الإنسانية إلى أسمى مثال وأعز اعتبار وأعلى منال فظهرت جوانب الإشراق في التشريع الإسلامي في مجالات العبادة والثقافة والولاية والتقنين والاقتصاد وسائر المعارف العقلية والنقلية مما شهد به الأعداء وهم أبعد ما يكونون من الشهادة بالحق والاتصاف بالإنصاف فلقد قال بعضهم: إننا لا نبالغ إذا قلنا إن أوربا مدينة للمسلمين بخدمتهم العلمية، تلك الخدمة التي كانت العامل الأكبر في النهضة العلمية الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وقال آخرون: إنه لولا أعمال ابن الهيثم والبيروني وابن سيناء والخوارزمي والكندي والطوسي والبوزجاني وغيرهم لاضطر علماء النهضة الأوروبية أن يبنوا من حيث بدأ هؤلاء ولتأخر سير المدنية عدة قرون. اهـ.
وممن أنصف علماء المسلمين وأشاد بفضلهم على الإنسانية وعلى الحضارة الحديثة الأستاذ برنال فهو يقول: إن الفضل أعظم الفضل للعلماء العرب في الحفاظ على هذا التراث وتدوينه ونقله والتأليف فيه، وإن العلماء العرب قد بلغوا في ذلك وإنهم تفوقوا على الأغريق وجعلوا العلم سهلا مستساغا، فأقبل الناس على النهل منه
стр. 1697
وكانت ميزة تفرد بها العلم العربي. أهـ.
ويقول كاريسنكي: إن الخدمات التي أداها العرب للعلوم غير مقدرة حق قدرها من المؤرخين، وإن البحوث الحديثة قد دلت على عظم ديننا للعلماء المسلمين الذين نشروا نور العلم بينما كانت أوروبا غارقة في ظلمات القرون الوسطى، وإن العرب لم يقتصروا على نقل علوم الإغريق بل زادوا عليها وقاموا بإضافات هامة في ميادين مختلفة أهـ.
وجاء في مقدمة أحد كتب الكيمياء لأحد علماء الغرب ما نصه:
إنكم يا معشر اللاتينيين لا تعرفون بعد ما هي الكيمياء ولا ما تراكيبها وأصولها وسترون ذلك مشروحا في هذا الكتاب الذي ننقله عن العربية أهـ.
وقال كاليجوري: إن العقل ليرتعش دهشا عندما يرى ما عمله العلماء العرب في الجبر، وهم أول من أطلق لفظ الجبر على العلم المعروف، وهم أول من ألف فيه بطريقة علمية منظمة أهـ.
ويقول المستشرق سخاو عن البيروني أحد علماء الإسلام إنه أكبر عقلية علمية في التاريخ، وإنه من أضخم العقول التي ظهرت في العالم، وإنه أعظم علماء عصره، ومن أعظم العلماء في كل العصور أهـ.
ويقول المستشرق الأمريكي أبو يوبوب:
إن أي قائمة تحوي أسماء أكابر علماء يجب أن يكون اسم البيروني في مكانه الرفيع ومن المستحيل أن يكتمل أي بحث في الرياضيات أو الفلك أو الجغرافيا أو علم الإنسان أو المعادن دون الإقرار بمساهمته العظيمة في كل علم من تلك العلوم أهـ.
إننا لسنا في شك في الشريعة الإسلامية وموقفها الإيجابي المشرف من المعارف والعلوم الإنسانية والطبيعية ومدى مقدرتها العظيمة في سبيل احتضان العلم والأخذ بأهله إلى أمكنتهم الرفيعة في طبقات المجتمع، إننا لسنا في شك فيها حتى نطلب الشهادة لها بذلك فلقد اختارها الله تعالى لعباده شريعة ورضيها لهم دينا وأسقط من الاعتبار ما عداها من الأديان فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)
стр. 1698
إن المكتبة الإسلامية مليئة بكنوز العلم والمعرفة في شتى مجالات العقيدة والعلم والحياة وإن التجارب الناجحة لاعتقاد أن الشريعة الإسلامية وحدة متكاملة قادرة بمختلف الإمكانيات على قيادة المجتمع الإنساني إلى أسمى خلق وأرفع قدر وأقوى شكيمة وأشمل هيبة وأنفذ سلطان، وعلى إعطاء الفرد في أي مجتمع يدين بها حقوقا تعجز عن تحقيقها له أدنى التشريعات الأخرى. إن التجارب الناجحة لتؤكد ذلك وإن التاريخ الإنساني ليسجل للإسلام أنصع صفحات العز والرفعة وسعة السلطان حينما كانت كلمة الفصل للإسلام والرجوع عند الاختلاف إلى الإسلام والاعتزاز والافتخار في مجالات التفاخر والتفاضل بالإسلام والاستهانة بالمال والنفس والولد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام.
إن المسلمين الآن أحوج ما يكونون إلى الإسلام فلقد تفرقوا عن الإسلام فاستعبدتهم المدنية وأذلتهم المادية فهانت نفوسهم وضعفت عزائمهم وتشتت كلمتهم وانقسموا إلى فرق وطوائف سهلت لعدوهم الطمع فيهم فاغتصبوا حقوقهم، وألبوا عليهم شرارهم ليسهل لهم الارتماء في أحضانهم فأصبح اعتماد المسلمين اليوم على الشرق أو الغرب لا على رب المشرقين والمغربين، فأذلوهم وخذلوهم وصدق رسول رب العالمين فيما يبلغه عن ربه: «من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني».
فإذا لم يرجع المسلمون إلى ربهم ويعملوا بمقتضى الشهادة لوحدانيته تعالى وبرسالة رسوله محمد ﷺ وينيبوا إلى الله ويسلموا له، فيسلكون سبيل ما صلح به أسلافهم فليس لسنة الله تحويلا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٣)
إن الدين الإسلامي ليس كغيره من المذاهب العقائدية أو السياسية أو الاجتماعية يرتكز على نعرات طائفية أو صفات عنصرية أو قوميات جنسية وإنما هو دين حنيف يدعو إلى عبادة الله وحده خالق الكون ذي الجلال والإكرام ذي المنع والعطاء والنفع والضر، ويقرر في أنصع عبارة وأوضح بيان كرامة الإنسان على ربه وكرامته على بني جنسه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٤)
стр. 1699
إن الإسلام سياج الإنسان مهما كان الإنسان وفي أي مكان كان الإنسان وفي أي زمان يعيش فيه الإنسان، إنه يحمي الإنسان من الذل والخضوع لغير الله، ويحمي الإنسان ممن يعتدي على نفسه بغيا وعدوانا، ويحمي عقل الإنسان من أسباب التغير والزوال، ويحمي الإنسان من الاعتداء على عرضه بما يدنسه ويخدش كرامته، ويحمي مال الإنسان من أخذه عليه بغير حق ظلما وعدوانا، ولهذا فغالب تشريعاته تدور حول هذه الأمور الضرورية الخمسة لحياة الإنسان وفي حياة الإنسان - الدين، النفس، العقل، العرض، المال، فإذا قلنا: إن الإسلام سياج الإنسان فإنا نعني بذلك أن الإنسان مهما كان إنسانا فهو يحترم من يحترم له هذه الضروريات الخمس ويدافع معه في سبيلها وهذا بكل تأكيد يفسر لنا وجه الإقبال على اعتناق الإسلام ويؤكد علينا معشر المسلمين مسئوليتنا في سبيل الدعوة إلى الله والأخذ بأسباب قبول الدعوة بإصلاح المجتمعات الإسلامية لتكون صورا مشرفة للإسلام ولأهل الإسلام بالعناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وأن يكون الداعي على مستوى من العلم والخلق والاستقامة يغري بقبول دعوته، واعتباره قدوة يحتذى حذوه ويسلك طريقه، وأن يبذل النفيس من مال وجهد في سبيل الدعوة إلى الله تعالى والترغيب فيها وإليها فهي طريق أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين.
إن غالب المجتمعات الإسلامية ومع كل أسف وامتعاض لتسيء إلى الإسلام وتعطي صورا سيئة عن الإسلام، فالإسلام يعتبر الزنا فاحشة ومقتا وساء سبيلا، ويعتبر السرقة عدوانا أثيما ويعتبر الخمر رجسا من عمل الشيطان، ويعتبر الربا محاربة لله ولرسوله وأكلا لأموال الناس بالباطل، ويعتبر الغش والخيانة والغدر ونقض العهود والمواثيق بغير حق صفات ذميمة لا ينبغي لمسلم أن يتصف بها ولا بواحدة منها، ويعتبر التفرق عن جماعة المسلمين شذوذا وفشلا تذهب به الريح، ومع هذا كله فمجتمعات المسلمين في الغالب خاربة بهذه المسالك الملتوية وبتلك القاذورات المسيئة إلى الإسلام وإلى الدعاة إلى الإسلام فعلينا معشر الدعاة إلى الإسلام أن نأخذ في الاعتبار في سبيل الدعوة إلى الإسلام هذا الوضع المؤلم وأن نصلحه حتى لا نكون في عداد من قال الله تعالى بشأنهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)
إننا نشكر جمعية الثقافة الإسلامية لعموم الهند على إتاحة هذه الفرصة المباركة ونتمنى لها ولمؤتمرها
стр. 1700
العزيز التوفيق والنتائج الحميدة للتعريف بهذا الدين الكريم والدعوة إليه، ففي التاريخ الإسلامي صفحات ناصعة تسجل ما للأمة الإسلامية من أرض الهند وفي أرض الهند من جهود عظيمة ومساع مشكورة في سبيل نشر الإسلام والدعوة إلى الإسلام وما لها من آثار علمية في مجالات مختلفة من علوم الشريعة الإسلامية ومعارفها.
ولهذه المدينة العريقة في مجال الطبع والنشر - حيدر آباد - دور كبير في التعريف بالإسلام ونشر ذخائره وكنوزه يعرفه لها علماء الإسلام في كل مكان، ولعل اختيارها لتكون مقرا لانعقاد هذا المؤتمر جزء من الاعتراف والتسليم لها بالجميل.
وقبل أن ننهي كلمتنا في هذه المناسبة الفريدة يجمل بنا أن نغتنم فرصتها للإشارة إلى بعض من ملامح العلاقات بين الهند والبلاد العربية.
لئن كانت العلاقات بين الهند والبلاد العربية بعد الإسلام موجودة وبشكل واسع وفي مجالات مختلفة فإن لهذه العلاقات امتدادا تاريخيا قبل الإسلام، فقد كان العرب يستوردون السيوف الصقيلة الجيدة من الهند، وسموا السيف بالمهند، كما كانوا يستوردون البخور ويسمونه العود الهندي، ومن أسماء نساء العرب هند، ولعل ذلك كان استلطافا لما كان يأتيهم من الهند ولهم مع الهند علاقات ثقافية توجد آثارها في مراكز الحضارة في البلاد العربية مثل العراق وأطراف الجزيرة وغيرها.
وعندما دخل الإسلام إلى الهند لأول مرة في تاريخه ونجاحه في جنوب الهند رحب به أهل الهند ووجدوا فيه دينا من أهم مقوماته وحدة المسلمين والتساوي بين جميع أفراد أهله، ونقتبس نصا مما قاله الرئيس الراحل جواهر لال نهرو عن الإسلام.
" إن دخول الإسلام له أهمية كبرى في تاريخ الهند إذ أنه قد فضح الفساد الذي كان قد انتشر في المجتمع الهندوكي الذين كانوا قد أظهروا فروق الطبقات واختفاء المنبوذين وحب الاعتزال عن العالم الذي كان تعيش فيه الهند، إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان يؤمن بها المسلمون أثرت في أذهان الهندوس تأثيرا عميقا وكان أكثر خضوعا لهذا التأثير البؤساء الذين حرمهم المجتمع الهندي من المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية " اهـ (١).
ثم توالت الصلاة الثقافية والتجارية وغيرها وقويت متانة ونموا بين الشعبين الهندي والعربي عندما قويت التجارة بينهم من جهة وعندما وفد إلى البلاد الإسلامية عدد كبير من أهل الهند وساهموا مساهمة جادة ونشطة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة، فكان منهم قواد مثل السندي بن شاهين، وعلماء مبرزون مثل الأوزاعي.
إننا لو أردنا أن نستعرض العلاقات العربية الهندية في مجالات الحياة المختلفة لاحتجنا الوقت الكثير
стр. 1701
لاستعراضها وأنى لنا ذلك؟
مرة أخرى نكرر شكرنا وتقديرنا لجمعية الثقافة الإسلامية لعموم الهند ونتمنى للمؤتمر ثمارا طيبة ونتائج حميدة تخدم الإسلام والمسلمين، كما نكرر شكرنا للقائمين على شؤون المؤتمر لما لقيناه منهم من كرم الضيافة وحرارة الاستقبال وصدق المشاعر والله ولي التوفيق.
стр. 1702
محمد صالح العثيمين
في الطلاق
الفائدة الأولى: إذ قال لزوجته أنت طالق أو نحوه من الصريح فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينوي به الطلاق فيقع الطلاق بشرط أن يكون عارفا بمعناه.
الحال الثانية: أن ينوي به غير الطلاق مثل أن ينوي طاهرا فيغلط فيقول: طالق فلا يقع به الطلاق لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١)» لكن هل يقبل منه دعوى ذلك في الحكم عند الترافع إلى الحاكم؟ فيه روايتان إحداهما: لا يقبل لأنه خلاف ما يقتضيه ظاهر لفظه، وقد قال النبي ﷺ : «إنما أقضي بنحو ما أسمع (٢)» وهو المذهب عند المتأخرين وظاهره، لو مع وجود قرينة تدل على صدق دعواه مثل أن تقول له: أريد أن أصلي، فيقول: أنت طالق، ويدعي أنه يريد أنت طاهر وفيه نظر؛ لأنهم ذكروا في بعض المسائل أنه إذا ادعى
стр. 1703
ما يخالف الظاهر مع وجود قرينة تدل على صدق قبل منه حكما، فينبغي أن يطرد ذلك هنا وفي جميع المواضع.
والرواية الثانية: في أصل المسألة يقبل منه دعوى ذلك في الحكم إلا أن توجد قرينة على كذبه مثل: أن يكون قوله: أنت طالق، جوابا لسؤالها الطلاق أو قاله حال غضب، قال في الإنصاف: وهو المذهب صححه في التصحيح وجزم به في الوجيز ومنتخب الآدمي، وقدمه في المغني والشرح والكافي. . . الخ.
وخلاصة هذه الحالة أنه إذا قال: أنت طالق، وادعى أنه أراد أنت طاهر ونحوه فغلط قبلت دعواه فيما بينه وبين الله، ولم يقع الطلاق وأما عند المحاكمة: فإما أن توجد قرينة على كذب دعواه فلا تقبل رواية واحدة، أو توجد قرينة على صدق دعواه فلا تقبل أيضا في ظاهر كلامهم وفيه نظر كما سبق، والصحيح قبولها ولا ينافي قوله ﷺ : «إنما أقضي بنحو ما أسمع (١)»؛ لأن المراد ما يسمع من الدعوى وقرائنها وعلى هذا فلا يقع الطلاق أو لا توجد قرينة على صدق دعواه ولا كذبها ففيه روايتان: القبول، وعدمه.
الحال الثالثة: أن لا ينوي بقوله أنت طالق لا طلاقا ولا غيره فيقع الطلاق، نص عليه أحمد وعليه الأصحاب؛ لأنه لفظ صريح فيه موضوع له فوجد الحكم بوجوده، وعنه لا يقع إلا بقرينة كغضب أو سؤالها الطلاق ونحوه. قال ابن القيم في رسالة له سماها (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان) ومنهم أي العلماء من اشترط مع ذلك أن يكون مريدا لمعناه أي الطلاق ناويا له، فإن لم ينو معناه ولم يرده لم يلزمه حكمه، وهذا قول من يشترط لصريح الطلاق النية وقول من لا يوقع طلاق الهازل وهو قول في مذهب أحمد ومالك في المسألتين أهـ.
стр. 1704
الفائدة الثانية: إذا وقع به الطلاق فكم طلقة تقع به ؟
هذا على أقسام:
القسم الأول: أن يأتي بصريح العدد فيقع ما صرح به ولا يقبل منه إرادة خلافه سواء، كان ما أراد أخف
стр. 1705
أو أغلظ، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا فتقع الثلاث ولو أراد واحدة، أو يقول: أنت طالق طلقة واحدة فتقع الواحدة ولو أراد أكثر؛ لأن النية لا تغير الصريح ولا يثبت بها وحدها حكم الطلاق.
القسم الثاني: أن يقول: أنت طالق ولا يأتي بصريح العدد ولا بالتكرار، فإن نوى واحدة فواحدة لاتفاق دلالة اللفظ والنية، وإن لم ينو شيئا فواحدة أيضا؛ لأن دلالة اسم الفاعل على معنى المصدر دلالة مطلقة تصدق بالواحدة، وظاهر كلامهم يكون واحدة ولو مع قرينة كما لو قالت طلقني ثلاثا فقال: أنت طالق، وإن نوى ثلاثا طلقت ثلاثا على المذهب، قال في الإنصاف: وهو المذهب على ما اصطلحناه. والرواية الثانية: تطلق واحدة فقط، قال في الإنصاف: وهي المذهب عند أكثر المتقدمين.
القسم الثالث: أن يقول أنت طالق ويكرر لفظ الطلاق دون لفظ الجملة مثل أن يقول: أنت طالق طالق طالق، فإن نوى الثلاث طلقت ثلاثا، وإن نوى واحدة، أو لم ينو شيئا طلقت واحدة، قال في المنتهى: وأنت طالق طالق طالق واحدة ما لم ينو أكثر قال في الفروع، وظاهر ما جزم به في الترغيب أنه إذا أطلق (يعني لم ينو عددا) تكرر فإنه قال أي صاحب الترغيب لو قال أنت طالق طالق طالق قبل قصد التأكيد أيضا. أهـ.
القسم الرابع: أن يقول أنت طالق ويكرر لفظ الجملة بدون حرف عطف مثل أن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينوي تكرار الطلاق فيقع بقدر ما كرر فإن كرره مرتين فطلقتان أو ثلاثا فثلاث لاتفاق دلالة اللفظ والنية.
الحال الثانية: أن ينوي التأكيد أو الإفهام فلا يقع ما نوى به ذلك سواء أراد تأكيد الأولى بما بعدها أو الثانية بالثالثة.
ويشترط في التأكيد أن يكون متصلا بالمؤكد حقيقة أو حكما، فلو انفصل بكلام أو سكوت اختياري لم يصح.
فلو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ونوى تأكيد الأولى بالثالثة لم يصح لفصله بالثانية فتطلق ثلاثا، وإن نوى تأكيد الأولى بالثانية والثالثة صح وطلقت واحدة، وإن نوى تأكيد الثانية بالثالثة صح وطلقت طلقتين.
стр. 1706
ولو قال: أنت طالق وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال: أنت طالق ونوى التأكيد لم يصح للفصل بالسكوت فتطلق طلقتين.
وتقبل نية التأكيد ولو مع اختلاف لفظ الطلاق مثل أن يقول: أنت مطلقة أنت مسرحة أنت مفارقة وينوي تأكيد الأولى بما بعدها فيصح وتطلق واحدة.
وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يشترط في صحة نية الإفهام أن يكون متصلا فعبارة الزاد وشرحه: إلا أن ينوي تأكيدا يصح بأن يكون متصلا أو إفهاما. وعبارة المنتهى: إلا أن ينوي بتكراره تأكيدا متصلا أو إفهاما، وعبارة الإنصاف والإقناع: ويشترط في التأكيد أن يكون متصلا، إلا أنه في شرح الإقناع قال: ويشترط في التأكيد والإفهام فزاد والإفهام وعلله بأن الإفهام نوع من التأكيد اللفظي.
واشتراط الاتصال في الإفهام خلاف ظاهر كلام من سبقه من الأصحاب وعدم اشتراطه أظهر؛ لأن الحاجة قد تدعو إليه مع الفصل مثل: أن يخاطب زوجته في حال غلفتها أو غضبها ثم تنتبه فيعيد الجملة عليها فإن قصد الإفهام هنا ظاهر مع الفصل، نعم ينبغي أن يشترط في دعوى نية الإفهام أن يكون محتاجا إليه لغفلة أو غضب أو طرش أو أصوات كثيرة ونحو ذلك، فإن لم يكن محتاجا إليه لم يقبل منه حكما دعوى ذلك والله أعلم.
الحال الثالثة: أن لا ينوي التأكيد ولا التكرار فيقع العدد فإن كرره مرتين فطلقتان أو ثلاثا، فثلاث: ونقل أبو داود عن أحمد في قوله: اعتدى اعتدى وأراد الطلاق هي طلقة قال في القواعد الأصولية:
وظاهر هذا النص أنه لا يتكرر الطلاق إذا لم ينو التكرار، وقال في الفروع: يتوجه مع الإطلاق وجه كالإقرار يعني أنه لا يتكرر.
القسم الخامس: أن يقول: أنت طالق ويكرر لفظ الطلاق أو الجملة كلها مع أحد حروف العطف وله حالان:
الحال الأولى: أن تكون حروف العطف متغايرة فلا تقبل نية التوكيد؛ لأن العطف بحرف مغاير يقتضي أن الثاني غير الأول فلو قال: أنت طالق وأنت طالق، ثم أنت طالق. أو أنت طالق وطالق ثم طالق طلقت ثلاثا ولا يقبل منه إرادة التوكيد.
الحال الثانية: أن يكون العطف بحرف واحد مثل أن يقول: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق. أو أنت طالق، ثم طالق فتطلق ثلاثا، فإن نوى تأكيد الثانية بالثالثة قبل إن كان متصلا وطلقت طلقتين، وإن نوى تأكيد الأول بالثانية لم يقبل؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وإن نوى تأكيدها بالثالثة لم يقبل لذلك وللفصل وتطلق ثلاثا فيهما.
стр. 1707
ويستثنى من ذلك مسألتان:
الأولى: إذا كان العطف ببل مثل: أنت طالق بل طالق، أو أنت طالق طلقة بل طلقة، فإن فيها رواية عن أحمد أنها تطلق واحدة فقط والمذهب أنها طلقتان كما سبق.
المسألة الثانية: إذا تغير لفظ الطلاق إلى معناه مثل: أنت مطلقة ومسرحه ومفارقة فتطلق ثلاثا ولا تقبل منه نية التأكيد هكذا أطلق الأصحاب، وينبغي أن يقبل منه نية تأكيد الثانية بالثالثة؛ لأنها بمعناها والحرف فيهما واحد، وقد سبق أن تقبل نية التوكيد في أنت مطلقة أنت مسرحة أنت مفارقة وعلى هذا فإذا قال: أنت مطلقة وأنت مسرحة وأنت مفارقة ونوى تأكيد الثانية بالثالثة طلقت طلقتين فقط.
وفي أصل المسألة احتمال بقبول نية التأكيد فلا تطلق إلا واحدة وهما احتمالان مطلقان في المغني وغيره، وإنما صح نية التأكيد مع العطف على هذا الاحتمال لاختلاف اللفظين بخلاف أنت مطلقة ومطلقة ومطلقة فلا يصح نية التأكيد فيها إلا تأكيد الثانية بالثالثة لعدم اختلاف اللفظين، فلا يحسن عطف لفظ على مساويه للتأكيد؛ لأنه ليس بينهما تغاير يحسن من أجله العطف.
القسم السادس: أن يقول أنت طالق ويصف الطلاق بما يقتضي البينونة مثل أن يقول: أنت طالق بائن أو بلا رجعة أو تملكين نفسك ونحو ذلك فله حالان:
الحال الأولى: أن يصف الطلاق بوصف يناقض البينونة مثل: أنت طالق واحدة بائنة أو لا رجعة فيها ونحوه فلا تطلق إلا واحدة ولو نوى أكثر؛ لأنه صرح بلفظ العدد الذي لا بينونة فيه والتصريح لا تغيره النية وعنه تطلق طلقة واحدة بائنة لا رجعة فيها إلا بعقد وعنه تطلق ثلاثا.
الحال الثانية: أن لا يصف الطلاق بوصف يناقض البينونة مثل: أنت طالق بائن ونحوه فتطلق ثلاثا وعنه واحدة بائنة لا رجعة فيها إلا بعقد، وعنه واحدة رجعية وهو الصحيح؛ لأن المطلق إنما يملك سبب الفرقة وهو الطلاق وأما حكمه فإلى الله ورسوله، فإذا أتى بما جعله الشارع سببا للبينونة حصلت به، وإن أتى بغيره لم تحصل به، وإن حكم بها عليه.
قال ابن القيم في زاد المعاد: والجمهور قالوا لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا بالخلع.
(تنبيه) يستثنى من وقوع الطلاق بعدد التكرار في جميع ما سبق إذا كانت الزوجة غير مدخول بها فإنها تبين بالأولى ولا يلزمه ما بعدها فإذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، طلقت بالأولى واحدة ولم يقع عليها ما بعدها لأنه صادفها بعد البينونة، إلا إذا كان التكرار بما يفيد المعية دون الترتيب فتطلق بعدد مثل أن
стр. 1708
يقول: أنت طالق وطالق وطالق فتطلق ثلاثا، أو أنت طالق طلقة مع طلقة أو معها طلقة فتطلق طلقتين.
(تنبيه آخر) جميع ما سبق من وقوع عدد الطلاق بتكرار صيغته مبني على القول بأن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا والثنتين يقع طلقتين، أما على القول الراجح بأن الطلاق المكررة صيغته لا يقع إلا واحدة سواء كان بحرف عطف أو بدونه فالأمر ظاهر أننا لا نحتاج إلى التقاسيم والأحوال السابقة. فإذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فطلقة واحدة رجعية، سواء كانت مدخولا بها أم غير مدخول بها، وسواء نوى التأكيد أو التأسيس وسواء كان بحرف عطف أم بدونه، لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فلما كان عمر قال: " أرى الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (١)» رواه مسلم. وفي المسند عن ابن عباس ﵄ قال: «طلق ركانة امرأته في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله ﷺ " كيف طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا، قال: " في مجلس واحد؟ " قال: نعم. قال: " فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت " قال: فأرجعها (٢)».
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها قال شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ في كتابه (المختارات الجلية) ص٦٨: ورجح الشيخ تقي الدين أن الطلاق لا يقع إلا واحدة بجميع ألفاظ الطلاق ولو صرح بلفظ الثلاث أو البينونة أو البتة أو غيرها، وأنه لا تقع الثانية إلا بعد رجعة صحيحة، ونصر هذا القول بوجوه كثيرة جدا من وقف على كلامه فيها لم يسعه مخالفة هذا القول لقوته ورجحانه وكثرة أدلته وضعف ما قابله. اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1709
كتب تصدر قريبا
أحمد بن عبد العزيز اللهيب
أساليب القسم والشرط في القرآن
سوف يصدر إن شاء الله - تعالى - كتاب أساليب القسم والشرط في القرآن:
وهي رسالة مقدمة من الأستاذ أحمد بن عبد العزيز اللهيب والتي نال بها درجة العالمية " الدكتوراه " بإشراف الأستاذ الدكتور أحمد كحيل ١٣٩٥ هـ.
فهي دراسة موضوعية لأساليب القسم والشرط، أفرغ الدكتور طاقته وجهده وبذل وسعه حتى ظهر بحثه بحثا متناسقا يأخذ بعضه برقاب بعض في أسلوب مشرق وعبارة واضحة.
وبدأ بمقدمة ذكر فيها أهمية البحث ومدى اهتمامه به، وذكر بعض من ألف في هذا الموضوع من المتقدمين والمتأخرين وأشاد بهم ككتاب " أقسام القرآن وأجوبتها " لأبي عمرو عبد الله بن ذكوان " ١٧٣هـ ٢٤٢هـ " وذكر أن هذا الكتاب لم يصلنا إلى الآن، ومن المتأخرين الإمام ابن القيم " ٧٥١هـ " وكتابه " التبيان في أقسام القرآن " وهذا الكتاب طبع عدة مرات. وممن ألف في العصر الحاضر المعلم حميد الدين عبد الحميد الأنصاري الهندي المتوفي " ١٣٤٩هـ " وكتابه " إمعان في أقسام القرآن " ومع هذه الكتب المؤلفة فإن الدكتور يذكر بأن الذي حفزه لتأليف هذا الكتاب عدم شمول الكتب المتقدمة وعدم إحاطتها بالموضوع وهذا ما جعل الدكتور
стр. 1710
يختار موضوعا قرآنيا يجمع بين أسلوبي القسم والشرط ولقد عكف على كثير من المخطوطات وصحبها صحبة الراغب الذي يطمع في الوقوف على قول العالم من مصدره الأساسي مهما استنفد من وقت ولقي من عناء حتى وصل بفضل الله إلى نتيجة إيجابية، ونسب كثيرا من المذاهب إلى مصادرها الأصلة، فآراه الأخفش سعيد من كتابه " معاني القرآن " والزجاج من كتابه " معاني القرآن " وأبو جعفر النحاس من كتابه " إعراب القرآن " وابن السراج من كتابه " الأصول " وابن الدهان من كتابه " الغرة " والفرخاني من كتابه " المستوفي ") إلى غير ذلك مما يتبين للقارئ.
والحق يقال أن جهود الدكتور ظاهرة جلية لمن قرأ الرسالة وتتبعها، وهو في رسالته ينقل عن ستة وعشرين وثلاثمائة كتاب منها المخطوط والمطبوع.
وسار في رسالته على المنهج التالي وقسمها إلى أبواب ستة:
فجعل الباب الأول عن القسم في كلام العرب وجعله في ستة فصول: الفصل الأول في التعريف وتكلم فيه عن حالة القسم إذ نقله المتكلم عن غيره وذكر الفرق بين العهد والميثاق فقال:
إن العهد إلزام والتزام سواء كان فيه يمين أو لم يكن نحو: عهد الله لأفعلن وعلي عهد الله، فهو ملتزم بهذا العهد. والميثاق: هو العهد المؤكد باليمين.
والفصل الثاني: تكلم فيه عن أدوات القسم وخصائص هذه الأدوات وذكر بأن لهجات العرب في " أيمن " عشرون لهجة وتكلم عن إعرابها وما قيل فيها والخلاف في ذلك وفي آخر الفصل خرج بخلاصة هي: من النصوص السابقة يتبين أن حروف القسم إذا حذفت دون تعويض - فالشائع في كلام العرب نصب المقسم به فيقال: الله لأفعلن بنصب لفظ الجلالة والأصل، أحلف بالله لأفعلن، فحذف حرف الجر فنصب المقسم به بالفعل ثم حذف الفعل، قال ابن يعيش: " ولا يكادون يحذفون هذا الحرف في القسم مع الفعل " أي مع ذكر الفعل، ولا يقولون: " أحلف بالله ولا أقسم بالله، لكنهم يحذفون الفعل والحرف جميعا، والقياس يقتضي حذف الحرف أولا فيفضي الفعل إلى الاسم فينصبه ثم حذف الفعل توسعا ".
وإذا كان القسم به لفظ " يمين " أو " عهد " أو " أمانة " نصب أيضا بفعل القسم المقدر تقديره: أحلف أو أقسم، وقيل: يضمر فعل متعد نحو أذكر أو أشهد أو ألزم، قال ابن يعيش: والوجه الأول لأنك لو أضمرت فعلا متعديا لا يكون من هذا الباب، ويجوز رفعه على أن المرفوع مبتدأ محذوف الخبر أي قسمي. وحكي سيبويه: أن بعض العرب يبقى القسم به مجرورا على نية حرف الجر لكثرته في كلامهم ولكن المبرد
стр. 1711
نكر ذلك، وقال: إنه لم يصح في كلامهم؛ لأن حرف الجر لا يعمل محذوفا دون عوض.
والفصل الثالث تكلم فيه عن أدوات الشرط إذا حذفت، والفصل الرابع تحدث فيه عن ما يقوم مقام القسم ويؤدي معناه. . إلخ.
الباب الثاني: فكان عن الشرط وجعله خمسة فصول مستوفاة، وفي معرض كلامه عن أدوات الشرط تحدث عن جمع العرب بين " لم " وهو حرف جازم وبين " إن " وهو حرف جازم، فقال: جاء في أساليب العرب الجمع بين إن الشرطية الجازمة وبين حرف الجزم والنفي " لم " فقالوا: إن لم تذهب لم أذهب ولم تجمع أن مع " لن " التي هي للنفي. وعلل بعض النحويين أن إن الشرطية تدخل على موجب " لم " وهو الماضي؛ لأن نحو: لم أفعل موجبة: فقلت وتدخل عليه فيقال: إن فعلت فعلت.
الفصل الثاني: وتكلم فيه عن الأدوات غير الجازمة وفي حديثه عن " لو " وهل هي موضوعة للامتناع وإذا لم تكن كذلك فمن أين جاءت دلالتها على الإمتناع؟ ومنشأ الاختلاف في ذلك.
قال أبو حيان في الارتشاف: ". . . قال الأستاذ أبو علي: لو " ليست موضوعة للدلالة على الامتناع بل مدلولها ما نص عليه سيبويه من أنها تقتضي لزوم جوابها الشرط فقط ". . . الخ.
والباب الثالث: وهو مختص باجتماع الشرط والقسم وفيه فصلان.
الباب الرابع: وهو عن القسم في القرآن الكريم وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: عن التصريح بفعل القسم والآيات التي صرح فيها بفعل القسم على سبيل الإنشاء.
والفصل الثاني: يتحدث فيه عن فعل القسم والاكتفاء بحرف القسم والمقسم به أو المقسم به فقط. . الخ. .
والفصل الثالث: وتحدث فيه عن حذف الفعل والاكتفاء بواو القسم والمقسم به. . وتكلم عن إقسام الله تعالى في كتابه. . وتكلم عن قسم الله تعالى بمخلوقاته.
الفصل الرابع: وتكلم فيه عن مسائل كثيرة منها القول في جواب القسم في ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)
الفصل الخامس: تحدث فيه الدكتور عن الألفاظ التي جرت مجرى القسم وأجيبت بجوابه وذكر أنواعها.
الفصل السادس: وبحث فيه عن حذف الجملة القسمية والاكتفاء بجواب القسم.
стр. 1712
الباب الخامس: وفيه أربعة فصول: الفصل الأول عن الأدوات الجازمة، والفصل الثاني عن الأدوات غير الجازمة، والفصل الثالث اعتراض الشرط على الشرط، الفصل الرابع الجزم في جواب الطلب.
الباب السادس: ناقش فيه اجتماع القسم والشرط في القرآن الكريم.
هذا وبعد أن استعرضنا فهارس الكتاب لا شك أنه جهد عظيم بذل فيه صاحبه طاقته ووقته وبحث ونقب عن كل ما يتعلق ببحثه في المراجع الكثيرة المخطوط منها والمطبوع حيث إن الكتاب بلغ إحدى وثلاثين وألف صفحة بدون الفهارس، فعلى كل محب للتوسع في بحث القسم والشرط فالحق يقال أنه سيجد بغيته في هذا السفر الجليل.
ونسأل الله تعالى أن يخرج قريبا في طباعة جيدة وثوب قشيب.
стр. 1713
الولايات المتحدة
إنه لمما يسعدني ويشرفني كرئيس لمنظمة الخدمة الإسلامية بولاية نيوجيرزي، ونائب رئيس الجمعيات الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. . أن أتقدم بالشكر لرئيس وأعضاء الرابطة الإسلامية في مكة المكرمة على دعوتهم هذه التي أتاحت لي اللقاء بكم وعرض أوضاع المسلمين ومشاكلهم في ديار المهجر الأمريكي على مسامعكم الكريمة، للوقوف على تلك الأوضاع والمشاكل التي آمل من مجلسكم الكريم المساهمة في حل تلك المشاكل حتى تتقوى أواصر الإسلام والمسلمين في تلك البلاد ويبقى الإسلام عزيزا كريما في كل آن وزمان.
стр. 1714
وقبل أن أعرض على مسامعكم الكريمة أوضاعنا ومشاكلنا أود أن أنقل إليكم أصالة عن نفسي ونيابة عن منظمة الخدمة الإسلامية في ديار المهجر تحيات المسلمين الحارة وتمنياتهم الطيبة آملين على الله أن يحقق هذا المؤتمر ما فيه صالح الإسلام والمسلمين، وأن يحقق على يديكم وأنتم قادة الإسلام في هذا الزمان ما يصبو إليه ديننا الحنيف من عز وسؤدد ومجد امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) صدق الله العظيم.
وإنني إذ أستعرض أحوال المسلمين في ديار المهجر الأمريكي أود أن أنقل لمسامعكم الكريمة المعلومات التالية:
١ - يزيد عدد المسلمين في ديار المهجر عن مليوني نسمة منتشرين في مختلف الولايات المتحدة ويزيد هذا العدد عاما بعد عام، ويتركز معظم المسلمين في الجهات الشمالية الشرقية من الولايات المتحدة وأخصها: ولاية نيوجيرزي، ونيويورك، وأوهايو، ومتشغان، وشيكاغو، وكذلك في الجهة الجنوبية الغربية منها مثل: كاليفورنيا، وتكساس، وسان فرانسيسكو، ولويزيانا، وفلوريدا، ويعمل معظمهم في التجارة الحرة وفي المصانع.
إن هؤلاء المهاجرين قدامى. . هاجر طلبا للعمل وبعضهم طلبا للعلم، وبعضهم حديثو الهجرة، والظروف التي أجبرتهم على النزوح لا بد وأنها معروفة لديكم أيها الأخوة الكرام، ولكن بسبب الظروف والأوضاع السائدة في وطننا الحبيب فلسطين وعلى أثر الاحتلال الإسرائيلي البغيض لبيت المقدس الشريف. . أجبر عدد كبير على النزوح هربا من التسلط اليهودي للشباب العربي المسلم، وخلال السنوات الثمان الماضية وعلى الأخص بعد حرب حزيران عام ١٩٦٧ ازداد عدد المهاجرين من ديار المقدس الشريف ومن مختلف الأقطار العربية: كمصر، وسوريا، ولبنان، واليمن، والعراق بالإضافة إلى المسلمين الآخرين النازحين من مختلف الأقطار الإسلامية الأخرى: كتركيا، والباكستان والقارة الهندية، وجنوب شرق آسيا، والقوقاز، والدول الإفريقية وغيرها من بقية الأقطار التي يرزح المسلمون فيها تحت وطأة الظلم والطغيان وأخص ذلك دول شرق أوروبا: كيوغوسلافيا، وجنوب روسيا، والفلبين.
стр. 1715
أغلب المسلمين في ديار المهجر ضائعون في متاهة. . إذ لا رابطة تجمعهم ولا مركز يأويهم بسبب البيئة والمجتمع الذي يحيط بهم، مما جعل الكثيرين منهم ينخرطون في هذا المجتمع الغريب عن عاداتهم وتقاليدهم وعقيدتهم ودينهم حتى عهد قريب، عندما تنادي الرجال المثقفون منهم لعمل رابطة تجمع بينهم وتثبت في نفوسهم أواصر عقيدتهم ودينهم، فنشأت بعض المراكز الصغيرة انتشرت هنا وهناك يتخذها هؤلاء المسلمون كمجتمع للتعارف والتباحث في مختلف المجالات والشئون وتقوية الروابط وأواصر الدين الحنيف في نفوسهم، ومن خلال هذه المراكز ازداد الشعور لإيجاد رابطة أقوى تجمع بين هذه المراكز لزيادة الاتصال وتقوية الروابط بين مختلف الجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة وكندا.
ويسرني أن أعلن على مسامعكم الكريمة أنه تم والحمد لله تكوين مجلس أعلى للتنسيق بين المنظمات الإسلامية الكبرى في أمريكا الشمالية ويعرف باسم " المجلس الإسلامي للتنسيق بين المنظمات الإسلامية " وفي تلك البلاد يعرف بـ " I. C. C. N. A " ولأول مرة التقت جميع المنظمات الإسلامية في تلك البلاد في هذا المجلس الإسلامي الأعلى لخدمة الإسلام
هذا عن أوضاع المسلمين في ديار المهجر، أما عن مشاكلهم فأود أن أعرض على مسامعكم أيها الأخوة الكرام أهم المشاكل التي نتعرض لها والتي تواجهنا ونعمل جاهدين على تذليلها بالرغم من المصاعب التي نتعرض لها.
١ - المشاكل التي تواجهنا في إقامة الشعائر الدينية والصلاة الجامعة في مختلف المناسبات مثل: أيام الجمع والأعياد والوفيات.
٢ - مشاكل التعليم لأبناء المهاجرين الناشئين.
٣ - مشاكل الزواج والوفيات.
فبالنسبة للمشكلتين الأولى والثانية: أود أن أعرض على مسامعكم الكريمة أن المسجد في نشأته الأولى منذ قيام الإسلام كان مركز عبادة مثلما كان مركزا للتعليم، فكان المسلمون الأوائل يتخذون من المسجد مدرسة يتلقون فيها مبادئ الدين الحنيف واللغة والفقه الإسلامي على يد أئمة المسلمين العظام.
وما من أحد ينكر أثر المسجد في إحياء اللغة والدين وتخريج الأئمة والمتعلمين من المسلمين، والمسلمون
стр. 1716
في أميركا بحاجة ماسة إلى إقامة المساجد هناك لاتخاذها مراكز عبادة ومراكز للتعليم.
وإنني أقترح إقامة مسجدين في أمريكا، وثالث في كندا، وذلك في الأماكن التي يزدحم ويكثر عدد المسلمين فيها ليكونوا قريبين من المسلمين وتحقيقا للغاية المنشودة من إقامة هذه المساجد أقترح أن يلحق بها بناء خاص لاتخاذه مدرسة لتعليم الناشئة من أبناء المسلمين أمور دينهم الحنيف ولغتهم العربية الفصحى مع ما يتطلب من إيجاد مكتبة عربية إسلامية خاصة تابعة للمسجد والمدرسة تضم مختلف المراجع والمصادر والكتب العلمية والأدبية الإسلامية؛ لتكون مرجعا لطلاب العلم وليكون الطالب على اطلاع تام بمختلف العلوم الدينية والآداب الإسلامية.
وأقترح أن يكون في المدرسة جناح خاص داخلي لهؤلاء الطلاب المسلمين، تذليلا للمصاعب التي قد تواجه المسلمين الذين يبعدون عن هذه المدارس أو المساجد وأن تبدأ المدرسة بصفوف أولية منظمة يتدرج الطالب فيها سنة بعد سنة من صف إلى صف حتى تكون مدرسة تامة ينال فيها الطالب من العلم ما يناله أخوه في وطننا الأم وحتى أن مستوى هذه المدارس لن يكون أقل من مستوى مثيلاتها في تلك البلاد المهجرية، وأقترح أن تدعهم المدرسة بمدرسين أكفاء مؤهلين لكل مادة من مواد الدراسة في هذه النقطة يتوفر مثل هؤلاء المعلمين والحمد لله ولذلك لا بد من المساهمة في توفير الأموال اللازمة ورصدها لهذه الغاية النبيلة.
أما بالنسبة للمشكلة الثالثة وهي الزواج والوفيات:
فبالنسبة للزواج: إن أهم ما يتعلق بهذه المشكلة هو اجتذاب الكتابيات لأبناء المسلمين في تلك البلاد أو هؤلاء الناشئة يتطلعون إلى تلك الكتابيات للزواج منهن: بحكم اختلاط البيئة والمجتمع أولا، وعدم توفر المرشدين الدينيين الذين يرشدونهم إلى الصراط السوي، فما من شك أن المدارس الأميريكية منذ الصفوف الأولى الابتدائية حتى الثانوية وفي الجامعات يكون الطلاب والطالبات فيها خليطا لذلك تنشأ عادات التعارف بما فيها من مساوئ بين هؤلاء الطلاب والطالبات بغض النظر عن دينهم وعقيدتهم، ولذلك ينجذب هؤلاء الطلاب المسلمين إلى التطلع للأجنبيات للزواج منهن، وفي هذه الحالة فإن المسلم عندما يتزوج من غير مسلمة كنصرانية أو يهودية أو ملحدة ويرتبط بها يبتعد ابتعادا كليا عن دينه ومجتمعه وعقيدته، ونكون بذلك قد خسرنا أبناءنا ونكون مسئولين أمام الله ورسوله والمؤمنين عن فسادهم وعن تحويلهم عن دينهم، بالإضافة إلى الجمعيات التبشيرية والدينية العلمانية التي تسلط أضواءها عليهم لاجتذابهم حيث تعرض عليهم بسخاء تام وتستدرجهم إلى الانضمام وراء تلك الجمعيات التي تهدف إلى القضاء على الإسلام والمسلمين.
стр. 1717
وفي هذه المنطقة الهامة أحملكم المسئولية التامة أمام الله لإنقاذ هذا الجيل المسلم من براثن الفساد والطغيان التي يتعرضون لها في تلك البلاد فإذا ما ساهمتم في القضاء عليها بإتاحة الفرص المناسبة لهم. . نكون قد تحملنا جميعا المسئولية التامة ولا بد أنكم على علم تام بالعواقب الوخيمة المتربصة لديننا الحنيف إذا لم نعمل على إيقافها قبل فوات الأوان، وأحثكم أيها الإخوة الكرام على التجاوب معي في هذه النقطة لإنقاذ أبنائنا وإرشادهم إلى الصراط المستقيم قبل فوات الأوان، وأحثكم أيها الأخوة الكرام على التجاوب معي في هذه النقطة لإنقاذ أبنائنا وإرشادهم إلى الصراط المستقيم وأكرر على مسامعكم قوله تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) صدق الله العظيم، لذلك لا بد من إرشاد الشباب المسلم وهدايته إلى أمور دينه ودنياه في كل ما يتعرض له حتى يتطلع أولئك الشباب المسلم إلى الزواج من المسلمات حسب تقاليدنا وشريعتنا السمحاء فنكون بذلك قد حققنا الغاية الكبرى من الحفاظ على ديننا وإسلامنا ونسلنا في المستقبل.
وأما بالنسبة للوفيات:
وحين ينتقل المسلم إلى جوار ربه في تلك البلاد تجري له المراسم للدفن حسب الطريقة المتبعة في تلك البلاد وهي الطريقة غير الإسلامية بسبب افتقار المسلمين لإيجاد الأماكن الإسلامية لتجهيز الميت ودفنه على الطريقة الإسلامية الشرعية، ولذلك أقترح إيجاد غرفة خاصة ضمن أبنية المسجد المقترح لهذه الغاية.
إنني إذ أعرض على مسامعكم هذه الأوضاع والمشاكل والمقترحات أنقلها إليكم بأمانة وإخلاص تأمين حسب معرفتي ومشاهدتي وخبرتي الطويلة حيث إنني موجود في تلك البلاد ما ينوف عن ربع قرن، وما زلت في تلك البلاد متحملا بشرف كبير الإشراف على الأوضاع وحل مشاكل المسلمين هناك أود أن أجزم القول على مسامعكم الكريمة أنه إذا أردنا حل مشاكل المسلمين المعروضة هذه. . لا بد وأن نعمل جاهدين على تذليلها حسب ما اقترحته عليكم وإذا ساهمتم معي بشرف وإخلاص تامين نكون قد حققنا الغاية المنشودة لإعلاء صرح الإسلام والمسلمين في تلك البلاد المهجرية، وتكونوا قد عملتم على ما أوجبه ديننا الحنيف وما أمر به رسولنا الكريم بأن المسلم للمسلم وأن المسلم أخ المسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وإنني واثق من تجاوبكم الكريم ومساهمتكم الفعالة، وقبل أن أختم رسالتي هذه أود من صميم قلبي أن أشكر كل فرد فيكم وأحييكم تحية إسلامية حارة كما أكرر شكري العميق لسكرتير عام الرابطة وصاحب المعالي الشيخ محمد صالح القزاز ومساعديه وأعضاء الرابطة الإسلامية في مكة المكرمة الذين أتاحوا لي هذه الفرصة الكريمة للالتقاء بكم في هذا الاجتماع العتيد، وأعاهدكم أنني سوف أعمل جاهدا على إعلاء كلمة الله، وإشادة صرح الإسلام
стр. 1718
والمسلمين في تلك البلاد ما وسعني من قوة وجهد، معتمدا على الله وعلى مساهمتكم الفعالة لنصرة ديننا الحنيف والله يحفظكم ويرعاكم سندا للإسلام وذخرا للمسلمين، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)
كما أنني قد حملت أن أنقل سلامات وتحيات مسلمي مدينة باترسون في ولاية نيوجرسي الأمريكية لصاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز المعظم على دعمه ومساعدته في إنشاء المركز الإسلامي فيها، ويتجهون بكل الامتنان لصاحب المعالي الشيخ الجليل محمد صالح القزاز الأمين العام للرابطة على المساعدات التي تقدمها الرابطة للمسلمين هنا وفي جميع أمريكا والعالم، كما أنهم يطلبون الغفران والرحمة للملك المسلم الشهيد فيصل بن عبد العزيز طيب الله ثراه وأدخله فسيح جناته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1719
إنجلترا
الحديث عن المساجد في إنجلترا واحتياجاتها ومشاكلها، يقتضينا أن نتحدث عن المسلمين في إنجلترا والظروف التي يعيشون فيها، ذلك لأنهم هم الذين أقاموا المساجد، والمشاكل التي تعترضهم هي إلى حد ما مشاكل المساجد وقدرتها على أداء رسالتها.
يبلغ عدد المسلمين في إنجلترا بين ثلاثة أرباع المليون والمليون، أغلبهم نزح من دول الكومنولث البريطاني وخاصة من شبه القارة الهندية، باكستان وبنجلادش والهند، ومسلمو إنجلترا النازحون من شبه القارة الهندية يشكلون تسعين في المائة من المسلمين بها والعشرة في المائة الباقية موزعة بين الجنسيات الأخرى، ولا يوجد جاليات مسلمة من أصل عربي مستقرة هناك. . إلا جماعات من اليمن بقسميه
стр. 1720
نزحوا أساسا جريا وراء الرزق والعمل على السفن الإنجليزية التي كانت تمر بعدن، ولهذا تجد هذه الجماعات اليمنية تستوطن المدن الساحلية والصناعية مثل: كارديف عاصمة مقاطعة ويلز، وليفربول وساوث شيلد وجلاسجو وشيفيلد وبرمنجهام، وقد لوحظ أن كل جماعة يمنية تستقر في مدينة ما من مدن إنجلترا يجاورها جماعة صومالية تتناول نفس الأعمال التي يقوم بها اليمنيون إلا أن عددهم أقل، وبعد أن أصبحت الصومال عضوا في الجامعة العربية يمكن أن نقول إجمالا: إن البلاد العربية التي يوجد منها جاليات مستقرة بإنجلترا هي اليمن والصومال
ونستطيع أن نقول بغير استثناء: إن المسلمين النازحين إلى إنجلترا سواء كانوا من شبه القارة الهندية أو من غيرها من البلدان الإسلامية. . هم من الطبقة العاملة المحدودي الثقافة: أو إن أردت الدقة فإن هذه هي السمة الغالبة عليهم لما هاجروا إلى إنجلترا في أول الأمر، إلا أنه بعد أن استقرت هذه الجاليات سنوات ووفد عدد من أهليهم للدراسة، رأوا أن يستقروا في إنجلترا بعد أن أتموا دراساتهم وأصبح يوجد حاليا الطبيب المسلم، والمحاسب المسلم، والمهندس المسلم، والمعلم المسلم، ورجل الأعمال المسلم، وقد لوحظ في السنوات السبع الأخيرة أن عددا من الأطباء العرب وخاصة من مصر هاجروا إلى هذه البلاد بقصد الدراسة ثم مددوا إقامتهم لعدة سنوات أغراهم بذلك توفر الآلات الحديثة وتوفر الرعاية الصحية والاجتماعية، إذ توفر لهم المستشفيات التي يعملون بها مساكن مريحة كاملة الاستعداد بأجور رمزية. . وفي الوقت نفسه يتقاضون مرتبات سخية بالنسبة لما يتقاضونه في بلادهم.
وقد ترتب على استقرار هذه الجاليات الإسلامية في تلك البلاد أن وجدت محلات إسلامية تبيع لهم اللحوم والأشياء التي ألفوها في بلادهم، ويدخل في ذلك المطاعم الهندية والباكستانية التي تقدم لهم اللون الذي يحبونه.
كانت الهجرة من البلاد الإسلامية إلى إنجلترا مع مطلع هذا القرن إلا أنها لم تتخذ طابع الاستقرار والإقامة، ونمت قليلا أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، وفي خلال وعقب الحرب العالمية الثانية اتسع نطاق هذه الهجرة بشكل ملحوظ وخاصة بعد أن نالت دول الكومنولث استقلالها وأصبح من حق