← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 17081–17120 · переход к 17086.

стр. 17081

إمام الصناعة ومقدم الجماعة أبو عبد الله البخاري لإسناد إسرائيل بن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ حديث: «لا نكاح إلا بولي (١)» على إرسال سفيان وشعبة، وهما من هما في الحفظ والإتقان وعلو الشأن، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلا، وأقسم بمن فاوت بين مقدارهم لنسبة إسرائيل إليهما أبعد من نسبة قرة إلى الأربعة) (٢). قلت: في ذلك نظر، لأن إسرائيل من أحفظ الناس في أبي إسحاق كما ذكر في ترجمته، فالتفاوت موجود مع بقاء الاستدلال، ثم قال السبكي: (كيف وقرة فيما ذكر أعلم الناس بالزهري، وقد توبع في هذا الحديث، وشيخه الزهري كان كثير الإرسال، ثم كان يفصح بالإسناد بعد الإرسال، بل ربما أرسل ثم أفصح بإسناد لا يقبل. . . وإنما رد إرساله عند الإطلاق، ولاحتمال أن يكون طوى ذكر من لو أفصح به لرددناه، كما فعل في حديث الضحك، فإنه طوى ذكر سليمان وهو ضعيف) (٣). وأما إذا بين برواية قرة أن المطوي ذكره أبو سلمة وهو ثقة من الثقات، فلئن أرسله الحافظ الجبل فلقد أسنده الإمام الأجل، أعني محمد بن إسماعيل. وأقول (السبكي) أيضا: (إن الأخذ بالإسناد هنا أولى منه في

стр. 17082

حديث: «لا نكاح إلا بولي (١)» من وجهين: حديثي وفقهي: أما الحديثي: فإن راوي الإسناد عن قرة إمام كبير وهو الأوزاعي، فالأكثر في الرواية عنه الإسناد، ورواية الإرسال عنه قليلة. وأما الفقهي: فإن الحمد حديث في فضائل الأعمال، فكان قبوله أقرب من حديث: «لا نكاح إلا بولي (٢)» لما يتعين من مزيد الاحتياط في ذلك. هذا منتهى الكلام على الحديث، ولا ريب في أنه بعد ثبوت صحته ورفعه مسندا غير بالغ مبلغ الأحاديث المتفق على أنها مسندة صحيحة ولكن للصحيح مراتب) (٣). وقال محمد بن جعفر الكتاني، بعد أن نقل ترجيح النسائي والدارقطني للإرسال: (هذا مسلم لو تفردا -أي قرة وصدقة - بوصله، وكان بين الوصل والإرسال معارضة، ولكن لا نسلم كلا منهما، فإن سعيد بن عبد العزيز وصله عن الزهري أيضا عند النسائي كما تقدم، وكذا الأوزاعي، وهما ثقتان، وإنما يصار إلى الترجيح عند التعارض، ولا تعارض بين الإسناد والإرسال؛ فالزهري معروف أنه كثيرا ما يرسل ثم يصرح بالرفع لكونه لا منافاة بينهما) (٤). وقال الغماري: (ورواه عن الزهري جماعة من الحفاظ

стр. 17083

الثقات: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ويونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وقرة بن عبد الرحمن وغيرهم، إلا أن الزهري كان يوصله مرة ويرسله أخرى على عادته المعروفة في ذلك؛ فإنه كان كثيرا ما يرسل الأحاديث الموصولة عنده في الأوقات التي يحصل له فيها نشاط لذكر الإسناد كما نص عليه ابن عبد البر وغيره) (١). فهذا آخر ما توصلت إليه من كلام العلماء حول وصل الحديث وإرساله. ولا شك أن كل من صحح الحديث أو حسنه فهو يعتبر من مرجحي الوصل على الإرسال، بل ويتقوى المرسل بالمسند كما أن مرسل الزهري يتقوى بمرسل معمر لتعدد المخارج، كما يتقوى بعمل أهل العلم بذلك، وإجماعهم العملي على العمل به. وبعد أن ثبت أنه لا منافاة بين الإرسال والإسناد؛ لأن الرجل قد يكون نشيطا فيسند الحديث، وقد يكون في مورد المذاكرة فيسأل عن الحديث فيذكره مرسلا، فمن هنا لم أقف على تضعيف الأئمة لهذا الحديث فيما بحثت بلفظه المذكور سوى الشيخ الألباني، والدارقطني لحديث كعب بن مالك ﵁. وإنما حصل الترجيح من بعضهم بين المرسل والمسند، فرجح الإمام الدارقطني المرسل على المسند، ولكنه تبين مما سبق من أقوال الأئمة أن المرسل يؤيد المسند ولا يعارضه، والعكس

стр. 17084

كذلك، فمن هنا نرى عددا من العلماء صححوا الحديث وعددا آخر حسنوه. فممن صححه ابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة، وابن الصلاح في رواية، والسبكي - كما تقدم- والمناوي، والعيني وغيرهم. ونقل السبكي عن ابن الصلاح أنه قضى بأن الحديث حسن دون الصحيح وفوق الضعيف، محتجا بأن رجاله رجال الصحيحين سوى قرة، قال: فإنه ممن انفرد مسلم عن البخاري بالتخريج له (١). وكذا نقل الزبيدي في مقدمة " إتحاف السادة المتقين " عنه أنه قال: (حسن بل صحيح) (٢). وكذا نقله عنه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (حديث رقم ٥٩٤) (٣) والعيني في عمدة القاري (٤). وقال النووي في الأذكار (٥): (هو حديث حسن). وقال في المجموع (٦): (ورويناه فيه من رواية كعب بن مالك الصحابي ﵁، والمشهور رواية أبي هريرة ﵁، وحديثه هذا حديث حسن). وكذا قال في شرحه على صحيح مسلم (٧)

стр. 17085

للحديث الحسن المشهور بعد أن ذكر حديث أبي هريرة. ورمز له السيوطي بالحسن، وقال المناوي: (رمز المصنف لحسنه تبعا لابن الصلاح) (١). وقال العيني في عمدة القاري - بعد أن ذكر أنه ليس على شرط البخاري؛ لأن في سنده قرة بن عبد الرحمن - ما نصه: (الحديث صحيح صححه ابن حبان، وأبو عوانة، وقد تابع سعيد بن عبد العزيز قرة كما أخرجه النسائي) ا. هـ (٢). وقال الحافظ ابن حجر -كما نقله عنه ابن علان - بعد تخريجه حديث الباب: (إنه حديث حسن، أخرجه ابن ماجه وأبو عوانة في صحيحه (٣)، وقال السخاوي في جزئه: (وهذا الحديث تبع ابن الصلاح على تحسينه الإمام النووي في أذكاره، وشيخ شيوخنا العراقي، وادعى بعضهم صحته) (٤). قال ابن علان: (غفل عن ذكر شيخه الحافظ ابن حجر فيمن حسنه) (٥). وقال السندي في التعليق على سنن ابن ماجه: (الحديث قد حسنه ابن الصلاح والنووي) (٦) ونقل عنهما غير واحد هذا الحكم.

стр. 17086

ومنهم من عزى لابن الصلاح أنه بعدما حسنه صححه، ويشير لذلك كلام التاج السبكي في الطبقات، وكلام الزبيدي في شرح الإحياء، والعيني حيث نقلوا عنه: (هذا حديث حسن بل صحيح) كما تقدم. وقال أبو العلاء العراقي: (وصحح له - أي لقرة - الترمذي، وابن حبان وهو من تساهله إذ يسمي الحسن صحيحا كهذا، والصواب ما جزم به ابن الصلاح من أنه حسن على ما هو معلوم في الاصطلاح من أن حديث المختلف فيه حسن، وتبعه الأسيوطي، وممن صححه أيضا أبو عوانة، وقال الحافظ ابن حجر: ليس على شرط البخاري، في إسناده مقال) (١). قلت: تقدم استدراك ابن الصلاح على نفسه في الحكم كما ذكرت. وقد قال في الكوكب المنير للعلقمي في هذا الحديث ما نصه: (بجانبه علامة الصحة). وقال المناوي في التيسير: (إسناده صحيح). وقال أبو الطيب محمد شمس الحق: (والحديث قد أخرجه البيهقي أيضا بإسناد حسن) (٢).

стр. 17087

وذكره العجلوني فقال: (والحديث حسن) وعزاه لأبي داود وابن ماجه (١). وقال الدكتور فاروق حماده في تعليقه على هذا الحديث: (حسن هذا الحديث ابن الصلاح والنووي وابن حجر وغير واحد من الحفاظ، وقال ابن الصلاح: إن رجاله رجال الصحيحين سوى قرة بن عبد الرحمن (٢)؛ فإنه لم يخرج له مسلم في الأصول، وقد وثق في الزهري) (٣). قال الشيخ الألباني بعد أن ساق الحديث بلفظ: " بسم الله الرحمن الرحيم ": (إن الحديث بهذا اللفظ ضعيف جدا. . . ولئن كان اللفظ الآتي - أي في منار السبيل - وهو اللفظ المذكور عندنا هنا يحتمل التحسين، فهذا ليس كذلك لما في سنده من الضعف الشديد كما رأيت) (٤). قلت: حكم الشيخ الألباني عليه بالضعف مع بيان احتمال التحسين عنده أيضا كما تقدم، وقال الكتاني: (وحاصل هذا أنه بالنظر لطريق قرة بانفرادها حسن، وبالنظر لما احتف به من المتابعات والشواهد، وهذا ما تشد عليه الأيدي في هذه الرواية) (٥). والذي يظهر لي أن الحديث بلفظ: "بحمد الله" أو: "بذكر الله" لا يقل عن درجة الحسن لذاته، ومن حكم عليه بالصحة

стр. 17088

فالمراد بها الصحيح لغيره، لأن الحديث الحسن لذاته يتقوى بالشواهد والمتابعات إلى الصحيح لغيره والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: (وقد اعترض على المصنف -أي البخاري - لكونه لم يفتتح الكتاب بخطبة تنبئ عن مقصوده بالحمد والشهادة امتثالا لقوله ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع (١)»، وقوله: «كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء (٢)» أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁. والجواب عن الثاني: أن الحديثين ليسا على شرطه، بل في كل منهما مقال) ثم قال: (سلمنا صلاحيتهما للحجة، لكن ليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معا، فلعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارا على البسملة؛ لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله، وقد حصل بها، ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣) فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها) (٤). ويؤيده أيضا وقوع كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها، مما سيأتي في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وكما سيأتي في حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية، وغير ذلك من الأحاديث) (٥). ثم قال الحافظ ابن حجر: (وهكذا كان يبدأ رسول الله ﷺ

стр. 17089

إلى الملوك بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما جاء في صحيح البخاري (١) - كتاب التفسير - حيث جاء فيه قال: " ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله ﷺ . . .) (٢). قال النووي: (فيه استحباب تصدير الكتب بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث إليه كافرا، وأن قوله ﷺ في الحديث الآخر: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم (٣)» يحمل على ذكر الله كما جاء في رواية أخرى: «بذكر الله تعالى»، وهذا الكتاب كان ذا بال، بل من المهمات العظام، وبدأ فيه بالتسمية دون الحمد) (٤). ثم قال الحافظ ابن حجر بعد أن نقل كلام النووي السابق الذكر: (والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وصححه ابن حبان أيضا، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فالرواية المشهورة فيه بلفظ: "حمد الله"، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية) (٥) قلت: نعم ورد في بعضها بأسانيد واهية كما تقدم في متن الحديث، وليس كلها كما سبق في التخريج. ولحديث أبي هريرة ﵁ شاهد من حديث كعب بن مالك ﵁ أيضا. ولذا قال الشوكاني بعد أن ذكر حديث أبي هريرة رضي الله

стр. 17090

عنه: (وفي الباب عن كعب بن مالك عند الطبراني والرهاوي) (١). قال الطبراني: (حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، ثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي، ثنا صدقة بن عبد الله، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع أو أجذم (٢)». ومن طريقه عبد القادر الرهاوي في الأربعين قال: (أخبرني عمر بن محمد بن أبي بكر المؤدب، أخبرنا السيد أبو الحسن علي بن هشام العلوي، أخبرنا أبو بكر - هو ابن زبيدة - أخبرنا أبو القاسم - هو الطبراني الحافظ - فذكره بمثل إسناده المذكور، وكذا ساقه السبكي من طريقه). قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه صدقة بن عبد الله ضعفه أحمد، والبخاري، ومسلم وغيرهم، ووثقه أبو حاتم ودحيم في رواية) (٣).

стр. 17091

وقال الشيخ الألباني: (وهذا سند ضعيف، صدقة هذا ضعيف كما قال الحافظ في التقريب) (١). قلت: مثله يعتبر به، وإنما ضعفه من ضعفه من قبل حفظه، وكذا من جهة البدعة، ولذا قال أبو زرعة: كان قدريا لينا، وقال أبو حاتم: محله الصدق أنكر عليه القدر فقط، وقال أيضا: نظرت في مصنفات صدقة بن عبد الله السمين عند عبد الله بن يزيد بن راشد المقرئ، وقلت لدحيم عنه، فقال: محله الصدق، غير أنه كان يشوبه القدر، وكتب عن الأوزاعي ألفا وخمسمائة حديث، وكان صاحب حديث، كتب إليه الأوزاعي في رسالة القدر يعظه فيها (٢). قلت: وهذا يدل على ملازمته وقربه من الأوزاعي حيث إنه أكثر عنه، قال سعيد بن عبد العزيز: (جاءني الأوزاعي فقال لي: من حدثك بذاك الحديث؟ قلت: الثقة عندي وعندك، صدقة بن عبد الله) (٣)، فتلاميذ صدقة أدرى به من غيره، فهذا سعيد بن عبد العزيز يخاطب الأوزاعي بقوله: صدقة الثقة عندي وعندك، وأقره الأوزاعي. قال ابن عدي: (أكثر أحاديثه مما لا يتابع عليه وهو إلى الضعف أقرب) (٤).

стр. 17092

وضعفه أحمد والبخاري وابن نمير ويحيى والنسائي والدارقطني (١). قلت: ضعفه ناتج عن سوء حفظه أو عند بدعته كما تقدم، فمثله يصلح للاعتبار والتقوية. وقال الدارقطني: (ورواه صدقة عن محمد بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولا يصح الحديث، وصدقة ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب) (٢). قلت: ليس في إسناد الطبراني محمد بن سعيد، إنما عنده محمد بن الوليد الزبيدي، وهو من رجال الصحيحين، ثقة، وقد تابع محمد بن سعيد عن الزهري متابعة تامة، وأما صدقة فقد تقدم الكلام عليه. ومن هنا لم يتعرض له الهيثمي كما تقدم في رجال الطبراني، ولم يذكر إلا صدقة فقط أنه مختلف فيه، فهذا يشهد لحديث أبي هريرة ﵁، ولم يعلل الدارقطني الحديث بمخالفة صدقة قرة في إسناده، وإنما علله بضعف صدقة ومحمد، وأن المرسل هو الصواب، فقول الشيخ الألباني: فلا يصح أن تجعل هذه المخالفة سندا في تقوية الحديث كما فعل السبكي؛ ففيه نظر. قلت: لأن الاحتمال الذي ذكره السبكي وارد بأن يكون الزهري

стр. 17093

سمع الحديث من أبي سلمة عن أبي هريرة، ومن ابن كعب، عن أبيه، وعندئذ هي تؤيد الرواية الأولى وتعضدها، ويكون بذلك روى الحديث عنه صحابيان: كعب، وأبو هريرة ﵄ كما ذكر السبكي (١)، ولا مانع فيه، وله نظائر عند المحدثين. وبمناسبة تقارب الموضوع إليك تخريج حديث: «كل خطبة ليست فيها تشهد فهي كاليد الجذماء (٢)». قال أبو داود: (حدثنا مسدد، وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ . . .) الحديث (٣). رجاله ثقات كلهم سوى عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي ووالده، فهم صدوقان، وأخرجه الترمذي في سننه (٤) فقال: (حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا محمد بن فضيل عن عاصم به مثله وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب) (٥). وذكره المنذري في مختصر سنن أبي داود (٦)، ونقل عن الترمذي أنه قال: حسن غريب. وأخرجه ابن حبان فقال: (أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنبانا

стр. 17094

المخزومي المغيرة بن سلمة، حدثنا عبد الواحد بن زياد به مثله) (١). وذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢) فقال: صحيح، وأحال إلى الأجوبة النافعة (ص٤٨). وكذلك يستأنس في الموضوع بالأحاديث الواردة في خطبة الحاجة وأولها: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (٣)»، ورواها ستة من الصحابة أخرجها الشيخ الألباني كلها من طريقهم جميعا. والأحاديث الواردة في ذكر الحمد والبسملة واستحباب ذكرهما كذلك تؤيد معنى الحديث، كما أن استناد الأئمة على هذا الحديث في بناء حكم الاستحباب بذكر الحمد والبسملة والبدء بهما يؤيد ذلك ويقويه. إليك بعض من ذكر الحديث، وبنى عليه استحباب البدء بالحمد مستندا إليه أو بالبسملة: ممن استند على الحديث

стр. 17095

المذكور ووضع له عنوانا: ابن أبي شبية في مصنفه (١) كتاب الأدب فقال: (باب ما قالوا فيما يستحب أن يبدأ به الكلام) ثم ساق الحديث، وابن حبان في صحيحه (٢)، حيث قال في موضع: (ذكر الأخبار عما يجب على المرء من ابتداء الحمد لله جل وعلا في أوائل كلامه عند بغية مقاصده)، ثم ساق الحديث، ثم عنون في موضع آخر فقال: (ذكر الأمر للمرء أن تكون فواتح أسبابه بحمد الله جل وعلا لئلا تكون أسبابه بترا) (٣). وكذا ذكره أبو عوانة في خطبة كتابه الصحيح المستخرج على صحيح مسلم مستندا به. وأخرجه الرهاوي في خطبة الأربعين له، كما نقله عنه السخاوي، وعن السخاوي نقله ابن علان (٤)، مما يدل على الامتثال به. وقال الخطيب في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (وينصت المستملي الناس إن سمع منهم لغطا، فإذا أنصت الناس قال: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وإنما استحببت له ذلك؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه

стр. 17096

قال، فذكر حديث البدء بالبسملة والحمدلة (١) وقد تقدم تخريجه، فاستناده على الحديث واستحبابه ذكر ذلك يدل على صلاحية الحديث للاحتجاج عنده، ولو في فضائل الأعمال، وعقبه بعد ذكر الحديث بقوله: (وإذا استعمل الخبرين حاز الفضلين). وقال أيضا في كتابه الفقيه والمتفقه (٢): (وليكن أول ما يفتتح به الكلام بعد التسمية " الحمد لله "). وذكره البيهقي تحت باب ما يستدل به على وجوب التحميد في خطبة الجمعة (٣)، مع غيره من الأحاديث التي ذكرها في هذا الموضوع. وذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم قبيل باب آداب الطعام فقال: (قال أصحابنا: يستحب أن يذكر اسم الله تعالى على كل أمر ذي بال، وكذلك يحمد الله في أول كل أمر ذي بال للحديث الحسن المشهور فيه) (٤). وفي المجموع شرح المهذب (٥) عند بدء المصنف الشيخ أبو إسحاق بـ "الحمد لله" فقال: (بدأ ﵀ بالحمد لله للحديث المشهور عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر الحديث بألفاظه الواردة كلها، وقال: (ورينا كل هذه

стр. 17097

الألفاظ في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي. . .) (١). ثم قال: (قال العلماء ﵏: يستحب البداءة بالحمد لكل مصنف ودارس ومدرس، وخطيب وخاطب، ومزوج ومتزوج، وبين يدي سائر الأمور المهمة. قال الشافعي ﵀: أحب أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه حمدا لله تعالى، والثناء عليه سبحانه، والصلاة على رسول الله ﷺ (٢). ثم عقد النووي فصلا في الأذكار (٣) فقال: (اعلم أن الحمد مستحب في ابتداء كل أمر ذي بال كما سبق، ويستحب بعد الفراغ من الطعام والشراب والعطاس، وعند خطبة المرأة - وهو طلب زواجها - وكذا عند عقد النكاح، وبعد الخروج من الخلاء) (٤)، ويستحب في ابتداء الكتب المصنفة كما سبق. وحمد الله ركن في خطبة الجمعة، لا يصح شيء منها إلا به، ويستحب أن يختم دعاءه بالحمد لله رب العالمين، كذلك يبتدئه به، ويستحب حمد الله تعالى عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه سواء حصل ذلك له أو لصاحبه أو للمسلمين؛

стр. 17098

وذلك لما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «أن النبي ﷺ أتي ليلة أسري به بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك (١)». . وقد تقدم كلام الحافظ ابن حجر في إجابته على الاعتراض الذي وجه للبخاري في عدم افتتاحه كتابه بخطبة تنبئ عن مقصوده بالحمد والشهادة امتثالا؛ لقوله ﷺ . فذكر الحديث المذكور، وحديث: " كل خطبة ليس فيها شهادة. . . ". ثم قال الحافظ ابن حجر: (ثم اللفظ وإن كان عاما لكن أريد به الخصوص وهي الأمور التي تحتاج إلى تقدم الخطبة، أما المراسلات فلم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتدائها بذلك، فالابتداء بالحمد واشتراط التشهد خاص بالخطبة، بخلاف بقية الأمور المهمة، فبعضها يبدأ فيه بالبسملة تامة كالمراسلات، وبعضها ببسم الله فقط كما في أول الجماع والذبيحة - (قلت: وعند الأكل) - وبعضها بلفظ من الذكر مخصوص كالتكبير، وقد جمعت كتب النبي ﷺ إلى الملوك وغيرهم فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد بل بالبسملة وهو يؤيد ما قررته) ا. هـ (٢).

стр. 17099

قلت: كلامه يؤيد كلام السبكي من أن المراد من الحمد أو البسملة ما هو أعم، وهو ذكر الله؛ لأن غالب الأعمال الشرعية غير مفتتحة بالحمد كاملا، فإنها مفتتحة بالتكبير كما في الصلاة، أو بغيره كما في الحج وغير ذلك (١). قلت: بل اجتمعت في افتتاح الصلاة بالجميع بذكر الله المتمثلة في التكبير والبسملة والحمد لله. فالمهم أن تفتتح بذكر الله تعالى سواء بلفظ الحمد، أو بسم الله، أو بالتكبير ونحوها؛ لأن كلها داخلة في ذكر الله تعالى، ورواية " ذكر الله " حسنة كما تقدم. وكذا استند على الحديث الزمخشري في تفسيره الكشاف (٢) كدليل على تقديم اسم الله فقال: (إن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدا به في الشرع واقعا على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله؛ لقوله ﵊: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله (٣)». . . الحديث. وكذا استند الحافظ ابن كثير إليه في استحبابية التسمية في أول كل قول وعمل، حيث قال: ولهذا تستحب - أي التسمية - في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة؛ لما جاء: «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم (٤)»، وتستحب في أول الوضوء؛ لما ورد في مسند الإمام أحمد: «لا وضوء لمن لم يذكر الله (٥)»

стр. 17100

وهو حديث حسن (١). وقال المناوي: وفيه - أي: في الحديث الذي ذكره بلفظ «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي (٢)». . . " - كالذي قبله - أي بدون هذه الزيادة- تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما. . . وقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على نبيه أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وتذكرة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم من الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن (٣). وقال الشوكاني: (افتتح المؤلف - أي أبو البركات - الكتاب - أي المنتقى- بحمد الله أداء لحق شيء مما يجب عليه من شكر النعمة التي من آثارها تأليف هذا الكتاب، وعملا بالأحاديث الواردة في الابتداء به، ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ المذكور (٤). كما ذكره الشيخ زكريا الأنصاري في افتتاح المؤلف بحمد الله في شرحه: فتح الباقي، كمستند للمؤلف ببدئه بذلك، وقال: فالمراد بعد ذكر الله ليشمل البسملة والحمدلة، وكل منهما ذكر

стр. 17101

الله، فيكون قد ابتدأ بهما اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بخبر: "كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله"، وفي رواية: "بحمد الله"، ببعض تصرف (١). وقال السخاوي: عقب قول المصنف من بعد حمد الله عملا بحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع (٢)». وليس الغرض استقراء من استند على الحديث في بناء حكم استحباب الافتتاح بالحمد لله أو بسم الله، بل صنيع كل من صنف أو ألف أكبر برهان على التمسك بهذا الحديث والعمل به عند سلف هذه الأمة، وعند المتأخرين بالتواتر سواء استنادا على هذا الحديث أو غيره من الأحاديث. وبعد هذا العرض المختصر لبعض كبار العلماء في الاستناد على الحديث المذكور، تكملة للبحث إليك بعض المواضع التي تذكر فيها البسملة أو الحمدلة.

стр. 17102

بيان أهم المواضع التي تذكر فيها البسملة والحمدلة استحبابا أو وجوبا لا شك أن القرآن الكريم أعظم الكتب المنزلة وأفضلها، وهو ذو شأن عظيم، ومن هنا نرى أنه افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم

стр. 17103

والحمد لله رب العالمين، جاء الأمر في أول آية نزلت في القرآن لرسوله بأن يقرأ باسمه تعالى قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)، قال الحافظ في الفتح: (ويؤيده -أي البخاري في افتتاحه ببسم الله- أن أول شيء نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٢) فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها). وقال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٣) [هود: ٤١]. ولا شك أن البسملة لها فضل كبير، بها يدحر الشيطان ويذل ويصغر كما في الحديث الصحيح أن رجلا قال: «كنت رديف النبي ﷺ ، فعثرت دابته، فقلت: تعس الشيطان، فقال: لا تقل تعس؛ فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت ويقول: بقوتي [صنعته] (٤)» - وفي مسند أحمد: «بقوتي صرعته - قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب (٥)». وأيضا ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على

стр. 17104

رؤوس الخلائق (١)» فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: «ولا يثقل مع اسم الله شيء (٢)». فكيف يغفل العبد عن ذكر اسم الله تعالى في المهمات وفي صباحه ومسائه؟ وقد ورد في الحديث الصحيح: أن من يذكر اسم الله في الصباح أو في المساء يكون في حفظ الله تعالى من أن يضره شيء. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، إلا لم يضره شيء (٣)». ومما ورد: ذكر التسمية عند الأكل؛ كما ثبت عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا

стр. 17105

غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. فما زالت تلك طعمتي بعد (١)»، متفق عليه. وإن الشيطان ليلهي العبد وينسيه ذكر اسم الله لكي يجد له منفذا ليشاركه في أكله وشربه، ويستحل طعامه بذلك، ويبيت عنده بالليل، وإذا ذكر اسم الله لم يحصل له ذلك. روى حذيفة ﵁ قال: «كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها (٢)» رواه مسلم. وروى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان جنح الليل، أو أمسيتم، فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم

стр. 17106

وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله (٢)» متفق عليه. كما أنه ينبغي للعبد المؤمن أن ينام بسم الله، ويقوم من نومه بالثناء عليه والحمد له تعالى. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين (٣)»، متفق عليه. وجاء في رواية حذيفة بن اليمان وأبي ذر الغفاري ﵄ بلفظ قالا: «كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك أموت وأحيا، وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور (٤)» رواه البخاري. كما أن دخول العبد البيت يكون بسم الله تعالى، كذا ينبغي أن يفتتح خروجه بذكر اسم الله تعالى، وأيضا ركوبه به. فعن أم سلمة ﵂، «أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: بسم الله، توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك من

стр. 17107

أن نزل أو أن نضل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا (١)» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى أبو لاس الخزاعي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من بعير لنا إلا وفي ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما أمرتكم (٢)» الحديث، حديث حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم ووافقه الذهبي. وينبغي للعبد المؤمن أن يلتزم بذكر اسم الله تعالى في سائر أمور حياته، حتى عند الوقاع والجماع، حرزا من ضر الشيطان إذا قدر له ولد، وعند الغزو ومواجهة العدو. فعن ابن عباس ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فقضي بينهما ولد، لم يضره (٣)» متفق

стр. 17108

عليه. ومن وصايا الرسول ﷺ وصيته أمراء الجيوش مع من معهم من المسلمين بتقوى الله تعالى، وأن يبدأ الغزو ببسم الله. روى بريدة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله. (١)». . . . . الحديث رواه مسلم. وقد ثبت أن جبريل رقى النبي ﷺ بسم الله، وثبت عن النبي ﷺ نفسه أيضا أنه رقي ببسم الله وعلم غيره الرقية ببسم الله. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أشتكيت؟ فقال: نعم. قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك (٢)» رواه مسلم. وجاء في الحديث المتفق عليه عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقول للمرضى في الرقية: بسم الله

стр. 17109

تربة أرضنا، وبريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا (١)». وكذا ثبت عن النبي ﷺ تعليمه الرقية بسم الله لمن يشكو ألما في جسده، فعن «عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (٢)» رواه مسلم في صحيحه. وإذا فارق العبد المؤمن هذه الحياة ينبغي أن يدفن ويذكر اسم الله عند وضعه في القبر، فقد صح عن رسول الله ﷺ فيما رواه ابن عمر ﵄: عنه: «أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ (٣)». هذه أهم المواضع التي يذكر اسم الله تعالى فيها، وينبغي للعبد أن يلازم ذكر اسم الله تعالى في أمور حياته كلها. وهناك مواضع أخرى؛ مثل: ذكر اسم الله عند الذبيحة، وعند إرسال الكلب المعلم وغيرهما، تركتها خشية التطويل؛

стр. 17110

لأن الغرض بيان أهمية ذكر اسم الله تعالى في المهمات؛ وأنه لا ينبغي أن يغفل العبد المؤمن عن ذكر اسم الله تعالى في جميع أمور حياته المهمة رجاء حصول البركة بذكر اسم الله تعالى، وحفاظا من الشيطان الرجيم، وتجنبا منه، ولطرده به، كذلك فاسم الله تعالى حصنه الحصين. وإليك بعض الروايات المهمة في ذكر الحمد ومواضعه:

стр. 17111

وجاء في القرآن الكريم آيات تصرح بالأمر بالحمد لله ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣) وقال تعالى - في تحية أهل الجنة وفي آخر دعواهم: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) [يونس: ١٠] وقال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) [غافر: ٦٥]. فهذه جملة من الآيات تحث على حمد الله وتأمر به وفي بعضها إثبات الحمد لله تعالى جل وعلا. وجاء في الحديث الصحيح عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض (٦)» رواه مسلم.

стр. 17112

وجاء في رواية البخاري عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا قال: «لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه (١)» رواه البخاري. وفي الحديث المتفق عليه: «ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة (٢)». وعن الأسود بن سريع، أن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أحب إليه من الحمد الله تعالى، ولذلك أثنى على نفسه فقال: (٤)»، ويتقوى هذا الحديث بالحديثين السابقين. وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله (٥)» وفي رواية: «أفضل الشكر الحمد لله (٦)» وهو

стр. 17113

حديث حسن. وتقدم ما يقوله المرء عند قيامه من النوم في ذكر اسم الله عند النوم. وروى أنس بن مالك ﵁ قال: «عطس رجلان عند النبي ﷺ ، فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقيل له، فقال: هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله (١)» متفق عليه. وذلك أن العاطس إذا عطس فمن الآداب الإسلامية أن يقول: الحمد لله. وحقه على الذي يسمع أن يشمته فيقول له: يرحمكم الله (٢). وكان رسول الله ﷺ إذا رفع مائدته يحمد الله تعالى بعد الأكل شكرا لنعمه. روى أبو أمامة «أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا (٣)» رواه البخاري في صحيحه. وورد بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وجعلنا من مسلمين (٤)»، وفي رواية أبي داود:

стр. 17114

«كان إذا فرغ من طعامه قال: (١)». . . . الحديث. وورد أيضا أنه «من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٢)» رواه أبو داود. فهذه جملة من الأحاديث تعلمنا الآداب، توجهنا بأن نعيش في أمور حياتنا ذاكرين الله تعالى وشاكرين له في كل نعمة له تستجد علينا، ولا نغفل عن المدح والثناء عليه في كل لحظة من حياتنا، ولا سيما فيما أمرنا الشارع بذلك، واستحب لنا ذكر اسم الله أو حمد الله والثناء عليه، لما يترتب من جراء ذلك فوائد مهمة وبركات عظيمة، وخيرات كثيرة، فيها مصالحنا في دنيانا وأخرانا. وهذا آخر ما أردت إيراده في هذا البحث المفيد إن شاء الله تعالى، وأسأله أن ينفع به، ويعم نفعه، وأن يرزقنا الإخلاص وحسن النية في جميع الأعمال، إنه نعم المولى ونعم المجيب. وصل الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين. آمين.

стр. 17115

صفحة فارغة

стр. 17116

أوراق النقود ونصاب الورق النقدي بقلم: محمد بن علي بن حسين الحريري الباب الأول معرفة المقادير واجب شرعي. لقد حدثنا القرآن الكريم عن قوم شعيب أنهم كانوا يخسرون المكيال والميزان، فأرسل الله سبحانه نبيه شعيبا ﷺ ليعيد تلك الأمة إلى جادة العدل، وينهاهم عن الإفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١). وما أروع لفتة الإمام القشيري في تفسيره أن المراد بالآية الكريمة -والله أعلم-: عدم إنقاص حجم المكيال عن المعهود والمتعارف، فالصنجات (الأوزان) يجب أن تكون وافية مضبوطة، وليس المراد إيفاء ما يكال أو يوزن، فذلك مضمون قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢). فالأمر بإيفاء الكيل غير الأمر بإيفاء المكيال، فالآيات تقرر بوضوح ضرورة تحقق العدل في المكيل وآلة الكيل، وفي الموزون وآلة الوزن (٣). ولا يقال هنا أن آية قوم شعيب شرع لمن قبلنا، فالراجح أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ما ينسخه فكيف إذا جاءت شريعتنا تؤكد هذا المعنى وتدعمه، فالعدل أمرت به كل الشرائع السابقة ولهذا كانت الأوزان

стр. 17117

والأكيال ضرورية لقيام العدل بين الناس، وقد روى ابن عباس ﵄، «أن رسول الله ﷺ قال لأهل الكيل والميزان: إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة قبلكم (١)» قال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وقد عرف المسلمون في صدر الإسلام عددا من المكاييل والموازين منها ما يختص بهم ومنها ما أخذوه من الأمم المجاورة، ومن أشهر الأوزان المتعارفة بينهم الدرهم والدينار، فقد كانا معروفين في العصر النبوي يتعامل بهما الناس، بدليل ذكرهما في القرآن الكريم، ولا يعقل أن يخاطب الشارع الأمة بما لا تعقله ولا تدرك معناه أو تعرفه، فمن ذلك قوله تعالى متحدثا عن أهل الكتاب:. . . . . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٣)، وقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٤) كما ذكرت الأحاديث النبوية الدرهم والدينار في أحاديث متعددة ومن أشهرها الحديث النبوي:. . . «منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم (٥)» وقد فهم المستشرق - ولها وزن - من الحديث عكس معناه تماما عندما ظن أن الحديث يعني استحالة توحيد العملة الإسلامية، وعودة أقطار الإسلام إلى انفصالها القديم، بينما الراجح في معنى الحديث والله أعلم أن النبي ﷺ أخبر بما لم يكن وهو في علم الله كائن بأن هذه البلاد ستدخل في الإسلام فتمنع بإسلامها ما يوظف عليها من الخراج والجزية (٦).

стр. 17118

ولا يفهم من مجمل النصوص أن الحجاز عرفت سكة خاصة لضرب هذه النقود، بل كانت النقود المتداولة من ضرب الفرس والرومان، فكان الدرهم فارسي الضرب، بينما كان الدينار من بلاد الروم. وكان العرب يتعاملون بهذه النقود وزنا لا عددا، وكأنها تبر غير مضروب نظرا لاختلاف القطع النقدية حجما ووزنا، وهناك ما يدل على أن أهل المدينة تعاملوا بالدراهم عددا وقت قدوم النبي ﷺ ، واستدل النووي على ذلك في المجموع (١) بقول عائشة ﵂ في قصة شرائها بريرة: (إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت) فأرشدهم النبي ﷺ إلى الوزن وجعل عيار صنج الوزن بما يعرفه أهل مكة. ما هو الدرهم؟ قال أبو عبيد: إن الدراهم التي كانت نقد الناس على وجه الدهر لم تزل نوعين: هذه السود الوافية، وهذه الطبرية العتق، فجاء الإسلام وهي كذلك (٢) والدراهم السود المذكورة هي المعروفة بالدراهم البغلية، وزنها ثمانية دوانق - الدانق سدس الدرهم بعد الإصلاح النقدي - ولذا سميت وافية، وتنسب إلى ملك يدعى رأس بغل من الفرس، أما الطبرية: فهي أربعة دوانق وتنسب إلى طبرية بالشام - فلسطين - كما في المصباح المنير، ونسبها محقق الأموال إلى طبرستان وهو الصحيح؛ لأن العرب ما عرفوا الدراهم إلا من الفرس، أما الشام فعملتها الدينار الروماني. وعرف العرب الدراهم المغربية ووزنها: ثلاثة دوانق، ودرهم اليمن ووزنه: دانق واحد (٣).

стр. 17119

وقال في دائرة المعارف الإسلامية: الدرهم: اسم للمضروب من الفضة، وهو ستة دوانق أو: (نصف الدينار وخمسه) ٧/ ١٠ أي: سبعة أعشار الدينار، وكانت مختلفة الوزن في الجاهلية، فمنها الطبرية الخفيفة، والبغلية الثقيلة (١) وهو عند اللغويين بكسر الدال وفتح الهاء وكسرها، وأصل الكلمة عند المؤرخين مشتق من لفظ (دراخمة) اليونانية، وكانت العملة السائدة في الأقاليم الشرقية من العالم الإسلامي، لأن منطقة فارس كانت منطقة فضة، وقد اضطرب وزنه عبر التاريخ حتى أخذ وزنه الشرعي ستة دوانيق ونسبته إلى المثقال ٧/ ١٠ وهي النسبة الشرعية التي وحدت وزن الدرهم في العالم الإسلامي (٢) وقبل أن يتحدد الدرهم بالنسبة الشرعية كان المسلمون يزكون أموالهم بشطرين من الكبار والصغار كما نقله عبد الحق ابن عطية عن صاحب الأموال (٣). أنواع الدراهم عند الفقهاء: إذا أطلق الدرهم فيراد به درهم الفضة الجيد الخالص، وللفقهاء في أنواع الدراهم بحسب الغش الذي تتعرض له اصطلاحات لا بد من معرفتها لمن يمارس كتبهم، فمن ذلك: الجياد: وهي من الفضة الخالصة، وتدرج في التجارات، وتوضع في بيت المال. الزيوف: وهي المغشوشة، وما يرده بيت المال للزيف، ولكن يتعامل بها التجار، ويجوز الشراء بها بشرط بيان عيبها، وأول من ضربها عبيد الله بن زياد. النهرجة: ما يرده التجار ويضرب في غير دار السك التابعة للسلطان. الستوقة: أو الستوق بوزن تنور وهو صفر مموه بالفضة (٤) وقد يكون

стр. 17120

الطاق الأعلى والأسفل فضة وبينهما صفر وليس لها حكم الدراهم. أما الدراهم الجياد فقد انتشرت في التعامل بين أهل مكة والمدينة، وفي الحديث عن علي ﵁ قال: «زوجني رسول الله ﷺ فاطمة على ٤٨٠ درهما وزن ستة (١)». ما هو الدينار؟ مشتق من كلمة لاتينية يونانية - ديناريوس - وهو الوحدة الرئيسية من وحدات العملة الذهبية المتداولة في الإسلام وكثيرا ما يشبه بالشمس، كما يشبه الدرهم بالبدر كقول الشاعر: ويظلم وجه الأرض في أعين الورى ... بلا شمس دينار ولا درهم والأشهر فيه أنه لم يختلف وزنه في جاهلية ولا إسلام، وأن وزنه بدقة كما سنرى في الصفحات القادمة هو: ٤. ٢٥ غرام، وهو ٦٦ حبة بحسب الوزن الذي ضربه عبد الملك بن مروان، ومن ذلك الوزن كان مصدر التقديرات الشرعية عموما، وهذا الوزن هو نفس وزن: (الصوليدوس) البيزنطي المعاصر لعبد الملك (٢)، ولكن التقدير بـ ٦٦ حبة لم يقل به أحد، فهناك شبه اتفاق على أن الدينار ٧٢ حبة، وقد ضرب عبد الملك الدينار الإسلامي أول مرة عام ٧٦هـ - ٦٩٦م في دمشق، ثم ضرب في القاهرة، وقرطبة بعد المائة الأولى. وصار بعد عام ٢١٢ هـ يضرب في أكثر الحواضر الإسلامية، ولم يجر على الدينار أي تعديل في وزنه إلا في اليمن حيث ضرب دينار ذهبي بوزن
следующие страницы →