← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 17116–17155 · переход к 17121.

стр. 17116

أوراق النقود ونصاب الورق النقدي بقلم: محمد بن علي بن حسين الحريري الباب الأول معرفة المقادير واجب شرعي. لقد حدثنا القرآن الكريم عن قوم شعيب أنهم كانوا يخسرون المكيال والميزان، فأرسل الله سبحانه نبيه شعيبا ﷺ ليعيد تلك الأمة إلى جادة العدل، وينهاهم عن الإفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١). وما أروع لفتة الإمام القشيري في تفسيره أن المراد بالآية الكريمة -والله أعلم-: عدم إنقاص حجم المكيال عن المعهود والمتعارف، فالصنجات (الأوزان) يجب أن تكون وافية مضبوطة، وليس المراد إيفاء ما يكال أو يوزن، فذلك مضمون قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢). فالأمر بإيفاء الكيل غير الأمر بإيفاء المكيال، فالآيات تقرر بوضوح ضرورة تحقق العدل في المكيل وآلة الكيل، وفي الموزون وآلة الوزن (٣). ولا يقال هنا أن آية قوم شعيب شرع لمن قبلنا، فالراجح أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ما ينسخه فكيف إذا جاءت شريعتنا تؤكد هذا المعنى وتدعمه، فالعدل أمرت به كل الشرائع السابقة ولهذا كانت الأوزان

стр. 17117

والأكيال ضرورية لقيام العدل بين الناس، وقد روى ابن عباس ﵄، «أن رسول الله ﷺ قال لأهل الكيل والميزان: إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة قبلكم (١)» قال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وقد عرف المسلمون في صدر الإسلام عددا من المكاييل والموازين منها ما يختص بهم ومنها ما أخذوه من الأمم المجاورة، ومن أشهر الأوزان المتعارفة بينهم الدرهم والدينار، فقد كانا معروفين في العصر النبوي يتعامل بهما الناس، بدليل ذكرهما في القرآن الكريم، ولا يعقل أن يخاطب الشارع الأمة بما لا تعقله ولا تدرك معناه أو تعرفه، فمن ذلك قوله تعالى متحدثا عن أهل الكتاب:. . . . . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٣)، وقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٤) كما ذكرت الأحاديث النبوية الدرهم والدينار في أحاديث متعددة ومن أشهرها الحديث النبوي:. . . «منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم (٥)» وقد فهم المستشرق - ولها وزن - من الحديث عكس معناه تماما عندما ظن أن الحديث يعني استحالة توحيد العملة الإسلامية، وعودة أقطار الإسلام إلى انفصالها القديم، بينما الراجح في معنى الحديث والله أعلم أن النبي ﷺ أخبر بما لم يكن وهو في علم الله كائن بأن هذه البلاد ستدخل في الإسلام فتمنع بإسلامها ما يوظف عليها من الخراج والجزية (٦).

стр. 17118

ولا يفهم من مجمل النصوص أن الحجاز عرفت سكة خاصة لضرب هذه النقود، بل كانت النقود المتداولة من ضرب الفرس والرومان، فكان الدرهم فارسي الضرب، بينما كان الدينار من بلاد الروم. وكان العرب يتعاملون بهذه النقود وزنا لا عددا، وكأنها تبر غير مضروب نظرا لاختلاف القطع النقدية حجما ووزنا، وهناك ما يدل على أن أهل المدينة تعاملوا بالدراهم عددا وقت قدوم النبي ﷺ ، واستدل النووي على ذلك في المجموع (١) بقول عائشة ﵂ في قصة شرائها بريرة: (إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت) فأرشدهم النبي ﷺ إلى الوزن وجعل عيار صنج الوزن بما يعرفه أهل مكة. ما هو الدرهم؟ قال أبو عبيد: إن الدراهم التي كانت نقد الناس على وجه الدهر لم تزل نوعين: هذه السود الوافية، وهذه الطبرية العتق، فجاء الإسلام وهي كذلك (٢) والدراهم السود المذكورة هي المعروفة بالدراهم البغلية، وزنها ثمانية دوانق - الدانق سدس الدرهم بعد الإصلاح النقدي - ولذا سميت وافية، وتنسب إلى ملك يدعى رأس بغل من الفرس، أما الطبرية: فهي أربعة دوانق وتنسب إلى طبرية بالشام - فلسطين - كما في المصباح المنير، ونسبها محقق الأموال إلى طبرستان وهو الصحيح؛ لأن العرب ما عرفوا الدراهم إلا من الفرس، أما الشام فعملتها الدينار الروماني. وعرف العرب الدراهم المغربية ووزنها: ثلاثة دوانق، ودرهم اليمن ووزنه: دانق واحد (٣).

стр. 17119

وقال في دائرة المعارف الإسلامية: الدرهم: اسم للمضروب من الفضة، وهو ستة دوانق أو: (نصف الدينار وخمسه) ٧/ ١٠ أي: سبعة أعشار الدينار، وكانت مختلفة الوزن في الجاهلية، فمنها الطبرية الخفيفة، والبغلية الثقيلة (١) وهو عند اللغويين بكسر الدال وفتح الهاء وكسرها، وأصل الكلمة عند المؤرخين مشتق من لفظ (دراخمة) اليونانية، وكانت العملة السائدة في الأقاليم الشرقية من العالم الإسلامي، لأن منطقة فارس كانت منطقة فضة، وقد اضطرب وزنه عبر التاريخ حتى أخذ وزنه الشرعي ستة دوانيق ونسبته إلى المثقال ٧/ ١٠ وهي النسبة الشرعية التي وحدت وزن الدرهم في العالم الإسلامي (٢) وقبل أن يتحدد الدرهم بالنسبة الشرعية كان المسلمون يزكون أموالهم بشطرين من الكبار والصغار كما نقله عبد الحق ابن عطية عن صاحب الأموال (٣). أنواع الدراهم عند الفقهاء: إذا أطلق الدرهم فيراد به درهم الفضة الجيد الخالص، وللفقهاء في أنواع الدراهم بحسب الغش الذي تتعرض له اصطلاحات لا بد من معرفتها لمن يمارس كتبهم، فمن ذلك: الجياد: وهي من الفضة الخالصة، وتدرج في التجارات، وتوضع في بيت المال. الزيوف: وهي المغشوشة، وما يرده بيت المال للزيف، ولكن يتعامل بها التجار، ويجوز الشراء بها بشرط بيان عيبها، وأول من ضربها عبيد الله بن زياد. النهرجة: ما يرده التجار ويضرب في غير دار السك التابعة للسلطان. الستوقة: أو الستوق بوزن تنور وهو صفر مموه بالفضة (٤) وقد يكون

стр. 17120

الطاق الأعلى والأسفل فضة وبينهما صفر وليس لها حكم الدراهم. أما الدراهم الجياد فقد انتشرت في التعامل بين أهل مكة والمدينة، وفي الحديث عن علي ﵁ قال: «زوجني رسول الله ﷺ فاطمة على ٤٨٠ درهما وزن ستة (١)». ما هو الدينار؟ مشتق من كلمة لاتينية يونانية - ديناريوس - وهو الوحدة الرئيسية من وحدات العملة الذهبية المتداولة في الإسلام وكثيرا ما يشبه بالشمس، كما يشبه الدرهم بالبدر كقول الشاعر: ويظلم وجه الأرض في أعين الورى ... بلا شمس دينار ولا درهم والأشهر فيه أنه لم يختلف وزنه في جاهلية ولا إسلام، وأن وزنه بدقة كما سنرى في الصفحات القادمة هو: ٤. ٢٥ غرام، وهو ٦٦ حبة بحسب الوزن الذي ضربه عبد الملك بن مروان، ومن ذلك الوزن كان مصدر التقديرات الشرعية عموما، وهذا الوزن هو نفس وزن: (الصوليدوس) البيزنطي المعاصر لعبد الملك (٢)، ولكن التقدير بـ ٦٦ حبة لم يقل به أحد، فهناك شبه اتفاق على أن الدينار ٧٢ حبة، وقد ضرب عبد الملك الدينار الإسلامي أول مرة عام ٧٦هـ - ٦٩٦م في دمشق، ثم ضرب في القاهرة، وقرطبة بعد المائة الأولى. وصار بعد عام ٢١٢ هـ يضرب في أكثر الحواضر الإسلامية، ولم يجر على الدينار أي تعديل في وزنه إلا في اليمن حيث ضرب دينار ذهبي بوزن

стр. 17121

٢. ٩٧ غ، أي: بوزن الدرهم تماما. وضرب آخر دينار في بغداد بعيد سقوط الدولة العباسية، واختفت كلمة دينار حوالي عام (٦٦١هـ - ١٢٦٢م) (١) بعد الاجتياح المغولي. وهذا الدينار كان معروفا لقريش في الجاهلية، فقد ذكر البلاذري في فتوح البلدان: (كانت لقريش أوزان في الجاهلية، فدخل الإسلام، فأقرت كما كانت عليه، فقد كانت قريش: تزن الفضة بوزن تسميه درهما، وتزن الذهب بوزن تسميه دينارا، ولهم وزن الشعيرة أو الحبة: ١/ ٦٠ من وزن الدرهم، وكانت لهم الأوقية وزن أربعين درهما)، كما أورد البلاذري رواية أخرى قال: (كانت دنانير هرقل ترد إلى أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس البغلية - العبدية - فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر وزنا لا عددا، وكان المثقال عندهم معروف الوزن: اثنان وعشرون قيراطا إلا كسرا، ووزن العشرة دراهم سبعة مثاقيل، فكان الرطل اثنتي عشرة أوقية، وكل أوقية أربعين درهما، فأقر ذلك النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية ﵃ أجمعين) (٢). وهذا الدينار الذي كان يحمل من بلاد الروم هو: الذي ضربه عبد الملك عام ٧٦هـ، وسأل عندها عن أوزان الجاهلية فأخبروه أن المثقال: اثنان وعشرون قيراطا إلا حبة بالشامي، وأن عشرة من الدراهم تعادل سبعة مثاقيل، فضربها كذلك، واستقر الأمر عليه فيما بعد (٣). المثقال والدينار: المثقال: من أوزان الكيل، أما الدينار فهو من أوزان النقد، وهذا

стр. 17122

الأمر أحد أسباب الاشتباه بين الوزنين، وهما في الحقيقة كمية واحدة وهو الراجح عند الفقهاء. فالدينار عند الزيلعي من الحنفية هو المثقال، وقال ابن الهمام في فتح القدير: والظاهر أن المثقال: اسم للمقدار المقدر به، والدينار اسم للمقدر به بقيد ذهبيته (١). وكذلك الأمر عند ابن الرفعة من الشافعية الذي يعتبر درهم الكيل ودرهم وزن النقد واحدا (٢) فكذلك الأمر في المثقال والدينار، ويرجح الدكتور صبحي الصالح أن المثقال والدينار شيء واحد باتفاق الفقهاء (٣). ولكن الدكتور ضياء الدين الريس يميل إلى وجود اختلاف بين الدينار والمثقال، وهو ممن يهتم برأيه في هذا المجال، وبخاصة إذا علمنا أن علي مبارك في " الميزان في الأقيسة والأوزان " يرى نفس الرأي، ولكن الدكتور الريس يجزم أن الدينار الإسلامي الذي ضربه عبد الملك هو المثقال المكي بلا خلاف، ومن هنا نشأ القول بأن المثقال والدينار شيء واحد أي بميزان مكة. ويمكنني أن أضيف إلى ما سبق: أن الآثار الواردة في نصاب الذهب كانت تعبر بالمثقال حينا وبالدينار حينا آخر، ففي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة». وفي حديث ابن عمر وعائشة ﵃ «أن النبي ﷺ كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار (٤)» ومهما قيل في ضعف هذه الأحاديث فهي تقوي بعضها بعضا ويعرف

стр. 17123

رواتها ألا فرق بين المثقال والدينار (١). النسبة الشرعية تتعلق بالوزن لا بالقيمة لقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى توحيد المكاييل والموازين للدولة المسلمة في حديث ابن عمر ﵄: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن مكة (٢)»، وهذا يدل على أن وزن الدرهم والدينار (المثقال) كان معروفا لأهل مكة بشكل جيد، ولولا معرفتهم به لما دعا النبي ﷺ إلى الاعتماد عليه في تقدير فروض الزكاة والأنكحة والديات وأروش الجنايات، ومن المعروف تاريخيا أن الدرهم يساوي: [٢. ٩٧٥] غرام، وأن الدينار (المثقال) يساوي: [٤. ٢٥] غرام، وهو ما انتهى إليه الباحثون من الفقهاء والمؤرخين بعد تجارب متعددة أجراها العلماء على وزن الحبوب، فكان مثقال الذهب: [٧٢ حبة]، وكان الدرهم: [٢/ ٥ ٥٠] خمسون حبة وخمسا حبة. وتكون نسبة الدرهم إلى الدينار: ٧/ ١٠ أي أن الدرهم يساوي سبعة أعشار المثقال (٣)، وهذه النسبة ٧: ١٠ تعرف بالنسبة الشرعية، أو وزن بيت المال، فهي الصفة المميزة لنقود الدولة الإسلامية منذ تعارفها تجار مكة حتى ضربها عبد الملك بن مروان عام ٧٦هـ، ويفهم من الحديث النبوي السالف الذكر أن هذه النسبة الشرعية تكاد تكون حكما شرعيا بإقرار النبي ﷺ لها تبعا لإقرار موازين مكة. وقد شاع استعمال هذه النسبة في جميع أوزان المسلمين كما ذكر الدكتور

стр. 17124

عبد الرحمن فهمي في موسوعته عن النقود الإسلامية، حتى أن صناعة الموازين تأثرت بهذه النسبة، فقد ذكر إيليا المطران المتوفى ١٤٠٦م في ذلك: (اتخذ ميزانا يكون عموده مستقيما صحيحا، وقسم عموده هذا إلى سبعة عشر قسما متساوية، وجعل علاقته - وسطه - على بعد سبعة أقسام من أحد طرفيه، وعلى بعد عشرة أقسام من الطرف الآخر، وركب عليه الكفتين وصححه، وإذا أردت أن تستخرج صنج المثاقيل من الدراهم فخذ سنجة الدرهم وضعها في الكفة التي تلي العشرة أقسام، وضع في الكفة الأخرى السنجة المجهول، فإذا صححته فذلك وزن المثقال) (١). وأما عن سبب اتخاذ هذه النسبة ٧/ ١٠ بين الدرهم والمثقال فقد اختلف الباحثون حولها إلى فريقين نعرضهما فيما يلي: المذهب الأول: أن هذه النسبة هي العلاقة القائمة بين كثافة الذهب وكثافة الفضة، وهو تطبيق لقانون الوزن النوعي المعاصر في الكيمياء. المذهب الثاني: أن هذه النسبة تمثل القيمة التبادلية لسعر صرف النقدين ببعضهما في الأسواق. المذهب الأول: يتزعم هذا القول الفقيه الشافعي ابن الرفعة في كتابه: الإيضاح والتبيان في المكيال والميزان، حيث قال في كتابه ينقل كلام القمولي الشافعي ٧٢٧ هـ من كتابه البحر المحيط شرح الوسيط: (وإنما جعلت كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب؛ لأن الذهب أوزن من الفضة، فكأنهم جربوا حبة من الفضة ومثلها من الذهب ووزنوهما، فزاد وزن الذهب على الفضة مثل ثلاثة أسباعه، فلذلك جعلوا كل عشرة دراهم

стр. 17125

بوزن سبعة مثاقيل، فإذا أضيف للدراهم ثلاثة أسباعه صار وزن المثقال) (١) وهذا الكلام صحيح حسابيا كما يلي: (وزن الدرهم) ٢. ٩٧ [٢. ٩٧ × ٣/ ٧] = ٤. ٢٥ غرام (وزن الدينار). ولكنه إن صح حسابيا فلا يصح فيزيائيا؛ فكثافة الفضة [١٠. ٥] وكثافة الذهب [١٩. ٢٦]، وهذه الأرقام لا تمثل تلك النسبة الشرعية. وقد تابع ابن الرفعة على قوله هذا الذهبي من متأخري الشافعية في رسالته عن النقود وكذلك المقريزي، وكلاهما مثبت في كتاب النقود العربية، وعلم النميات الذي أصدره: ماري انستاس الكرمللي (٢)، وقد افترض العلماء مسبقا أن تكون نسبة حبة الدرهم إلى حبة الدينار ٧/ ١٠، حيث جعلوا سنجة حبة الدينار منذ إنشائها تعادل ١٠٠ حبة خردل بري بينما تكون حبة الدرهم [٧٠] خردلة برية، ويستقيم ذلك بوزن الغرام كما يلي: الدينار ٤. ٢٥ × ٧ = ٢٩. ٧٥ الدرهم ٢. ٩٧٥ × ١٠ = ٢٩. ٧٥، وتكون الحبة لكل منهما بحب الخردل هو غير الحبة التي تشكل ١/ ٦٠ من كل من الدرهم والدينار، وتبقى حقيقة النسبة الشرعية اصطلاحا للمجتمع أكثر منها واقعا علميا ولا علاقة لذلك بالكثافة أو الوزن النوعي للذهب والفضة.

стр. 17126

المذهب الثاني: ذهب فريق آخر إلى تعليل هذه النسبة الشرعية بأنها تمثل آخر رمز أو

стр. 17127

قيمة حسابية وصلت إليها علاقة الذهب بالفضة في سلم علاقات هذين المعدنين في التجارة الدولية منذ أقدم العصور، فالنسبة تعبر عن القيمة التبادلية لسعر صرف أحد المعدنين بالآخر، فمنطقتنا هذه - الشرق الأوسط - كانت منذ أقدم العصور تنقسم إلى منطقتين تجاريتين: الأولى: بلاد ما بين النهرين وما يتبعهما من أقاليم فارس، وكانت تعتمد على الفضة في نقدها ومبادلاتها بمعنى أن الفضة هي قاعدتها النقدية. الثانية: بلاد الشام ومصر وأوربا وهي التي تتبع الرومان اقتصاديا، وكانت قاعدتها النقدية هي الذهب، وكانت كل منطقة من هذه المناطق تدعم نقدها خلال تعاملها مع المنطقة الأخرى، وكان سعر صرف أحد النقدين بالنسبة للآخر يختلف متأثرا بموازين التجارة العالمية، ففي مرحلة ما كانت النسبة بين النقدين ١/ ١٠ ثم صارت ٢ - ٣ - ٤/ ١٠ حتى وصلت إلى النسبة ٧/ ١٠، وشاعت هذه النسبة في بلاد العرب بعد أن انتشرت عندهم البطالة (١)، وظلت كذلك حتى ظهر الإسلام فأقرها في أوزان سك النقود حيث كانت عرفا لتجار مكة. وهذا التعليل الثاني يقبله المنطق الاقتصادي أكثر من سابقه، وإذا صح التعليل بأن النسبة كانت سعر صرف أحد النقدين بالآخر، فهل تعتبر هذه النسبة الشرعية حكما لا محيد عنه في المستقبل، والذي يبدو لي والله أعلم أن الحديث لا يلزمنا بهذه النسبة كحكم شرعي، وإنما هي واقع عاشه مجتمع المسلمين الأول، ويمكن سك النقود المستقبلية بحسب اختلاف سعر الصرف، ولنا على ذلك دليلان: الدليل الأول: أن عمر ﵁ ضرب الدراهم بوزن ستة دوانق

стр. 17128

لا سبعة، فقد قال زياد لمعاوية ﵁: (يا أمير المؤمنين إن العبد الصالح عمر بن الخطاب صغر الدرهم - وزن ستة بدلا من سبعة، وكبر القفيز، وصارت تؤخذ عليه ضريبة أرزاق الجند، وترزق على الذرية طلبا للإحسان إلى الرعية) (١). فتصرف عمر ﵁ كان منوطا بمصلحة الأمة حيث اضطرته ظروف اقتصادية إلى تخفيف عيار الدرهم (الفضة)، وهو اجتهاد منه، ولو كانت النسبة الشرعية حكما شرعيا لما أقره الصحابة، ولما اجتهد ﵁ في ذلك. صحيح أن روايات المؤرخين اضطربت في صحة ذلك؛ فقد ذكر ابن الأخوة في: "معالم القربة في أحكام الحسبة" أن عمر ضرب وزن سبعة إلى عشرة ورواية ابن الأخوة مخالفة لجمهور المؤرخين، وقد وفق بعضهم أن عمر ﵁ ضرب وزن ستة دوانق أي: وزن سبعة مثاقيل (٢)، والراجح أن عمر لم يضرب الدراهم، وإنما ضربت له في فارس على نقش الدراهم الكسروية، وإذا صح أنها بوزن ستة فهي اجتهاد لضرورة تقدر بقدرها. الدليل الثاني: اختلاف سعر الصرف بين الفضة والذهب عن النسبة الشرعية منذ عصر النبوة إلى العصور التالية، وبالرغم من أن الفقهاء يحبذون ثبات أسعار صرف العملات ببعضها، ولكن يبدو من الأحاديث اختلاف هذا السعر عبر العصور. فقد كان سعر الصرف بين الدرهم والدينار في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر هو ١: ١٠ فالدينار يعادل عشرة دراهم ويتضح ذلك من الأمور

стр. 17129

التالية: - نصاب زكاة النقدين ٢٠٠ درهم فضة = ٢٠ مثقالا من الذهب. - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كانت قيمة الدية على عهد النبي ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم (١)» فالدينار يعادل عشرة دراهم. وهذا التقدير هو قيمة الإبل الواجبة في الدية، فلما استخلف عمر ﵁ قام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا (٢)، وهذا يعني أن الدينار بلغ في عهد عمر ١٢ درهما. - جعل عمر ﵁ الجزية أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على أهل الورق، وروى أبو يوسف عن ابن مسعود أنه قال: (لا يقطع إلا في دينار أو عشرة دراهم) (٣). ويقول أبو عبيد في الأموال: (لأن أصل الدنانير أن يعدل الدينار بعشرة دراهم، فهذا كان سعر الصرف، وقد أخذ هذا السعر يتغير فيما بعد حتى صار في العصر الأموي الدينار يعادل اثني عشر درهما، ووصل في العصر العباسي إلى مساواته لخمسة عشر درهما وأكثر. ونقل علي مبارك عن المقريزي أن الدينار في زمن الفاطمين صار بأربعة وثلاثين درهما) (٤). الدليل الثالث: روى البخاري في الحدود -السرقة- عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (٥)»، وهي ربع

стр. 17130

دينار كما فسرته الأحاديث الأخرى عند البخاري، ولم يقطع النبي ﷺ في أقل من ثمن المجن (١) فالأحاديث تدل على أن ربع الدينار ثلاثة دراهم وهي أصح من كل الأحاديث التي تدل على أن الدينار يعادل عشرة دراهم. الدليل الرابع: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، آخذ هذه من هذه، وهذه من هذه، فأتيت إلى رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة فقلت: رويدك يا رسول الله أسألك -وكرر الحديث- فقال ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (٢)»، وفي رواية الترمذي "بالقيمة" لمراعاة سعر اليوم الذي يفهم من الحديث تغيره يوميا (٣)، والنتيجة: أنه يصعب قبول قول من قال بأن نصاب الزكاة من الدراهم والدنانير قيمة واحدة لا تتغير لمجرد أن الدينار كان يعدل عشرة دراهم (٢٠ دينار = ٢٠٠ درهم). فالنسبة الشرعية من قبيل السياسة الشرعية في سك النقود، ولا بأس أن تراعى هذه النسبة في تنظيم إصدار النقود، ولا أثر لها على النصاب، فيبقى نصاب الذهب مستقلا عن نصاب الفضة، فكل منهما نصاب مستقل لا علاقة له بالآخر.

стр. 17131

رد اعتراض وتصحيحه: انتقد الدكتور الريس في الخراج (١) وتابعه الدكتور القرضاوي (٢) في فقه الزكاة مؤلفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة عندما قدرا نصاب العملة الورقية بنصاب يختص بالذهب وآخر بالفضة، وهما محقان في ذلك من وجه- كون العملة الورقية جنسا واحدا- يحسب لها نصاب واحد؛ إما بالذهب، وإما بالفضة، فنصاب كل منهما نصاب مستقل يصلح للتقدير به. ولكن الاعتراض على كتاب الفقه على المذاهب الأربعة بأن نصاب الذهب والفضة نصاب واحد غير مقبول في ضوء الأدلة المتقدمة، ونصاب الورق النقدي يحدد كما قررته لجنة مجمع البحوث الإسلامية بأقل النصابين من الذهب والفضة، ولنا مع النقد الورقي جولة مقبلة. إن النسبة الشرعية (٧: ١٠) هي نسبة تتعلق بسك النقود، بمعنى أن تخرج دار الضرب درهما وزنه سبعة أعشار المثقال، أما سعر صرف الدرهم بالدينار فقد عرفنا أن الدينار يصرف بعشرة دراهم (١: ١٠) وهي نسبة صرف قد ترتفع وقد تنخفض في المستقبل، فقد بلغت نسبة الصرف بين الدراهم والدينار في عهد المعز الفاطمي (١: ١٥. ٥) حيث كان دينار المعز يصرف بـ:١٥. ٥ درهما، فنسبة الوزن ثابتة ولا علاقة بسعر الصرف المتغير، فالدرهم الذي هو ٧/ ١٠ المثقال كان يصرف بـ ١/ ١٠ من الدرهم. ومن المعروف أن تحديد النصاب الزكوي في النقدين الثمينين إنما حدده الشارع بالوزن لا بالقيمة، فهو تابع للوزن فقط ولا يتأثر النصاب بتغير

стр. 17132

سعر الصرف بين الذهب والفضة. أقول هذا لأن بعض أساتذتنا المعاصرين (١) قال: إن قيمة العشرين دينارا من الذهب مساوية لقيمة مائتي درهم فضة، وبالعكس فوزن المعدن الذهب في العشرين دينارا يعادل في الحقيقة من الفضة مائتي درهم ما زنته ٢٠٠ × ٧/ ١٠ = ١٤٠ فإذا تكون النسبة ١: ٧ وليس ١: ١٠، وهذا يصح وزنا ولا يصح قيمة، بدليل: ٢٠٠ × ٢. ٩٧= ٥٩٥ ١٤٠ × ٤. ٢٥= ٥٩٥ فالنسبة ١/ ٧ هي نسبة وزن وليست نسبة قيمة إطلاقا، وتبقى نسبة ١/ ٧ نسبة تتعلق بوزن سك النقود، ولا صلة لها بالقيمة، ونصاب الزكاة يقدر بالوزن لا بالقيمة، فلا داعي لربطه بسعر صرف الفضة إلى الذهب حتى يظهر نص جديد تشريعي يأمرنا بذلك، ثم إن هذا الرأي يستلزم كون نظام المعدنين - النقد المزدوج من الذهب والفضة حكما شرعيا يجب اتباعه، وهو تقول على الشارع. مراحل الاستقرار النقدي في القرن الأول: المرحلة الأولى: بزغ فجر الإسلام وعرب الجزيرة يتعاملون بالدينار والدرهم على ما في الدرهم من اضطراب تبعا لتعدد أنواعه، ولهذا نجدهم يتعاملون بها وزنا، وجاءت الإشارة الأولى إلى ضرورة توحيد المكاييل والموازين بالحديث النبوي الشريف: «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة (٢)» والسبب في ذلك واضح فأهل مكة تجار يتعاملون

стр. 17133

بالوزن فهم فيه حجة، أما أهل المدينة فمزارعون يتعاملون بالوسق والصاع والمد فهم فيها أدق وأضبط. وكان الحديث توجيها للأمة إلى توحيد مكاييلها وموازينها وسائر المقاييس والمعايير لتستقيم معاملات الناس، وكان المفترض أن تقتدي بلاد الإسلام بقبلتها الأولى (مكة) في موازينها، وأن تكون الأوزان موحدة في كل البلاد الإسلامية، فكان من الواجب أن نحفظ نماذج صحيحة من الصاع والمد والدرهم والدينار، وتبقى محفوظة مختومة يلزم الولاة والقضاة وأهل الحسبة باتخاذها معيارا للتبادل، لكن واقع الأمر أن هذه المعايير اختلفت، فالرطل شامي وبغدادي ومصري ومديني، والدرهم (١٢ - ١٤ - ١٥ - ١٦) قيراطا، مما جعل بعض فقهاء الحنفية يقولون: (يفتى في كل بلد بوزنهم)، وهو ما يراه ابن حبيب الأندلسي (أن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم) (١). المرحلة الثانية: إذا كان الحديث النبوي السابق يرسي الأساس النظري لتوحيد المكاييل والموازين، فإن الخطوة العملية قد اتخذها عمر بن الخطاب ﵁، والمنطق التاريخي يؤكد أن عمر توصل إلى تحديد الوزن الموحد للدرهم بعد اتساع رقعة الفتح وحاجته إلى تقدير الخراج، وقد رجح ذلك دائرة المعارف الإسلامية والفيومي في المصباح المنير وابن خلدون في المقدمة والماوردي في الأحكام السلطانية والبلاذري في فتوح البلدان. فقد نظر عمر ﵁ في الدراهم الفارسية المختلفة الأوزان، فوجدها كما يلي (٢٠ - ١٢ - ١٠) قيراط، فمجموع أوزانها ٤٢ قيراطا، وبقسمتها على ٣ فالمتوسط ١٤ قيراطا من قراريط المثقال، ونسبة ١٤/ ٢٠ = ٧/ ١٠، وهي

стр. 17134

النسبة الشرعية المعتمدة. فكل ١٠ دراهم تعادل سبعة مثاقيل، وتعادل ١٤٠ قيراطا، هذه رواية عن فعل عمر ﵁ أوردها الدكتور ضياء الدين الريس في الخراج (١)، وهناك رواية أخرى أن عمر ﵁: أخذ المتوسط بين الدرهم البغلي - ٨ دوانق - والدرهم الطبري - ٤ دوانق - فجعل الدرهم نصفها، وهو ٦ دوانق، وهو الدرهم الشرعي المعروف بوزن سبعة، أي العشرة منه تساوي سبعة مثاقيل، وهو أيضا ستة دوانق (٢) وهذه الرواية تفسر لنا الخلاف الذي ذكره ابن الأخوة في معالم القربة من أن عمر ﵁ أنقص الدرهم فضربه على ستة، والصحيح أنه جعله ستة دوانق بوزن سبعة مثاقيل لكل عشرة دراهم. ثم ذكر النووي أن أهل العصر الأول أجمعوا على التقدير بهذا الوزن وهو أن الدرهم ستة دوانق وكل عشرة منه تعادل سبعة مثاقيل: ومما يعكر ذلك ما ذكره أبو عبيد في الأموال قال: (فلما كان زمن بني أمية قالوا: إن ضربنا البغلية ظن الناس أنها هي المعتبرة في زكاة الأموال فيضر الفقراء، وإن ضربنا الطبرية تضرر أرباب الأموال (٣) فجمعوا الدرهم البغلي والطبري وأخذوا متوسطها ٨ + ٤ = ١٢ ÷ ٢ = ٦ ستة دوانق، ثم ذكر الماوردي بعد أن نسب الفعل إلى عمر ﵁ فقال: (ومتى زدت على الدرهم الواحد ثلاثة أسباعه كان مثقالا، ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما، فكل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب)، وعلل المسعودي أن هذه النسبة ٧: ١٠ ترجع إلى كون الذهب أرجح من الفضة وزنا (٤) بمثل ثلاثة أسباعها، وسنرى عدم صحة هذا

стр. 17135

القول في الصفحات القادمة. بقي أن نشير إلى ما ذكره بعض المؤرخين أن عمر ﵁ حاول ضرب الدراهم من جلود الإبل، فقيل له ستهلك الإبل، فأمسك عن ذلك، وجزم الكتاني في التراتيب الإدارية نقلا عن توفيق البكري في شرحه صهاريج اللؤلؤ: أن عمر ﵁ كان يستعمل الورق والجلود كنقود، وأنشد لأبي تمام (١). لم ينتدب عمرا للإبل يجعل من ... جلودها النقد حتى عزه الذهب المرحلة الثالثة: إذا تجاوزنا كل روايات المؤرخين التي ذكرت ضرب الدراهم والدنانير قبل عبد الملك بن مروان وهي بجملتها روايات يشك في صحتها، فإن إجماع المؤرخين منعقد على أن عبد الملك كان أول من ضرب النقود في الإسلام، فقد ضرب الدنانير المنقوشة عام ٧٤هـ، ثم ضربها له الحجاج عام ٧٥هـ، ثم عممت التجربة عام ٧٦هـ؛ ويعلل المؤرخون هذه الخطوة بسبب استياء العلاقات بين الروم والدولة الأموية بعد حربهم عام ٧٣هـ، حيث صالحهم عبد الملك بسبب مشاكله الداخلية على أن يدفع لهم إتاوة سنوية ثم رفض دفعها، وهاجم الروم ثانية في عهد: جستنيان الثاني (الأخرق) (٦٨٥ - ٦٩٥) م، وتوالت انتصارات المسلمين واستعدوا للهجوم على القسطنطينية. وذكر الطبري في حوادث عام ٧٣هـ وفيها: (غزا محمد بن مروان الصائفة، فهزم الروم، واقترنت هذه الحرب بمسألة خطيرة تعرف بمسألة القراطيس، حيث كانت الروم تستورد الورق من مصر مقابل دنانير الروم

стр. 17136

وكان الأقباط يكتبون على القراطيس ما ينسب المسيح إلى الربوبية، فأبدلها عبد الملك بعبارة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) مما ساء ملك الروم، وهدد عبد الملك بأن يكتب على الدنانير ما يسيء إلى نبي الإسلام ﵊، وكان ذلك سببا لضرب عملة خاصة به بإشارة: خالد بن يزيد بن معاوية، وتوقف التبادل بين الدولتين في الأوراق والدنانير. وأنشأ عبد الملك دارا للضرب عام ٧٤هـ، وضربت الدنانير الدمشقية (٢)، والحقيقة أن عبد الملك كان يفكر منذ زمن في إيجاد نقد للدولة المترامية الأطراف، ولا يعقل أن تعتمد دولة في نقدها على دولة معادية تهدد علاقتهما حروب مستمرة، وإذا أضفنا إلى ذلك أن دراهم فارس شاع فيها الغش وفسدت فسادا كبيرا، كما أن عدم وجود نقد للدولة يسبب حرجا للرعية في مبادلاتهم، وفي دفع زكاتهم ومختلف معاملاتهم، وهكذا وجه عبد الملك صفعة للقيصر باستقلاله النقدي عن الذهب الروماني، وأصبح للدولة الإسلامية دارا للضرب، وأصبح ضرب العملة في غيرها أمرا محظورا يعاقب عليه النظام، كما يعاقب من يسيء إلى النقد وسلامته ونظامه. وقد أرسل عبد الملك جزءا من نقوده إلى القيصر من الإتاوة التي كان يدفعها، وبأسلوب ساخر متهكم مهذب يخبره بأن الخلافة أصبحت تتمتع بسلطة إصدار النقود، وكان من نكد جستنيان أن تخلى عنه فيلق الصقالبة في وقت لا بد له من مواجهة عبد الملك الذي انتصر على الروم انتصارا ساحقا ورفع على حرابه معاهدة عام (٦٨٦م) المنقوضة (٣). وظهر دينار عبد الملك الذي يزن ٧٢ حبة شعير، كما ظهر الدرهم الذي يزن ٢/ ٥ ٥٠ خمسون حبة وخمسا حبة، روى البلاذري قال: حدثنا

стр. 17137

وهب بن كيسان أنه قال: رأيت الدنانير والدراهم قبل أن ينقشها عبد الملك، فوجدتها ممسوحة وهي وزن الدنانير التي ضربها عبد الملك. وروى أيضا عن عبد المطلب بن وداعة السهمي أنه أراه وزن المثقال، قال: فوزنته، فوجدته وزن مثقال عبد الملك، ومثقال أبي وداعة كان عنده في الجاهلية (١). ولم ينكر الصحابة التعامل بها بعد ضربها. لقد استبدل عبد الملك صورة القيصر بصورته، وأبقى العمود القائم على المدرجات الأربعة، ولكنه حذف شارات الصليب وما يدل عليه، وقد اعترض الصحابة على صورة عبد الملك على نقده الدمشقي وكان هذا رأيا لبعضهم، ولا شك أن النبي ﷺ وأصحابه تعاملوا بالنقد الروماني وعليه صور ملوكهم، وكان ضرب عبد الملك للدينار الإسلامي سببا لنزاعه مع الروم من جديد، حيث استقل المسلمون بنقدهم المنقوش بعبارات إسلامية: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، (بسم الله ضرب في سنة سبع وسبعين)، وحصر الأمويون دار الضرب في دمشق والفسطاط. أما وزن هذا الدينار فهو ٤. ٢٥ غرام، وهو محفوظ إلى اليوم في متحف بغداد (٢). وفي عهد عبد الملك تمتعت الدولة الإسلامية بما يعرف بالاستقرار النقدي أو الاستقلال عن النفوذ النقدي لفارس والروم. هل ضربت نقود إسلامية قبل عبد الملك؟ ذكر المقريزي أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الدراهم على نقش الكسروية بصورها، وزاد عليها عبارة (الحمد لله)، (محمد رسول الله)، (لا إله إلا الله وحده)، وضربها على وزن ستة لظروف اقتصادية

стр. 17138

عند من يرى أن وزن ستة فيه نقص عن التمام، وقد رجحنا أن درهم الستة واف لا نقص فيه. كما ضرب عثمان دراهم نقش عليها (الله أكبر) (١). وهناك أقاويل أن خالد بن الوليد ضرب الدنانير الرومية عام ١٥ - ١٦هـ وكتب عليها اسمه، ويرى المرحوم مصطفى الذهبي أن هذا الأمر كان سبب عزل خالد، وهو مردود بأن العزل تم قبل فتح دمشق، بل ذهب بعضهم أن عمر ضرب الدراهم الفارسية ولم يضرب الدنانير الرومية إزعاجا لخالد وإهمالا لرأيه (٢)، وكلها أقاويل لا صحة لها ولا خطام ولا زمام. وقد نقش عبد الله بن الزبير دراهم مستديرة بمكة، ونقش على استدارتها: (عبد الله)، وعلى إطارها بالخط الكوفي (بسم الله ربي) (محمد رسول الله) وعلى الوجه الآخر: (أمر الله بالوفاء والعدل) (٣). وذكر آخرون أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ (٤١ - ٦٠) قد ضرب دنانير عليها صورته، وما تزال بعض دراهمه محفوظة في المتحف البريطاني، أما الدنانير التي ذكرها المقريزي على أنها من ضرب معاوية، فلم يصلنا منها شيء، وربما استهلكت خلال عملية الإصلاح النقدي لعبد الملك (٤). وجملة هذه الروايات يرفضها ثقات المؤرخين، ولكن يعكر عليهم رفضهم هذا ما جاء في الأحاديث من النهي عن كسر سكة المسلمين والمحافظة على سلامة النقد في ديار الإسلام بمنع قرضها وتشويهها إذا

стр. 17139

كانت سكة الإمام، وعقد أبو داود في سننه بابا خاصا للنهي عن كسر سكة المسلمين، واشترط للنهي ثلاثة شروط: ١ - كون النقود رائجة. ٢ - كونها من ضرب الإمام. ٣ - ألا يكون بها بأس كزيف أو عيب (١)، ومجيء مثل هذه الأحاديث كالصريح في أنه كان للمسلمين سكة رائجة متداولة في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، وقد ادعى جرجي زيدان مثل هذه المقولة، ورد عليه محمد أمين الحلواني منكرا أن أحدا من الخلفاء الراشدين قد ضرب نقدا نحاسيا أو غيره وذلك في كتابه " نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان "، ولكن جاء في شرح العيني على البخاري أنه نقل عن المرغنياني أن الدراهم كانت شبه النواة، ودورت على عهد عمر ﵁ لما بعث معقل بن يسار وحفر نهره المشهورة، فضرب عمر الدراهم على نقش الكسروية (٢). وهذه الروايات كلها لا ترفع اتفاق المؤرخين أن النقد الرسمي للدولة الإسلامية إنما أخذ شكله الرسمي على يد عبد الملك بن مروان عام ٧٦هـ. أما أحاديث النهي عن كسر سكة المسلمين فلا تدل بالضرورة على وجود نقد رسمي متداول ضربه الخلفاء، ويمكن حملها على ما سيكون في المستقبل، أو على العملة نفسها المستوردة من فارس والروم. وما قاله المؤرخون فيمكن حمله على أنه محاولة فردية، وخاصة إذا عرفنا أن سك النقود كان مهنة للأشخاص وليس من عمل الحكومة، وإن السكة الإسلامية كوظيفة رسمية للسلطان إنما اتخذت إطارها الرسمي في عهد

стр. 17140

عبد الملك بن مروان. نستنتج ما يلي: ١ - أن الدرهم الإسلامي المعروف لدى أهل مكة كان معروفا للمسلمين منذ أن وجههم الرسول ﷺ إلى الاقتداء بأهل مكة في ميزانهم، وهذا الدرهم المعروف بوزن الإسلام الذي هو ستة دوانيق ونستبه إلى المثقال ٧/ ١٠ هو الذي تؤدى به الواجبات المالية، وتقدر به الديات، وتعقد به الأنكحة والضمانات وأروش الجنايات وغير ذلك، وعرف فيما بعد بوزن بيت المال. ٢ - أن ما روي من أن عمر ﵁ هو أول من ضرب الدرهم يمكن حمله على أن ملك الفرس (رأس بغل) كان يضرب له الدراهم ويرسلها إليه بناء على طلبه، وهذا ما يحتمله كلام العيني في شرح البخاري من أن عمر ضربها على نقش الكسروية، فليس فيه ما يدل أن عمر اتخذ دارا للضرب والسكة. ٣ - أن مفهوم الدرهم الإسلامي كان يعرفه تجار مكة كلهم معرفة دقيقة، يعرفون وزنه ويتخيلونه، ولا يضيرنا ألا يكون للدولة نقد مطبوع في أرضها حتى عام ٧٦ هـ، ولكن المقادير معروفة معلومة بدليل حديث عائشة عندما اشترت بريرة، فأرشدهم النبي ﷺ إلى الوزن وهو وزن مكة. وحديث سماك بن حرب «أن مالكا أبا صفوان قال: بعت للنبي ﷺ سراويل بثلاثة دراهم، فوزن لي فأرجح، وأعطى الوزان أجره (١)» فلو لم يكن الدرهم معلوما في هذه البيع لما صح البيع ولما عرف الرجحان. ٤ - بالرغم من تعامل المسلمين بنقد أجنبي فإنهم كانوا يتعاملون بهذه

стр. 17141

النقود وكأنها مادة خام وتبر غير مضروب أو سبائك توزن وزنا بسنج الوزن الشرعية التي قررها الرسول ﷺ . ٥ - أن ضرب النقود الإسلامية رسميا من قبل عبد الملك بن مروان وصنعه السنج الزجاجية على العيار الشرعي الذي قرره النبي ﷺ ، وعرفت السنج بسنج السكة الإسلامية؛ لم يكن إلا تقريرا لمقادير معروفة مقننة، وكان ضرب السكة الإسلامية يستغني الناس عن الميزان في التعامل بها، وهذا المعنى الذي صرح به النووي في قوله: (فرأوا في زمن عبد الملك صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وأعيانا يستغنى بها عن الموازين) (١) فصنيع عبد الملك من موقعه كمسئول أول في الدولة ليس إلا تبنيا لحكم شرعي أقره المشرع، وتعميم هذا الحكم على أرجاء الدولة إحياء للسنة النبوية، وتخليصا للمسلمين من المتاعب، وإرساء لدعائم الدولة باختصاص نقد رسمي خاص بها، ولذا قال المؤرخون: إن سكة عبد الملك عدلت بين الكبار والصغار من الدراهم، وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل، وأن عمله موافق لسنة النبي ﷺ . ٦ - أن مقدار الدينار لم يحدث حوله أي خلاف كما حصل حول الدرهم.

стр. 17142

أوزان الكيل فأوزان النقد: لا يوجد أمة من أمم الأرض إلا ولها مكاييلها وموازينها الخاصة بها، والمتكونة عبر حياة طويلة من العرف الاجتماعي الذي يسود علاقاتها، وهناك أوزان خاصة للنقود ومكاييل خاصة للمكيلات.، والراجح تاريخيا أن وحدات الكيل - الوزن المجرد - هي الأصل الذي تفرع عنه كافة أوزان النقود، وقد أكد الطبري والبلاذري والمقريزي أن سن السكة

стр. 17143

الإسلامية جاءت متأخرة زمنا عن صناعة سنج المكاييل، فالمقريزي يقول: (إن الدراهم عند المسلمين كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، فجمعوا أصغرها وأكبرها وضربوه على وزنهم الكيل)، فسنج السكة صنعت على غرار أوزان الكيل، حيث كانت تستعمل بحسب ما يتسع حجم المكيال، ثم تستخدم المادة في ثقل الحاجات. وهي عادة قديمة انحدرت إلى المسلمين شأنهم شأن أمم الأرض قاطبة. فهناك إذن تداخل شديد بين أوزان النقد وأوزان الكيل، يتضح من خلال استعراض أسماء المكاييل والموازين، فأسماء النوعين واحدة: قيراط، حبة، دانق، إلخ، وكلها تشكل أجزاء في وحدة القنطار الذي يوجد منه قنطار لوزن النقد الشرعي وآخر لوزن الكيل الشرعي. وهناك تشابه آخر ليس في الأسماء فحسب بل في التقسيم الوزني وتسلسلها في أوزان النقد وأوزان الكيل، وإذا تجاوزنا المكاييل والأوزان العرفية واتجهنا إلى الاعتبار الشرعي فسيتحصل معنا نوعان من المقادير الشرعية: (وحدات وزن النقد) (وحدات كيل). وأهم وحدات الكيل هي: الصاع والمد، وقد بين ابن الرفعة صلة هذين المكيالين بالدرهم الشرعي وهو درهم الكيل ٢/ ٥، ٥٠ حبة، هذا الدرهم الذي يتكون منه الرطل الشرعي والمد والصاع، ثم يأتي الرطل البغدادي ومضاعفاته من المن حتى القنطار وأجزاؤه من الدرهم والمثقال والدانق والقيراط والذرة. وجمهور الفقهاء على أن الصاع الشرعية ١/ ٣ ٥ رطل بالبغدادي، والرطل البغدادي ٤/ ٧ ١٢٨ درهم من الدرهم الذي هو خمسون وخمسا حبة من الشعير المعتدل، فلم يقدر الفقهاء حجم الصاع بالمكعبات، بل اشتفوه من الدرهم الشرعي.

стр. 17144

وقد صنع لهذه الأوزان جميعا صنجات إسلامية لأول مرة في زمن عبد الملك، وأشير عليه أن يصنعها من الزجاج كيلا تستحيل إلى زيادة أو نقصان (١). أما عن وحدات أوزان النقد فيقول المقريزي: كانوا يتبايعون بأوزان اصطلحوا عليها وهي الرطل = ١٢ أوقية والأوقية أربعون درهما، فيكون الرطل ٤٨٠ درهما، والنش: نصف أوقية (حولت صادة شينا) وهو: ٢٠ عشرون درهما، والنواة: خمسة دراهم (٢). وقال السيوطي: الرطل جمع كل الموزونات فهو: ١٢ أوقية، والأوقية: إستار وثلثا إستار، والإستار: أربعة مثاقيل، والمثقال: درهم وثلاثة أسباع الدرهم، والدرهم: ثمانية دوانيق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة: هي حبة الحنطة (٣). وكانت قريش تزن الذهب بوزن تسميه دينارا، والفضة بوزن تسميه درهما، فكل عشرة من أوزان الدراهم: سبعة أوزان من وزن الدنانير، وكان لهم وزن الشعيرة وهو ١/ ٦٠ من وزن الدرهم، وكانت لهم الأوقية ٤٠ درهما، والنش: عشرين درهما، والنواة: خمسة دراهم (٤)، وهذه الأوزان كلها مجهولة، ولا يتوصل إليها إلا بعد معرفة الدينار أو المثقال والدرهم، فعندما يحدد وزن الدرهم والدينار سيتحدد بالضرورة وزن كل من هذه الوحدات. تقدير الدرهم والمثقال (الدينار) في كيفية التقدير ابتداء يقال: أن الذي اخترع الوزن في الدهر الأول

стр. 17145

بدأه بوضع المثقال أولا فجعله: (٦٠) ستين حبة زنة الحبة: (مائة حبة خردل طبيعي بري معتدل)، ثم جعلها صنجة، وجمع منها زنة المثقال (٦٠٠٠) حبة خردل (١)، وذكر الذهبي في تحرير الدرهم والمثقال مثل هذا الكلام عن ابن الرفعة في الإيضاح والتبيان، والسروجي في شرح الهداية، والسيوطي في قطع المجادلة - أن اليونان قدروا الدرهم من حب الخردل البري بـ: (٤٢٠٠) حبة، فإذا أضفنا إليه ثلاثة أسباعه: (١٨٠٠) كان مثقالا (٦٠٠٠) حبة فيكون الدرهم سبعة أعشار المثقال، وسبب التقدير بالخردل لأنه لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. ووهم الذهبي في نسبة هذا القول للسيوطي، فرسالته (قطع المجادلة) خالية من هذا الكلام. ثم إن المتأخرين قدروا بحب الشعير الممتلئ الأغرل المقطوع (ما دق من طرفيه) فكان المثقال ٧٢ شعيرة، والدرهم ٢/ ٥ ٥٠ حبة شعير (٢) فالدرهم سبعة أعشار المثقال. فالدرهم الإسلامي الشرعي الذي تزن منه العشرة سبعة مثاقيل، والأوقية أربعون درهما فهو على هذا التقدير سبعة أعشار الدينار، متفق عليه بين فقهاء الإسلام، والراجح عند جمهورهم أن المثقال المذكور يعادل ٧٢ حبة شعير بينما يكون الدرهم ٢/ ٥ ٥٠ حبة شعير، وهي التي ضربها عبد الملك (٣) وفقا لتقدير عمر ﵁، وإعمالا لحديث «الميزان ميزان مكة». والتقدير السابق هو قول الشافعية والمالكية والحنابلة - إلا أن الحنابلة

стр. 17146

يرون أن المثقال يختلف عن الدينار، فالدينار عندهم أصغر من المثقال بنسبة يسيرة، وهذه نصوصهم: قال الخطيب الشربيني الشافعي: (ونصاب الذهب الخالص ولو غير مضروب: عشرون مثقالا، والمثقال لم يتغير جاهلية ولا إسلاما، وهو اثنتان وسبعون حبة، وهي شعيرة معتدلة لم تقشر، وقطع من طرفيها ما دق وطال، ونصاب الورق مائتا درهم تحديدا «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة (١)»، والأوقية: أربعون درهما بالنصوص المشهورة والإجماع، قاله في المجموع، والمراد بالدراهم الدراهم الإسلامية التي كل عشرة منها سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشرة درهما وسبعان، ووزن الدرهم ستة دوانق، والدانق ثمان حبات وخمسا حبة، فالدرهم خمسون حبة وخمسا حبة) (٢). وقال المالكية: وزن كل دينار ٧٢ حبة من مطلق الشعير (٣)، وكل درهم خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط (٤) فتكون المائتا درهم تساوي: ١٤٠ مثقالا من مثاقيل الأندلس والمغرب التي كل دينار منها عشرة دراهم، وكل سبعة دنانير أوقية (٥)، وتكون المائتا درهم ١٨٥ ونصف وثمن درهم بدراهم مصر لكبرها (٦). وقال ابن حجر: لم يخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ (مائة

стр. 17147

وأربعين مثقالا) من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي، فإنه انفرد بقوله: إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم (١) وذكر ابن عبد البر اختلافا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد (٢) وكذا فرق المريسي الإجماع باعتبار النصاب بالعدد لا بالوزن. وخالف الحنفية في تقدير الدرهم، فبعد أن قرروا النصاب مائتي درهم شرعي قالوا: زنة كل درهم ١٤ قيراط، والقيراط: خمس شعيرات، فيكون الدرهم الشرعي: ٧٠ شعيرة. وفي الذهب قالوا نصاب الذهب: عشرون مثقالا - زنة كل مثقال عشرون قيراطا، فالمثقال الشرعي: مائة شعيرة، فهو: درهم وثلاثة أسباع الدرهم، لأن الدرهم سبعون شعيرة، والمثقال: مائة شعيرة (٣)، وأكدوا على أن النسبة الشرعية ٧/ ١٠ أمر لا يمكن تجاهله في تقدير النصاب. وقال ابن حزم وبحثت أنا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه: اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار الحبة بحب الشعير المطلق، والدرهم: سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي: سبعة وخمسون حبة وستة أعشار الحبة وعشر عشرها، فالرطل: مائة درهم وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور (٤)، ونقل النووي نص ابن حزم السابق، وأضاف إلى مقدار الرطل السابق وأربعة أسباع الدرهم (٥)، وقد ذكر ابن خلدون رأي الجمهور المتقدم بأن الدرهم: سبعة أعشار المثقال، وأن الأوقية: أربعون درهما، والمثقال: ٧٢ حبة شعير

стр. 17148

والدرهم: خمسون وخمسا حبة، ثم ذكر رأي ابن حزم وقال إنه واهم (١). وكما اختلف الفقهاء حول عدد حبات الدرهم والدينار اختلفوا أيضا في تقريطه، ومع هذا الاختلاف في قراريط كل منهما تبقى النسبة الشرعية (الدرهم ٧/ ١٠ من المثقال) ثابتة عند الفقهاء فهي محل إجماع. قال البلاذري: قال محمد بن سعد: وزن الدرهم من دراهمنا هذه أربعة عشر قيراطا من مثقالنا الذي جعل عشرين قيراطا، وهو وزن خمسة عشر قيراطا من واحد وعشرين قيراطا وثلاثة أسباع (٢). وقد اختلف الفقهاء في التقريط، فالحنفية يرون المثقال عشرين قيراطا والدرهم أربعة عشر قيراطا، فيكون القيراط عندهم ٣/ ٥ ٣ الشعيرة (٣). والجمهور على أن المثقال ٢٢ قيراطا، والدرهم ستة عشر قيراطا. ويختلف وزن القيراط بحسب البلاد، فهو بمكة ربع سدس الدينار ١/ ٢٤ وبالعراق نصف عشره كما ذكره في القاموس، وهو حاليا يدل على جزء من الذهب ١/ ٢٤ قيراطا، ولا يستخدم إلا لوزن الأحجار الثمينة، وقد عرفنا فيما سبق أن المثقال إذا قسم إلى ٢٠ قيراطا فإن أحد الدراهم التي كانت قبل تحديده من عمر بن الخطاب ﵁ كان يساوي ويماثل المثقال في القراريط: (٢٠) قيراطا، وثانيهما: (١٢) قيراطا، وثالثها: عشر قراريط، ولكن البلاذري ذكر أن المثقال مقسم إلى: ٢٢ قيراطا إلا كسرا، فتختلف قيمة الدراهم، وتبقى النسبة ٧: ١٠ ثابتة بين الدرهم والدينار (٤) ففي تقريط المثقال عندنا ثلاثة أقوال: (٢٤، ٢٢،

стр. 17149

٢٠) والتقريط بـ (٢٤) خاص بالصاغة ودور السك. ويتداول الفقهاء رأيين: أ- الحنفية: الدينار: ٢٠ قيراطا، والدرهم: ١٤ قيراط. ب- الجمهور: الدينار: ٢٢ قيراطا إلا كسرا أو تاما، والدرهم: ١٥، ١٦ قيراطا. تقدير الدرهم والدينار بالغرامات يوجد عدة محاولات لتحويل المقادير الشرعية إلى غرامات، بل ما من مفت وسدت إليه وظيفة الإفتاء إلا وقام بمحاولة تحديد تلك الأوزان بالموازين المعاصرة، ونعرض هنا لبعض هذه المحاولات. تقدير المرحوم العلامة الشيخ عبد العزيز عيون السود (١) شيخ قراء الشام، وكان في حياته ينتهي إليه أعلى أسانيد القراءات لكتاب الله الكريم، وكان يشغل وظيفة أمين فتوى مدينة حمص السورية، وقد أعد رسالة خاصة في المقادير الشرعية معادلة بالغرام، واطلع عليها الشيخ أسعد العبجي مفتي الشافعية بحلب، فكتب إليه قائلا: (ثم ظهر لي أن الحق في معادلة الدرهم العرفي بالغرام كان كما قدرتموه لا كما قدرته أنا، والفرق بيننا حبة في كل درهم. وموجز الرسالة فيما يخص بحثنا هو قوله: المتعارف عليه عند الصاغة: ٥/ ٦، ٢٠ مثقالا عرفيا = ١٠٠ غرام. ١/ ٤، ٣١ درهما عرفيا = ١٠٠ غرام. فالدرهم العرفي =٣. ٢٠ غرام. كما تعارف الصاغة. ٥ قراريط عرفية = ١ غرام.

стр. 17150

١ قيراط عرفي = ٤ حبات. والدرهم العرفي = ٦٤ حبة. وبتقسيم الحبات تكون الحبة ٣. ٢٠ ÷ ٦٤ =٠. ٠٥ غرام. والدرهم الشرعي درهمان: درهم أخذت به الحنفية وهو ١٤ قيراطا شرعيا كل قيراط خمس حبات فدرهم الحنفية ٧٠ حبة =٣. ٥ غرام. ودرهم أخذت به الأئمة الثلاثة وهو على الصحيح: ٢/ ٥، ٥٠ حبة فيساوي٢. ٥٢ غرام، فيكون المثقال عند الحنفية (١٠٠ × ٠. ٠٥ = ٥ غرامات، ويكون المثقال عند الجمهور ٧٢ × ٠. ٠٥ = ٣. ٦ غرام). وهذا جدول ببعض المقادير المرتبطة بأحكام الفقه كما أثبتها الشيخ ﵀:

стр. 17151

المقادير الشرعية مقدرة بالغرام على المذاهب من رسالة الشيخ / عبد العزيز عيون السود المقدار ... الحنفية ... المالكية ... الحنابلة والشافعية تخريج النووي ... الشافعي تخريج الرافعي ... ــ الحبة ... ٠.٠٥ ... ٠.٠٥ ... ٠.٠٥ ... ٠.٠٥ ... ــ الدرهم ... ٣.٥ ... ٢.٥٢ ... ٢.٥٢ ... ٢.٥٢ ... ــ المثقال ... ٥ ... ٣.٦٠ ... ٣.٦٠ ... ٣.٦٠ ... ــ الرطل الشرعي ... ٤٥٥ ... ٣٢٢.٥٦ ... ٣٢٤ ... ٣٢٧.٦٠ ... سبب الوجهين عند الشافعية اختلاف الشيخين النووي والرافعي في الصاع والمد والرطل المد ... ٩١٠ ... ٤٣٠.٠٨ ... ٤٣٢ ... ٤٣٦.٨٠ ... ــ الصاع ... ٣٦٤٠ ... ١٧٢٠.٣٢ ... ١٧٢٨ ... ١٧٤٧.٢٠ ... ــ الأوسق الخمسة ... ١٠٩٢٠٠٠ ... ٥١٦٠٩٦ ... ٥١٨٤٠٠ ... ٥٢٤١٦٠ ... - أقل المهر عند الحنفية ... ١٠ دراهم ٣٥ غرام ٣.٥ ليرة فضة ... ــ ... ــ ... ــ ... ــ القلتان ... ــ ... ــ ... ١٦٢٠٠٠ ... ١٦٣٨٠٠ ... ــ تقدير المرحوم العلامة الشيخ حسن حبنكة الميداني: قدر شيخنا ﵀ الدراهم المائتين في نصاب الزكاة بما يعادل ٨٠ ليرة سورية من الليرة الفضية التي كانت متداولة قبل ٢٠ سنة تقريبا ثم سحبت من السوق بسبب ارتفاع سعر الفضة وكانت الليرة السورية المذكورة زنة ١٠ غرام منها ٣.٥ غرام غش فيبقى منها ٦٠٥ غرام من

стр. 17152

الفضة ٨٠ × ٦. ٥ = ٥٢٠ غرام، وهو وزن المائتي درهم، فيكون الدرهم ٥٢٠ ÷ ٢٠٠ = ٢. ٦ غرام. كما قدر المثاقيل العشرين في نصاب الزكاة بما يعادل ١٢ ليرة ذهبية (١) ثم فهمت من تلامذة الشيخ الكبار أنه ﵀ لم يقصد تحديد الدرهم والدينار بدقة، بل وضع مقادير يتيقن المكلف من براءة ذمته خلالها بيقين، فلا داعي لمتابعة الحساب - والجدول التالي يبين النصاب والدية عند المذاهب ببعض العملات

стр. 17153

تقدير الدردير المالكي ذكر الشيخ الدردير: (أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهري ١١٢٧ هـ ١٢٠١ هـ) في شرحه الصغير على أقرب المسالك (١) أن نصاب الفضة: (٢٠٠ درهم) يعادل بدراهم مصر - لكبرها - مائة وخمسة وثمانين ونصف وثمن درهم ٥/ ٨، ١٨٥ درهما عرفيا بدراهم مصر، وقدرت الكمية في كتاب فقه الزكاة (٢) بما يعادل: ٥٧٩. ١٥ غراما، فيكون الدرهم الشرعي: ٢. ٨٩٦ غراما وهو تقدير قريب من المعتمد. ولكن هذا التقدير تبين لي أنه ليس تقدير الدردير، ولا يمكن إجراء الحساب بدراهم عصره، فقد ذكر التتائي (محمد بن إبراهيم التتائي المتوفى ٩٤٢ هـ) في شرحه نظم مقدمة ابن رشد عند قول الناظم عشرون دينارا نصاب العين ... من ذهب فرضا بغير مين ومائتان درهما من ورق ... كلتاهما سكة أهل المشرق (٣) قال التتائي (٤): قال سيدي الشيخ خليل بن إسحاق (المتوفى ٧٦٧): النصاب بدراهم مصر الآن مائة وخمسة وثمانون درهما ونصف درهم وثمن درهم، ويمكن الرجوع إلى النقود الأيوبية، ووزن الدرهم الموجود في ذلك العصر ومقارنته بحساب الدردير. وأظن أن الدراهم المصرية المقصودة هي دراهم الظاهر بيبرس التي كانت تحتوي على ٧٠% فضة و ٣٠% نحاس وظلت رائجة حتى فسدت عام ٧٨١هـ بدخول الدراهم الحموية التي ضربها المماليك البحرية (٥) بمعنى أن ٥/ ٨، ١٨٥ درهما من دراهم

стр. 17154

الظاهر بيبرس تساوي ٢٠٠ درهم شرعي، فيبقى أن يعرف وزن الدرهم المذكور لتحديد الدرهم الشرعي الذي قدره الدكتور القرضاوي بـ: (٢. ٨٩٦ غرام). تقدير الدكتور شوقي إسماعيل شحاته قال الدكتور شوقي في كتابه التطبيق المعاصر للزكاة (١): من المعلوم أن الدينار الشرعي وزن مثقال، وأن المثقال يزن: ٧٢ حبة شعير، والأوقية تزن: (٢٨) مثقالا، فتكون الأوقية: ٢٠١٦ حبة شعير. ولما كان كل ٨٠ قمحة تعادل ٦٣ حبة شعير متوسطة، فتكون الأوقية الشرعية: (٢٥٦٠) قمحة. وبما أن الدرهم المصري ٦٤ قمحة والأوقية المصرية ١٢ درهما فهي ٧٦٨ قمحة. فتكون النسبة بين الأوقية الشرعية والأوقية المصرية ٢٥٦٠ ÷ ٧٦٨ = ١٠/ ٣. ويكون وزن الدينار الشرعي بالأوقية المصرية ١/ ٢٨ × ١٠/ ٣ = ٥/ ٤٢ من الأوقية المصرية التي تزن:٣٧. ٤٤ غراما فيكون وزن الدينار الشرعي بالجرام المصري ٣٧. ٤٤ × ٥/ ٤٢ = ٤. ٤٥٧١٤ غرام. لقد استطاع الدكتور أن يبين الأوزان المصرية فهو بها حجة، إلا أن النسب المعروفة للأوزان عند الصدر الأول لا يمكن تغييرها بالنسبة للأوقية وأجزائها. فالأوقية باتفاق الفقهاء والمؤرخين: ستة دنانير، أو ستة مثاقيل، وليست (٢٨) مثقالا، وإذا كانت مثاقيل الأوقية المصرية كذلك فالأوقية الشرعية غيرها.

стр. 17155

صحيح أن الأوقية ١٢ درهما من دراهم الكيل وحبات كل درهم خمسون وخمسا حبة من حب الشعير المعتدل، ولكنها تعادل ٤٠ درهما من دراهم الكيل. والأوقية دائما ١/ ١٢ من أي رطل عرفي، والرطل المصري كما ذكر الدكتور الريس في الخراج ١٤٤ درهما (١)، وقدر علي مبارك الدرهم المصري: (٣. ١٢) غرام وهذا الرقم فعلا يشكل سبعة أعشار الدينار الذي وزنه:٤. ٤٥٧١٤ مما يؤكد سلامة حساب الدكتور شحاته ودقتها بدليل الرطل المصري ٤٥٠ غرام وهو ١٢ أوقية، فيكون وزن الأوقية ٣٧. ٥ غرام، ووزن درهمها ٣٧. ٥ ÷ ١٢ = ٣. ١٢ غرام، ويبدو أنه قريب من وزن درهم الكيل الشرعي الذي سيأتي ذكره، والحقيقة أنني أميل إلى هذا التقدير لولا تقديره بحبات القمح، وضبط نسبة القمح إلى الشعير قد يسيء إلى دقة الحساب، ومع ذلك فالتقدير السابق للدرهم والدينار لا غبار عليه، ولكنه يختص بالكيل لا الوزن النقدي. والدليل على أن الأوزان التي توصل الدكتور شحاته بالغرام هي أوزان الكيل الشرعية لا أوزان النقد، هي الأدلة التالية: ١ - أن دراسة تاريخ النقود المصرية تدل على أنها تعرضت لتغيرات متعددة منذ عصر المماليك، أما أوزان الكيل فلم تتغير، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مقارنة الأرقام ببعضها، فمثلا عرفنا أن الدينار الشرعي كما قدره الدكتور شحاته (٤. ٤٥٧١٤) غرام ولم يتعرض لوزن الدرهم، ويمكن استخراجه بضرب الدينار بـ ٧/ ١٠ فيكون الدرهم: ٤. ٤٥٧١٤ × ٧/ ١٠ =٣. ١١٩٩٩٨ غ، أي: ٣. ١٢ غرام تقريبا. وهذا الدرهم المذكور هو درهم الكيل الذي لم يتغير منذ عصر خليل
следующие страницы →