← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 17501–17540 · переход к 17506.

стр. 17501

س: جرت العادة عند بعض القبائل أن ينحروا الإبل عند المناسبات، هل يعتبر هذا قدحا في العقيدة؟. ج: هذا فيه تفصيل، فإن كان نحرها للضيفان وإطعام الناس فهذا لا بأس به وهو عمل مشروع، أما إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظمين تعظيما لهم فهذا شرك. لأنه ذبح لغير الله، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (١) وهكذا نحرها عند القبور تذكيرا بجود أهلها وكرمهم، فهذا من عمل الجاهلية، وهو منكر لا يجوز لأن رسول الله ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام (٢)». فإن قصد به التقرب إلى أهل القبور فهذا شرك أكبر. وهكذا الذبح للجن والأصنام كله من الشرك الأكبر. نسأل الله السلامة من ذلك.

стр. 17502

س: بعض الناس يصلي على النبي ﷺ كهذه: اللهم صل على نبينا محمد طب القلوب ودواء العافية؟ هل هذا مشروع؟. ج: ليس بمشروع وفيه إبهام يخشى من الالتباس على الناس، ولكن أفضل الصلاة عليه والصلاة الإبراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. هذه الصلاة هي الصلاة المعروفة الثابتة عن النبي ﷺ ولها أنواع، وبأي نوع منها صلى فقد فعل المشروع إذا كان من الأنواع الثابتة عنه ﷺ .

стр. 17503

س: لي قريب يكثر الحلف بالله صدقا وكذبا . . ما حكم ذلك؟. ج: ينصح ويقال له: ينبغي لك عدم الإكثار من الحلف، ولو كنت صادقا لقول الله : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١) وقوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه (٢)». وكانت العرب تمدح بقلة الأيمان كما قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا صدرت منه الألية برت والألية هي اليمين. فالمشروع للمؤمن أن يقلل من الأيمان ولو كان صادقا، لأن الإكثار منها قد يوقعه في الكذب.

стр. 17504

ومعلوم أن الكذب حرام، وإذا كان مع اليمين صار أشد تحريما، لكن لو دعت الضرورة أو المصلحة الراجحة إلى الحلف الكاذب فلا حرج في ذلك لما ثبت عن النبي ﷺ من «حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي المعيط ﵂، أن النبي ﷺ قال: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا، قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس والحرب، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها (١)» رواه مسلم في الصحيح. فإذا قال في إصلاح بين الناس: والله إن أصحابك يحبون الصلح ويحبون أن تتفق الكلمة، ويريدون كذا وكذا، ثم أتى الآخرين وقال لهم مثل ذلك، ومقصده الخير والإصلاح فلا بأس للحديث المذكور. وهكذا لو رأى إنسانا يريد أن يقتل شخصا ظلما أو يظلمه في شيء آخر، فقال له: والله إنه أخي، حتى يخلصه من هذا الظالم إذا كان يريد قتله بغير حق أو ضربه بغير حق، وهو يعلم أنه إذا قال: أخي تركه احتراما له، وجب عليه مثل هذا لمصلحة تخليص أخيه من الظلم. والمقصود أن الأصل في الأيمان الكاذبة المنع والتحريم، إلا إذا ترتب عليها مصلحة كبرى أعظم من الكذب، كما في الثلاث المذكورة في الحديث السابق.

стр. 17505

س: هل يخرج الشرك الأصغر صاحبه من الملة ؟. ج: الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، بل ينقص الإيمان وينافي كمال

стр. 17506

التوحيد الواجب، فإذا قرأ الإنسان يرائي، أو تصدق يرائي، أو نحو ذلك نقص إيمانه وضعف وأثم على هذا العمل لكن لا يكفر كفرا أكبر.

стр. 17507

س: قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) على من يعود الضمير في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ (٢)؟. ج: يعود على المدعوين، والمعنى ادع الناس إلى سبيل ربك، فالضمير في جادلهم يعني المدعوين سواء كانوا مسلمين أو كفارا ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وأهل الكتاب هم الكفرة من اليهود والنصارى فلا يجوز جدالهم إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، فالظالم يعامل بما يستحقه.

стр. 17508

س: ما حكم من يوحد الله تعالى ولكن يتكاسل عن أداء بعض الواجبات؟. ج: يكون ناقص الإيمان، وهكذا من فعل بعض المعاصي ينقص إيمانه عند أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يقولون: الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ومن أمثلة ذلك ترك صيام رمضان بغير عذر أو بعضه، فهذه معصية كبيرة تنقص الإيمان وتضعفه، وبعض أهل العلم يكفره بذلك. لكن الصحيح أنه لا يكفر بذلك ما دام يقر بالوجوب، ولكن أفطر بعض الأيام تساهلا وكسلا.

стр. 17509

وهكذا لو أخر الزكاة عن وقتها تساهلا، أو ترك إخراجها فهو معصية وضعف في الإيمان، وبعض أهل العلم يكفره بتركها. وهكذا لو قطع رحمه، أو عق والديه، كان هذا نقصا في الإيمان وضعفا فيه، وهكذا بقية المعاصي. أما ترك الصلاة فهو ينافي الإيمان ويوجب الردة ولو لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء لقول النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله (١)». وقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢)» رواه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب ﵁ وقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٣)» خرجه الإمام مسلم في صحيحه. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 17510

أحوال يوم القيامة بقلم الدكتور: دوخي بن زيد بن علي الحارثي الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، المتولي لشئون عباده في الحياة الدنيا وبعد الممات، وأشهد أنه الإله الحق الدائم الذي خلقه كلهم يموتون وهو حي دائم لا يموت، جعل الدار الدنيا مزرعة، والدار الآخرة حصاد. وأشهد أن محمدا ﷺ هو عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين ومبلغا للناس أجمعين، يحذرهم من عصيان الله الموجب لغضبه وعذابه، ويأمرهم بطاعته الموجب لرضائه ونعيمه. وأشهد أن الموت حق، وأن الناس إذا ماتوا يبعثون، وذلك في اليوم الآخر ويحاسبون على أعمالهم ويجازون عليها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فذلك اليوم الذي غفل عنه الكثير من الناس وهو الجدير بالذكر والتذكر، حيث فيه المنازل التي فيها المستقر النهائي - الجنة ونعيمها، والنار وعذابها.

стр. 17511

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). وبعد: سأذكر بمشيئة الله تعالى بعض الأمور التي ستحصل بعد انتهاء عمر الدنيا وبدء اليوم الآخر، وهي أحوال الآخرة، نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذلك اليوم وأهوآله وكربه إنه سميع مجيب.

стр. 17512

أولا: ((الصور والنافخ فيه)) قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (١) ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (٢). قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد: ﴿النَّاقُورِ﴾ (٣) الصور، قال مجاهد: ((وهو كهيئة القرن)) (٤). الصور: ((هو القرن الذي ينفخ فيه. . . عند بعث الموتى إلى المحشر. وقال بعضهم: إن الصور جمع صورة، يريد صور الموتى ينفخ فيه الأرواح. والصحيح الأول؛ لأن الأحاديث تعاضدت عليه تارة بالصور، وتارة بالقرن)) (٥). القرن: ((هو البوق يتخذ من القرون ينفخ فيه)) (٦). قال القرطبي: ((الصور: قرن من نور ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء وليس جمع صورة كما زعم بعضهم أي نفخ في صور الموتى)) (٧). ولم يقم دليل صحيح على أن الصور من نور أو غيره من الصفات الأخرى. والصور ثابت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإن قول من قال إن الصور جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا، فهذا القول لا يصح لمخالفته لما في القرآن وفي السنة المفسرة له. قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٨).

стр. 17513

وهنا النفخ في الأولى يؤدي إلى الصعق ثم الموت بينما رأي من قال النفخ هو في الصور فهذا لا يتناسب مع مفهوم الآية، حيث النفخ في الصور يؤدي إلى الحياة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ «أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله عن الصور. قال: ((قرن ينفخ فيه)) (١)». وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا (٢)». قال ابن كثير: ((والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇) (٣). وهنا نقف على صحة القول بأن الصور هو قرن - بوق - ينفخ فيه لقيام الساعة وخراب الدنيا، وينفخ فيه بعد ذلك لقيام الناس من قبورهم للحساب وبدء اليوم الآخر - يوم الجزاء والحساب -

стр. 17514

قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (١). وأما النافخ في الصور فلم أقف على آية أو حديث صحيح يذكر فيه اسم النافخ صراحة باسمه، ولكن الوارد في الأحاديث الصحيحة أن النافخ في الصور واحد لا اثنان، كما ورد بذلك أحاديث لا تصح بأن هناك ملكين موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طرف صاحب الصور من وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان (٢)». ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن النافخ في الصور واحد ولم يذكر باسمه، إلا أن المشهور عند العلماء أن النافخ في الصور هو إسرافيل ﵇. قال القرطبي: ((والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل)) (٣). وقال: ((والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇) (٤). وقال ابن حجر: ((اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇) (٥).

стр. 17515

فيكون بهذا قد وقفنا على صحة القول بثبوت الصور، وأنه بوق ينفخ فيه بخراب الدنيا فيحصل من الأهوال الشيء العظيم، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فيقوم الناس من قبورهم لفصل القضاء، وأن النافخ فيه هو إسرافيل ﵇، كما اشتهر بذلك القول. والله أعلم.

стр. 17516

ثانيا: ((عدد النفخات والأثر المترتب على ذلك)) لكل شي بداية ونهاية، والدنيا بأكملها وبكل ما فيها خاضعة لهذه الحقيقة المؤكدة، وقد أوشك عمر الدنيا على الانتهاء لتبدأ الدار الآخرة، ففي يوم الجمعة - والله أعلم بذلك اليوم متى يكون - تودع الدنيا وتستقبل الآخرة وذلك بصوت مفزع والناس في غفلة معرضون. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١). عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة (٢)». ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض من شدة الصوت - إلا من شاء الله - ومما يرى الناس مما حصل لمخلوقات الله تعالى من الخراب والدمار والأهوال المفجعة فيموتون، وتتغير أحوال الدنيا بأحوال أخرى ولا يبقى أحد حي إلا الله الواحد القهار كما كان أولا كان آخرا، ثم يأمر سبحانه فينفخ في الصور أخرى فتحيا المخلوقات، ويكون فصل القضاء. وسنرى إن شاء الله تعالى ما جاء في النفخ من آيات وأحاديث. قال الله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣).

стр. 17517

وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١). هاتان آيتان جاءتا في كتاب الله تعالى تبين عدد النفخات في الصور، ففي الآية الأولى يخبر تعالى أنه عند النفخ في الصور النفخة الأولى يفزع من في السماوات ومن في الأرض. والفزع: ((هو الخوف)) (٢). وفي الآية الثانية بعد النفخ في الصور يصعق من في السماوات ومن في الأرض. والصعق: ((أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه وربما مات منه، ثم استعمل في الموت كثيرا)) (٣). قال القرطبي في كلامه على آية الزمر: ((فاستثنى في نفخة الفزع فدل على أنهما واحدة)). ومن معرفة المعنى للصعق يجعله شاملا لمعنى الفزع، وعلى هذا يكون عدد النفخات اثنتين لا ثلاثا مما يضعف رأي من ذهب من العلماء إلى أن عدد النفحات ثلاث، حيث لا حجة لهم إلا الآية التي في سورة النمل والتي ذكرناها آنفا، أو بحديث الصور، وحديث الصور لا يصح ضعفه العلماء (٤) ولا أعرف دليلا صحيحا يعزز قولهم من كتاب ولا سنة. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ (٥) ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ (٦) وقال ابن

стр. 17518

عباس ومجاهد والحسن وقتادة: ((وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى)) (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت (٣). قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». وعن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا. فقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، أو كلمة نحوها. لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما، يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري:

стр. 17519

أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما -، فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع. قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل أو الظل (٤)». في هذين الحديثين بيان على أن النفخات اثنتان لا ثلاث، ففي الحديث الأول يقول

стр. 17520

رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون (١)» وهذا يشعر بنفختين فقط، وفي الحديث الثاني: يقول ﷺ : «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل أو الظل (نعمان الشاك) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (٢)» وهذا بيان آخر بأن النفخات اثنتان. وقد تكلم القرطبي عن ذلك وقرر أن النفخات اثنتان (٣)، وكذلك ابن حجر العسقلاني، ورد على من قال بأن النفخات ثلاث أو أربع، وقرر المسألة (٤). وأقتصر على الإحالة خشية الإطالة بذكر ذلك. والله أعلم. وأما من استثنى الله تعالى من الصعق بعد النفخ في الصور فقد أول العلماء - رحمهم الله تعالى - ذلك دون دليل قطعي، وقد كفانا شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - القول في هذه المسألة فقال: ((وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة

стр. 17521

ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم. ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناه الله (١)» ? وهذه الصعقة قيل إنها رابعة وقيل إنها من المذكورات في القرآن. وبكل حال: النبي ﷺ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ فإذا كان النبي ﷺ لم يخبر بكل من استثنى الله لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (٢).

стр. 17522

ثالثا: ((البعث والنشور)) البعث: إثارة بارك أو قاعد، تقول: بعثت البعير فانبعث أي أثرته فثار، والبعث أيضا: الإحياء من الله للموتى، ومنه قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (١) أي أحييناكم. وبعث الموتى: نشرهم ليوم البعث. وبعث الله الخلق يبعثهم بعثا: ((نشرهم من ذلك)) (٢). النشور: ((أنشر الله الموتى فنشروا هم إذا حيوا، وأنشرهم الله أي أحياهم)) (٣). والنشور مرادف للبعث في المعنى، والمراد أن الله تعالى يحيي الموتى مرة أخرى فيصبحوا منتشرين في الأرض ينتظرون النداء إلى أرض المحشر لفصل القضاء، وأول من تنشق عنه الأرض ويبعث هو رسول الله محمد ﷺ . عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رؤى في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أولياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه

стр. 17523

أخرى فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي (٢)». وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع (٣)». وأما ما كان من أمره ﷺ وموسى ﵇ في البعث فقال النووي ﵀: وفي رواية: «فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى (٤)». الصعق والصعقة: الهلاك والموت، ويقال: منه صعق الإنسان، وصعق بفتح الصاد وضمها، وأنكر بعضهم الضم، وصعقتهم الصاعقة بفتح الصاد والعين وأصعقتهم، وبنو تميم يقولون الصاقعة

стр. 17524

بتقديم القاف. قال القاضي وهذا من أشكل الأحاديث؛ لأن موسى قد مات فكيف تدركه الصعقة، وإنما تصعق الأحياء. قوله: «ممن استثنى الله تعالى (١)» يدل على أنه كان حيا، ولم يأت أن موسى رجع إلى الحياة، ولا أنه حي كما جاء في عيسى، وقد قال ﷺ : «لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق (٢)». قال القاضي: يحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماوات والأرض فتنتظم حينئذ الآيات والأحاديث، ويؤيده قوله ﷺ : " فأفاق " لأنه إنما يقال أفاق من الغشي، وأما الموت فيقال: بعث منه، وصعقة الطور لم تكن موتا. وأما قوله ﷺ : «فلا أدري أفاق قبلي (٣)» فيحتمل أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وأن نبينا ﷺ أول شخص تنشق عنه الأرض على الإطلاق، قال ويجوز أن يكون معناه أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض، فيكون موسى من تلك الزمرة، وهي والله أعلم زمرة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -. هذا آخر كلام القاضي (٤). والبعث والنشور من أركان الإيمان الستة التي يجب الإيمان بها، وقد أنكر البعض هذا الركن وقالوا إن الناس إذا ماتوا لا يبعثون. قال الله تعالى حكاية عن أولئك القوم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥)، ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٦) ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٧) ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨)

стр. 17525

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١) ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (٢)، ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (٣) ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٤) ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (٥) ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٦) هذه مقالة أولئك المنكرين للبعث وما ذاك إلا روايات وحكايات لا صحة لها، استصعبوا الإعادة بعد أن صاروا عظاما وترابا، ونسوا البداية حيث لم يكونوا شيئا، فيقولون كما أخبر الله عنهم: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ (٧) ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ (٨) ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ (٩) ولكن الأمر من الله أعظم ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (١٠) ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (١١) ما يشعرون وهم في قبورهم إلا وهم قيام ينظرون بين يديه لفصل القضاء، فماذا كان قولهم؟: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٢) وماذا سيكون الرد عليهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١٣) ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (١٤).

стр. 17526

رابعا: " المحشر " حشر: حشرهم ويحشرهم ويحشرهم حشرا: " جمعهم، ومنه يوم المحشر. والحشر: جمع الناس يوم القيامة. والحشر: حشر يوم القيامة. والمحشر: المجمع الذي يحشر إليه القوم " (١). عندما تحين الساعة التي أراد الله أن تجتمع فيها الخلائق للحكم فيما كان في الحياة الدنيا، وما حصل من كل مخلوق مسئول من مخلوقات الله تعالى، ينادون لأرض المحشر، فيأتون مسرعين لفصل القضاء. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٢) يتبعون صوت داعي الله تعالى إلى الموقف لا يحيدون عن ذلك، عليهم الهدوء والسكينة في السير والكلام، مسرعين في سيرهم متجهين إلى ما دعوا إليه. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٣) أي يقومون من القبور إذا دعاهم الرب ﵎ لموقف الحساب، ينهضون سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ٠ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إلى علم يسعون (٤). وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُر﴾ (٥) ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٦) ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٧) والإهطاع: هو الإسراع. وقد شبههم الله

стр. 17527

تعالى في مجيئهم بالجراد لكثرتهم وانتشارهم في الأرض وإتيانهم من كل حدب وصوب. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (١) ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (٢) ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ (٣) ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ (٤). قال قتادة: قال كعب الأحبار: " يأمر الله تعالى ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس، أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء " (٥). فيأتون زمرا زمرا وجماعة جماعة كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ (٦) وتحشر المخلوقات جميعها من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٧)، وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٩) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (١٠). قال ابن كثير: قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ (١١) أي أولهم وآخرهم كقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (١٢)، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (١٣) أي: عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل، وتحشر الخلائق بأسرهم من

стр. 17528

الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، إن تك حسنة يضاعفها (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٣) الآية، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤) ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم». في هذا الحديث يؤكد لنا ﷺ أن الله سيحشرنا يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يبين لنا الصفة في الحشر، وهو أن العباد حفاة عراة غرلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٦) وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا. قلت يا رسول

стр. 17529

الله: النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ : يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض (١)». وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم ﵊، وقيل الحكمة في ذلك ترجع لأمور: ١ - لأنه جرد حين ألقي في النار. ٢ - لأنه أول من استن التستر بالسراويل. ٣ - لأنه لم يكن في الأرض أخوف لله منه فعجلت له الكسوة أمانا له ليطمئن قلبه (٢). أما الذين يؤخذون ذات الشمال والوارد ذكرهم في الحديث فقد ذكر فيهم أقوال كثيرة رجح منها: " أنهم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني: حتى قتلوا وماتوا على الكفر " (٣). وجاء أن الناس يبعثون بثيابهم التي ماتوا عليها، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها (٤)». وهذا الحديث يعارض حديث أبي هريرة ﵁ قبله، إلا أن العلماء - رحمهم الله تعالى - تكلموا على هذا الحديث، وجعلوا له تأويلات، والله أعلم بالصواب. قال المنذري: " رواه

стр. 17530

أبو داود وابن حبان في صحيحه، وفي إسناده يحيى بن أيوب وهو الغافقي المصري، احتج به البخاري ومسلم، وله مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: سيئ الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقد قال كل من وقفت على كلامه من أهل اللغة: إن المراد بقوله: يبعث في ثيابه التي قبض فيها، أي في أعماله. قال الهروي: وهذا كحديثه الآخر: يبعث العبد على ما مات عليه، قال: وليس قول من ذهب إلى الأكفان بشيء؛ لأن الميت إنما يكفن بعد الموت. انتهى. قال الحافظ المنذري: وفعل أبي سعيد راوي الحديث يدل على إجرائه على ظاهره، وأن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها، وفي الصحاح وغيرها أن الناس يبعثون عراة، وقال هذا السفاريني وزاد: " وحمل كثير من العلماء الحديث على الشهداء الذين أمر أن يدفنوا في ثيابهم التي قتلوا فيها، وأن أبا سعيد سمع الحديث في الشهداء فحمله على العموم ". والله أعلم. وقد بين سبحانه تعالى صفات المجرمين يوم القيامة عندما يحشرون فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (١) أي زرق العيون من شدة ما يرون من الهول، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٢) جزاء على إعراضه عن دين الله تعالى في الحياة الدنيا لما جاءته به الرسل عن الله ﵎ واتباع الهوى. وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (٣) جزاء على صنيعهم في حياتهم الدنيا، فتحشر

стр. 17531

الفئات الكافرة والمكذبة بآيات الله ورسوله وبلقائه تعالى بعضهم إلى بعض. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (١) يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب (٢) وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٣) هو من قول الله تعالى للملائكة " احشروا " المشركين " وأزواجهم " أي أشياعهم في الشرك، والشرك: الظلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤) فيحشر الكافر مع الكافر، قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (٥) قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس: " وأزواجهم " أي أشباههم، وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: " وأزواجهم " نساؤهم المرافقات على الكفر، قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. وقال الضحاك: " وأزواجهم " قرناءهم من الشياطين، وهذا قول مقاتل أيضا: " يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة " (٦). ثم يقسم تعالى على تحقق حشرهم وشياطينهم، فيقول تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ (٧) الذين كانوا يعبدون من دون الله تعالى، وسيتحقق ما أنكروه ويروه عيانا، ثم يساقون إلى جهنم وساءت مصيرا ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (٨) ويقول في موضع آخر: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٩)

стр. 17532

يسألهم تعالى عما كانوا يعبدون من الأصنام والأنداد، ويفضحهم أمام الملأ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ (١) فيميز الله ويفرق بين المشركين وشركائهم، وذلك بتبرؤ كل معبود من دون الله ممن عبده ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٢) وهنا يتبرأ المعبود من عابده ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣) وقد أيقظ العقول بذكر نبأ عظيم وهو الحشر لجميع الخلق لمحاسبتهم على ما قدموا في حياتهم الدنيا، فجاء ذلك في آيات كثيرة في القرآن العظيم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (٤). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ﴾ (٥) أي في إغوائهم ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ (٦) وهذا تذكير بالحشر، وأن مضيهم في الدنيا ما كأنه عندهم إلا ساعة من نهار فيعرف بعضهم بعضا في المحشر. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٧) وهنا يقرر المشركين سوء صنيعهم وتبرؤ الملائكة من ذلك.

стр. 17533

قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢) فأينما كان العباد وكيفما ماتوا أو قتلوا أو حرقوا، أو كانوا في البر أو البحر يأتي بهم الله ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣). ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٤). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٥). ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٦). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧). ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٨). ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٩).

стр. 17534

خامسا: " أرض المحشر " قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) بعدما تقوم القيامة ويحدث خراب الأرض وموت من عليها، والسماء وموت من فيها، إلا قيوم السماوات والأرضين ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢) له الأمر من قبل ومن بعد، ويحين الوقت الذي تجمع فيه الخلائق، يبدل الله جل وعلا الأرض التي تحشر عليها الخلائق بأرض أخرى، ويبدل السماوات كذلك. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهم بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ (٣)» وهذا بعد فناء المخلوقات، يطوي السماوات ويأخذهن بيمينه والأرضين بشماله. وفي هذا دلالة على عظمة الله وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته، فهو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا

стр. 17535

الملك، أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ تعجبا مما قاله الحبر تصديقا له، ثم قرأ: (٢)».

стр. 17536

وعن ابن عباس ﵄ قال: «مر يهودي بالنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : يا يهودي حدثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢)». وهذه الأحاديث فيها الإخبار عن حال السماوات والأرض يوم القيامة بل عن حال المخلوقات جميعا، وعظم قدرته سبحانه ثم مآل المخلوقات، وما سيكون منه حيث يبدل الأرض غير الأرض والسماوات، كما ثبت ذلك في الأحاديث، وكما هو ظاهر الآية. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٣). قال: " أرض بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل فيها خطيئة، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا حتى يلجمهم العرق ". وللعلماء في تبديل الأرض والسماء قولان: القول الأول: تغير الصفات، قال ابن عباس ﵄: " تبدل الأرض يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها

стр. 17537

وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي، وتصير مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتبدل السماوات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها، وحاصله يغير كل عما هو عليه في الدنيا، وأنشد: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعلم القول الثاني: تغير الذات، قال علي بن أبي طالب ﵁: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال ابن مسعود ﵁: تبدل الأرض أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة، لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة. وقال محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير: " تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه " (١). . قال ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض غير الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها، كما قال جل ثناؤه. وجائز أن تكون المبدلة أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أي ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل. . ويؤيد ما قاله ابن جرير وغيره في اختيار الذات ما رواه ابن مسعود في الحديث المتقدم الذي رواه الحاكم وصححه، وما هو ظاهر الأحاديث. وأرض المحشر تتصف بعدة صفات: فعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر

стр. 17538

الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد (١)». قال عياض: " المراد أنها ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات، كالجبل والصخرة البارزة. وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة بها " (٢). . وقال أبو محمد بن أبي جمرة: " فيه دليل على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة ليكون السامع على بصيرة فيخلص نفسه من ذلك الهول؛ لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة النفس وحملها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتة، وفيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجود جدا، والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه سبحانه على عباده

стр. 17539

المؤمنين على أرض تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده فناسب أن يكون المحل خالصا له وحده. انتهى ملخصا " (١). وعن مكان الناس عند تبديل الأرض والسماوات بغيرها، «سألت أم المؤمنين عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن قوله : فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: " على الصراط (٣)». وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: «كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: سل. فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : هم في الظلمة (٦)؟. قال: فقراء

стр. 17540

المهاجرين. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟. قال: زيادة كبد النون. قال: فما غذاؤهم على أثرها؟. قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟. قال: من عين تسمى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: ينفعك إن حدثتك؟. قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد؟. قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : لقد سألني عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به». عن مجاهد قال: قال ابن عباس: «أتدري ما سعة جهنم؟. قلت: لا. قال: أجل والله ما تدري، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله:
следующие страницы →