وعن ابن عباس ﵄ قال: «مر يهودي بالنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : يا يهودي حدثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢)».
وهذه الأحاديث فيها الإخبار عن حال السماوات والأرض يوم القيامة بل عن حال المخلوقات جميعا، وعظم قدرته سبحانه ثم مآل المخلوقات، وما سيكون منه حيث يبدل الأرض غير الأرض والسماوات، كما ثبت ذلك في الأحاديث، وكما هو ظاهر الآية.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٣). قال: " أرض بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل فيها خطيئة، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا حتى يلجمهم العرق ".
وللعلماء في تبديل الأرض والسماء قولان:
القول الأول: تغير الصفات، قال ابن عباس ﵄: " تبدل الأرض يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها
стр. 17537
وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي، وتصير مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتبدل السماوات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها، وحاصله يغير كل عما هو عليه في الدنيا، وأنشد:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعلم
القول الثاني: تغير الذات، قال علي بن أبي طالب ﵁: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال ابن مسعود ﵁: تبدل الأرض أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة، لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة. وقال محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير: " تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه " (١). . قال ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض غير الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها، كما قال جل ثناؤه.
وجائز أن تكون المبدلة أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أي ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل. .
ويؤيد ما قاله ابن جرير وغيره في اختيار الذات ما رواه ابن مسعود في الحديث المتقدم الذي رواه الحاكم وصححه، وما هو ظاهر الأحاديث.
وأرض المحشر تتصف بعدة صفات:
فعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر
стр. 17538
الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد (١)».
قال عياض: " المراد أنها ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات، كالجبل والصخرة البارزة. وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة بها " (٢). .
وقال أبو محمد بن أبي جمرة: " فيه دليل على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة ليكون السامع على بصيرة فيخلص نفسه من ذلك الهول؛ لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة النفس وحملها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتة، وفيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجود جدا، والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه سبحانه على عباده
стр. 17539
المؤمنين على أرض تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده فناسب أن يكون المحل خالصا له وحده. انتهى ملخصا " (١).
وعن مكان الناس عند تبديل الأرض والسماوات بغيرها، «سألت أم المؤمنين عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن قوله : فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: " على الصراط (٣)».
وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: «كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: سل. فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : هم في الظلمة (٦)؟. قال: فقراء
стр. 17540
المهاجرين. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟. قال: زيادة كبد النون. قال: فما غذاؤهم على أثرها؟. قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟. قال: من عين تسمى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: ينفعك إن حدثتك؟. قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد؟. قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : لقد سألني عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به».
عن مجاهد قال: قال ابن عباس: «أتدري ما سعة جهنم؟. قلت: لا. قال: أجل والله ما تدري، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله:
стр. 17541
قال: قلت: فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟. قال: على جسر جهنم (٢)».
في الحديث الأول قال ﷺ عندما سئل عن الناس عندما تبدل الأرض غير الأرض والسماوات قال: «هم على الصراط». وفي الحديث الثاني، قال: «هم في الظلمة دون الجسر (٣)». وفي الحديث الثالث، قال: «على جسر جهنم (٤)». والمراد في هذا كله أو غيره هو الصراط. أي أن الناس يكونون على الصراط المنصوب على متن جهنم حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات. والله أعلم.
стр. 17542
سادسا: " الوقوف على أرض المحشر "
الوقوف للحساب حقيقة يجب الإيمان بها، وذلك بجمع الخلائق على اختلافهم في صعيد واحد ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (١) ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (٢) أي على أرض المحشر. قال الله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٣). يأتي الخلائق من كل حدب وصوب من الأرض للموقف، والملائكة يتنزلون من السماء لهذا الأمر، فعن ابن عباس ﵄ أنه قرأ ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ (٤) قال تشقق سماء الدنيا، وتنزل الملائكة على كل سماء، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا، فيقولون: لا، ثم ينزل أهل السماء الثانية وسماء الدنيا وأهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا. ثم ينزل أهل السماء الرابعة وهم أكثر من أهل السماء الثالثة والثانية والدنيا وأهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا. ثم ينزل أهل السماء الخامسة وهم أكثر من أهل السماء الرابعة والثالثة والثانية والدنيا وأهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم ينزل أهل السماء السادسة وهم أكثر من أهل السماء الخامسة والرابعة والثالثة والثانية والدنيا وأهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم ينزل أهل السماء السابعة وهم أكثر من أهل السادسة والخامسة والرابعة والثالثة والثانية
стр. 17543
والدنيا وأهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم ينزل الكروبيون وهم أكثر من أهل السماوات السبع والأرضين وحملة العرش، لهم قرون كعوب (١) ككعوب القنا (٢) ما بين قدم أحدهم كذا وكذا، ومن أخمص قدمه إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة، ومن ركبته إلى أرنبته (٣) مسيرة خمسمائة عام، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام تقف الخلائق على أرض المحشر ينتظرون وصول الرب الكريم لفصل القضاء بينهم، ليذهب كل إلى داره وما أعده الله له في ذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: (يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم، يغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنه) (٥).
стр. 17544
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «أتي رسول الله ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع فأكله وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون (٢)». وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي (٣)». إنهم لا يستطيعون في الأرض هربا، ولا يجدون من القول جدلا، استسلموا لما في الدنيا، قد وعدوا وما في ساعتهم قد وجدوا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ (٤).
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: " أي لا يستطيعون هربا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (٥) أي بأمر الله ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (٦) ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ (٧) ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (٨) " (٩).
стр. 17545
قال الحكمي -رحمه الله تعالى- (١):
ويجمع الخلق ليوم الفصل ... جميعهم علويهم والسفلي
في موقف يجل فيه الخطب ... ويعظم الهول به والكرب
وأحضروا للعرض والحساب ... وانقطعت علائق الأنساب
وارتكمت سحائب الأهوال ... وانعجم البليغ في المقال
وعنت الوجوه للقيوم ... واقتص من ذي الظلم للمظلوم
كلهم في الموقف على حسب أعمالهم، لا على حسب ما كانوا عليه من الملك والسلطان والغنى والجاه، ذهبت الدنيا وما فيها، نزع الملك عن ملوك الأرض، وذهب الكبر والتجبر، كل يتطلع إلى ما سيكون من أمره، وما هم فيه من الهول العظيم والفزع الأكبر، والجن والملائكة والوحوش والدواب والطير، كل المخلوقات في الأمر سواء، ينتظرون ماذا سيحل بهم.
ولكن يا لهول مطلع الشمس التي تقترب من الرءوس؛ لتميز الخبيث من الطيب بإذاقته، وإلجامه بالعرق.
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) قال: «يوم يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه (٣)». فمن شدة حرارة الشمس لدنوها من الخلائق وكثرة الخلائق يكثر العرق وحتى يذهب في الأرض سبعين ذراعا. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين
стр. 17546
ذراعا (٢)». وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم (٤)» يشك ثور أيهما قال، وفي هذا الحديث دلالة على أن العرق يذهب في الأرض أكثر من سبعين ذراعا، كما جاء في الحديث السابق، وذلك لكثرته، ولدنو الشمس، ولغلبة عدد الكفار على عدد المسلمين، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: " ظاهر الحديث تعميم للناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة للكفار.
وعن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين. قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون
стр. 17547
إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. قال: وأشار رسول الله ﷺ إلى فيه (١)».
وليس المراد أن أهل الحشر يقعون جميعا في العرق ويلجمهم ذلك، بل كل على قدر عمله في الدنيا، وما جاء في حديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄ مجمل، فصله حديث المقداد بن الأسود ﵁ المتقدم، وهناك من لم يقع له شيء، ولم يتأثر بشيء من حرارة الشمس لحفظ الله تعالى له بسبب منهجه الحسن في دنياه.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (٢)».
فهؤلاء أصناف سبعة من الناس يقيهم الله شر ذلك اليوم العظيم وأهوآله، وذلك بظلهم في ظل عرشه يوم لا ملجأ من شر ذلك اليوم وأهوآله إلا من تعامل مع الله، وتاجر معه بالأعمال الصالحة والقربات الصادقة، فأمنه في ذلك الموقف، فالمؤمنون يخفف الله عليهم ذلك الموقف ويحاسبون حسابا يسيرا.
стр. 17548
سابعا: " الشفاعة العظمى "
الشفاعة العظمى مما اختص الله سبحانه به نبينا محمدا ﷺ كما بين الله تعالى ذلك في محكم التنزيل فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) قال ابن جرير: وعسى من الله واجبة، وإنما وجه قول أهل العلم: عسى من الله واجبة؛ لعلم المؤمنين أن الله لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على أعمالهم والعوض على طاعتهم إياه ليس من صفته الغرور، ولا شك أنه قد أطمع من قال ذلك له في نفعه إذا هو تعاهده ولزمه، فإنه لزم المقول له ذلك وتعاهده ثم لم ينفعه، ولا سبب يحول بينه وبين نفعه إياه مع الإطماع الذي تقدم منه لصاحبه على تعاهده إياه ولزومه فإنه لصاحبه غار بما كان من إخلافه إياه فيما كان أطمعه فيه بقوله الذي قال له. وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون جل ثناؤه من صفته الغرور لعباده صح ووجب أن كل ما أطمعهم فيه من طمع على طاعته، أو على فعل من الأفعال، أو أمر أو نهي أمرهم به، أو نهاهم عنه فإنه موف لهم به. وإنه منه كالعدة التي لا يخلف الوفاء بها، قالوا: عسى ولعل من الله واجبة. وتأويل الكلام أقم الصلاة المفروضة يا محمد في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتهجد فرضا فرضته عليك، لعل ربك أن يبعثك يوم القيامة مقاما تقوم فيه محمودا تحمده، وتغبط فيه. ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: " ذلك هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم " (٢).
стр. 17549
عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (١)»، والمراد بالشفاعة هنا: العظمى.
وعن ابن عمر ﵄ قال: " إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " (٢) قال ابن حجر: " وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة، ودل عليها قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣) والجمهور على أن المراد الشفاعة.
نعم إن المقام المحمود هو الشفاعة التي يحمد عليها ﷺ من الخلق، وإن أعظم ذلك ما هو ظاهر في حقيقته وفي عظم شأنه، وهو الشفاعة العظمى التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل عندما تطلب منهم من الأمم في أن يشفعوا لهم إلى ربهم ليريحهم من هول وعظيم ما هم فيه، ويكون لها ﷺ ، كما جاءت الأحاديث مصرحة بذلك. عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتي
стр. 17550
رسول الله ﷺ يوما بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، نفسي؛ نفسي؛ اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ ، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟
стр. 17551
فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﷺ فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي العرش فأقع ساجدا لربي
стр. 17552
ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد: ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقال: يا محمد: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصارع الجنة لكما بين مكة وهجر (٢)».
كل الأحاديث الواردة في الشفاعة في الموقف في مبدئها استشفاع الناس بالأنبياء لفصل القضاء وإراحتهم من شدة وهول الموقف، ويحولهم كل نبي إلى آخر، وحتى يصلوا إلى محمد ﷺ ويطلبوا منه ذلك، فيسجد تحت العرش ويفتح الله عليه ويلهمه من محامد الرب وحسن الثناء عليه، ثم يقال له ارفع رأسك ويأذن الله له في الشفاعة، ويقبل منه ذلك، ولا شك أن أول ما يشفع فيه هو الأمر العظيم الذي من أجله سجد واستأذن ربه فيه، ولكن ما وقع في نهاية الروايات أنه يقول ﷺ : «يا رب أمتي، أمتي (٣)». قد أشكل على العلماء، فنذكر أقوال بعضهم وتوجيهاته لهذا الإشكال:
قال القاضي عياض: وجاء في حديث أنس وحديث أبي هريرة ابتداء
стр. 17553
النبي ﷺ بعد سجوده وحمده والإذن له في الشفاعة بقوله: «أمتي، أمتي (١)» وقد جاء في حديث حذيفة. . . قال: «فيأتون محمدا ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولهم كالبرق (٢)» وساق الحديث. وبهذا يتصل الحديث؛ لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها، وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته ﷺ وفي المذنبين، وحلت الشفاعة للأنبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم، كما جاء في الأحاديث الأخر.
وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤية وحشر الناس أتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط، فيحتمل أن الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف وهو أول المقام المحمود، وأن الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث، وأنها لنبينا محمد ﷺ ولغيره، كما نص عليه في الأحاديث، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار، وبهذا تجتمع متون الحديث وتترتب معانيها إن شاء الله تعالى (٣) ".
وقال القرطبي بعد أن ساق حديث الشفاعة: " هذه الشفاعة العامة التي خص بها نبينا محمد ﷺ من بين سائر الأنبياء هي المرادة بقوله ﵊ «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي (٤)». وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي ليعجل حسابهم ويراحوا من هول الموقف وهي الخاصة به ﷺ وقوله:
стр. 17554
«أقول يا رب أمتي أمتي (١)» اهتمام بأمر أمته وإظهار محبته فيهم وشفقته عليهم. وقوله: «فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه (٢)»، يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، وكان طلب هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه ﷺ المحمود الذي وعده ولذلك قال كل نبي: لست لها، حتى انتهى الأمر إلى محمد ﷺ فقال: «أنا لها (٣)» (٤).
وقال ابن أبي العز: " والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى في مأتى الرب لفصل القضاء، كما ورد في حديث الصور؛ فإنه المقصود في هذا المقام ومقتضى سياق أول الحديث فإن الناس يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار، وكان مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث (٥) ". وهناك أقوال كثيرة حول حديث الشفاعة، وقد اخترنا هذه الأقوال لأمور حول هذا الحديث:
١ - توجيه الأحاديث كما بينه القاضي، فيكون أول ما يشفع فيه ﷺ في أهل الموقف لإراحتهم من هول ما هم فيه.
стр. 17555
٢ - الدلالة من ظاهر الحديث أن شفاعته ﷺ الأولى في أهل الموقف ليعجل الرب حسابهم، ويراحوا من هول الموقف - ظاهر من قوله ﷺ ، كما استنتجه القرطبي:
(أ) عندما يعتذر كل نبي " لست لها لست لها " حتى انتهى الأمر إلى محمد ﷺ فقال: «أنا لها (١)». أي من مقتضى سياق أول الحديث.
(ب) قوله: «فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه (٢)» يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم.
(جـ) قوله ﷺ : «أمتي أمتي (٣)» اهتمام بأمر أمته، وإظهار محبته فيهم وشفقته عليهم.
٣ - أمر الشفاعة العظمى واضح من مقتضى سياق أول الحديث، ومقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث - هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث. كما ارتآه ابن أبي العز. فنكون بهذا وقفنا إن شاء الله تعالى على ثبوت شفاعته ﷺ بادئ ذي بدء في أهل الموقف، ليحكم بينهم وإراحتهم من هول الموقف وشدة ما هم فيه.
стр. 17556
ثامنا " مجيء الرب والملائكة "
عندما يجتمع الخلق جميعهم على أرض المحشر، ويبقون ما شاء الله تعالى وقوفا في هول عظيم وأمر عصيب وشدة لا منتهى لها - وإن كان الأمر على الصالحين هين - يرغبون إلى الأنبياء في أن يستشفعوا لهم الرب سبحانه ليحكم بينهم ويريحهم من هول الموقف، ويشفع محمد ﷺ في ذلك إلى ربه تعالى، ينزل لفصل القضاء.
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١).
والمراد هنا بالإتيان في الآية هو مجيء ذاته للفصل بين عباده، وقد جاء هذا مصرحا به في آيات أخر؛ فقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٣). فهذه آيات صريحة في مجيء الرب وملائكته أهل السماوات كلهم يجيئون صفوفا. وليس الأمر ما ذكره أغلب المفسرين بأن المجيء هو أمره أو غير ذلك من التأويلات هروبا من إثبات صفة المجيء للرب .
стр. 17557
فعن أبي هريرة ﵁ قال: «قال أناس: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟. قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟. قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه (١)» الحديث. فصفة المجيء للرب من
стр. 17558
صفاته الثابتة بنص القرآن والسنة، ومجيئه لفصل القضاء لا شك فيه ولا يغالط فيه أو ينكره إلا من عميت بصيرته وتردى حاله، وحاد عن نهج الله القويم وصراطه المستقيم.
قال ابن كثير: " ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (١) يعني لفصل القضاء بين خلقه وذلك ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها (٢)» فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة (سبحان) فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون صفوفا صفوفا " (٣).
قال ابن جرير ﵀ بعد أن ذكر الأقوال في معنى الإتيان: فمعنى الكلام إذن: " هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة، والمتبعون خطوات الشيطان إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام فيقضي في أمرهم ما هو قاض " (٤). إذن فالرب يأتي - إتيانا يليق بجلاله وعظمته - إلى أرض المحشر، ومعه ملائكته الكرام صفوفا لفصل القضاء «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه (٥)» فيحكم سبحانه بين عباده حكما عدلا يظلم فيه أحدا مثقال ذرة إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ويكون الأمر له مثلما كان أولا يكون آخرا. ففي الدنيا كانت تجري الأحكام من
стр. 17559
الخلق على بعضهم فيكون فيها الصواب، ويكون فيها الخطأ، ويكون فيها العدل، ويكون فيها الظلم، ولكن في ذلك اليوم قد انتهت الدنيا وأحكامها، فلا حكم يومئذ إلا إليه سبحانه، فلا ظلم، ولا جور ولا خطأ ولا نسيان. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١) إليه ترجع الأمور.
стр. 17560
تاسعا: (مجيء جهنم أعاذنا الله منها)
في الموقف المهول المروع كثير الشدائد، ما شعر الخليقة إلا ومطلع مهيب يأتي إليهم، ألا إنه نار جنهم، تجر بأزمتها إلى أرض المحشر، ليرى المجرمون ما كانوا يوعدون وبه يكذبون، فعندما تخرج إليهم ويرونها يخرج منها عنق له عينان وأذنان ولسان يتكلم ويقول إنه موكل بثلاثة أصناف من الناس " كل جبار عنيد، وكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين " فلا هرب من ذلك ولا نجاة لمن كان من أولئك.
قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ (١) في يوم القيامة وعلى أرض المحشر عندما يؤتى بنار جهنم يتذكر العبد عمله في الدنيا، ولكن لا ينفعه تذكره ذلك. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام (٢) مع
стр. 17561
كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» وحينئذ يخرج منها ذلك العنق. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين (١)».
فهذه الصورة المفزعة من أهوال يوم القيامة التي تحصل على أرض المحشر - ليري الله سبحانه خلقه عظيم قدرته، فالجمادات تتكلم بأمر الله تعالى، فكذلك العنق من النار يتكلم، ويخبر بأن مهمته هو تعذيب الجبابرة العتاة، الحائدين عن الحق في الدنيا، الظالمين لأنفسهم ولغيرهم، وبالمشركين بالله تعالى، وبالمصورين الذين يضاهئون خلق الله تعالى. ولكل صنف من العصاة جزاء عند الله تعالى على صنيعه في الدنيا من الأعمال المخالفة لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، وكل يأخذ من العذاب على قدر معصيته، إلا أن يعفو سبحانه ويتجاوز، فهو أهل لذلك، وكل المعاصي تحت المشيئة، إن شاء عذب عليها وإن شاء غفر، إلا من مات على الشرك فالله لا يغفر له ذلك، كما أخبر تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).
стр. 17562
صفحة فارغة
стр. 17563
وسطية أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة بين الخوارج والمرجئة
إعداد الدكتور / عواد عبد الله المعتق (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فإنه من المعلوم أن الرسول ﷺ ترك المسلمين على المحجة البيضاء لكن نتيجة بعض العوامل داخل الدولة الإسلامية وخارجها حدث الخلاف بين المسلمين حول بعض المسائل، مثل مسألة مرتكب الكبيرة، فقد انقسم الناس فيها إلى خوارج أفرطت في الحكم، وإلى مرجئة فرطت في الحكم، وإلى متوسطين وهم أهل السنة والجماعة. ونظرا لأهمية بيان وسطية أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وانحراف الفرق المخالفة، فقد رأيت أن أكتب بحثا موجزا يتلخص في ما يلي: تمهيد: في التعريف بالكبيرة.
المبحث الأول: الذين أفرطوا في حكم مرتكب الكبيرة وهم الخوارج، ووافقهم المعتزلة في الحكم الأخروي.
المبحث الثاني: الذين فرطوا في حكم مرتكب الكبيرة وهم المرجئة.
المبحث الثالث: الذين توسطوا في حكم مرتكب الكبيرة وهم أهل السنة والجماعة.
وأخيرا أسأله تعالى الإعانة والتوفيق إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 17564
تمهيد: في تعريف الكبيرة .
الكبيرة في اللغة: مفرد كبيرات وكبائر، مؤنث الكبير، وهو: الإثم الكبير (١)، قال ابن منظور في اللسان: الكبيرة هي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعا لعظيم أمرها كالقتل والزنا والفرار من الزحف (٢).
الكبيرة في الاصطلاح: عرفت بتعاريف كثيرة منها: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكبيرة: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (٣).
وقال القرطبي: الكبيرة: هي كل ذنب عظم الشارع التوعد عليه بالعقاب وشدده أو عظم ضرره في الوجود (٤).
وقال ابن أبي العز - في شرحه للطحاوية -: اختلف العلماء في الكبائر على أقوال، فقيل: سبعة، وقيل: سبعة عشر. وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله، وقيل: ذهاب الأموال والأبدان، وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها. وقيل: لا تعلم أصلا. أو أنها أخفيت كليلة القدر. وقيل: إنها إلى السبعين أقرب. وقيل: كل ما نهي عنه فهو كبيرة. وقيل: إنها ما يترتب عليها حد، أو توعد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب. وهذا أمثل الأقوال. . .؛ لأنه يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، وقذف المحصنات. . وأمثال ذلك.
стр. 17565
ثم قال: وترجيح هذا القول من وجوه أحدها: أنه هو المأثور عن السلف كابن عباس وابن عيينة وابن حنبل ﵃ وغيرهم.
الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١).
فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله أو لعنته وناره، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر.
الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد متلقي من خطاب الشارع.
الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر بخلاف تلك الأقوال، فإن من قال: سبعة، أو سبعة عشر، أو إلى السبعين أقرب - مجرد دعوى. ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه - يقتضي أن شرب الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم، ونحو ذلك ليس من الكبائر وأن الحبة من مال اليتيم، والسرقة لها، والكذبة الواحدة الخفيفة، ونحو ذلك: من الكبائر، وهذا فاسد. ومن قال: ما سد باب المعرفة بالله، أو ذهاب الأموال والأبدان -: يقتضي أن شرب الخمر، وأكل الخنزير والميتة والدم وقذف المحصنات - ليس من الكبائر! وهذا فاسد ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة -: يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر. ومن قال: إنها لا تعلم أصلا، أو إنها مبهمة -: فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره والله أعلم.
стр. 17566
المبحث الأول: الذين أفرطوا في حكم مرتكب الكبيرة (وهم الخوارج)
أولا: في التعريف بالخوارج ونشأتهم:
(أ) في التعريف بالخوارج.
الخوارج: في اللغة: جمع خارج من الخروج وهو نقيض الدخول.
يقال: فلان خارج على الإمام الحق: أي لم يدخل في طاعته. ويقال فلان خارج عن الطريق: أي حائد عنه.
وقد اشتهر إطلاق هذا الاسم على الحرورية ومن سلك مسلكهم لخروجهم عن الناس (١).
الخوارج في الاصطلاح: هم كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان (٢).
والمراد هنا: طائفة مخصوصة كان أول خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
سموا خوارج لأنهم خرجوا على الإمام الحق علي ﵁، ولهم أسماء أخرى منها: المحكمة، والحرورية، والمارقة، والشراة، والقعدة، والنواصب.
стр. 17567
(ب): نشأتهم .
يرى المؤرخون بأن هذه الفرقة خرجت على الإمام علي ﵁ سنة ٣٧ هـ وأن السبب في ذلك هو حادثة التحكيم في حرب صفين.
وبيانها: أنه لما اشتد القتال في صفين بين جيش الإمام علي وجيش معاوية، وبدأت بوادر النصر تظهر في جيش علي ﵁، دعا معاوية عمرو بن العاص واستشاره في الموقف فأشار عليه بأن يأمر الجند برفع المصاحف على أسنة الرماح وأن ينادوا كتاب الله بيننا وبينكم ففعلوا ذلك.
على إثر ذلك جاء جماعة من قراء البصرة يتقدمهم مسعر بن فدكي والأشعث بن قيس، وأجبروا عليا على وقف القتال مهددين قائلين: " أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفان إنه غلبنا أن يعمل بما في كتاب الله والله لتفعلنها أو لنفعلها بك " فاضطر الإمام علي ﵁ إلى وقف القتال. وأرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية يسأله ما يريد برفع المصاحف. فشرح له مراده وهو أن يرسل كل منهما رجلا من عنده يرضاه لأن يكون حكما ويأخذوا عليهما المواثيق بأن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات، وأضاف معاوية أنه اختار عمرو بن العاص.
وتبنى الأشعث بن قيس هذا الاقتراح وخرج به يقرؤه على الناس حتى مر به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أذنية فقرأه عليهم. فقال عروة بن أذنية: أتحكمون في دين الله الرجال؟ وقد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل طوائف من أصحاب علي من القراء وقالوا: لا حكم إلا الله، وخرجوا من جيش الإمام علي وحدانا مستخفين واجتمعوا في حروراء وذلك احتجاجا على وقف القتال والركون إلى الصلح.
ثم لما اجتمع الحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وأعلنت
стр. 17568
نتائج التحكيم في رمضان من سنة ٣٧ هـ ترك سرا جمع كبير من جيش الإمام علي وخرجوا من الكوفة وفيهم عدد من القراء والتحقوا بالفئة الأولى عند النهروان وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي الأفردي واختاروا حرقوص بن زهير السعدي التميمي إماما للصلاة.
وهذا السبب هو أظهر الأسباب في نشأة الخوارج إلا أن هناك أسبابا أخرى هيأت لنشوء هذه الفرقة منها.
١ - النزعة المتشددة التي كانت تسود بعض المؤمنين البسطاء وخصوصا القراء هذه النزعة فتحت الطريق لنمو نزعات متطرفة في صفوفهم منها نزعة الخوارج.
٢ - كذلك من الأسباب في نشأة الخوارج: العصبية القبلية، والتناحر المتوارث بين القبائل العربية المختلفة، وقد كان جيش الإمام علي ﵁ يضم فئات مختلفة من ربيعة، ومضر، واليمانية، وكانت هذه الفئات يعز عليها أن تكون الصدارة لبعضها دون بعض، فكان لذلك أثره في وقع في صفين ثم في نشوء الخوارج.
٣ - كذلك من الأسباب - كما يراه البعض - أن زعماء الخوارج الأول أو بعضا منهم على الأقل كانوا يعارضون ولاية عثمان ﵁ واشتركوا في المسئولية في مقتل عثمان بل فاخروا بذلك، لذلك كانوا يتخوفون من انقطاع الحرب وعقد الصلح؛ مخافة أن يعاقبوا على اشتراكهم في مقتل عثمان. فكانوا سببا في العمل من أجل الدعوة إلى الحرب واستمرارها.
стр. 17569
ثانيا: رأي الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة مع المناقشة
(أ) رأي الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة.
اختلف في هذه المسألة - فقال بعض كتاب الفرق كالكعبي (١)، والشهرستاني (٢)، والرازي (٣) إن الخوارج يجمعون على تكفير مرتكب الكبيرة، وأنه مخلد في النار.
وقال بعضهم: كالأشعري (٤)، والبغدادي (٥) - إن هذه المسألة لم يجمعوا عليها وهو الأظهر (٦) - فقد قالت الإباضية: إن مرتكبي الكبائر موحدون لا مؤمنون لذا مناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، لأنهم إنما كفروا كفر نعمة لا كفر ملة (٧) كذلك النجدات (٨) قالوا: الفاسق من موافقيهم كافر كفر نعمة (٩).
أما المحكمة (١٠) الأولى، والأزارقة (١١)، والعجاردة (١٢)، ومن وافقهم،
стр. 17570
فقد قرروا: أن مرتكب الكبيرة من أمة محمد ﷺ كافر مخلد في النار (١).
وقد وافقهم المعتزلة في الحكم الأخروي حيث قالوا: إن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار. إلا أنهم قالوا بأن عذابه أخف من عذاب الكافر (٢).
стр. 17571
(ب) شبهاتهم والجواب عليها .
لقد تمسك الخوارج ومن وافقهم في قولهم بهذه البدعة بشبهات منها ما يلي:
الشبهة الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
وجه الدلالة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية وقالوا: صاحب الكبيرة ليس من المتقين فلا يتقبل الله منه عملا، فلا يكون له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق الخلود في النار " (٢).
الجواب: قال شيخ الإسلام _ بعد أن أورد بعض الأجوبة على هذه
стр. 17572
الشبهة قال: والجواب الصحيح أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) قال: أخلصه وأصوبه. قيل يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة فمن عمل لغير الله - كأهل الرياء - لم يقبل منه ذلك كما في الحديث الصحيح يقول الله : «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٢)»، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» أي فهو مردود غير مقبول. فمن اتقى الكفر وعمل عملا ليس عليه أمر النبي ﷺ لم يقبل منه كمن صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقيا في ذلك العمل وإن كان متقيا للشرك. . إلى أن قال: لا يجوز أن يراد بالآية إن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها؛ لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيا، فلو كان قبول العمل مشروطا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة. بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير لم يخلص من الذنب بل هو متق في حال تخلصه منه.
وأيضا فلو أتى الإنسان بأعمال البر - وهو مصر على كبيرة ثم تاب
стр. 17573
لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة وتقبل منه تلك الحسنات - وهو حين أتى بها كان فاسقا وأيضا: الكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم. . وكذلك الذمي إذا أسلم - قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه؛ فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش. . بل يكون مع إسلامه مخلدا.
وقد كان الناس مسلمين في عهد رسول الله ﷺ ولهم ذنوب وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم. . ولا نعرف أحدا من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة وغيرهما (١).
فإذا كان المراد بالمتقين في ذلك العمل الذي وعد بقبوله لم يلزم عدم قبول العمل من صاحب الكبيرة وبذلك يبطل الاستدلال بالآية على تخليد صاحب الكبيرة في النار. والله أعلم.
стр. 17574
الشبهة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١).
وجه الدلالة: قالوا: والفاسق تحيط به جهنم فوجب أن يكون كافرا (٢).
الجواب: نقول: إن الآية تؤكد بأن جهنم محيطة بالكافرين وهو من أنواع عذاب الله لهم لكنها لم تقصر الإحاطة بهم؛ إذ أنه سبحانه لم يقل: وإن جهنم لا تحيط إلا بالكافرين وليس يلزم من كونها محيطة بقوم إلا تحيط بقوم سواهم، أي لا يلزم من كونها محيطة بالكافرين إلا تحيط بالفاسقين وعليه فلا دلالة في الآية على ما يزعمونه (٣). والله أعلم.
стр. 17575
الشبهة الثالثة: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١).
وجه الدلالة: قالوا: إن هذا يقتضي أن من لا يكون مؤمنا فهو كافر والفاسق ليس بمؤمن فوجب أن يكون كافرا (٢).
الجواب: يقال لهم: أولا: أما قولكم الفاسق ليس بمؤمن، إن أردتم ليس بمؤمن كامل الإيمان فنحن نوافقكم على ذلك، وإن أردتم نفي الإيمان المطلق فهذا مردود بل هو مؤمن ناقص الإيمان، وكونه مؤمنا ناقص الإيمان لا ينافي نسبته إلى الفئة المؤمنة بدليل أن الله نسبه إلى المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣) الآية وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآية على ما تزعمونه.
ثانيا: على التسليم بأن الفاسق لا ينسب إلى الفئة المؤمنة فإن (من) هاهنا للتبعيض، وليس في ذكر التبعيض نفي الثالث، وهو الفاسق: المؤمن بإيمانه الفاسق بكبيرته، أو المؤمن ناقص الإيمان.
كما أن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٤) الآية لا ينبغي وجود دابة تمشي على أكثر من أربع كبعض الحشرات (٥). وبذلك يبطل استدلالكم بالآية على تكفير الفاسق. والله أعلم.