← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (١)». وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين لفظا ومعنى، أما اللفظ فلقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) وهذا خطاب للمؤمنين فكل ما كان من أيمانهم فهو داخل في هذا. والحلف بالمخلوقات شرك لقول النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك (٤)» رواه أهل السنن أبو داود وغيره، فلا تدخل هذه في أيمان المسلمين، وأما ما عقده بالله والله فهو من أيمان المسلمين فيدخل في ذلك، ولهذا لو قال: أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني ونوى دخول الطلاق والعتاق دخل في ذلك كما ذكر ذلك الفقهاء، ولا أعلم فيها نزاعا، ولا يدخل في ذلك الحلف بالكعبة وغيرها من المخلوقات، وإذا كانت من أيمان المسلمين تناولها الخطاب. وأما من جهة المعنى فهو أن الله فرض الكفارة في أيمان المسلمين لئلا تكون اليمين موجبة عليهم ومحرمة عليهم، لا مخرج لهم كما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن تشرع الكفارة لم يكن للحالف مخرج إلا الوفاء باليمين فلو كان من الأيمان ما لا كفارة فيه كانت المفسدة موجودة. وأيضا فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٥) نهاهم الله أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم من فعل ما أمر به لئلا يمتنعوا عن طاعته باليمين التي حلفوها فلو كان في الأيمان ما ينعقد ولا كفارة فيه لكان ذلك مانعا لهم من طاعة الله إذا حلفوا به. وأيضا فقد قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ (٧) " والإيلاء " هو الحلف والقسم، والمراد بالإيلاء هنا أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته، وهو إذا حلف بما عقده بالله كان موليا، وإن حلف بما عقد لله كالحلف بالنذر والظهار والطلاق والعتاق كان موليا عند جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي في قوله: الجديد وأحمد. ومن العلماء من لم يذكر في هذه المسألة نزاعا كابن المنذر وغيره، وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء، والله قد جعل المولي بين خيرتين إما أن يفيء وإما أن يطلق، والفيئة هي الوطء خير بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، فإن فاء فوطئها حصل

стр. 2242

مقصودها، وقد أمسك بمعروف، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ومغفرته ورحمته للمولي توجب رفع الإثم عنه وإبقاء امرأته، ولا تسقط الكفارة، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) فبين أنه غفور رحيم بما فرضه من تحلة الأيمان، حيث رحم عباده بما فرضه لهم من الكفارة، وغفر لهم بذلك نقضهم لليمين التي عقدها فإن موجب العقد الوفاء لولا ما فرضه من التحلة التي جعلها تحل عقدة اليمين وإن كان المولي لا يفيء، بل قد عزم على الطلاق فإن الله سميع عليم فحكم المولي في كتاب الله أنه إما أن يفيء وإما أن يعزم الطلاق فإن فاء فإن الله غفور رحيم لا يقع به الطلاق، وهذا متفق عليه في اليمين بالله تعالى. وأما اليمين بالطلاق فمن قال: إنه يقع به الطلاق فلا يكفر، فإنه يقول إن المولي بالطلاق وقع به الطلاق، وإن عزم الطلاق فأوقعه وقع به الطلاق، فالطلاق على قوله: لازم سواء أمسك بمعروف أو سرح بإحسان، والقرآن يدل على أن المولي مخير: إما أن يفيء وإما أن يطلق فإذا فاء لم يلزمه الطلاق، بل عليه كفارة الحنث إذا قيل بأن الحلف بالطلاق فيه الكفارة، فإن المولي بالحلف بالله إذا فاء لزمته كفارة الحنث عند جمهور العلماء، وفيه قول شاذ أنه لا شيء عليه بحال، وقول الجمهور أصح، فإن الله بين في كتابه كفارة اليمين في سورة المائدة، وقال النبي ﷺ «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ويكفر عن يمينه (٤)». فإن قيل: المولي بالطلاق إذا فاء غفر الله ما تقدم من تأخير الوطء للزوجة وإن وقع به الطلاق ورحمه بذلك. قيل: هذا لا يصح فإن أحد قولي العلماء القائلين بهذا الأصل أن الحالف بالطلاق ثلاثا أن لا يطأ امرأته لا يجوز له وطؤها بحال، فإنه إذا أولج حنث، وكان النزع في أجنبية، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد وأحد القولين في مذهب مالك. والثاني يجوز له وطأة واحدة ينزع عقبها وتحرم بها عليه امرأته، ومعلوم أن الإيلاء إنما كان لحق المرأة في الوطء، والمرأة لا تختار وطأة يقع بها الطلاق الثلاث عقبها إلا إذا كانت كارهة له فلا يحصل مقصودها بهذه الفيئة. وأيضا فإنه على هذا التقدير لا فائدة في التأجيل، بل تعجيل الطلاق أحب إليها لتقضي العدة لتباح لغيره، فإن كان لا بد لها من الطلاق على التقديرين كان التأجيل ضررا محضا لها، وهذا خلاف مقصود الإيلاء الذي شرع لنفع المرأة لا لضرها.

стр. 2243

وما ذكرته من النصوص قد استدل به الصحابة وغيرهم من العلماء في هذا الجنس فأفتوا من حلف فقال: إن فعلت كذا فمالي هدي، وعبيدي أحرار، ونحو ذلك بأن يكفر عن يمينه، فجعلوا هذا يمينا مكفرة، وكذلك غير واحد من علماء السلف والخلف جعلوا هذا متناولا للحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك من الأيمان، وجعلوا كل يمين يحلف بها الحالف ففيها كفارة يمين وإن عظمت، وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا الضرب فيه شبه من النذر والطلاق والعتاق وشبه من الأيمان وليس كذلك بل هذه أيمان محضة. وأئمة الفقهاء الذين اتبعوا الصحابة بينوا أن هذه أيمان محضة كما قرر الشافعي وأحمد وغيرهما في الحلف بالنذر، لكن هي أيمان علق الحنث فيها على شيئين: أحدهما: فعل المحلوف عليه. والثاني: عدم إيقاع المحلوف به. فقول القائل: إن فعلت كذا فعلي الحج هذا العام بمنزلة قوله: والله إن فعلت كذا لأحجن هذا العام، وهو لو قال ذلك لم يلزمه كفارة إلا إذا فعل ولم يحج ذلك العام، كذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أحج هذا العام إنما تلزمه الكفارة إذا فعله ولم يحج ذلك العام، وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق عبيدي أو أطلق امرأتي فإنه لا تلزمه الكفارة إلا إذا فعله ولم يطلق ولم يعتق، ولو قال: والله إن فعلت كذا فوالله لأطلقن امرأتي ولأعتقن عبيدي، وكذلك إذا قال إن فعلت كذا فامرأتي طالق وعبدي حر وهو بمنزلة قوله: والله إن فعلت كذا ليقعن بي الطلاق والعتاق، ولأوقعن الطلاق والعتاق وهو إذا فعله لم تلزمه الكفارة إلا إذا لم يقع به الطلاق والعتاق وإذا لم يوقعه لم يقع؛ لأنه لم يوجد شرط الحنث؛ لأن الحنث معلق بشرطين والمعلق بالشرط قد يكون وجوبا، وقد يكون وقوعا، فإذا قال: إن فعلت كذا فعلي صوم شهر فالمعلق وجوب الصوم، وإذا قال فعبدي حر وامرأتي طالق فالمعلق وقوع العتاق والطلاق وقد تقدم أن الرجل المعلق إن كان قصده وقوع الجزاء عند الشرط وقع، كما إذا كان قصده أن يطلقها إذا برأته من الصداق فقال إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق فهاهنا إذا وجدت الصفة وقع الطلاق. وأما إذا كان قصده الحلف وهو يكره وقوع الجزاء عند الشرط فهذا حالف كما لو قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا. وأما قول القائل: إنه التزم الطلاق عند الشرط فيلزمه فهذا باطل من أوجه: أحدها: أن الحالف بالكفر والإسلام كقوله: - إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، وقول الذمي إن فعلت كذا فأنا مسلم - هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط، ولا يلزمه ذلك بالاتفاق لأنه لم يقصد وقوعه عند الشرط، بل قصد الحلف به، وهذا المعنى موجود في سائر أنواع الحلف بصيغة التعليق.

стр. 2244

الثاني: أنه إذا قال - إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي لم يلزمه أن يطلقها بالاتفاق إذا فعله. الثالث: أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين. أحدهما: أن يكون الملتزم قربة. والثاني: أن يكون قصده التقرب إلى الله به لا الحلف به فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة والأكل والشرب لم يلزمه. بل تجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد، وآخر الروايتين عن أبي حنيفة وقول المحققين من أصحاب مالك. وهنا الحالف بالطلاق هو التزم وقوعه على وجه اليمين، وهو يكره وقوعه إذا وجد الشرط، كما يكره وقوع الكفر إذا حلف به، وكما يكره وجوب تلك العبادات إذا حلف بها. وأما قول القائل: إن هذا حالف بغير الله فلا يلزمه كفارة. فيقال: النص ورد فيمن حلف بالمخلوقات، ولهذا جعله شركا؛ لأنه عقد اليمين بغير الله، فمن عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله، ولهذا كان النذر أبلغ من اليمين، فوجوب الكفارة فيما عقده لله أولى من وجوبها فيما عقده بالله.

стр. 2245

١٣ - وقال أيضا (١) فصل في التفريق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والتعليق الذي يقصد به اليمين . فالأول: أن يكون مريدا للجزاء عند الشرط، وإن كان الشرط مكروها له، لكنه إذا وجد الشرط فإنه يريد الطلاق، لكون الشرط أكره إليه من الطلاق فإنه وإن كان يكره طلاقها ويكره الشرط، لكن إذا وجد الشرط فإنه يختار طلاقها: مثل أن يكون كارها للتزوج بامرأة بغي أو فاجرة أو خائنة أو هو لا يختار طلاقها، لكن إذا فعلت هذه الأمور اختار طلاقها فيقول إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق ومراده إذا فعلت ذلك أن يطلقها: إما عقوبة لها، وإما كراهة لمقامه معها على هذا الحال فهذا موقع للطلاق عند الصفة لا حالف، ووقوع الطلاق في مثل هذا هو المأثور عن الصحابة كابن مسعود وابن عمر، وعن التابعين وسائر العلماء وما علمت أحدا من السلف قال في مثل هذا أنه لا يقع به الطلاق ولكن نازع في ذلك طائفة من الشيعة، وطائفة من الظاهرية وهذا ليس بحالف، ولا يدخل في لفظ اليمين المكفرة الواردة في الكتاب والسنة، ولكن من الناس من سمى هذا حالفا كما أن منهم من يسمي كل معلق حالفا ومن الناس من يسمي كل منجز للطلاق حالفا، وهذه الاصطلاحات الثلاثة ليس لها أصل في اللغة ولا في كلام الشارع، ولا كلام الصحابة وإنما سمي ذلك يمينا لما بينه وبين اليمين من القدر المشترك عند المسمى وهو ظنه وقوع الطلاق عند الصفة.

стр. 2246

وأما التعليق الذي يقصد به اليمين فيمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم بخلاف النوع الأول فإنه لا يمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم، وهذا القسم إذا ذكره بصيغة الجزاء فإنما يكون إذا كان كارها للجزاء، أو هو أكره إليه من الشرط، فيكون كارها للشرط، وهو للجزاء أكره، ويلتزم أعظم المكروهين عنده ليمتنع به من أوفى المكروهين، فيقول إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو عبيدي أحرارا أو علي الحج، ونحو ذلك، أو يقول لامرأته إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق بقصد زجرها أو تخويفها باليمين لإيقاع الطلاق إذا فعلت لأنه يكون مريدا لها، وإن فعلت ذلك لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال، فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع، لا لقصد الإيقاع، فهذا حالف ليس بموقع وهذا هو الحالف في الكتاب والسنة، وهو الذي تجزئه الكفارة، والناس يحلفون بصيغة القسم، وقد يحلفون بصيغة الشرط التي في معناها فإن علم هذا وهذا سواء باتفاق العلماء. ١٤ - وقال أيضا (١) إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل للمسلمين يحرم علي إن فعلت كذا، أو نحو ذلك وله زوجة ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف، ولكن القول الراجح أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق، ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق، وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه، حتى لو قال: أنت علي حرام ونوى به الطلاق لم يقع عنده، ولو قال: أنت علي كظهر أمي وقصد به الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك أنزل الله القرآن فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا، والإيلاء طلاقا، فرفع الله ذلك كله وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر- فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، كذلك قال كثير من السلف والخلف- إنه إذا كان متزوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا، وهذا مذهب أحمد، وإذا حلف بالظهار والحرام لا يفعل شيئا وحنث في يمينه أجزأته الكفارة في مذهبه، لكن قيل إن الواجب كفارة ظهار، سواء حلف أو أوقع وهو المنقول عن أحمد، وقيل بل إن حلف أجزأه كفارة يمين وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار وهذا أقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره كالحلف بالحرام يجزيه كفارة يمين، كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة، كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة والتابعين، وكذلك الحلف بالطلاق يجزئ فيه كفارة يمين كما أفتى به جماعة من السلف والخلف، والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك بل معناه يوافقه فكل يمين يحلف بها المسلمون في أيمانهم ففيها كفارة يمين كما دل عليه الكتاب والسنة، وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن يظاهر، فهذا يلزمه ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا ولا يجزئه كفارة يمين. ١٥ - وقال ابن القيم (٢): ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء إن قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما

стр. 2247

في صحيح البخاري عن نافع قال طلق رجل امرأته ألبتة إن خرجت فقال ابن عمر إن خرجت فقد بانت منه وإن لم تخرج فليس بشيء، فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من يفصل بين القسم المحض، والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالأثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب، فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور، وقد صح عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتوا به من النوعين ولا يؤخذ ببعض فتاويهم، ولا يترك بعضها. فأما الوقوع، فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر، وما رواه الثوري عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن ابن مسعود ﵁ في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته قال: هي واحدة وهو أحق بها على أنه منقطع (١) وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته هي طالق إلى سنة قال: يستمتع بها إلى سنة، ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر فقال إن عدت سألتيني فأنت طالق. . فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق، وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما. قال الأثرم في سننه: ثنا عارم بن الفضل، ثنا معمر بن سليمان، قال قال أبي ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال: فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت: في البيت هاروت وماروت؟! فقالت: يا زينب جعلني الله فداك إنها قالت إن كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقالت: يهودية ونصرانية؟! خلي بين الرجل وامرأته قال: فأتيت حفصة أم المؤمنين - فأرسلت إليها فأتتها فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله فداك إنها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقالت: يهودية ونصرانية؟! خلى بين الرجل وامرأته قال فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معي إليها فقام معي على الباب فسلم فقالت: بأبي أنت وبأبي أبوك فقال أمن حجارة أنت أم من حديد أنت أم أي شيء؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك أنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقال: يهودية ونصرانية؟! كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في المترجم له: ثنا صفوان بن صالح، ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال حدثني جسر بن الحسن قال حدثني بكر بن عبد الله المزني قال حدثني رفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار فحلفت بالهدي والعتاق أن تفرق بيننا فأتيت امرأة من أزواج النبي ﷺ فذكرت لها ذلك فأرسلت إليها أن كفري عن يمينك. فأبت، فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له، فأرسل إليها ابن عمر أن كفري عن يمينك فأبت فقام ابن عمر فأتاها، فقال أرسلت إليك فلانة زوجة النبي ﷺ وزينب أن تكفري عن يمينك فأبيت قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفت بالهدي، والعتاقة قال وإن كنت قد حلفت بهما.

стр. 2248

وقال الدارقطني: ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن مولاة له أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃ فكلهم قالوا لها أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت فأمروها أن تكفر عن يمينها، وتخلي بينهما، وقد رواه البيهقي من طريق الأنصاري، ثنا أشعث، ثنا بكر عن أبي رافع، أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة فكلهم قالوا لها أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. رواه روح والأنصاري واللفظ له، وحديث روح مختصر. وقال النضر بن شميل: ثنا أشعث، عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفر يمينها، وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العجماء مولاته قالت هي يهودية وهي نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي إن لم يطلق امرأته إن لم تفرق بينهما فذكر القصة، وقال: فأتيت ابن عمر، فجاء معي، فقام بالباب، فلما سلم قالت بأبي أنت وأبوك، قال أمن حجارة أنت أم من حديد؟ أفتتك زينب وأرسلت إليك حفصة قالت: قد حلفت بكذا وكذا. قال: كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته. فقد تبين بسياق هذه الطرق انتفاء العلة التي أعل بها حديث ليلى هذا وهي تفرد التيمي فيه بذكر العتق كذا، قال الإمام أحمد: لم يقل وكل مملوك لها حر إلا التيمي وبرئ التيمي من عهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته. فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء: حلفت بكذا وكذا وكل مملوك لها حر، فأفتيت بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمان، فقال أما الجارية فتعتق. قلت يريد بهما ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر قال: حلفت امرأة من آل ذي أصبح فقالت: ما لها في سبيل الله وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا لشيء يكرهه زوجها فحلف زوجها أن لا تفعله، فسأل عن ذلك ابن عباس وابن عمر فقالا: أما الجارية فتعتق وأما قولها مالي في سبيل الله فتتصدق بزكاة مالها، فقيل: لا ريب قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك ولكنه أثر معلول تفرد به عثمان. هذا وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادا وأصح من حديث عثمان فإن رواته حفاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان. وأما ابن عباس فقد روى عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفر يمينه وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة، قال أبو

стр. 2249

محمد بن حزم وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين، وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك كفارة يمين واحدة، فإذا صح هذا عن الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول أثر عثمان بن حاضر في قول الحالف عبده حر إن فعل أنه يجزيه كفارة يمين، وإذا لم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى فلأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى، كيف وقد أفتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ الحالف بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف، قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي المعروف بابن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق " الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه " وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك هل يلزم أم لا؟ فقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وشريح وطاوس لا يلزم من ذلك شيء ولا يقضي بالطلاق على من حلف به بحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، هذا لفظه بعينه، فهذه فتوى أصحاب رسول الله ﷺ في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط، ولا تعارض بين ذلك فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق، وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه فهو كما لو خض أو منع نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منع نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر فإن كراهته لذلك كله، وإخراجه مخرج اليمين بما لا يريد وقوعه منع من ثبوت حكمه، وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا فرق ألبتة. والعلة متى تخصصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دل ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منع لزوم الحج والصدقة والصوم بل لزوم الإعتاق والتطليق، بل لزوم اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى، أما العبادات المالية والبدنية فإذا منع لزومها قصد اليمين، وعدم قصد وقوعها فالطلاق أولى، وكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء، وأما الحلف بالتزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصد اليمين قد منع ثلاثة أشياء وهي: وجوب التطليق، وفعله، وحصول أثره، وهو الطلاق، فلأن يقوى على منع واحد من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى، وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة، وبالقول تارة، وبالشك تارة ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه فلأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا كان العتق الذي هو أحب الأشياء إلى الله ويسري في ملك الغير وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره ويحصل بالملك والفعل، قد منع قصد اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول - المكلف (أيمان المسلمين تلزمني) عند من ألزمها بالطلاق فدخولها في قول رب العالمين ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) أولى وأحرى، وإذا دخلت في قول الحالف: إن حلفت يمينا فعبدي حر فدخولها في قول النبي ﷺ «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير (٢)» أولى وأحرى. وإذا دخل في قول النبي ﷺ «من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك (٣)» فدخولها في قوله: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه أولى

стр. 2250

وأحرى، (١)» فإن الحديث أصح وأصرح، وإذا دخلت في قوله: «من حلف على يمين فاجرة يتقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان (٢)» فدخولها في قوله تعالى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٣) أولى وأحرى بالدخول، أو مثله، وإذا أدخلت في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر﴾ (٤) فلو حلف بالطلاق كان موليا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى؛ لأن الإيلاء نوع من اليمين، فإذا دخل الحلف في الطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزم الجنس، ولا ينعكس، وإذا دخلت في قوله: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) فكيف لا يدخل في بقية نصوص الأيمان، وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص، وإذا دخلت في قوله: «إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق (٥)» فهلا دخلت في غيره من نصوص اليمين وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا، أو لغة؟ وإذا دخلت في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٦) فهلا دخلت في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٧). وإذا دخلت في قول الحالف " أيمان البيعة تلزمني " وهي الأيمان التي رتبها الحجاج، فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله فإن كانت يمين الطلاق يمينا شرعية بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تعطي حكم الأيمان، وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها شيئا كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه (ليس الحلف بالطلاق شيئا) وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود بن علي في تفسيره عنه أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء، وصح عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: - إن كلمت فلانا فأنت طالق - قال: لا تطلق إن كلمته؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلقت وان شاءت أمسكت وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يلزمني، أو لازم لي لا أفعل كذا وكذا فإن لهم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه وإلا فلا يلزمه وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية. الوجه الثاني: إنه صريح فلا يحتاج إلى نيته وهذا اختيار الروياني، ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.

стр. 2251

الوجه الثالث: إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به طلاق وإن نواه وهذا اختيار القفال في فتاويه، ووجهه أن الطلاق لا بد فيه من إضافته إلى المرأة كقوله: أنت طالق أو طلقتك، أو قد طلقتك أو يقول امرأتي طالق أو فلانة طالق ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني، ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته طلقي نفسك فقالت: أنت طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاقا، وقال عطاء: الله بوأها، وتبعه على ذلك الأئمة فإذا قال الطلاق يلزمني لم يكن لازما له إلا أن يضيفه إلى محله وإن لم يضفه فلا يقع، والموقعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه ومن ضرورة لزومه إضافته إلى المحل فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم، ولمن نصر قول القفال أن يقول إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليق أو وقوع الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه، لأنه نذر أن يطلق ولا تطلق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله: الطلاق يلزمني التزام لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق، وقوله: الطلاق يلزمني لا يصلح أن يكون سببا إذا لم يضف فيه الطلاق إلى محله بوجه، ونظير هذا أن يقول له بعني أو أجرني فيقول البيع يلزمني، أو الإجارة تلزمني فإنه لا يكون بذلك موجبا لعقد البيع أو الإجارة حتى يضيفهما إلى محلهما، وكذلك لو قال الظهار يلزمني لم يكن بذلك مظاهرا حتى يضيفه إلى محله، كما لو قال العتق يلزمني، ولم يضف فيه العتق إلى محله، وهذا بخلاف ما لو قال الصوم يلزمني أو الحج، أو الصدقة، فإن محله الذمة، وقد أضافه إليها، فإن قيل وهاهنا محل الطلاق والعتاق الذمة؟ قيل هذا غلط بل محل الطلاق والعتاق نفس الزوجة والعبد وإنما الذمة محل وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق وحينئذ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق وذلك لا يوجب الوقوع، والذي يوضح هذا أنه لو قال أنا منك طالق لم تطلق بذلك لإضافة الطلاق إلى غير محله، وقيل تطلق إذا نوى طلاقها هي بذلك، تنزيلا لهذا اللفظ منزلة الكنايات فهذا كشف سر هذه المسألة، وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم بن يونس في شرح التنبيه. انتهى المقصود. وقال ابن القيم (١) أيضا: قد عرف أن الحلف بالطلاق له صيغتان إحداهما إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق. والثانية الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديما وحديثا. ١٦ - قال السبكي ردا على استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية قال: الفصل الثالث في الجواب عن استدلاله بالآيتين المذكورتين على وجه التفصيل:

стр. 2252

أما الآية الأولى فهي قوله تعالى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) وساق الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) ثم قال - وإنما الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٣) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه، والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة قال الله تعالى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٤) وساق الآية إلى قوله تعالى ﴿حَلِيمٌ﴾ (٥) ثم قال - وللمفسرين في معنى قوله تعالى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (٦) قولان: أحدهما: أن المراد لا تجعلوا اليمين بالله تعالى عرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فتحلفوا لا تفعلوا فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البر والتقوى فنهاهم الله عن اليمين على ذلك ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع ليكون طريقا للحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح، ولهذا قال النبي ﷺ «إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير (٧)»). والقول الثاني أن المراد لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ (٨) معناها إرادة أن تبروا يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر، ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم ولا شك أن اليمين بالله تعالى مراده في الآيتين وهي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلا فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا فإذا قال " والله لا أفعل أو الله لأفعلن فقد أكد عقده بهذا الاسم المعظم. . ولهذا نهي عن الحلف بغير الله ، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها. ومن هاهنا قال أهل الظاهر لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله وصفاته ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك، وممن قال بهذا القول الشعبي والحكم والحارث العكلي، وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن نقله ابن عبد البر، وقال هو الصواب عندنا والحمد لله. وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمان غيرها لكن على سبيل الإلحاق بها لوجود علة وجوب الكفارة عندهم وعلى هذا الأصل جعل ابن تيمية الطلاق المعلق على شرط يمينا تلزم فيها الكفارة إذا قصد بالتعليق الحث على الفعل أو المنع منه. . الخ.، هذه أقوال المعتبرين من العلماء. . . . هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:

стр. 2253

أحدهما: أن يمين الطلاق لا كفارة فيها ولو قلنا هي يمين. والثاني: أن عموم الآية مخصوص فلا تجب الكفارة في كل ما يطلق عليه اسم اليمين لغة، وإذا كانت الكفارة لا تجب في كل ما يسمى يمينا في اللغة لم تبق الآية الكريمة مجراة على عمومها، وحينئذ فالآية إما محمولة على اليمين الشرعية، أو على اليمين اللغوية، والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند المحققين من العلماء فإذا كان للفظ معنى في اللغة ومعنى في الشرع إما يقاربه وإما يباينه ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع حملناه على معناه في الشرع فإن تعذر حملناه على معناه في اللغة والعرف، وهاهنا في الآية زيادة وهي أن الحمل فيها على الموضوع اللغوي يوجب تخصيص عمومها والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب ذلك، وما سلم من التخصيص أو كان أقل تخصيصا كان أولى فيتعين حمل الأيمان في الآية الكريمة على المعنى الشرعي، واليمين الشرعية هي ما شرع الحلف به، أو لم يكره ولم يحرم، وقد قال ﷺ «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله (١)» وكانت قريش تحلف بآبائها فقال «لا تحلفوا بآبائكم (٢)» وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون (٣)» فنهى النبي ﷺ عن كل يمين بغير الله وما نهى عنه لم يكن شرعيا، ولا فرق بين اليمين باسم الله أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا والكل شرعي ينعقد فقد كان النبي ﷺ يحلف فيقول «لا ومقلب القلوب (٤)» وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال «وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها (٥)» ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي ﷺ «قولوا ورب الكعبة (٦)» فكل أيمان شرعية؛ لأن المعنى في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على وجه لا يليق بغير الله ، فبأي اسم من أسماء الله أو صفاته حلف لم يكن معظما لغير الله تعالى فإذا كانت اليمين الشرعية هي اليمين بالله أو صفاته كانت الآية محمولة على ذلك فدلت الآية على أن كل يمين بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث؛ لأن اللفظ شرعي فيحمل على المعنى الشرعي وتكون الآية على عمومها في كل الأيمان الشرعية فلا تكون الآية دالة على إيجاب الكفارة في شيء من الأيمان سوى الأيمان الشرعية وهي الأيمان بالله وبأسمائه وصفاته ولا تدخل اليمين بالطلاق ولا غيرها في ذلك.

стр. 2254

ثم إن العلماء رأوا أن بعض الأيمان ملحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة فألحقوه بذلك لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لأجله، وعند هذا اختلف نظرهم فمنهم من يلحق أنواعا كثيرة ومنهم من يلحق أقل من ذلك على اختلاف نظرهم واجتهادهم ويوجد هذا الاختلاف بالصحابة والتابعين ومن بعدهم ومضى إلى أن قال: قد اجتمعت الأمة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في أيمان الكفارة فلا معدل عن الإجماع بدليل غيره هذا أيضا لم يقله أحد من المسلمين ثم إن هذه الأيمان التي ذكرناها هل تسمى أيمانا قال ابن عبد البر وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند أهل التحصيل والنظر وإنما هو طلاق بصفة أو عتق بصفة إذا أوقعه موقعا وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء كان على أصله وقول المتقدمين بين الأيمان بالطلاق والعتق إنما هو كلام خرج على الامتناع والمجاز والتقريب وأما الحقيقة فإنما هو طلاق على وصف وعتق على وصف ما ولا يمين في الحقيقة إلا بالله فقد تبين خروج يمين الطلاق من الآية الكريمة وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) فإن المستدل تعلق بها بناء على أن الكفارة وجبت في التحريم خاصة وأن الله سبحانه جعله يمينا وأجراه مجرى اليمين في الكفارة ونبه على دخوله في الآية المذكورة قبلها، وهذا ليس كذلك فإن هذه الواقعة قد قيل أنها في قصة مارية وقيل في قصة العسل، ومن العلماء من لم يذكر فيها يمينا بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم، وعلى هذا القول يخرج الجواب مما تقدم والنبي ﷺ توقف عن الكفارة حتى قال الله سبحانه ما قال فلو كان الحرام يسمى حقيقة لعلم دخوله في الآية الأولى فلما احتاج إلى إعلام الله إياه دل على أنه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي، وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الإطلاق فلا يدخل في الآية الكريمة إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي هذا على قول من يوجب الكفارة لكونه تحريما.

стр. 2255

وأما من لم يقل بذلك فيقول الكفارة ليمين بالله اقترنت بالتحريم وقد قال بعض من استدل بالآية على أن التحريم يمين (من قال بأن النبي ﷺ حلف مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحد) وقد روي البيهقي بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: «آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرم فجعل الحلال حراما وجعل في اليمين الكفارة (١)». وروي أبو داود مرسلا عن قتادة قال كان النبي ﷺ في بيت حفصة فدخلت فرأت معه فقالت في بيتي وفي يومي فقال «اسكتي فوالله لا أقربها وهي على حرام» وروي البيهقي مرسلا أيضا عن مسروق أنه قال «إن رسول الله ﷺ حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال " هي على حرام» فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله! (٢). وأما قصة العسل وهي أشهر في سبب نزول الآية فروى البيهقي أن عبيد بن عمير قال سمعت عائشة تخبر «أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له فقال بل شربت عسلا عند زينب ولن أعود له فنزلت إلى لعائشة وحفصة؛ لقوله: بل شربت عسلا (٦)» قال البيهقي رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن محمد ورواه مسلم عن محمد بن حاتم كلاهما عن حجاج قال البخاري وقال إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء في هذا الحديث «ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا (٧)» قال ابن عبد البر: وقد روي «عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى والله لا أشرب العسل بعدها، (٩)» فإذا كان النبي ﷺ قد حلف بالله فالكفارة لليمين بالله، وهذا معنى قول عائشة فجعل الحلال حراما وجعل في اليمين الكفارة فلم تكن الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى ولا يحتاج إلى الجواب عن الآية. انتهى المقصود.

стр. 2256

يتخلص المقصود مما تقدم في أمور: الأول: لاختلاف في ضابط ما يسمى حلفا بالطلاق، فقيل هو كل طلاق علق على شرط أيا كان هذا الشرط وقيل كل طلاق علق على شرط وقصد به الحث على الفعل أو المنع منه، أو قصد به تصديق خبر أو تكذيبه، مثل إذا دخلت الدار فأنت طالق، وإلا كان شرطا محضا، مثل إن طلعت الشمس فأنت طالق، والحلف بالطلاق على الأول أعم منه على الثاني، وذكر ابن تيمية أن الضابط الثاني أصح لغة وشرعا، وأما العرف فيختلف. الثاني: أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على شيء اعتبر تعليقه، ووقع الطلاق عند وجود المعلق عليه، ولو كان قاصدا الحث على فعل أو المنع منه أو تصديق خبر أو تكذيبه، ولا كفارة عليه في ذلك واستدل الإمام أحمد لذلك بما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ من اعتبار التعليق ووقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه، ورد ما زاده سليمان بن طرخان التيمي في روايته لقصة ليلى بنت العجماء من قوله: فيها (كل مملوك لها حر) لتفرده بهذه الزيادة، وعارضه بما رواه عبد الرزاق من طريق عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس ﵃، وعلى ذلك لا يتم لمن جعل الطلاق المعلق يمينا تلزم فيها الكفارة قياسه على ما جاء من الفتوى في قصة ليلى بنت العجماء في لزوم الكفارة دون وقوع الطلاق. ونوقش بأن سليمان لم ينفرد بالزيادة، وبأنه على تقدير فهو ثقة، وزيادة الثقة مقبولة ما لم تعارض رواية من هو أوثق منه معارضة لا يمكن معها الجمع، ونوقشت المعارضة بإمكان الجمع وعلى تقدير عدم إمكانه فرواية سليمان أرجح من رواية عثمان بن حاضر لما سبق من النقل عن ابن تيمية وابن القيم من مبررات الترجيح. الثالث - أن الرجل إذا علق طلاق أجنبية منه على زواجه بها كان تعليقه لغوا ولا تطلق بذلك إذا تزوجها إما لأنها أجنبية منه وقت التعليق كما علل به الشافعية، وإما لمقارنة وقوع الطلاق عقد الزواج كما علل به محمد بن الحسن من الحنفية. وروي عن الإمام أحمد إنه يصح تعليق طلاق الأجنبية على الزواج بها، لأنه يصح تعليقه على الإخطار فيصح تعليقه على الملك كالوصية، وهذه الرواية موافقة لمذهب المالكية والحنفية سوى محمد بن الحسن. هذا وجملة القول أنه لم يثبت نص صريح لا في كتاب ولا في السنة باعتبار الطلاق المعلق طلاقا عند الحنث وعدم اعتباره فكانت المسألة نظرية، للاجتهاد فيها مجال، من أجل هذا اختلف الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في حكمها، فمن قائل إن تعليق الطلاق على شرط لغو، لأنه حلف خالف ما جاءت به الأحاديث من النهي عن الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، ومن قائل: إنه معتبر ويقع به الطلاق عند حصول

стр. 2257

المعلق عليه؛ لقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) ولحديث «المسلمون عند شروطهم» وللآثار الواردة في اعتباره طلاقا بل ادعى أنه مجمع عليه وقد سبقت مناقشته ومن قائل إنه داخل في جنس الأيمان إن قصد به الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه دون إيقاع الطلاق فتلزم فيه الكفارة عند الحنث كما تلزم في سائر الأيمان واستندوا إلى القياس على ما ورد في قصة ليلى بنت العجماء، ورأوا أن الإلزام بالكفارة فيه جمع بين ما ورد عن السلف من الآثار المختلفة، فكان أولى من إلغائه أو اعتباره طلاقا، إلى آخر ما تقدم من الاستدلال ومناقشة كل فريق لمخالفه. هذا ما تيسر جمعه، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. . . . عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 2258

قرار رقم ١٦ وتاريخ ١٢/ ١١ / ١٣٩٣ هـ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،. وبعد: فبناء على قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم ١٤ الصادر عنها في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين ١/ ٤ / ١٣٩٣هـ و١٧/ ٤ / ١٣٩٣هـ القاضي ب تأجيل دراسة موضوع الطلاق المعلق إلى الدورة الرابعة لمجلس الهيئة. فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الرابعة المنعقدة فيما بين ٢٩/ ١٠ / ١٣٩٣هـ و١٢/ ١١ / ١٣٩٣هـ وفي هذه الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء. وبعد دراسة الموضوع وتداول الرأي واستعراض كلام أهل العلم في ذلك ومناقشة ما على كل قول من إيراد مع الأخذ في الاعتبار أنه لم يثبت نص صريح لا في كتاب ولا في سنة باعتبار الطلاق المعلق طلاقا عند الحنث وعدم اعتباره وأن المسألة نظرية للاجتهاد فيها مجال. بعد ذلك توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه سواء قصد من علق طلاقه على شرط الطلاق المحض أو كان قصده الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه وذلك لأمور أهمها ما يلي: - ١ - ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار في ذلك، ومنه ما أخرجه البخاري في صحيحه معلقا بصيغة الجزم من أن رجلا طلق امرأته البتة إن خرجت فقال ابن عمر إن خرجت فقد بانت منه وإن لم تخرج فليس بشيء. وما روى البيهقي بإسناده عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا فهي طالق فتفعله قال هي واحدة وهو أحق بها، وما رواه أيضا بإسناده إلى أبي الزناد عن أبيه أن الفقهاء السبعة من أهل المدينة كانوا يقولون: أيما رجل قال لامرأته أنت طالق إن خرجت إلى الليل فخرجت طلقت امرأته. إلى غير ذلك من الآثار، مما يقوى بعضها بعضا. ٢ - لما أجمع عليه أهل العلم - إلا من شذ - في إيقاع الطلاق من الهازل مع القطع بأنه لم يقصد الطلاق وذلك

стр. 2259

استنادا إلى حديث أبي هريرة وغيره مما تلقته الأمة بالقبول من أن «ثلاثا جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق (١)». فإن كلا من الهازل والحالف بالطلاق قد عمد قلبه إلى ذكر الطلاق وإن لم يقصده فلا وجه للتفريق بينهما بإيقاعه على الهازل به وعدم إيقاعه على الحالف به. ٣ - لقوله تعالى ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) ووجه الاستدلال بها أن الملاعن يقصد بهذا الشرط التصديق ومع ذلك فهو موجب اللعنة والغضب على تقدير الكذب. ٤ - إن هذا التعليق وإن قصد به المنع فالطلاق مقصود به على تقدير الوقوع ولذلك أقامه الزوج مانعا له من وقوع الفعل ولولا ذلك لما امتنع. ٥ - إن القول بوقوع الطلاق عند حصول الشرط المعلق عليه قول جماهير أهل العلم وأئمتهم فهو قول الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو المشهور في مذاهبهم قال تقي الدين السبكي في رسالته الدرة المضيئة: وقد نقل إجماع الأمة على ذلك أئمة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقف في صحة نقلهم فمن ذلك الإمام الشافعي ﵁ وناهيك به. وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكذلك نقله أبو ثور وهو من الأئمة أيضا وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطبري وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة، وكذلك نقل الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه التمهيد والاستذكار وبسط القول فيه على وجه لم يبق لقائل مقالا ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب المقدمات له، ونقله الإمام الباجي في المنتقى - إلى أن قال: وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر بين الأئمة والإمام أحمد أكثرهم نصا عليها فإنه نص على وقوع الطلاق، ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخلها الكفارة. اهـ. وقد أجاب من يرى خلاف ذلك عما ذكره السبكي ﵀ من الإجماع بأنه خاص فيما إذا- قصد وقوع الطلاق بوقوع الشرط. وفي القواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه:

стр. 2260

قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه " إن كلمتك فامرأتي طالق وعبدي حر ". قال " لا يقوم هذا مقام اليمين ويلزمه ذلك في الغضب والرضا ". اهـ. وقال أيضا: وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد. فقال المروزي: قال أبو عبد الله: إذا قال كل مملوك له حر فيعتق عليه إذا حنث؛ لأن الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة. اهـ. أما المشايخ عبد الله بن حميد وعبد العزيز بن باز وعبد الله خياط وعبد الرزاق عفيفي وإبراهيم بن محمد آل الشيخ ومحمد بن جبير وصالح بن لحيدان فقد اختاروا القول باعتبار الطلاق المعلق على شرط يقصد به الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه ولم يقصد إيقاع الطلاق يمينا مكفرة ولهم في ذلك وجهة نظر مرفقة، وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . . . هيئة كبار العلماء

стр. 2261

وجهة نظر الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: - فبناء على دراسة موضوع تعليق الطلاق من قبل مجلس هيئة كبار العلماء واختيار أكثرية الأعضاء وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه سواء قصد الزوج الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه أو قصد إيقاع الطلاق، وقد وجه مختارو هذا القول اختيارهم وذكروا مستندهم من كلام أهل العلم إذ لا نعلم وجود نص من كتاب ولا سنة في الموضوع ولذلك حصل الاختلاف في وقوع الطلاق من عدمه. ورأينا نحن الموقعين أدناه أن الطلاق المعلق إن قصد الزوج بتعليقه على شيء وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه اعتبر طلاقا كقوله: إن طلعت الشمس فأنت طالق. وإن قصد بتعليق الطلاق الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه لم يقع الطلاق عند حصول المعلق عليه إنما يكون يمينا تجب فيها الكفارة للأمور الآتية: - الأول: أنه لم يقصد الطلاق وإنما قصد الحث أو المنع مثلا وقد قال النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١)».

стр. 2262

الثاني: الطلاق المعلق لقصد المنع أو الحث يسمى يمينا في اللغة وفي عرف الفقهاء ولذا دخل في أيمان البيعة، وفي عموم اليمين في حديث الاستثناء في اليمين وفي عموم اليمين في حديث التحذير من اقتطاع مال امرئ مسلم بيمين فاجرة، وفي عموم الإيلاء، وفي عموم حديث «يمينك على ما يصدقك به صاحبك (١)» وفي عموم حديث «إياكم والحلف في البيع (٢)» كما ذكر ذلك العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين، وإذا كان يمينا دخل في عموم قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤) الآية فتجب فيها الكفارة. الثالث: قياس الطلاق المعلق لقصد الحث أو المنع على ما ورد في قصة ليلى بنت العجماء وهي ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن سليمان التيمي عن بكر بن المزني قال أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك قال فأتيت زينب بنت أم سلمة. إلخ - ثم ذكر أنه أتى حفصة وعبد الله بن عمر ﵃ وكلهم أفتاها بأن تكفر عن يمينها وتخلي بين الرجل وامرأته مع أن الهدي والصدقة والعتق أمور محبوبة لله تعالى يثيب فاعليها، ولم يأمرها أولئك بإنفاذ مقتضى حلفها بل اكتفوا منها بالكفارة فكيف يقال إن الطلاق الذي هو مكروه عند الله تعالى ولا يحبه من عباده يقع عند التعليق للحث والمنع إلخ. ولا يقع العتق والصدقة والهدي المحبوبة لله تعالى يكون ذلك يمينا مكفرة وقد اختار عدم وقوع الطلاق المعلق إذا أريد به الحث أو المنع مثلا جماعات من المحققين من السلف والخلف منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهما هما في العلم والمعرفة والبصيرة. الرابع: ما قيل عن تفرد سليمان التيمي بزيادة العتق في يمين ليلى بنت العجماء مردود برواية هذه الزيادة من طريقين غير طريق سليمان التيمي ولو فرضنا تفرد سليمان التيمي بهذه الزيادة لم يضره ذلك؛ لأن زيادة الثقة مقبولة كما هو معلوم في مصطلح أهل الأثر كيف وهو لم ينفرد بها ومع ذلك فهو أجل من روى أثر ليلى بنت العجماء عن بكر بن عبد الله وأفقههم، وما قيل من التعارض بين رواية عثمان بن حاضر للقصة دون هذه الزيادة وبين رواية سليمان التيمي التي فيها الزيادة فمردود بأن هذا لا يسمى تعارضا؛ لأن الزيادة التي ثبتت في رواية سليمان التيمي لا تتنافى مع أصل الأثر ولو فرض وجود التعارض فإن رواية سليمان أرجح من رواية عثمان وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم البحث في هذا المقام بحيث لم يبق معه لباحث مجال وقد ذكر بعضه في إعداد البحث.

стр. 2263

الخامس ما ورد من الآثار عن الصحابة من الفتوى بوقوع الطلاق المعلق عند حصول المعلق عليه فإنه إما غير صحيح نقلا وإما صحيح معارض بمثله وإما صحيح لكنه فيما قصد به إيقاع الطلاق لا الحث على الفعل أو المنع منه فهو في غير محل النزاع فلا يكون فيه حجة على ما نحن بصدده والصواب التفصيل كما ذكرنا وعلى هذا لا تصح دعوى الإجماع على وقوع الطلاق المعلق وبالله التوفيق. . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء ... عضو هيئة كبار العلماء عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن باز ... عبد الله بن حميد ... صالح بن لحيدان ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 2264

تحديد المهور . هيئة كبار العلماء.

стр. 2265

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد، فبناء على ما ورد من المقام السامي برقم ٤ / هـ ٢٤١٨٥ وتاريخ شوال ١٣٩٦هـ الموجه إلى سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من عرض موضوع تحديد المهور على هيئة كبار العلماء في الدورة القادمة فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مختصرا في ذلك مشتملا على العناصر الآتية: أولا: مهر زوجات الرسول ﷺ وبناته. ثانيا: ما عرف مهرها من سائر زوجات أصحابه ﵃. ثالثا: هل وجد في نصوص الشريعة حد للمهور؟ رابعا: قصة عمر مع من أنكرت عليه حديثه في تحديد المهور. خامسا: ما الفرق بين تحديد أسعار الأعيان والمنافع وتحديد المهور. سادسا: مبررات التحديد ومضار عدمه. سابعا: هل تحديد المهور علاج واقعي ناجح وإن لم يكن فما العلاج؟

стр. 2266

تحديد المهور أولا: مهر زوجات رسول الله ﷺ روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال «سألت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم (١)». «وقال عمر ﵁ ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (٢)» قال الترمذي حديث حسن صحيح، انتهى. وروى أبو داود والنسائي «عن أم حبيبة ﵂ أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله ﷺ

стр. 2267

مع شرحبيل بن حسنة (١)» وفي رواية «أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله ﷺ على صداق أربعة آلاف درهم وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ فقبل (٢)» وعند النسائي «أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة زوجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة ولم يبعث إليها رسول الله ﷺ بشيء وكان مهور نسائه أربعمائة درهم (٣)». وعن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ أعتق صفية " بنت حيي " وجعل عتقها صداقها (٤)» أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وهو طرف من حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 2268

ثانيا: من عرف مهرها من سائر زوجات أصحابه ﵃ . روى البخاري في صحيحه بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله جئت أهب لك نفسي قال: فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: وهل عندك من شيء؟ قال: لا، والله يا رسول الله فقال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئا فقال رسول الله ﷺ انظر ولو خاتما من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ولكن هذا إزاري قال سهل ما له رداء - فلها نصفه- فقال رسول الله ﷺ ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله ﷺ موليا فأمر به فدعي فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا - عددها -

стр. 2269

فقال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن (١)». هذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في الصحيح ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي في السنن وهذا لفظ البخاري. وفي رواية لأبي داود أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال نحو هذه القصة ولم يذكر الإزار والخاتم إلى أن قال: «وما تحفظ من القرآن؟ قال سورة البقرة والتي تليها قال: قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك (٢)». وفي سنده: أبو قرة البصري وهو ضعيف ولكن للحديث شواهد بمعناه فهو حسن. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل (٣)» وفي رواية قال «كنا على عهد رسول الله ﷺ نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة (٤)». وفي سنده موسى بن مسلم وهو ضعيف قال الحافظ ابن حجر في التلخيص وروي موقوفا وهو أقوى وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود في إسناده موسى بن مسلم وهو ضعيف وذكر أبو داود أن بعضهم رواه موقوفا وقال رواه أبو عاصم عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر ثم ذكر الرواية الأخرى قال أبو داود رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر على معنى أبي عاصم وهذا الذي رواه أبو داود معلقا قد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج عن أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ (٥)». وقال أبو بكر البيهقي وهذا وإن كان في نكاح المتعة، ونكاح المتعة قد صار منسوخا فإنما نسخ منه شرط الأجل فأما ما يجعلونه صداقا فإنه لم يرد فيه النسخ. وروى الترمذي عن عبد الله بن عامر عن أبيه «أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله ﷺ أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت نعم فأجازه (٦)» أخرجه الترمذي. وفي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو ضعيف، وقال الترمذي: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن حكى تصحيح الترمذي هذا: إنه خولف في ذلك. وروى النسائي في سننه، قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁، قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل

стр. 2270

أبي طلحة فخطبها فقالت إني قد أسلمت فإن أسلمت نكحتك فأسلم فكان صداق ما بينهما، وفي رواية أخبرنا محمد بن النضر بن مساور، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره، فأسلم وكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم، الإسلام، فدخل بها فولدت له. وروى أبو داود بسنده عن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ ، رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع زعفران. فقال النبي ﷺ " مهيم "؟ فقال يا رسول الله: تزوجت امرأة قال ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة، (١)» وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (٢). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار فأعني على مهرها فقال رسول الله ﷺ : هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئا قال: قد نظرت إليها قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق قال: (وعلى أربع أواق؟) كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال: فبعث بعثا إلى بني عبس فبعثه معهم (٣)». وروى أبو داود عن عقبة بن عامر ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال لرجل: أترضى أن أزوجك من فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني

стр. 2271

فلانة - يعني امرأته - ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر فأخذته فباعته بعد موته بمائة ألف، (١)» قال أبو داود: وزاد عمر بن الخطاب (وحديثه أتم) في أول الحديث، قال رسول الله: ﷺ «خير النكاح أيسره (٢)» وقال قال رسول الله ﷺ للرجل، ثم ساق معناه. قال أبو داود: يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقا؛ لأن الأمر على غير هذا.

стр. 2272

ثالثا: هل وجد في نصوص الشريعة حد للمهور ؟ لا نعلم دليلا من القرآن ولا من السنة يدل على تحديد المهور، فالأدلة التي جاءت في القرآن منها ما فيه التنبيه على جواز دفع المهر الكثير ومنها ما هو عام يشمل القليل والكثير، والأدلة التي جاءت من السنة الدالة على تفسير هذا العموم بجوازه بالقليل والكثير، ونحن نذكر فيما يلي نقولا عن أهل العلم بعدم التحديد ثم نتبعها بالأدلة من القرآن ثم الأدلة من السنة. أما النقول عن أهل العلم فمن ذلك: قال القرطبي: " وقد أجمع العلماء على أن لا تحديد في أكثر الصداق " (١). قال ابن قدامة: وأما أكثر الصداق فلا توقيت فيه بإجماع أهل العلم قاله ابن عبد البر (٢) انتهى. وأما الدليل من القرآن المنبه على جواز كثرة المهر فهو قوله تعالى ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣) الآية. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: فيها دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح (٤) انتهى.

стр. 2273

وقال ابن كثير: في الآية دليل على جواز الإصداق بالمال الكثير (١) انتهى. وأما ما جاء من القرآن عاما يشمل القليل والكثير فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٣) فإن لفظ الأموال ولفظ الأجور عام يشمل القليل والكثير. وأما الأدلة التي جاءت من السنة دالة على وقائع مختلفة حصل فيها تفاوت كبير في المهور كمهر زوجات الرسول ﷺ وبناته ﵅، وما عرف من مهور زوجات أصحابه ﵃ كالتزويج على ما مع المتزوج من القرآن، والتزويج على النعلين، وعلى وزن نواة من ذهب، وعلى أربع أواق فقد سبق ذكر ذلك في الأمر الأول والثاني.

стр. 2274

رابعا: قصة عمر مع من أنكرت عليه حديثه في تقليل المهور روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي العجفاء السلمي قال: «خطبنا عمر يوما فقال: " ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ؛ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية (١)» هذه رواية أبي داود. وفي رواية الترمذي بعد قوله: " كان أولاكم بها نبي الله ﷺ «ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (٢)».

стр. 2275

وأخرج النسائي الأولى وزاد عليها: وإن الرجل ليغلي بصدقة المرأة حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة - وكنت غلاما عربيا مولدا فلم أدر ما علق القربة " انتهى المقصود. وقال القرطبي في تفسيره: «وخطب عمر فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت يا عمر: يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله يقول: قال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان (٢)». وترك الإنكار أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي، قال: خطب عمر الناس فذكره إلى قوله: اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر فقامت امرأة إلى آخره، وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء وزاد بعد قوله: أوقية وإن الرجل ليغلي صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه ويقول وقد كلفت إليك علق القربة أو عرق القربة وكنت رجلا عربيا مولدا ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة (٣). وقال ابن كثير في تفسيره: وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت «عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت إليك علق القربة، (٤)» ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء واسمه هرم بن سيب البصري وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. طريق أخرى عن عمر قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلأعرفن ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن، قال: وأي ذلك قالت أما سمعت الله يقول ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٥) الآية، قال: فقال: اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر، فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل، إسناده

стр. 2276

جيد قوي، طريق أخرى، قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن قيس بن ربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول " وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب " - قال وكذلك هي من قراءة عبد الله بن مسعود - فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. (طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة. يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال ولم؟ قالت إن الله قال ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) الآية فقال عمر امرأة أصابت وأخطأ عمر (٢).

стр. 2277

خامسا: ما الفرق بين تحديد أسعار الأعيان والمنافع وتحديد المهور ؟ تحديد الأسعار بالنسبة للأعيان والمنافع محل خلاف بين أهل العلم وقد سبق أن أعد في ذلك بحث ووزع على أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء المجلس في الدورة الثامنة وبإمكانهم الرجوع إليه ولكن الفرق بين تحديد الأسعار في الأعيان والمنافع عند من يقول به وتحديد المهور يمكن أن يقال بأن تحديد أسعار الأعيان والمنافع يمكن ضبطه أما تحديد المهور فلا يمكن ضبطه؛ لأن العادات في إظهار الاهتمام مختلفة والرغبات لها مراتب متفاوتة وظروف الناس وأمكنتهم وقدراتهم تختلف فيعطي كل بحسب حاله ومع ذلك فقد ورد التنبيه في السنة إلى اليسر في ذلك وعدم التغالي فيه ومنه حديث «إن من خير النساء أيسرهن صداقا» رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس وحديث «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير إصداقها (١)» رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث عائشة. ويمكن أن يقال: إن الفرق بينهما أن المعاوضة في السلع والمنافع يغلب عليها المغالبة أما بذل المال في النكاح فيغلب عليه قصد التكرم دون المغالبة. ويمكن أن يقال أيضا هناك فرق آخر وهو أن المقصود في المعاملات المالية سواء أكانت أعيانا أو منافع هو المال، أما في النكاح فالمقصود ذات المرأة والاستمتاع بها وذات الزوج لا المال.

стр. 2278

سادسا: مبررات التحديد ومضار عدمه أ- مبررات التحديد: قد يقال إن للتحديد مبررات كثيرة منها: ١ - تيسير الزواج. ٢ - بقاء النسل وتكثيره بطريق شرعي. ٣ - خلو المجتمع من العناصر الفاسدة ومن الفساد. ٤ - عمار الأرض بآلات صالحة. ٥ - حفظ كيان الأسرة والعمران بنسل شرعي. ٦ - تحصين الفروج وغض البصر. ٧ - استفراغ الشهوة واستنزاف مواد المضرة وإصلاح الجسد بالطريق الشرعي. ب- مضار عدمه: قد يقال إن لعدم التحديد مضارا كثيرة منها: ١ - قلة الزواج؛ لأن الغلو في المهور يكلف الرجال ما لا طاقة لهم به. ٢ - قلة الزواج تؤدي إلى انتشار الفساد بين الرجال والنساء وبين الرجال أنفسهم وبين النساء أنفسهن فتكثر الفواحش بسبب ذلك. ٣ - وجود شيء من هذه المفاسد في شخص ما تجعله عضوا أشل لا ينتفع به في مجال البناء السليم دينيا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا وصناعيا وغير ذلك من الأمور التي تنفع دنيا وأخرى. ٤ - المجتمع الذي تنتشر به هذه المفاسد يكون مجتمعا غير مترابط. ٥ - يضاف إلى ما سبق أن الشخص إذا تعذر عليه الزواج من بلده نتيجة غلاء المهر اضطر إلى أن يتزوج من الخارج والزواج بالأجنبية في هذا الوقت له آثاره السيئة على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. ٦ - قد يؤدي عدم التحديد إلى أن المرأة هي التي تخطب الرجل مستقبلا وتدفع له المهر كما هي عادة غير المسلمين. ٧ - من النتائج السيئة لعدم التحديد أن الآباء قد يمنعون الأكفاء لأنهم لا يستطيعون دفع مهر كثير ويزوجون غير الأكفاء لأنهم يدفعون ما يرضي الآباء من المهر. إذا علم ما سبق من المصالح المترتبة على التحديد والمفاسد الناشئة عن عدم التحديد فإن من القواعد المقررة في الشريعة أن المصالح إذا تعارضت قدم أرجحها، وأن المفاسد إذا لم يمكن تركها كلها وجب ترك أعظمها ضررا ولو بارتكاب أقلها ضررا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الراجح منها، وإذا تساوت في نظر المجتهد فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 2279

سابعا: هل تحديد المهور علاج واقعي ناجح، وإن لم يكن فما العلاج قد يقال إن تحديد المهور ليس بعلاج عملي ناجح في دفع مغالاة الناس فيها لأمور: أحدها: أن الناس جبلوا على التقليد فينظر الضعيف منهم للقوي والفقير للغني فإذا وجدوا الوجهاء والأغنياء غلوا في مهور بناتهم أو من يتزوجونهن مجاملة أو إكراما أو فخرا قلدوهم في ذلك. الثاني: أن النقود اليوم قد هبطت قيمتها نتيجة لعدة عوامل فالشيء الذي يساوي مائة ريال سابقا- مثلا- يساوي اليوم عشرين ألفا تقريبا فإذا قيست على المهور سابقا فقد لا تعتبر مغال فيها وربما تعلل أولياء البنات بهذا وادعوا أن ما تعطاه البنت من المهر لا يقوم بما تحتاجه لتستعد بما يلزم لزواجها من الأثاث والملابس وغيرها. الثالث: الإبقاء على النكاح والتخلص منه بيد الزوج فإذا حددت المهور بمبلغ فربما يسهل على الزوج أمر الطلاق ويكثر منه وهذا مما لا يتفق مع مقاصد الشريعة في النكاح من الاستقرار وطمأنينة النفس وبناء الأسرة. وقد يقال إن العلاج ممكن بدون تحديد وذلك بما يأتي: أ- توعية الناس بطرق الإعلام والخطابة في الجوامع والمجامع المناسبة ويركز على تحذير الأولياء من العضل ويرغب الناس في الاصطلاح بينهم على مهر معين وذلك بأن يتفق أهل كل بلد أو كل قبيلة على مقدار معين. ب- منع الناس من الإسراف في مراسم الزواج. ج- التطبيق العملي من الطبقة الواعية من الناس بأن يزوجوا مولياتهم من الأكفاء ويقتنعوا بما تيسر. هذا ما تيسر ذكره. وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2280

قرار رقم ٥٢ وتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ه ـ الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء قد اطلع في دورته العاشرة المعقودة في مدينة الرياض فيما بين يوم ٢١/ ٣ / ١٣٩٧هـ و / ٤/ ١٣٩٧هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة من هيئة كبار العلماء في موضوع تحديد مهور النساء بناء على ما قضى به أمر سمو نائب رئيس مجلس الوزراء من عرض هذا الموضوع على هيئة كبار العلماء لإفادة سموه بما يتقرر وجرى استعراض بعض ما رفع للجهات المسئولة عن تمادي الناس في المغالاة في المهور والتسابق في إظهار البذخ والإسراف في حفلات الزواج ويتجاوز الحد في الولائم وما يصحبها من إضاءات عظيمة خارجة عن حد الاعتدال ولهو وغناء بآلات طرب محرمة بأصوات عالية قد تستمر طول الليل حتى تعلو في بعض الأحيان على أصوات المؤذنين في صلاة الصبح وما سبق ذلك من ولائم الخطوبة وولائم عقد القران كما استعرض بعض ما ورد في الحث على تخفيف المهور والاعتدال في النفقات والبعد عن الإسراف والتبذير فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢) - وقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال «سألت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم (٣)». وقال عمر ﵁: «ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (٤)» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ زوج امرأة رجلا بما معه من القرآن». وروى الترمذي وصححه «أن عمر ﵁ قال لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت لك علق القربة (٥)» والأحاديث والآثار في الحض على الاعتدال في النفقات والنهي عن تجاوز الحاجة كثيرة معلومة وبناء على ذلك ولما يسببه هذا التمادي في المغالاة في المهور والمسابقة في التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة وتعدادها قبل الزواج وبعده وما صاحب ذلك من أمور محرمة تدعو إلى تفسخ الأخلاق من غناء واختلاط الرجال بالنساء في بعض الأحيان ومباشرة الرجال لخدمة النساء في الفنادق إذا أقيمت الحفلات
следующие страницы →